العلامة الفقيه الرباني الراجح أبو الحسين أحمد بن موسى الطبري - رحمه الله تعالى - حافظ السنن الماضي على أقوم سنن، شيخ الإسلام - رضي الله عنه - كان له من العناية بإحياء الملَّة بعد موت ابني الهادي إلى الحق - عليهم السلام - أضعاف ما كان في حياتهم، وكان أحمد بن موسى من الطبريين القادمين إلى اليمن، فقتل في سبيل الله منهم من قتل، ورجع منهم إلى طبرستان من رجع بعد سقوط فرض الجهاد لفقد سادات الأمَّة في ذلك العصر من الأئمة - عليهم السلام - وكان أحمد بن موسى أراد الرجوع إلى طبرستان مع من رجع، فرأى في نومه الهادي إلى الحق قد وقف عليه وقال: يا أبا الحسين، تخرج وتترك التعليم لأصول دين الله في اليمن، اتق الله ودع عنك هذا، فكرَّ راجعاً إلى صنعاء، وجاور ابن الضحاك فقال له : ادع إلى مذهبك، وأظهر حبَّ أهل بيت نبيئك صلى الله عليه وعليهم، وتكلَّم بما تريد ولا تخف من هذه العامّة فدخل جامع صنعاء، وتكلم، ودعا إلى مذهب الهادي إلى الحق فاستجيب له، ولم يلبث أن صار له حزب وشيعة، فصلى بهم في المسجد
*****************************
من ملح أخباره - رضي الله عنه - أنه كان له جار من اليهود بصنعاء، وكان داره - رحمه الله - بقرب من مسجده بالسَّائلة عند سمرة غربي صنعاء، وكان سطح الدار لذلك اليهودي، وكان لأبي الحسين منزل تحت ذلك السطح، وكان فيه خرق يتغوّط فيه اليهودي، ويبول هو وأولاده، فأضرَّ ذلك بأبي الحسين، وعسر عليه التحول في ذلك الحال، فأمر من فعل له في ذلك الخرق كهيئة القصب وجعل بعضها فوق بعض إلى ذلك الفتح المفتوح، ثم أمر بها فجصصت وأحكمت، فكان يقع ما يتغوطونه في ذلك القصب، فاتفق أن أبا الحسين - رحمه الله - مرض فدخل جيرانه وأصحابه يعودونه، وكان اليهودي المذكور ممن دخل ، فرأوا ذلك القصب فأنكروه، فسألوه عن ذلك، فقال: ما هو إلاَّ خير، كان هناك خرق فربَّما مر به صبي فيكون فيه شيء، فلمَّا سمع ذلك اليهودي فكر في نفسه وقال: ما هذا الاصطبار إلا عن دين صحيح، وما هذه إلا أخلاق الأنبياء، فأسلم، وحسن إسلامه - رحمه الله -.
وهذه القصَّة قد اتفق نظيرها لمحمد بن منصور المرادي صاحب القاسم - عليه السلام - مع جارٍ مجوسي بالكوفة على هذه الصفة وأسلم المجوسي .وقد اتفق مثله لأبي حنيفة - رحمه الله - وما ذاك إلا أن المعلم والأستاذ واحد، وهو المبعوث لتمام مكارم الأخلاق - صلوات الله عليه وعلى آله -.
وكان هذا الشيخ الطبري - رضي الله عنه - بمقام الوراثة النبوية حقاً، فإن أخلاقه ودعاءه إلى الله من العجائب على صنوف شتى، وسنذكر من ذلك طرفاً، فمن ذلك ما حكي أن رجلا تاب على يده - رحمه الله - وكان عامياً جاهلاً، فمكث أبو الحسين يداريه، ويرفق به لئلا يظهر له من أمر الدين شيء يشق عليه، فيرجع على عقبيه، ويعصي ربه، فاتفق أنه أصاب الناس مجاعة عمت الناس، وكان المذكور من أهل النعم والثروة، فرزق الله أهل جهته ثمرة صالحة وزراعة ثقيلة راجت بها حالهم والناس في الشدة، فأتى هذا الرجل أبا الحسين وقد رأى غلاء الطعام وقد غلبه شح النفس وثقل عليه إخراج زكاة البر من البر، فقال: يا أبا الحسين هل تكون زكاة البر من الشعير؟ ففطن أبو الحسين فقال: نعم، فأخرج مكان مكيال من البر مكيالاً من الشعير ودفعه إلى المساكين، فحيي به بشر كثير من ضعفاء المسلمين ذلك الوقت، فأنكر أصحاب الحسين ذلك عليه، وأتوه في ذلك فقال: يا قوم، هذا شيء قلته عن رأي لا عن شرع، غلب على ظني أني لو قلت لا يجزي على البر إلا البر ثقل عليه، فأخل به وبخل، وإذا بخل قالت له نفسه قد عصيت الله في واحدة ومن عصاه في واحدة كمن عصاه في أكثر، فيترك الصلاة ويرتكب المعاصي، وإذا ثبت على الديانة فسيتعلم - إن شاء الله - ويخلص نفسه، ونظرت إلى المساكين، فعلمت أن الشعير أنفع لهم من العدم، فكان الأمر كما قال أبو الحسين صلح ذلك الرجل، واستدرك أمره، وعوّض الزكاة براً، ورسخ في قلبه حب الله، وصلحت حاله.
***********************
وحكي عنه - رضي الله عنه - أنه كان له جار بصنعاء يشرب الخمر ويؤوي شُرَّابها، وكان يخفى على أبي الحسين أمره في أوائله، ثم إنه بلغ أبا الحسين أنه قد جمع جماعة من الفسقة لشرب الخمر، فذهب أبو الحسين يستكشف الحال وليؤدي ما يجب لله، فقضى نظره بأخذ كبش وقصد ذلك الجار إلى بيته، فقرع الباب، فخرج إليه الجار وهو لا يظنه جاء إلا يريد الإزالة، فقابله أبو الحسين بالمعروف من خُلقِه، وقال: بلغني أن عندك ضيفاً والجار مسؤول عن جاره، فهذا كبش استعن به، فاستحيا الرجل، وخرج، فلما أصبح نحا ما في منزله، وغسل ثيابه، واستغفر، وأناب. ( منقول بتصرف من كتاب مطلع البدور )