كان كل شيء ينذر بالخطر .. فثورة محمد بالمدينة وخروج إبراهيم بالبصرة كان قد أحال حياة أبي جعفر إلى جحيم .. نسي معه كل شيء من متاع الدنيا .. وصار المار على قصر الخليفة يتساءل: عجباً أصارت قصور هاشمية أبي العباس وأبي جعفر مهجورة .. مابال المار بها لا يسمع صوت الغانيات ولا يرى لمجلس الشراب أثراً؟!!
أين ذهب الخليفة الجبار؟! فكم ملأت جنبات القصر ضحكاته الساخرة ..
شخص واحد كان يكثر الدخول والخروج من وإلى مجلس الخليفة .. إنه الوزير ابن الربيع .. وخرج ابن الربيع ولم تمض مدة من الزمن .. إلا وهو يقبل ومعه أعرابي من إعراب البادية .. قد أقبل به حتى أوقفه بين يدي الخلفية.
الإعرابي: من هذا؟
ابن الربيع: هذا أمير المؤمنين يا أحمق.
لم يستطع الإعرابي معرفة أبي جعفر .. فهو لم يره يوماً إلا وهو في أزهى ملابسه .. مشرق الوجه بادي السرور .. أما اليوم فقد امتلأ وجهه بشعر لحيته وشاربه .. وأسود لونه وغارت عيناه ..
لقد هجر النوم منذ أيام ولم يجد شهية للأكل .. ولا رغبة للزينة ..
كان يظن أن أمر الله قد أقبل وحان وقت الرحيل ..
ابن الربيع: يا أعرابي ادخل على أمير المؤمنين بما أقبلت به من أخبار محمد بن عبد الله بالمدينة ..
رفع أبو جعفر نظره إلى الإعرابي في تثاقل ..
الإعرابي: هرب محمد بن عبد الله.
أبو جعفر: كذبت نحن أهل بيت لا نفر.
وأُخرج الأعرابي من مجلس أبي جعفر ..
وعاد أبو جعفر إلى مصلاه .. وكأنه أحد النساك الذين طلقوا الدنيا وزهدوا فيها..
وأقبل يحدث نفسه وهو لا يكاد يشعر بمن حوله .. فقد انتابته حالة من الهذيان .. جعلته يضرب بقضيب من حديد كان في يده علىمصلاه ..
ودخل عليه أحد أعوانه .. وهو متكئ على أريكته وقال له:
- لقد أتت الأخبار بهزيمة عيسى ..
أبو جعفر- وقد جلس بعد اتكائه: كلا .. فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء؟ أما إن ذلك لبعيد.
وهناك في المدينة أمر الإمام محمد بن عبد الله (ع) المؤذن أن يؤذن لصلاة العصر، وتوجه يصلي بالناس .. صلاة مودع .. لا يدري من يمينه ولا من شماله .. وجنود حميد بن قحطبة توشك أن تفني أولئك الذين ثبتوا حوله ..
ولما فرغ من صلاته قال لأصحابه:
- هل من شربة ماء ..
فاقبلت عليه امرأة كانت تعالج الحرجى فسألها الإمام: ممن المرأة؟
المرأة: ربيحة بنت أبي شاكر جعلت فداك .. انج بنفسك.
الإمام: إذاً لا يبقون في المدينة ديك يصرخ.
وركب الإمام فرسه وأقبل على أصحابه يودعهم ثم قال لهم: جزاكم الله عني خير الجزاء .. قد بايعتموني ولست بارحاً حتى أقتل .. فمن أحب أن ينصرف فقد أذنت له.
فأقبل ابن خضير على الإمام وقال:
- أتأذن لي يا مولاي حتى أدخل المدينة لبعض حاجتى.
الإمام: افعل ما شئت يا عبد الله.
وأسرع عبد الله بن خضير إلى المدينة فتوجه إلى السجن الذي ينزل فيه رياح.. فدخل عليه فقطع رأسه..
وأقبل يريد سجن محمد بن خالد القسري.. فصاح أهل السجن بمحمد: احذر فإن ابن خضير إن أدركك قتلك.
فاجتمع هو ومن معه فسدوا باب السجن ..
فأقبل عليه عبد الله بن خضير يريد فتحه فأعياه ذلك .. وكان على عجل وأراد حرق الديوان .. فوجد الإمام قد أوصى بحرقه .. فأحرق ما بقي منه من أسماء المبايعين ..
ثم عاد فرأى الإمام قد عرقب فرسه ومعه أعوان من بني شجاع ..
جعل ابن خضير ينظر إلى أهل خراسان وأهل الشام والعراق وقد نكوا بأصحاب الإمام نكاية شديدة وبلغوا بهم كل مبلغ .. فخشي أن يصاب الإمام بأذى ..
ابن خضير: اناشدك بالله .. امض إلى البصرة أو غيرها.
الإمام: لا والله لا تبتلون بي مرتين .. ولكن اذهب أنت حيث شئت يا عبد الله.. فأنت في حل من بيعتي.
ابن خضير: وأين المذهب منك .. لا والله لا أفارقك أو أقتل دونك.
وأقبل ابن خضير يخوض غمار الموت لا يبالي .. وجعل يدفع عن الإمام بكل ما أوتي من قوة..
وزحف الإمام بأصحابه وتراجع جيش عيسى رغم كثرته .. ومال الإمام على رجل من أصحابه يسمى عبد الله بن عامر وقال له:
- تغشانا سحابة فإن أمطرتنا ظفرنا .. وإن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمي على أحجار الزيت.
***
التفت بعض أصحاب الإمام فرأوا راية بني العباس السوداء قد رفعت على مئذنة مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. فارتفع الصوت في معسكر الإمام: إن القوم من خلفكم .. فتراجع الناس مخافة وقوع السيوف على أدبارهم ..
فعطف عليهم حميد بن قحطبة من أمامهم فقتل وجوههم وأنكى أبطالهم ..
كان الأمر مجرد حيلة .. فقد خرجت امرأة من بني العباس كانت تسمى أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبد الله بن العباس .. حتى أتت مئذنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فرفعت فوقها قماشاً أسود ..
وتقدم ابن خضير راجلاً يحمل سيفه في رقاب رجال ابن قحطبة قد تهيب الناس مبارزته .. كلما حمل على فئة ولّت مدبرة..
وجعل حميد ينادي بالأمان لابن خضير .. لكن ابن خضير ما كان ليلتفت إلى شيء ..
قفد باع نفسه لله وللقتال بين يدي أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..
فجعل ينشد:
لا تسقه حرزا ولا حليباً ... أن لم تجد سابحاً يعبوبا
ذا ميعة يلتهم الحبوبا ... كالذئب يتلو طمعا قريبا
يبادر الآثار أن تؤوبا ... وحاجب الجوبة أن تغيبا
***
وتقدم الإمام ليقاتل القوم بنفسه ..
فاقترب هشام بن عمارة بن الوليد بن عدي بن الخيار من الإمام وقال له:
- إني لا آمن أن يخذلك من ترى .. فاجعلني إلى جوارك .. فأشهد الله أن غلامي هذا حر لوجه الله إن رميت أبداً أو نقتل أو أقتل أو تغلب.
وجعل هشام يقاتل بين يدي الإمام ..
الإمام: هشام .. هشام ..
وما إن التفت هشام إلى الإمام حتى رأى نشابة قد وقعت في ترسه .. ففلقته اثنين .. ثم خسفت درعه ..
الإمام: ويلك ما رأيت هذا قط يا هشام .. أيهما أحب إليك نفسي أم نفسك.
هشام: بل نفسك.
الإمام: فأنت حر فانطلق.
ونظر الإمام فرأى ابن خضير قد أحاطه القوم ووضعوا فيه سيوفهم .. فأسرع لإستنقاذه .. فلم يبلغه حتى كان القوم قد احتزوا رأسه .. فجعل الإمام يقاتل عن جثة ابن حضير حتى جثا عليها وحملها إلى أصحابه ..
وجعل الإمام يقاتل القوم .. ولكن أنصاره كانوا قد رحلوا إلى الدار الآخرة .. وسبقوه إلى جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليبثوا إليه شكواهم ..
ولم يكن يلتفت يميناً ولا شمالاً و أمامه ولا خلفه .. إلا ورأى من جنده وأنصاره جريحاً أو قتيلاً مضرجاً بدمه ..
فأقبل يقاتل القوم بكل ما أوتي من قوة..
***
مرت السحابة وأوشكت أن تضع حملها وتنزل المطر على جيش الإمام .. واستبشر عبد الله بن عامر خيراً.. ولكن لم يطل استبشاره .. فما هي إلا لحظات حتى انقشعت عنهم تلك السحابة دون أن تمطر ..
وقدم سهم من بين أوساط جيش قحطبة .. فاستقر دون شحمة أذنه اليمنى وأدرك أنه الموت والشهادة ..
وفي تلك اللحظات التفت الإمام إلى رجل من تجار المدينة كان واقفاً إلى جواره .. وكان له عند الإمام دين فلم يجد في يده إلا سيفه ذو الفقار الذي يقاتل به فدفعه إلى ذلك التاجر وقال له:
- خذ هذا السيف .. فإنك لا تلقى أحداً من آل أبي طالب إلا أخذه وأعطاك حقك.
ثم تنحى جانباً وأسند ظهره إلى جدار..
ثم برك على ركبتيه .. وجعل يذب الناس عن نفسه بسيف آخر كان قد أخذه .. وهو يقول:
ويحكم أنا ابن بنت نبيكم .. محرج مظلوم ..
فلم يلتفت أحد إلى مقاله ..
وجعلوا يندفعون نحوه كل يريد أن يظفر به .. وينال رضا الأمير وسخط الرحمن ..
كانت الدماء تسيل.
والمشهد أليم .. أليم ..
فدماء أبناء الأنبياء تسفك .. ودماء أبناء الأدعباء محترمة معصومة!!
***
جعلت الشمس تبحث عن غيمة تتوارى خلفها كي لا تذوب حزناً وكمداً فيذهب ضوؤها .. وجعلت السماء ترسل المزن لكي تنزل قطرها لتعبر عن حزنها.. واستمر الأسد الفريد .. يدافع الأقران باركاً على ركبتيه ..
وازدادت الدماء تدفقاً ..
واكتسى المكان بحمرة الدماء .. وأظلمت الأرض بتكاثف الغيوم في السماء ..
وكأنها أتت لتشهد آخر مراحل الجريمة .. لتكون شاهداً لا يرغمه السلطان الجائر على تغيير أقواله ..
وأيقن الجميع أن الإمام لن ينتصب على قدميه مرة أخرى .. إلا في ساحة المحشر .. ليقدم شكواه إلى الله .. ولكن الأسد الضرغام فاجأ الجميع .. لقد غرس سيفه بين يديه .. بحركة سريعة واستعان به كي ينتصب واقفاً..
ولكن كان هناك من يتوجه نحو الإمام وتفرق له الصفوف .. وحُق له أن يدوس كل من يعترض طريقه بحوافر خيله..
كان ذلك الفارس يفك الحلقة التي كونها الجنود حول الإمام الجريح الغارق في دمائه الذي أفرده الزمان .. وخذله الأنصار.
كان الإمام يتوكأ على سيفه يجاهد نفسه كي ينتصب .. وفجأة تحطم السيف تحت يديه .. فلم يتحمل السيف جسد الإمام وقلبه المثقل بالهموم ..
فبرك مرة أخرى على ركبتيه.. ولم يمنع ذلك الفارس إباء الفرسان .. ولا كون الخصم أعزل السلاح أن يهوي بسيفه على تلك الرقبة الطاهرة ..
كان الفارس هو قائد الجيش حميد بن قحطبة .. الذي دعاه الإمام للمبارزة يوم كان الناس للناس أكفاء .. فلم يستجب ولم تظهر بطولته إلا عندما صار الإمام صريعاً مضرجاً .. فريداً مجرداً من الأنصار .. جالساً لا يقوى على القيام .. مجرداً أعزلاً ليس معه سلاح ..
فقبح الله أيدي وضمائر الجبناء ..
كيف صارت لا تحمل ولا مجرد بصيص من نور الحرية والإيمان ..
وتقدم نحو الإمام ففصل الرأس عن الجسد .. فلم تطق الروح الطاهرة البقاء .. وسارعت في العروج إلى السماء .. وصارت المدينة من غير حام يحميها ..
(3)
اجتاح ذلك الجيش الخليط الناقم على كل شيء المدينة من كل جوانبها ..
واقتحمت الديار .. واستبيحت الأموال ..
وتسابق الفرسان إلى جمع رؤوس العزل من السلاح..
وأسرع جزارو البشر ينصبون الأعمدة في مشهد وحشي فريد .. وكأن الجميع يعد لإقامة حفل الانتصار على الاشلاء والدماء ..
وبدأت فرقة العزف تعزف مقطوعتها الموسيقية الفريدة ..
أنين ينبعث من أزقة وشوارع المدينة .. وعويل من بيوتها ..
وعربيد يمشي بين الجثث المتناثرة يبحث عن رقبة سليمة يعزف بسيفه عليها وكأنما هي وتر ..
فالرؤوس ثمينة وغنيمة .. فمن أتى السلطان برأس أعطاه الكثير من المال..
ولم يجد ذلك العربيد رأساً .. لقد جردت كل الجثث من الرؤوس .. وبدأ الجزار يعلقها على الأعمدة ليباشر سلخها ..
ولكن نشوة النصر وسكره كانت تحتاج إلى معزوفة حتى ولو كانت على رؤوس الأحياء ورقابها ..
فقد خرج عربيد من ألف عربيد من أوساط الجثث .. وتوجه نحو الأحياء .. بدأوا يطوقون الأبواب .. فأوصدت ولم تفتح .. ورأى باب دار ضعيف .. فأمل أن يجد خلفه مراده ..
فكسر الباب فلم تقع عيناه خلف الباب إلا على شيخ أعمى .. قد ابيض شعره واحدودب ظهره .. وأثر السجود في جبينه.. وأشرق النور من وجهه .. حوله فتاة تعنى بأمره .. وتقوده إلى مراده ..
أب وابنته قد أغلقوا على أنفسهم باب دارهم وكفوا أذاهم عن جيرانهم ..
ذعرت الفتاة .. وهب الرجل ينفض عنه وطأة الأعوام الطويلة.. ويتجاوز عمى البصر ليستضيء بنور البصيرة .. هب ليتلمس بيده جداراً اعتاد أيام الصحة أن يعلق عليه سيفه ..
وسل أعمى البصر نيّر البصيرة سيفه ليدافع عن عرضه ونفسه ..
ودارت معركة عير متكافئة بين الشيخ العاجز الهرم .. وبين رجال غلاظ شداد يرونه من حيث لا يراهم ..
وطاشت ضربات الشيخ الطاعن في السن ..
وأخفقت تلك المحاولة ..
وتقدم العلج السفيه ليعزف أنشودة الموت .. على رقبة الشيخ الضرير ..
فلا الشعر الأبيض .. ولا الظهر الأحدب يمكن أن يشفع .. وتدحرج الرأس ذو الشعر الأبيض .. ليقع بين يدي ابنته الناعمة بنت أبي الشدائد ..
أرادت أن تضمه إلى صدرها لعلها تطفئ لوعها وحزنها .. لكن الرأس كان هو المطلوب ..
فقد انتزعه الجندي .. وأسرع ليستلم الثمن ..
وقطعت في ذلك اليوم مئات الرؤوس بلا ذنب..
وقف عيسى يستقبل جنده .. ويحصي غنيمته ..
فكان أول رأس وضع بين يديه .. رأس عبد الله بن خضير .. لا يكاد يُعرف لكثرة ما فيه من الجروح .. وتتابعت الرؤوس وكثر عددها ..
وأقبل عيسى يفحصها .. وفي تلك اللحظة أقبل حميد بن قحطبة .. والفخر يكاد ينطلق من كل خلية في جسده .. ومن على صهوة جواده .. رمى برأس كان يعدل عند عيسى كل الرؤوس .. ويعدل عند الله ورسوله كل الناس .. إنه رأس ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
حميد: هذا رأس عدو أمير المؤمنين .. محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب.
وظهرت الإبتسامة على وجه عيسى .. وخر ساجداً لله وشاكراً له أن مكنه من سفك دم ابن رسول الله ..
سجدت لقتل ابن محمد .. فمن علمك السجود؟ ..
سجدت فسل رسول الله .. هل يغنيك يوم اللقاء هذا السجود؟ ..
سجدت لقتل آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مغتبطاً فرحاً ..
ألِلَّه؟!! أم لشيطان الهوى مرغت خدك في الثرى؟!!
ورفع رأسه من سجوده .. ليرى كوماً آخر من الرؤوس قد وضع بين يديه .. ليس فيهم إلا ناسك أو زاهد أو عالم ..
وأقبل الجندي برأس الشيخ الضرير ..
كان ابن أبي الكرام .. ومحمد بن لوط واقفين إلى جوار عيسى .. فاسترجعا عندما نظرا إلى ذلك الرأس ..
ابن أبي الكرام: والله ما بقي من أهل المدينة أحد .. هذا رأس أبي الشدائد فالح بن معمر .. رجل من بني فزارة مكفوف!!
وحينها أدرك عيسى بن موسى أن جنده قد أوغلوا في سفك الدماء فصاح في أصحابه قائلاً:
- فليناد أحدكم .. من جاء برأس ضربنا رأسه ..
وبهذه الكلمات توقف شلال الدماء بعد أن احمرت الأرض وسالت الدماء .. لتحيل ماء المطر الذي كان ينزل بغزارة إلى أحمر قان .. ليسيل دم محمد بن عبد الله إلى أحجار الزيت .. ويعلم الجميع من الذي قصده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ((إن النفس الزكية يقتل فيسيل دمه إلى أحجار الزيت لقاتله ثلث عذاب أهل جهنم))