الســادة آل مشكــاع

الســادة آل مشكــاع (http://www.mchkae.net/vb//index.php)
-   أعلام نبلاء (http://www.mchkae.net/vb//forumdisplay.php?f=26)
-   -   الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(3) (http://www.mchkae.net/vb//showthread.php?t=688)

أبوحيدر 11-14-2011 01:06 AM

الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(3)
 
الباب الثالث

الفصل الأول

كان رسل الإمام محمد بن عبد الله (ع).. يجوبون المشرق والمغرب يأخذون له البيعة من الناس .. فقد أرسل ولده علياً إلى مصر .. وأخاه إدريس إلى المغرب .. وأخاه إبراهيم إلى البصرة .. وآخرين إلى خراسان واليمن .. فأتته البيعة من سائر الأمصار .. وبينما هو يكتب الرسائل ويحصي أصحابه .. أقبل عليه رسول من مصر ..
محمد بن عبد الله: أهلاً بك يا أخي .. ما حال الناس هناك؟
الرجل: في خير يا ابن رسول الله .. لا ينتظرون إلا ظهورك .. ولكن أرجو أن لا أفجعك .. فقد أخذ ولدك علي بن محمد .. ولم أسافر من مصر حتى كانوا قد رحلوا به إلى أبي جعفر.
محمد بن عبد الله: إنا لله وإنا إليه راجعون .. عسى أن لا يفشي شيئاً من أمرنا فينال شيعتنا أذى بسبب منا.
وفي تلك اللحظة دخل عليه رسول شيعته بالمدينة ..
محمد بن عبد الله: وأنت ماذا تحمل من أخبار المدينة؟
الرسول: لقد خرجت من جهة المدينة .. وأخرج أخوك موسى من الجهة الأخرى مكبلاً بالحديد .. يريدون به الخروج إلى العراق .. وإنه إن دخل على أبي جعفر قتله.
فتكلم بعض أتباعه ممن حظر المجلس قائلاً:
- يا ابن رسول الله .. فالتعجيل في الخروج .. وإظهار أمرك .. قبل أن يفني هذا الطاغية أهلك .. فإن الناس قد بايعوك.
محمد بن عبد الله: إني قد واعدت الناس على يوم تخرج فيه جميع الأمصار .. فإن خرجت اليوم تكالبت جنود أبي جعفر عليّ من كل حدب وصوب.
الرجل: إن جيوش أبي جعفر بالعراق مشغولة .. فإذا خرجت اليوم لم يأتك حتى يثور دعاتك في سائر البلدان .. فتتفرق جموعه ..
محمد بن عبد الله: ننظر في الأمر إن شاء الله .. فيكون خيراً.
***
كان فقيه المدينة مالك بن أنس قد بايع الإمام محمد بن عبد الله واعتذر إليه من الخروج معه في القتال عند ظهوره لما للناس عنده من الأمانات ..
فأقبل فقيه المدينة يوماً على أخ له كان يداوم زيارته ..
كان هذا الأخ هو ابن هرمز .. وكان عالماً فاضلاً .. لا يُقدّم عليه أحد في المدينة .. وكان طاعناً في السن .. فلما جلس مالك بن أنس إليه ..صاح أبو هرمز بإحدى جواريه قائلاً:
- يا جارية .. أسدلي الستار .. وأغلقي الباب .. واتركيني مع مالك.
فلما خلي المكان أقبل ابن هرمز يذكر ما صارت إليه الأمة من الفساد والبعد عن الدين وكثرة البدع وظلم الأمراء وفسادهم ..ثم بكى حتى ابتلت لحيته.. ثم قال:
- والله لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ..والله ما صلح أمر أولها إلا بإتباع محمد وآل محمد.
مالك: فهذا محمد بن عبد الله يدعو الناس إلى نفسه .. ولكنك والله قد أصبحت شيخاً ما فيك شيء فتنصر به..!
ابن هرمز: قد علمت .. ولكن لعل جاهلاً يراني .. فيقتدي بي.
(2)
شاع في الناس قرب خروج محمد بن عبد الله .. فأسرع أهل المدينة يشترون الطعام ..مخافة أن يحصرهم أبو جعفر .. فلا تصلهم تجارة مصر والشام ..
في حين خاف محمد بن عبد الله أن يزداد التعذيب في ولده علي .. فيضطر إلى ذكر بعض أسماء من بايعه .. فيعاجلهم أبو جعفر قبل خروجه، فأمر محمد بن عبد الله بتجميع أعوانه من قبيلة جهينة وبني شجاع .. وهم خُلّص شيعته .. وذلك في أول ليلة من رجب سنة 145 هجرية فخطبهم ووعظهم وحثهم على الجهاد وجعل ينظم صفوفهم .. وقد أضمر في نفسه أن يدخل المدينة ليلاً ..
ولم تكن تلك الديار تخلو من عين لرياح بن عثمان والي المدينة .. فقد انطلق أحدهم نحو رياح ولم تغرب شمس ذلك اليوم حتى كان الرجل يطرق باب رياح بن عثمان ..
رياح: ما الخبر يا هذا؟
الرجل: إن محمداً خارج في هذه الليلة فخذ حذرك.
اشتد خوف رياح وارتعدت فرائصه .. واضطرب أمره .. فأرسل إلى والي الصدقات محمد بن عبد الله بن عبد العزيز.. وابن مسلم بن عقبة المري .. فلما دخلا عليه ..
رياح: ماذا أفعل إن خرج محمد الليلة؟ .. ماذا أفعل؟
محمد بن عبد العزيز: إرسل إلى بني هاشم فاجمعهم عندك هنا .. فلا يجد محمد من ينصره.
فأرسل رياح من يأتي بمن في المدينة من بني هاشم ..فجمعهم عنده في المقصورة .. وكانوا جميعاً من ولد الحسين(ع)..
وصلى رياح في داره ..ثم أرسل إلى محمد بن عمران قاضي المدينة .. فلما دخل عليه ومعه أخوه عبد العزيز بن عمران ..ألقى التحية على رياح.. في حين كان رياح شارد الذهن واجماً يفكر في الأمر.. ورجع بذاكرته إلى الماضي القريب فتذكر ليلة أن دخل إلى عبد الله بن الحسن في سجنه فقال له: (إنك لأزيرق قيس المذبوح فيها كما تذبح الشاة) لذلك تملك قلبه الفزع وسيطر عليه الخوف والقلق فلم يشعر بما حوله.
محمد بن عمران: كيف أمسى الأمير أصلحه الله؟
وبصوت ضعيف ليس فيه شيء من غطرسة الأمس ..أجابه رياح: بخير.
وصمت طويلاً ..ثم انتبه من غفلته، وجعل يحدث نفسه: إيهاً يا أهل المدينة!!.. أمير المؤمنين يطلب بغيته في شرق الأرض وغربها ..ويخان بين أظهركم.. اقسم بالله لئن خرج لا أترك منكم أحداً إلا ضربت عنقه.
محمد بن عمران: أصلحك الله ..أنا عذيرك منه .. هذا والله هو الباطل.
رياح: فأنت أكثر أهل المدينة عشيرة ..وأنت قاضي أمير المؤمنين .. فادع عشيرتك.
أسرع القاضي يريد امتثال أمر الوالي .. ولكن رياح كان قد امتلأ قلبه ريبة وخوفاً من كل الناس ..
رياح: اجلس يا محمد وليذهب أخوك.
ولم تمض لحظات حتى كان جموع بني زهرة على باب رياح .. يحلون سلاحهم.
محمد بن عمران: هذه عشيرتي ..قد أقبلت فلتدخلهم ليكونوا معك فتأنس بهم.
رياح -وقد صار أشبه بالأبله الذي لا يفقه ما يقول ولا ما يفعل:هيهات ..تريد أن تدخل عليّ الرجال طروقاً في السلاح .. قل لهم فليجلسوا في الرحبة .. فإذا حدث شئ فليقاتلوا ..
***
ولم تمض ساعة من الليل بعد صلاة العشاء .. حتى علا صوت التكبير في أطراف المدينة .. وبلغ صوت التكبير دار مروان ..
فطرق أذني رياح .. ومن في مجلسه .. فقام ابن مسلم بن عقبه .. وقد أيقن بخروج محمد بن عبد الله .. فاتكأ علي سيفه ..
وكان آل محمد من ولد الإمام الحسين لازالوا يقفون بين يدي رياح يمنعهم من العودة إلى ديارهم ..
ابن مسلم: أطعني في هؤلاء فأضرب أعناقهم ..
فمال رياح إلى هذا القول .. ولكنه كان يفرغ سمعه لمعرفة جهة التكبير .. وقبل أن يجيب على إبن مسلم تكلم الحسين بن علي بن الحسين بن علي فقال:
- والله ما ذاك لك .. إنّا على السمع والطاعة.
واقترب صوت التكبير وصار له في أذني رياح وقع كوقع الرماح .. فشغله ذلك عما يدور في مجلسه من الكلام..
ولما أيقن باقترابه .. انتزع نفسه من مجلسه .. وجمع عباءته .. ونزل من كرسي إمارته يجري لا يلوي على شئ .. وتبعه محمد بن عبد العزيز .. ودخلا الدار فارَّين .. قد تملك الخوف على قلبيهما .
وكتب الله للبقية الباقية في مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من آل محمد النجاة من سيف رياح الغاشم ..
فمنذ أن دخل المدينة .. ما ترك لآل محمد من شيخ إلا أهانه .. أو قتله .. ولا شاباً إلا وشرده أو سجنه .. ولا مالاً إلا وأخذه لنفسه .. أو باعه، حتى يتَّم أطفالهم .. وشرّد رجالهم .. وأجاع وعرّى نساءهم ..
فمن ذاك الذي يشفي غليل قلوبهم؟..
(3)
كان شعار محمد بن عبد الله: (أحد .. أحد) .. يرفع في كل زقاق وفي كل ساحة.. فينسل إليه الأوفياء من دورهم ومن بين أهليهم.. قد حملوا أسلحتهم.. وأعدوا أنفسهم للموت بين يديه .. ولم تمض ساعات من إعلان الثورة .. حتى كان ما يزيد عن مائتين وخمسين مقاتلاً يقفون بين يدي محمد بن عبد الله..
وبدأ محمد بن عبد الله تحركه .. وخلفه أصحابه وجعل ينادي:
- أين خواّت بن بكير، وعبد الحميد بن جعفر؟ فليكن خواّت قائداً على الرجّالة .. وعبد الحميد وولدي حسن على الحربة ..
ثم جعل يتقدم الناس على بغلةٍ له..
خوات: ألا تأتي دار الإمارة .. فتأخذ هذا الفاسق المسمى رياحاً ..
محمد بن عبد الله: لا والله .. حتى أخرج من في السجن أو أرفع مظلوميتهم ..
وتوجه محمد بن عبد الله نحو السجن .. وأخرج من فيه .. ثم توجه إلى دار الإمارة .. فلما بلغها جعل خاصة رياح يقاتلون عنه .. فجعل ينادي أصحابه:
- لا تقتلوا .. لا تقتلوا ..
فلما أحاط بدار الإمارة .. صدت دونه الأبواب وأغلقت..
محمد بن عبد الله: أحرقوا باب الخوخه -وهو باب صغير من الباب الكبير... فأحرق.
ومنعت النار المهاجمين من الدخول .. فاقبل رزام خادم ابن القسري وكاتبه .. فوضع درعه على النار .. ودخل الدار .. وكان قد أخرجه الإمام من السجن مع محمد بن خالد القسري وأخيه النذير بن خالد..
وهرب كل من في الدار -خرجوا من دار عبد العزيز من الحمام ..
ولم يتمكن رياح من اللحاق بهم .. فصعد إلى مكان مشرف من دار مروان .. وهدم الدَّرَج حتى لايصل إليه أحد ..
فلم يغن ذلك عنه شيئاً .. فقد تسلق أحدهم وأنزله من مكانه .. وأدخل على محمد بن عبد الله ..
الإمام: أين موسى يا رياح؟
رياح: لا سبيل إليه .. والله لقد حدرته إلى العراق.
الإمام: فأرسل في أثره وردَّه.
رياح: قد عهدت إلى الجند الذين معه إن رأوا أحداً مقبلاً من المدينة أن يقتلوه.
الإمام -وهو ينظر إلى أصحابه: من لي بموسى؟
عبد الله بن خضير: أنا لك به.
الإمام: فانظر رجالاً ..
فانتخب ابن خضير رجالاً .. وركبوا وتوجهوا لاستنقاذ موسى من جنود رياح.
وكان الليل قد أوشك على الرحيل ..
فلما أذن المؤذن تقدم الإمام بمن معه نحو المسجد .. يعدون أنفسهم لصلاة الفجر..
وتقدم الإمام فصلى بالناس .. فقراً{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}.
فلما أتم صلاته صعد المنبر .. فحمد الله وأثنى عليه بكل ثناء جميل .. ثم صلى على النبي وآله .. ثم قال:
أما بعد .. أيها الناس .. فإنه كان من أمر هذا الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بناء القبة الخضراء التي بناها معاندة لله في ملكه .. وتصغيراً للبيت الحرام، وإنما أخذ الله فرعون حين قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}..
وإن أحق الناس للقيام بهذا الأمر أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين .. اللهم إنهم قد أحلوا حرامك وحرموا حلالك .. وأمنوا من أخفت، وأخافوا من أمنت .. اللهم فاحصهم عدداً واقتلهم بدداً .. ولا تغادر منهم أحدا.
أيها الناس .. إني والله ما خرجت بين أظهركم وأنتم عندي أهل قوة وشدة، ولكني اخترتكم لنفسي،والله ما جئت هذه وفي الأرض مِصْرٌ يُعبد الله فيه إلا وقد أخذت لي فيه البيعة..
ثم حث الناس على الرجوع إلى الدين وترك المنكرات..
وبعد أن أكمل خطبته نزل .. ثم ولىّ على الناس عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير .. وعلى القضاء عبد العزيز بن عبد المطلب بن عبد الله المخزومي..
وعلى الشرطة أبا القلمس عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ..
وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخزمة ..
وكان كل هؤلاء من خيار الناس وممن عرفوا بالفضل ..
وأقبل عليه علماء أهل المدينة وأهل الرأي فيها يباركون خروجه .. ويعطونه الطاعة من أنفسهم وعشائرهم.
***
أما ابن خضير فقد جعل همه إدراك القافلة التي فيها موسى .. فلما ظهر له قربها منهم .. خرج بأصحابه عن الطريق ثم التوى على القافلة حتى كانه آت من جهة العراق.. فلما رآه حراس القافلة .. نادى بعضهم بعضاً .. هؤلاء رسل أمير المؤمنين إلى رياح ..
فجعل ابن خضير يتقدم مع أصحابه حتى خالط أصحاب القافلة .. فشهروا سلاحهم وأفصحوا عن مرادهم .. وفكوا قيود موسى .. ثم حملوه على فرس .. وتوجهوا به نحو المدينة .. حتى أدخلوه على أخيه الإمام محمد بن عبد الله .. فحمد الله على سلامته .. وشكر لابن خضير ما فعله.

أبوحيدر 11-14-2011 11:46 PM

رد: الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(3)
 
الفصل الثاني

رغم بُعد المسافة بين المدينة والعراق .. إلاّ أنه كان هناك من جند نفسه لقطعها بسرعة مذهلة ليفوز بالجائزة ..
فقد خرج رجل من آل أويس بن أبي السرح .. فجعل يطوي الفيافي والقفار ويقطع المسافات بسرعة البرق.. ولم تمض تسع ليالٍ حتى كان يطرق أبواب مدينة الهاشمية ليلاً .. وينادي بأعلى صوته: افتحوا فهناك أمر أبلغه أمير المؤمنين ..
فلما دخل قال له ابن الربيع:
- ماحاجتك في هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم؟
الرجل: لا بد لي منه.
ابن الربيع: أعلمنا نعلمه.
الرجل: لا والله حتى أشافهه.
فأسرع الربيع إلى مقصورة أبي جعفر ..
ابن الربيع: رجل يا أمير المؤمنين .. يقول أنه مقبل من المدينة ويريد لقاءك.
أبو جعفر: سله عن حاجته .. ثم أعلمنا.
ابن الربيع: قد أبى إلا مشافهتك.
أبو جعفر: أدخله.
ودخل الرجل.. فسلّم على أبي جعفر ووقف بين يديه وبعد أن خلا به قال له:
- خرج محمد بن عبد الله بالمدينة.
أبوجعفر- وقد أزالت هذه الكلمة خموله وأذهبت النوم عنه: قتلته والله إن كنت صادقاً!! .. أخبرني من معه ..
الرجل: خرج معه ابن خضير وأبو القلمس وابن هرمز وعيسى بن زيد بن علي وأكثر وجوه أهل المدينة.
أبو جعفر: أنت رأيته وعاينته؟!
الرجل: أنا رأيته وعاينته .. وكلمته على منبر مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالساً.
أبو جعفر: إذاً فادخل ونم في هذه المقصورة .. ولاتكلم أحداً.
وأمسى أبو جعفر قائماً في مكانه لا يجد النوم إلى عينه طريقاً .. يقلب الأمور.. ويفكر فيما هو مقبل عليه .. فلا يدري أيصدق الرجل أم يكذبه.
فلما طلع عليه الصبح .. خرج مع الناس ليخط مدينة بغداد .. فقد كان واعد الناس أن يخرج في ذلك اليوم..
وقبل أن يصل إلى موقعها الذي كان يسير إليه بجسمه وقلبه عنه مشغول .. أقبل رسول سعد بن دينار غلام عيسى بن موسى الذي كان يلي أموال المدينة..
فلما اقترب من موكب أمير المؤمنين .. عرفه فأدناه.
الغلام: خرج محمد بن عبد الله وسجن واليك عليها .. وكسر السجن .. وناداه الناس بأمير المؤمنين.
***
وقع هذا الخبر على أبي جعفر كالصاعقة فاغتم أبو جعفر .. وساء حاله.. وسار في موكبه على ظهر حصانه وهو صامت مطرق ببصره لا يجاوز طَرْفه عرف فرسه ثم نادي بأعلى صوته- وهو لا يكاد يشعر بمن حوله: يا ابن الربيع .. يا ابن الربيع، -وكان قد تأخر عن موكبه ثم قال: عليَّ بأبي العباس -عيسى بن علي
فأقبل ابن الربيع وعيسى بن علي حتى وقفا بين يدي أبي جعفرفأخبرهما الخبر..
ابن الربيع: هلك والله.. هلك .. خرج والله في غير عدد ولا رجال يا أمير المؤمنين .. ألا أحدثك حديثاً حدثنيه سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي؟ .. قال: كنت مع مروان بن محمد يوم الزاب واقفاً .. فقال: يا سعيد .. من هذا الذي يقاتلني في هذا الخيل؟ قلت: عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس .. قال: أيهم هو؟ .. عرِّفْهُ .. قلت: نعم .. رجل أصفر حسن الوجه .. رقيق الذراعين .. رجل دخل عليك يشتم عبد الله بن معاوية حين هزم .. فقال: قد عرفته .. والله لوددت أن علي بن أبي طالب يقاتلني مكانه .. إن علياً وولده لا حظ لهم في هذا الأمر .. وهذا رجل من بني هاشم وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عباس معه ريح الشام ونصر الشام .. يا جعدة .. تدرين ما حملني على أن عقدت لعبد الله وعبيد الله ابني مروان .. قلت: لا .. قال: وجدت الذي يلي هذا الأمر .. عبد الله، وكان عبيد الله أقرب إلى عبد الله بن عبد الملك .. فعقدت له ..
ثم سكت ابن الربيع وهو لا يشك أنه قد هدأ من روع أبي جعفر ..
أبو جعفر: أنشدك الله! .. أحدثك هذا ابن جعدة.
ابن الربيع: ابنة سفيان بن معاوية طالق مني البتة إن لم يكن حدثني بما حدثتك.
عاد أبو جعفر من يومه مغموماً .. فقد أهمه ظهور محمد بن عبد الله.. وخشي أن يكون في ذلك نهاية ملكه.. فأحضر المنجمين فضربوا رمالهم .. فلما انتهوا قال لهم أبو جعفر: ماذا وجدتم؟.
الحارث المنجم: يا أمير المؤمنين ما يجزعك منه؟ .. فو الله لو ملك الأرض ما لبت إلا تسعين يوماً.
وجعل كل من دخل على أبي جعفر يحاول أن يخفف عليه بليته ويُهوِّن عليه الأمر.. ولكن أبا جعفر كان أعرف الناس بمحمد بن عبد الله.. فقد خدمه طويلاً، وسايره زماناً.. فعرف أنه لله ولياً .. شجاعاً أبياً .. وأن قلوب الناس إليه أميل ..
فلما عميت عليه الأمور ذكر عمه عبد الله بن علي الذي كان قد أنزله سجنه منذ أعوام طويلة .. وذكر أن له رأياً لا يخطئ في الحرب .. فأمر بأخوته فجُمِعوا إليه.
فلما استقر آخرهم في مجلسه أخبرهم بأمر محمد بن عبد الله وخروجه .. ثم قال لهم:
- إن هذا الأحمق لا يزال يطلع له الرأي الجيد في الحرب .. فادخلوا عليه فشاوروه .. وتعلموه أني أمرتكم.
فأسرعوا إلى عمهم في سجنه .. فلما دخلوا عليه قال لهم عبد الله بن علي:
- ما جاء بكم جميعاً .. وقد هجرتموني منذ دهر؟‍‍!.
- استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا.
عبد الله بن علي: ليس هذا بشيء .. فما الخبر؟
- خرج محمد بن عبد الله.
عبد الله بن علي: فما ترون ابن سلامة صانع؟! .. [يقصد أبا جعفر]
- لا ندري والله .. وقد أرسلنا نستشيرك.
عبد الله بن علي: أخبروه أن المحبوس محبوس الرأي .. فليخرجني حتى يخرج رأيي.
فلما رجعوا إلى أبي جعفر قال لهم:
- إرجعوا إليه وقولوا له: يقول لك أمير المؤمنين: والله لو جاءني محمد حتى يضرب بابي ما أخرجتك .. وأنا خير لك منه وهو ملك أهل بيتك.
فأيقن عبد الله بن علي أن أبا جعفر لا يطلقه .. وكره أن يتحول هذا الأمر عن أهل بيته من بني العباس.. إن بخل على أبي جعفر بمشورته فقال لأخوته:
- اذهبوا إلى أخيكم .. واجعلوه يرحل الساعة .. حتى يأتي الكوفة .. فاجثم على أكبادهم .. فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم .. ثم احففها بالمسالح .. فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه .. فاضرب عنقه.. واكتب إلى مسلم بن قتيبة ينحدر عليك من الري .. .. واكتب إلى أهل الشام فمرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما يحمل البريد .. فأحسن جوائزهم.
فلما وصلت هذه المشورة إلى أبي جعفر جعل ينفذها كما أتت لثقته في رأي عمه ومعرفته بشئون السياسة والحرب .. ولأنه فارغ الذهن من أي رأي ..
***
وأقبل بريد الشام يحمل علي بن محمد بن عبد الله بعد أن أمسكه والي مصر وهو يدعو إلى أبيه.. فهمّ أبو جعفر بإرساله إلى سجن ابن هبيرة.. فذكر أبو جعفر فرحة من في السجن من آل الحسن بوصول علي إلى عبد الله بن الحسن ومن معه في سجنه فقال في نفسه: لا والله .. لا يدخل السرور على قلب عبد الله ماحييت..
ثم نادى على ابن الربيع: يا ابن الربيع .. أكتب إلى أبي الأزهري: ((انظر يا أبا الأزهري ماكنت أمرتك به من مذّلة فعجله وأنفذه)) ..
وكان أبو جعفر قد أمر أبا الأزهري أنه متى أتاه كتابه هذا أن يضرب عنق عبد الله بن الحسن ..
وأسرع الرسول بالكتاب ..
أبو جعفر: يا ابن الربيع .. من ترى أشد الناس حباً لأهل هذا البيت .. وكرهاً لنا .. لأفجعه بعبد الله بن الحسن؟.
ابن الربيع: أسمعت يا مولاي ببشير الرحال .. العابد الزاهد ..
أبو جعفر: نعم .. ومثله لا يخفى.
ابن الربيع: إذاً فهو ذاك.
أبو جعفر: فأرسل إليه من يقوده إلى سجن عبد الله .. إذا أيقنت أن ابن الأزهري قد أنفذ أمري في عبد الله، ومن هو خير من عبد الله؟!
***
وأقبل رسول الخليفة إلى أبي الأزهري .. وهو جالس مع رجلين من أصحابه على باب سجن ابن هبيرة.. أحدهما يسمى الشعباني .. والآخر عبد الله بن عمران بن أبي فروة ..
وبعد أن تصفح الأزهري الرسالة.. رماها من يده وأسرع إلى داخل السجن فأخذ الشعباني الكتاب وقرأه..
الشعباني: أتدري يا عبد الله من هو مذلة؟!! ..
عبد الله بن عمران: لا والله.
الشعباني: هو والله عبد لله بن الحسن .. فانظر ما هو صانع به.
ولم يلبثوا إلا لحظات حتى خرج أبو الأزهري وقد نفذ الأمر ..
أبو الأزهري: والله لقد هلك عبد الله بن الحسن.
ثم بقي قليلاً ثم دخل إلى الجسن فرأى علي العابد وقد خر مغشياً عليه بعد أن رأى مصرع عمه عبد الله بن الحسن فظنوا أنه قد مات فخرج أبو الأزهري إلى صاحبيه مكتئباً.
أبو الأزهري: أخبروني عن علي بن الحسن .. أي رجل هو علي العابد؟.
عبد الله بن عمران: أمُصَدَّقٌ أنا عندك؟.
أبو الأزهري: وفوق ذلك.
عبد الله بن عمران: هو و الله خير من تُقِلُّه هذه وتظله هذه .
أبو الأزهري: فقد والله ذهب .
ولم يلبثوا إلا يسيراً حتى أقبل رسل أمير المؤمنين يحملون بشيراً الرحال ..
الرسول: يا أبا الأزهري .. إن كنت قد أنفذت أمر أمير المؤمنين في عبد الله وابن الحسن.. فأمير المؤمنين يأمرك أن تطلع هذا العابد عليه..
ابن الأزهري: وما شأن ابن الرحال بهم؟! ولكن لا مفر من أمر أمير المؤمنين .. فأدخلوه عليه ليرى ما لا يسره ..
فأُسرع ببشير بن الرحال إلى داخل سجن ابن هبيرة ..
فلما نظر في ساحة السجن رأى ابن رسول الله بالدماء مخضباً .. رأس وجسم مفصولان عن بعضهما .. ودماؤه تجري على التراب .. كأنما لمعانها تسابيح باكية .. تشكو إلى الله ظلم ساجنيها .. فلم تقو بُنية ذلك العابد الورع كثير الصيام على تحمّل هذا المشهد البشع .. ومن يصبر على رؤية دماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسفك ظلماً وعدواناً.
فخر مغشياً عليه جوار جثة ولي الله .. فأسرعوا إليه بالماء .. فلما أفاق .. التفت إلى من معه من جنود أبي جعفر وقال له:
- اسمع يا هذا .. لا تخبر أبا جعفر بما لقيت مني .. فإنه إذا علم قتلني.
وخرج العابد بشير الرحال .. وهو يردد عهداً بينه وبين الله .. أن لا يختلف على أبي جعفر سيفان إلا كان مع الذي هو عليه.
وجعل أبو جعفر يقتل ويسجن كل من يشك في ولائه أو يعلم أن له صلة بمحمد وأخيه.
(3)
وفي المدينة كان الإمام قد أمّن الناس .. وضبط أمر المدينة وبدأ يراسل من لم يقبل عليه من أهلها .. ومن وجوه المدينة ..
وأسرع بعض العامة إلى بيت الإمام مالك بن أنس .. فلما دخلوا عليه .. يستفتونه في أمر محمد بن عبد الله .. قال لهم الإمام مالك:
- بايعوه .. والله ما على وجه هذه الأرض خيرٌ منه ومن أهله.
فقال بعضهم: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر.
مالك: إنما بايعتم مكرهين .. وليس على مكره يمين.
وأسرع الناس إلى الإمام محمد بن عبد الله يبايعونه .. فلما تم له الأمر في المدينة جمع أهله .. وأصحابه، ثم قال لهم:
- لقد تم لنا أمر المدينة .. وآن لنا الخروج إلى سائر الأمصار .. لنرفع عنهم تسلط الظالمين .. فقم أنت يا حسن بن معاوية .. فقد وليتك قيادة الجيش .. فسر إلى مكة واعلم أن بها السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس.
الحسن: أرأيت بأن التحم بيننا القتال ما ترى في السري؟.
الإمام: يا حسن .. إن السري لا يزال مجتنباً لما كرهنا .. كارهاً للذي صنع أبو جعفر .. إن ظفرت به فلا تقتله .. ولا تحركن له أهلاً ولا تأخذن له منعاً .. وإن تنحى فلا تطلب له أثراً.
الحسن: يا أمير المؤمنين .. ما كنت أحسبك تقول هذا في أحد من آل العباس.
الإمام: بلى .. إن السري لم يزل ساخطاً لما صنع أبو جعفر..
فأين أين هذا من ذاك؟ .. أين محمد بن عبد الله من أبي جعفر المنصور؟ رجل لا يأخذ أحداً إلا بوزره .. ورجل يحصد الرؤوس لمجرد التهمة.
ثم أشار محمد بن عبد الله إلى أخيه موسى وقال له:
- أنت يا موسى .. اخرج إلى أهل الشام.
فقال محمد بن خالد القسري -وكان قد أُخرج من سجن رياح .. فبايع الإمام وأظهر له الطاعة:
- يا أمير المؤمنين .. إنك قد خرجت في هذا البلد .. والله لو وقف على نقب من أنقابه .. فانهض معي .. فإنما هي عشر حتى أضربه بمائة ألف سيف.
الإمام: دعنا من هذا يا محمد.
محمد بن خالد: إذاً فاجعل خادمي رزاماً يخرج مع أخيك موسى .. فيكون له عوناً .. فإن لنا في الشام معارف وأنصاراً.
الإمام: لا بأس بذلك .. فاصطحب رزاماً يا موسى.
وبينما الإمام في مجلسه .. أقبل رسل أخيه إبراهيم من البصرة بجرابين مليئين بالسيوف .. فقسمها الإمام في أصحابه.
ولما رأى محمد بن خالد القسري أن الإمام لا يميل إلى رأيه .. أضمر في نفسه الخيانة والخديعة .. فكتب رسالة إلى أبي جعفر .. يطلعه فيها على مواطن الضعف في أصحاب الإمام .. ويعده ويمنيه .. ويطلب منه الإسراع بجيشه إلى المدينة ..
ولم يكد رسوله يخرج من المدينة حتى أدركته شرطة ابن المقلس .. فأخذوا الرسالة .. وأتوا به إلى الإمام .. فجعل يردد: إنا لله وإنا إليه راجعون .. إنا لله وإنا إليه راجعون.
الإمام: أودعوا محمداً السجن .. ولا تؤذوه .. حتى ننظر في أمره.
ثم جعل الإمام يستقبل الناس .. لا يُحجب عنه أحد .. يحدث الصغير والكبير.. ويصلي بالناس الفروض.. ثم يجلس لهم في مسجد رسول الله .. يفتي المستفتي .. ويعطي الفقير .. ويعلم الجاهل .. فكان أشبه الناس بأسلافه.
ولكن المخذلين ما كانوا ليصبروا على مثل هذا الأمر ..
فقد ذهب بعض من له هوى في بني العباس ويخشى على مصالحه بذهاب ملك الظالمين يبث الشائعات في أوساط الناس .. ويذكر الناس بمقالة جعفر بن محمد (إن أبا جعفر يقتل محمد بن عبد الله وأخاه إبراهيم).
فلما أرسل الإمام إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب .. يطلب منه البيعة .. أقبل على الإمام وهو في أصحابه وقال له: أنت والله مقتول .. فكيف أبايعك؟
فتركه الإمام دون أن يرد عليه بشيء .. ولم يكرر عليه الطلب.
وتراجع بعض ضعاف النفوس .. ومن يطلب الدنيا للآخرة ..
فلما استقر إسماعيل في داره .. أقبلت عليه بنت أخيه حمادة بنت معاوية بن عبد الله بن جعفر وقالت له:
- يا عم إن إخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم .. وإنك قلت هذه المقالة فثبّطْت عنه الناس .. أفيقتل ابن خالي وإخوتي؟
إسماعيل: فليكن .. فوالله لا أكف عن نهي الناس عنه.
فلما كان بعد أيام مات إسماعيل .. وكان قد بلغ من العمر مبلغاً كبيراً ..
فظن الناس أن الإمام لا يخرج في جنازته .. ولا يصلي عليه .. فلما سمع الإمام بموته خرج وصلى عليه .. ومشى في جنازته .. وكأن الرجل من خيرة أنصاره ولم تمنعه إساءته إليه من أن يصل رحمه ..
فلما رأى الناس عفو محمد بن عبد الله وتسامحه .. تسابق الناس إليه وإلى بيعته.
كان كل وجوه بني هاشم قد أجمعوا على بيعة محمد بن عبد الله .. إلا رجالاً كان أبو جعفر قد استمال قلوبهم بالأموال أو عرفوا بين أهل المدينة بعدم الصلاح .. فلم يكن إعراضهم عن بيعة محمد بن عبد الله ليؤثر على مكانته في قلوب الناس..
وجعل الإمام يدير أمر المدينة ويراسل وجوه الناس .. حتى لم يبق في المدينة إلا نفر قليل لم يوافوه بالبيعة .. فأمر الإمام أن لا يعرض لهم أحد .. وأن لا يدخل عليهم أحدٌ أذىً لا بقول و لا فعل.
ولم تمض أيام على ظهور محمد بن عبد الله (ع) حتى أقبل رسول أبي جعفر المنصور إلى محمد بن عبد الله برسالة تحذير ووعيد .. فبدأها .. ((بسم الله الرحمن الرحيم .. من عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله .. {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ من خِلاَفٍ أو يُنفَوْا من الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنيَا وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا من قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ}.. ولك عليّ عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أن أؤمنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن اتبّعك على دمائكم وأموالكم وأسوغكم ما أصبت من دم أو مال وأعطيك ألف ألف درهم، وما سألت من الحوائج وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك، وأن أؤمن كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل معك في شيء من أمرك، ثم لا أتبع أحداً منهم بشيءٍ كان منه أبداً .. فإن أردت أن تتوثق لنفسك فوجه إليّ من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تثق به)).
جعل الإمام يتصفح رسالة أبي جعفر .. فرأى أن الدنيا قد أقبلت عليه من كل ناحية فغاية ما يريد المرء في هذه الحياة أن يعيش بين أهله غنياً آمناً.
ولكن الإمام محمد بن عبد الله (ع) كان قد باع نفسه لله .. فهو ما خرج ليطلب منصباً أو عرضاً من دنيا وقد آل على نفسه إلا أن يكون عوناً للضعيف وفرجاً للمظلوم وغيثاً للملهوف.
فكان جوابه على أبي جعفر أن بعث إليه برسالة قال فيها:
((بسم الله الرحمن الرحيم .. من عبد الله المهدي محمد بن عبد الله إلى عبد الله بن محمد بن علي ..
بسم الله الرحمن الرحيم {طسم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ من نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ في الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ من الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ على الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ في الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}..
وأنا أعرض عليك الأمان مثل الذي عرضت علي، فإن الحق حقنا، وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحَظِيتم بفضلنا، وإن أبانا علياً كان الوصي، وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟ ثم قد علمتم أنه لا يطلب هذا أحدٌ له مثل نسبنا وشرفنا، لسنا من أبناء اللعناء و الطرداء ولا الطلقاء..
-ثم أطال بما هو فيه حق حتى قال-: ولك الله علي إن دخلت في طاعتي وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك ومالك وعلى كل أمر أحدثته إلا حداً من حدود الله أو حقاً لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمك من ذلك و أنا أولى بالأمر منك .. أُوفِ بالعهد .. لأنك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجلاً قبلي، فأي الأمان تعطيني، أمان ابن هبيرة؟ أم أمان عمك عبد الله بن علي؟ أم أمان أبي مسلم؟! .. )).
وكان أبو جعفر قد أعطى ابن هبيرة، وعمه عبد الله بن علي، وأبا مسلم الخرساني، الأمان والعهود والمواثيق ثم خانهم .. فسجن عمه، وقتل ابن هبيرة، وأبا مسلم.
وطالت المراسلة بين أبي جعفر و الإمام محمد بن عبد الله (ع)..
ولكن هيهات للحق و الباطل أن يجتمعا ..
ولم تصل رسالة الإمام إلى أبي جعفر حتى كانت قد وصلت معها رسالة أخرى آتية من خراسان ..
فدعاة الإمام في خراسان كانوا قد بثوا في الناس دعوته .. وكشفوا للناس عن زيف أبي جعفر وجرائمه .. فأرسل والي خراسان أبو عون: ((أُخَبِّر أمير المؤمنين أن أهل خراسان قد تقاعسوا عني، وطال عليهم أمر محمد بن عبد الله)).
فزادت هذه الرسالة أبا جعفر غماً إلى غمه فجعل يفكر في طريق يطفئ بها نار فتنة أهل خراسان .. التي ثارت بالأمس فكان في ثورتها سقوط خلافة بني أمية وعمرها ثمانين عاماً.. فكيف لا تسقط دولة لم يتجاوز عمرها العشرين عاماً؟!
وأتت الرسالة الثانية .. من السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس .. يخبره فيها أن الحسن بن معاوية والي محمد بن عبد الله استولى على مكة ..
والرسالة الثالثة أن إبراهيم بن عبد الله يكاد أن يعلن عن ثورته في البصرة.. بعد أن بايعه أهل العراق..
كاد أبو جعفر أن يصعق .. .. لا بد من طريق .. ولكن أي طريق يسلك؟‍‍!.
الإستسلام للحق!! التوبة والرجوع عن جرائمه!! لا .. وجلس يحدث نفسه قائلاً:
- لا وألف لا .. أين استشارة النساء .. وأين لعب صبياننا بها.
كانت هذه النبوءة التي سمعها من لسان الإمام الصادق جعفر بن محمد تسيطر على تفكيره وتعطيه الأمل ..
وبعد أيام مريرة وليالٍ كئيبة .. أخذ أبو جعفر قراره في التمادي في جرائمه.. والحفاظ على ملكه ..
كانت هناك في ذهن أبي جعفر قاعدة، توصل إليها بعد تفكير مرير.. وهي أن قتل ذلك الطموح الخراساني متوقف على قتل مصدر الطموح الذي يتمثل في محمد بن عبد الله بن الحسن .. ولكن كيف الوصول إلى ذلك الرأس؟!! ..
أبو جعفر: يا ابن الربيع .. أريد رأس محمد بن عبد الله.
ابن الربيع: يبلغك الله مرادك يا أمير المؤمنين.
أبو جعفر: أريده بين يدي الآن يا ابن الربيع.
ذهل ابن الربيع وألجم .. فكلمات الخليفة تحمل الإصرار والجدية والوقت ليس بوقت مزاح ..
أبو جعفر: أتظن أهل خراسان ينتظرون حتى نأتيهم برأس صاحب المدينة؟.
ابن الربيع: ماذا تقصد يا مولاي .. والله لقد إلتبس عليّ الأمر! ..
أبو جعفر: قم فأمر ابن الأزهري أن يأتينا برأس محمد بن عبد الله العثماني .. أليس اسمه محمد بن عبد الله.
ابن الربيع: نعم.
أبو جعفر: أليس من أولاد فاطمة بنت الحسين ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ابن الربيع: بلى يا مولاي.
أبو جعفر: فهذا ينوب عن ذاك عند أهل خراسان حتى نأتيهم برأس ابن عبد الله بن الحسن.
وما هي إلا لحظات حتى كان محمد بن عبد الله العثماني .. يقف بين يدي أمير المؤمنين وخليفة المسلمين.
أبو جعفر: ما أشتفي من هذا الفاسق من أهل بيت فساق .. أزوجت ابنتك إبراهيم بن عبد الله؟
محمد: لا.
أبو جعفر: أفليست امرأته.
محمد: بلى زوّجها إياه عمها وأبوه عبد الله بن الحسن، فأجزت نكاحه.
أبو جعفر: فأين عهودك التي أعطيتني.
محمد: هي علي.
أبو جعفر: أفلم تعلم بخضاب؟ .. ألم تجد ريح طيب؟.
محمد: لا علم لي .. قد علم القوم مالك عليّ من المواثيق فكتموني ذلك كله.
أبو جعفر: هل لك أن تستقيليني فأقيلك .. وتُحدث لي أيماناً مستقبلة؟
محمد: ماحنثت بأيماني فتجددها عليّ .. ولا أحدثت ما استقيلك منه فتقيلني.
أبو جعفر: السياط يا غلام.
وضرب محمد بن عبد الله العثماني أشد الضرب .. ثم ضربت عنقه واحتز رأسه .. ووضع بين يدي أبي جعفر.
أبو جعفر: أين رسل والي خراسان؟.
فلما أدخلوا عليه قال لهم:
- طُوفوا بهذا الرأس في أنحاء خراسان .. وأعلِمُوا أهل خراسان أني أقسم بأغلظ الأيمان أن هذا هو رأس محمد بن عبد الله .. وأنه ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وخرج الرسل من بغداد يحملون رأس محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان .. ليكون نائباً وبديلاً عن رأس محمد بن عبد الله بن الحسن إلى حين التمكن منه.
وهكذا كان سفك الدماء أمراً مباحاً في سبيل الحفاظ على الملك .. في رأي أبي جعفر وسلاطين الجور..
كان عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس -ابن أخي الخليفة أبي جعفر المنصور- في حرب في بلاد الري .. فأرسل إليه أبو جعفر أن يقبل إليه ..
فلما حضر مجلسه .. أخبره بخروج محمد بن عبد الله بالمدينة ..
وفهم عيسى مراد عمه أبي جعفر ومطلبه منه .. فبدا على وجهه الكراهة .. وعرف أبو جعفر ذلك .. فالتفت إلى رجل كان يسمى أبو جعفر بن حنظلة البهراني- وكان صاحب رأي في الحرب ..
أبو جعفر: ما عندك يا ابن حنظلة.
ابن حنظله: أين ظهر؟
أبو جعفر: ظهر بالمدينة.
ابن حنظلة: الحمد لله .. ظهر حيث لا مال ولا رجال ولا سلاح و لا كراع.. ابعث مولى لك تثق به، فلينزل بوادي القرى، فيمنعه من مسيره إلى الشام .. فيموت مكانه جوعاً ..
فالتفت أبو جعفر إلى عيسى .. وقال له:
- يا عيسى .. قم فامض لقتال هذا الرجل.
عيسى: شاور عمومتك.
أبو جعفر: امض يا رجل .. فو الله ما يراد غيري وغيرك وما هو إلا أن تشخص أو أشخص.
عيسى: بل أشخص يا أمير المؤمنين.
أبو جعفر: فاذهب وأعد نفسك حتى يصل إلينا بقية جيش الشام.
وأسرع عيسى إلى مغادرة مجلس الخليفة والخليفة يتبعه ببصره .. فلما توارى عنه .. أفصحت شفتاه بابتسامة ساخرة تنبي عن سريرة خبيثة، وقال -في سخرية بادية:
- والله لا أبالي أيهما قتل صاحبه!.
***
لم يكن أبو جعفر يفكر إلا في نفسه وفي سلطانه فقط .. لا يهمه أن يقضي على أقرب الناس له مادام قد سلم له سلطانه.
أبو جعفر: يا ابن الربيع .. من الذي ينزل قصرنا من أبناء علي بن أبي طالب؟
ابن الربيع: هناك ثلاثة منهم .. من أشد الناس ولاءً لك يا أمير المؤمنين.
أبو جعفر: من هم يا ابن الربيع؟
ابن الربيع: الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، وعلي بن جعفر بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر، ومحمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي.
أبو جعفر: كيف هؤلاء وقلوب الناس؟
ابن الربيع: ليس لأحد منهم في قلوب الناس إلا البغض والاحتقار .. فهم من شذ من أهل بيتهم.
أبو جعفر: كيف هؤلاء وأهل بيتهم؟
ابن الربيع: قد باينهم حتى أبناؤهم .. فأبناء الحسن بن زيد من أشد الناس حباً لمحمد بن عبد الله وكذا المرجي بن علي بن جعفر.
أبو جعفر: فأدخلهم عليّ الساعة.
كان أبو جعفر يفكر أن يضرب أهل هذا البيت بعضهم بعض .. فلا يحتج محمد بن عبد الله بقول .. ولا يدعي لنفسه منقبة إلا ويكون في جيش عيسى من هو مثله فيها .. فلما صار الثلاثة بين يديه ..
أبو جعفر: ياحسن .. كأني أنظر إلى ابنيك واقفين على رأس محمد بسيفين عليهما قباءان.
الحسن بن زيد: يا أمير المؤمنين .. قد كنت أشكو إليك عقوقهما قبل اليوم.
وفي سخرية .. نظر أبو جعفر إلى من كان حقيقاً بالاستهزاء .. ثم قال:
- أجل .. أجل فهذا من ذاك. [يشير أبو جعفر إلى ما كان عليه الحسن بن زيد من عصيانه لوالده .. وعقوقه لرحمه .. وخروجه عن طريق أهل بيته].
أبو جعفر: ومن هذا المسمى بالمرجي .. فعل الله به وفعل .. فقد أكثر الناس في ذكره.
علي بن جعفر بن إسحاق: يا أمير المؤمنين ذاك ابني .. والله لئن شئت أن ننتقم منه لأفعلن.
أبو جعفر: بل اخرجوا مع عيسى في جيشه .. وانصحوا الناس بترك البيعة لمحمد بن عبد الله وأخبروهم أنكم أهل بيت لاحظ لهم في الملك.
وفي تلك اللحظة دخل عيسى بن موسى .. فتوجه إليه أبو جعفر بالخطاب:
- يا عيسى من لقيك من آل أبي طالب فاكتب إليّ باسمه .. ومن لم يلقك فقيض ماله..
ثم قال له -محاولاً أن يستميل من حضر في مجلسه من آل أبي طالب ويطمعهم فيما عنده:
- يا عيسى .. إني أبعثك إلى ما بين هذين - وأشار إلى جنبيه - فإن ظفرت بالرجل فشم سيفك، وابذل الأمان، وإن تغيب فضمنهم إياه حتى يأتوك به، فإنهم يعرفون مذاهبه.
عيسى: سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين.
أبو جعفر: قد وجهت معك خير جند .. وخير قواد .. فمعك ابن عمك محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين، وحميد بن قحطبة وهم فرسان العرب والعجم .. فاجعلهم لك مقدمة .. واجعل ابن أبي الكرام الجعفري وزيراً لا تقطع في أمر إلا بمشورته .. وابن الأصم لا تنزل في منزل إلا برأيه .. فإن له في ذلك تجربة.

أبوحيدر 11-26-2011 01:23 AM

رد: الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(3)
 
الفصل الثالث

سبقت جيشَ الشام والعراق أخبارُه.. فطرقت مسامع أهل المدينة .. فازداد الذين آمنوا إيماناً وثباتاً ..
أما أصحاب القلوب الضعيفة والإيمان الهش .. فقد بلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله أسوأ الظن .. أينامون الليل وهم يطلبون لهم مخرجاً من هذا المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه؟
وعلم الإمام محمد بن عبد الله بخروج عيسى بن موسى لقتاله .. فأدرك أن وقت الجد قد حان .. فجمع أصحابه من أهل المدينة وجهينة وبني شجاع وبني سليم في مجلس واحد ثم قال لهم:
- أشيروا عليّ في الخروج أو المقام.
فسكت الناس .. فنظر الإمام إلى عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم وقال له:
- أشر عليّ يا أبا جعفر.
عبد الحميد: ألست تقاتل أشد بلاد الله رجالاً وأكثرها مالاً وسلاحاً؟.
الإمام: نعم.
عبد الحميد: فالرأي أن تسير بمن معك حتى تأتي أرض مصر .. فو الله لا يردك راد .. فتقاتل الرجل بمثل سلاحه وكراعه ورجاله وماله.
فتقدم إلى الإمام رجل من أصحابه يسمى حنين بن عبد الله.. وقال له:
- أعوذ بالله أن تخرج من المدينة يا أمير المؤمنين .. لقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن هذه البلدة .. ورأيتُني في درع حصينة فأوّلتُها المدينة.
فمال الإمام إلى كلام حنين لما فيه من الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
الإمام: ماذا ترون يا قوم إن أقبل علينا الرجل .. هل نخرج إليه؟ .. أم نخندق على المدينة ونقاتل دون خندقنا؟
فتكلم رجل من بني سليم يسمى جابر بن أنس الرياحي فقال:
- يا أمير المؤمنين .. نحن أخوالك وجيرانك .. وفينا السلاح والكراع .. والله لقد جاء الإسلام والخيل في بني سليم أكثر منها بالحجاز .. لقد بقي فينا منها ما لم يبق مثله عند عربي تسكن إليه البادية .. فلا تخندق الخندق .. فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خندق خندقه لما الله أعلمه به .. فإنك إن خندقته لم يحسن القتال رجالك .. ولم توجه لنا الخيل بين الأزقة .. وإن الذين يُخندق دونهم هم الذين يقاتلون فيها .. وإن الذين يُخندق عليهم يحول الخندق دونهم.
فصاح رجل من بني شجاع وقال -يخاطب الإمام:
- خندق رسول الله .. فاقتدِ برأيه، أو تريد أنت أن ندع رأي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرأيك؟
جابر: إيهٍ يا ابن شجاع .. ما شيء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم .. ولا شيء أحب إلي وإلى أصحابي من مناجزتهم ..
ظل الإمام صامتاً يفكر في الأمر، وكان يميل إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. حتى ولو كان في ذلك هلاكه.. ثم أفصح لهم عن رأيه..
الإمام: إنما نتبع في الخندق أثر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. فلا يردني عنه أحد فلست بتاركه.
وركب الإمام فرسه .. وأمر الناس بالركوب وتوجه للبحث عن آثار خندق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. ليعيد حفره .. فأخذ معولاً وجعل يحفر .. فأخرج لبنة من آثار خندق رسول الله .. فرفعها فكبر .. وكبر الناس ..
ونادى الناس بعضهم بعضاً: أبشروا بالنصر .. هذا خندق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
واستمر الناس في حفر الخندق.. وعاد محمد إلى المدينة يعد العدة لخوض المعركة .. وأرسل إلى من لم يأته من أهل بيته ليوافيه ولينظر في رأيه .. وكان أول من أرسل إليهم هو الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر (عليهما السلام).
(2)
أشرفت طلائع الجيش العباسي على المدينة المنورة .. لتتفاجأ بالخندق حول مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. كما تفاجأت جيوش أبي سفيان بالأمس ..
كان جيش بني العباس قد جمع أشد الناس عداءً لأهل البيت (ع) .. ففيه الخراساني شديد التعصب لبني العباس .. والشامي الذي لا زالت جذور العداء الأموي لنبي هاشم يسكن أعماقه .. وأقبلت كتيبة مقنعة بالحديد تخفق فوقها خمسمائة راية .. فجعلت تمشي حتى أشرفت على المدينة .. وأبصرها أهل المدينة .. ثم برز من وسطها فارس ظاهر القوة ..
فلما اشرأبت إليه الأعناق .. ونظر الناس إليه نادى بأعلى صوته:
- يا أهل المدينة .. إن الله قد حرم دماء بعضنا على بعض .. فاحملوا الأمان .. فمن قام تحت رايتنا فهو آمن .. ومن دخل المسجد فهو آمن .. ومن ألقى سلاحه فهو آمن .. ومن خرج من المدينة فهو آمن .. خلوا بيننا وبين صاحبنا .. فإما لنا أو له.
ثم توقف ينتظر جواب الناس ..
كان جمعٌ من أهل المدينة قد عرفوا من هو المتكلم ..
لقد كان المتكلم هو عيسى بن موسى ..
كان ذلك اليوم هو الثاني عشر من شهر رمضان المبارك .. وكان الوقت قبيل صلاة الظهر .. والشمس في كبد السماء .. وعيسى يراود أهل المدينة أن يسلموا إليه ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليذبحه علناً ..
يا سبحان الله .. هل من لسان ناطق حاد يرمي هذا السفيه بما يلجم به لسانه .. ويرد عليه مكيدته!!
وسرى الخبر في أوساط أهل المدينة الواقفين وراء الخندق .. أن المتكلم هو عيسى بن موسى .. قائد الجيش العباسي .. وابن أخي أبي جعفر ..
فتحركت الضمائر الحية .. والنفوس الأبية.. وضج معسكر الإمام بصوت واحد: يا ابن الشاة .. يا ابن كذا .. يا ابن كذا.
وعاد عيسى بعد أن سمع مالم يسره .. يتوارى بين جنده المقنعين بالحديد .. وتراجع جيش عيسى .. وغابت تلك الكتيبة عن أعين الجميع ..
ولما استقر عيسى في معسكره بالثنية .. جمع أتباعه ..
ابن قحطبة: لو كان أمير المؤمنين معنا لناجزه قبل أن يجتمع إليه أصحابه .. فقد بايعه كثير من الأقطار.
عيسى: إنهم والله لا يأتونه وقد حاصرنا المدينة.
العباس بن أبي العباس: فما تنتظر؟ .. هلا دخلت عليه المدينة فنقاتله.
عيسى: لا والله حتى أفرق عنه الناس.
ابن أبي الكرام: ماذا تفكر به يا مولاي؟.
عيسى: علي بقطع الحرير الفاخرة لأريكم ماذا أفعل.
فلما وضع بين يديه .. أمر كاتبه أن يكتب عليها .. ولم يترك وجيهاً و لا سفيهاً يؤمل في مثله إلا كتب له في قطعة منها:
((إن محمداً تعاطى ما ليس يعطيه الله، وتناول ما لم يؤته الله، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ من تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ من تَشَاءُ وَتُذِلُّ من تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فعجل التخلُّص، وأقل التربُّص، وادع من أطاعك من قومك إلى الخروج معك)).
كان منظر القطع التي كتب عليها في حد ذاته مغرياً تميل إليه النفوس .. بل وتسحر به العيون .. فكيف بالاستجابة لما فيها؟! .. وبعدها المال والسلطان .. وبعد القطع أمتار من الحرير ..
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ}..
وانطلق جمع من العبيد يحملون تلك القطع في بطون نعالهم ..
ليطرقوا أبواباً قد حددت لهم ..
مضى ذلك اليوم والجميع مترقب خائف ..
وبقي الإمام في داره يناجي ربه .. ويراسل أهل طاعته يستحثهم على الجهاد ..
كان الإمام قد أرسل مع ولاته خيار رجاله .. فجعل يرسل في طلبهم ..
فقد خرج رسول إلى مكة يأمر الحسن بن معاوية بالقدوم بمن معه إلى المدينة .. وآخر إلى العراق يأمر إبراهيم بإعلان ثورته .. وثالث إلى موسى بالشام يأمره بالخروج فيمن معه ..
وطال الليل .. والجميع في ترقب وتوجس .. وطلع الفجر .. وصعد المؤذن إلى المئذنة .. ليسمع الناس أذان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأول .. (الله أكبر .. الله أكبر .. حي على الصلاة .. حي على خير العمل) فسكنت النفوس إلى أن الوضع لا زال مستقراً ..
كان من لا يعرف الخديعة والنفاق لا يدري ما يحدث!..
ويتساءل عن السر الذي جعل عيسى لا يأمر جيشه بالقتال..
فلما كان في مثل وقت الأمس.. اقتربت جنود بني العباس من المدينة .. حتى سدوا بكثرتهم الآفاق .. وبهروا بما فيها من العدد والعدة الألباب .. فإذا بفارس الأمس يبرز .. ويكرر ما قاله بالأمس!! ..
وكما هو الحال .. انطلقت ألسن أهل المدينة بتقريعه وسبه ورماه بعضهم بالحجارة .. فتراجع وغاب في أوساط جيشه ..
وجعل الجيش العباسي أثناء تراجعه يعرض قوته وكثرة عدده ..
وتكرر عتاب الأمس لعيسى .. كيف لا يناجز القوم؟‍‍! .. وهو في أشد قوته ..
وترددت الإجابة: لا والله حتى أفرق عنه الناس.
وكان السؤال: كيف؟
عيسى: أين مولى عبد الله بن معاوية؟ -وكان قائد مجففته ..
مولى عبد الله: ها أنا ذا يا مولاي.
عيسى: قم مع عشرة من خيار أصحابك ..
ثم التفت إلى بني هاشم ممن تخلفوا عن الخروج مع الإمام وقال لهم: قوموا مع هؤلاء فادخلوا على القوم .. فادعوهم وأعطوهم الأمان ..
وسار الجميع حتى نزلوا في سوق الحطابين .. حيث يجتمع جيش الإمام محمد بن عبد الله ..
فتكلم القاسم بن الحسن بن زيد فسبه الناس وكرهوا الاستماع إلى مقالته ..
وقال له رجال من أهل المدينة: هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معنا ونحن معه.
القاسم: وأنا ابن رسول الله .. وكثير ممن ترون أبناء رسول الله .. ونحن ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وحقن دمائكم والأمان لكم.
فثار الناس ضده .. ورشقوه بالحجارة والنبال ..
فما كان من القاسم- إلا أن قال: لغلام له: إلقط هذه النبال .. وهيا بنا يا قوم.
وأسرعوا في الخروج من المدينة .. لم ينالوا خيراً في الظاهر .. ولكنهم كانوا قد زرعوا بذور الشك في قلوب المتدينين من غير وعي ..
فبالأمس أرسل عيسى بالوعود والأموال ليفرق عن الإمام أصحاب المصالح .. ويقول لهم: ماعندنا خيرٌ لكم مما ترجون بمناصرة هذا الرجل، واليوم أرسل ليشكك المتبعون لأهل البيت بلا نظر ولا وعي ..
فلما دخل القاسم بن الحسن بن زيد على عيسى رمى بالنبال بين قدميه .. ثم قال له: ما تنتظر؟! .. أنظر ما يصنعون بنا ..
(3)
رجع الإمام محمد بن عبد الله (ع) إلى داره .. وقد رأى في وجوه أصحابه ما لم يره من ذي قبل..
وبينما هو عاكف في محرابه يؤدي رواتبه أقبل عليه رسول من أخيه موسى من بلاد الشام .. يخبره بخيانة رزام كاتب محمد بن خالد القسري .. ومعه رسالة نظر إليها الإمام فإذا فيها .. (( إني أخبرك .. أني لقيت الشام وأهله فكان أحسنهم قولاً الذي قال: والله لقد مللنا البلاء وضقنا به ذرعاً، حتى ما فينا لهذا الأمر موضع ولا لنا به حاجة.. ومنهم طائفة تحلف لئن أصبحنا من ليلتنا أو أمسينا من غد ليرفع أمرنا وليُدلّ علينا .. فكتبت إليك، وقد غيبت وجهي، وخفت على نفسي .. والسلام)) فطوى الإمام الرسالة وجعل يردد: إنا لله وإنا إليه راجعون .. إنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي تلك اللحظات طُرق الباب مرة أخرى .. فلم ينتظر الإمام غلمانه .. بل أسرع بنفسه نحو الباب لينظر من الطارق فإذا هو أبو سيار قد جاء إليه من عند أخيه إبراهيم يخبره أن إبراهيم قد أخذ البصرة .
***
خرج الإمام في الساعات الأخيرة من الليل نحو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليصلي مع الناس صلاة الفجر وجعل ينظر إلى كل شيء .. وكأنه يودعه .. فلما طلع الفجر صلى بالناس .. ثم بقي في مصلاه يذكر الله ويقرأ أوراده فإذا به يسمع أصوات بعض الجند يدخلون المسجد فالتفت إليهم وقال لهم:
- ما الذي جاءبكم في هذه الساعة إلى هنا؟
الجند: نحن الحرس على مداخل المدينة .. جئنا نخبرك أن جمعاً من أهل المدينة أرادوا الخروج ليلة الأمس فمنعناهم .. ومن أصر على الخروج أجبرناه على الرجوع.
شعر الإمام أن الخيانة قد سرت بين أصحابه .. وأن الناس إن رجعوا عن بيعته هلكوا .. فكره أن يكون السبب في هلاكهم .. لذلك أمر أن يُنادى على الناس للاجتماع في المسجد..
ولما امتلأ المسجد بالناس صعد منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. فحمد الله وأثنى عليه .. ثم قال: أيها الناس .. إنا قد جمعنا للقتال .. وأخذنا عليكم المناقب .. وإن هذا العدو منكم قريب .. وهو في عدد كبير والنصر من الله والأمر بيده، وأنه قد بدا لي أن آذن لكم، وأخرج عنكم المناقب، وقد حللتم من بيعتي فمن أحب أن يقيم أقام ومن أحب أن ينصرف فلينصرف.
ثم نزل عن المنبر وأمر المنادي أن ينادي في الناس .. ادعوا لإخوانكم من أهل البصرة وإخوانكم في مكة ..
فلما دخل دار مروان أقبل القاسم بن الحسن بن زيد رسولاً من عند عيسى .. فلما دخل على الإمام .. جعل يخوف الإمام ويهول عليه أمر عيسى .. فلما انتهى نظر إليه الإمام وقال له:
- والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك .. لأني لم أرك منذ كنت غلاماً في فرقَتيَ خير وشر إلا كنت مع الشر على الخير.
ثم التفت إلى إبراهيم بن جعفر وقال له:
- انطلق مع هذا إلى عيسى فأبلغه ما أوصيتك.
فخرج إبراهيم بن جعفر .. حتى قدم على عيسى بن موسى ..
عيسى: ما وراءك؟
إبراهيم: يقول لك أمير المؤمنين محمد بن عبد الله ابن رسول الله .. إن لك برسول الله قرابة قريبة .. وإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته .. وأحذرك نقمته وعذابه، وإني والله ما أنا منصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه .. فإياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله فتكون شر قتيل، أو تقتله فيكون أعظم لوزرك وأكثر لمأثمك.
ولم يكن عيسى لينتفع بمثل هذا القول فقد أعمت الدنيا بصيرته .. وحال حب السلطان بينه وبين النظر إلى عاقبته..
عيسى: ارجع إلى صاحبك وقل له ليس بيننا وبينه إلا القتال.
وجعل أصحاب الإمام يجوبون المدينة رافعين الرايات البيض وكانت هي راية الإمام ينادون بشعار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الأحزاب: (أحد أحد) .. ولكن الشوارع لم تزدحم والناس لم يهرعوا لإجابة النداء ..
لقد خرج الناس من أطراف المدينة .. ومنهم من أغلق على نفسه باب داره ومنهم من أسرع في الإنضمام إلى صفوف عيسى ..
فالمال والإرهاب والتشكيك كان قد أدى مفعوله في أصحاب القلوب المريضة والإيمان المهزوز.. فما اجتمع من أصحاب الإمام إلا عداد أهل بدر..
وفي تلك اللحظات أشرف أصحاب عيسى على طرف الخندق في جحافل لا تحصى ورايات لا تكاد تعد .. مقنعين بالحديد لا يكاد يرى منهم إلا بريق عيونهم.
كان جيش عيسى خليط غريب من الناس فرغم اختلاف صورهم، وتباين طباعهم، وتعدد أوطانهم ولغاتهم، لكنهم اجتمعوا لغرض واحد ألا وهو قتل ابن بنت نبيهم ..
فالخراساني والعراقي والشامي والمصري والقرشي والمدني كانوا يقفون في صفوف من وراء الخندق تحسبهم جميعاً -لشدة تعاضدهم في هذا الأمر- وقلوبهم شتى .. فاتحاد المصالح وحب الدنيا كان هو العنصر المشترك الذي جمع صفوفهم.
وتقدم عيسى بن موسى حتى عاينه الجميع واقترب من أصحاب محمد بن عبد الله وراح يصيح فيهم وينادي بأعلى صوته:
- يا أبا عبد الله .. إن أمير المؤمنين أمرني ألا أقتلك حتى أعرض عليك الأمان فلك على نفسك وأهلك وولدك وأصحابك، وتُعطى من المال كذا وكذا، ويقضى عنك دينك.. ويفعل لك ويفعل ..
فتقدم الإمام .. وخاطب عيسى قائلاً:
- إلْهُ عن هذا فو الله لو علمت أنه يثنيني عنكم فزع ويقربني منكم طمع ما كان هذا ..
(4)
تقدم عيسى بأصحابه نحو الخندق على ميمنته محمد بن أبي العباس وعلى ميسرته داود بن كراز من خراسان وسيدها .. المعروف فيها.
فلما رأى أصحاب الإمام جيش عيسى قد عزموا على القتال برز إليهم مولى لآل الزبير يقال له القاسم بن وائل وطلب البراز.
فإذا بصفوف عيسى تفصح عن رجل بهر العساكر بكمال جسمه وهيبة مطلعه وكمال عدته قد غطى الحديد جميع بدنه ..
فلما رآه القاسم بن وائل .. تراجع إلى الوراء وغاب بين صفوف أهل المدينة .. فضاق أصحاب الإمام به ذرعاً ..
وإنشرحت صدور أصحاب عيسى واستبشروا بذلك .. ولم تطل الفرحة فقد أفصحت صفوف جيش الإمام عن قائد شرطته أبو القلمس وهو يقول:
- والله ما انتفع في مثل هذا اليوم بسيف قط ..
فعاجل ذلك الفارس بضربة على حبل عاتقه وهو يقول: خذها وأنا ابن الفاروق..
فتردى الفارس العباسي .. وغاب الحلم .. وصاح صائح من بين صفوف بني العباس: قتلت خيراً من ألف فاروق.
لقد كان الرجل من خيار أهل خراسان ومن الفرسان المعدودين فيهم فبادر آخر يريد أن يأخذ بثأر صاحبه وخرج إلى ما بين الصفين فلم ير الناس منه إلا بريق عينيه ..
فخرج إليه رجل مُعتمٍ بعمامة بيضاء قد أشرق النور من جبينه وهو راجل يمشي في غير إكتراث .. فلما تواجها تكلما ملياً لا يدري أحد ماذا يقولان .. وفجأة ترجّل الفارس عن فرسه مغضباً وحمل على صاحب الإمام بسيفه فلم يشك أحد أنه قاتله ..
فمال عنها صاحب الإمام ثم استدار فضرب الرجل على خوذته بكل ما أوتي من قوة .. فأقعده على إليته وقيذاً لا حراك به ..
ثم كشف خوذة الرجل فاحتز رأسه .. ورماه نحو المعسكر العباسي .. ثم تراجع إلى صفوف أصحابه.
فاغتاظ أصحاب عيسى وبرز له آخر ودعاه لبرازه ..
فخرج إليه الرجل .. ففعل به كما فعل بالأول .. فكبر الإمام وكبر أصحابه .. ثم خرج الثالث فعالجه صاحب الإمام..
وأراد العودة .. ولكن سيلا من النبال الغادره حالت بينه وبين أصحابه.. فقد عاجله أصحاب عيسى فأردوه شهيداً .. بعد أن أبلى أحسن البلاء .. وجاهد بين يدي أبناء الأنبياء ..
وتحاشا أصحاب عيسى البراز ..
وبحنكة حميد بن قحطبة .. أدرك موقع الضعف في صفوف الإمام .. فخرج بثمانمائة فارس .. مقنعين بالحديد .. فداهم طرفا كان جند الإمام فيه قليل .. فتفرق أصحاب الإمام ..
وأشرف حميد وأصحابه على الخندق .. وهدموا حائطاً كان يحتمي به أصحاب الإمام .. فأرسل حميد إلى عيسى أن يرسل إليه بما يقتحم به الخندق .. فلما وصلت الرسل إلى عيسى- وكان قد ولى حميداً قتال الإمام وأصحابه- أمره بقلع أبواب دار قوم كانت قد وصفت له .. أنها أكبر من الخندق ..
وفكر عيسى في تضييق الخناق على الإمام وأصحابه.
عيسى- وهو يخاطب أبو الكرام الجعفري: لقد أخبرتني العيون أن هذا الرجل في ضعف .. وأنا أخاف أن ينكشف، وقد ظننت ألا مسلك له إلا إلى مكة .. فأضمم إليك خمسمائة رجل .. فامض بهم معانداً عن الطريق حتى تأتي الشجرة فتقيم بها تقعطع مابين مكة والمدينة.
***
كان الإمام ينتظر وصول الحسن بن معاوية، فقد كان معه خيار أصحاب الإمام.. وكان قد أرسل إليه يأمره بالقدوم عليه .. فكان كلما أشتدت على الإمام هجمات أصحاب عيسى تلفت إلى خلفه يؤمل أن تقع عينه على الحسن بن معاوية.. وأهل مكة ..
ولكن لم يظهر الحسن بن معاوية .. ونادى المنادي لقد عبر حميد بن قحطبة الخندق فأسرع الإمام في جمع أصحابه نحو الجهة التى دخل منها حميد وباشر الإمام القتال بنفسه .. فجعل يتقدم لا يلوي على شيء ..
فتراجع أصحاب حميد وانهزموا شر هزيمة ..
لكن أصحاب الإمام كانوا قلة .. فلم يتبعوا القوم .. فردهم حميد .. وعاود الكرة عليهم .. وهزمهم أصحاب الإمام مرة ثانية وثالثة ..
كان الإمام يقاتل في نفر من جهينة .. يقال لهم بنو شجاع .. وكانوا يتفانون في الدفاع عنه ..
فلما خاف حميد الهزيمة جمع خيار جنده ونظم صفوف جيشه .. وزحف فملأ الآفاق وضاقت به المسالك .. وأدرك كثير من أصحاب الإمام أن لا طاقة لهم بمواجهة ذلك الزحف فخاف بعضهم أن ينال الإمام بسوء .. فأسرع إليه عبد الله بن جعفر وقال له:
- بأبي أنت .. إنه والله مالك بما رأيت طاقة .. وما معك أحد يصدق القتال .. فأخرج الساعة حتى نلحق بالحسن بن معاوية في مكة .. فإن معه جلة أصحابك ..
الإمام: ياأبا جعفر .. والله لو خرجت لقُتِل أهلُ المدينة .. والله لا أرجع حتى أُقتل أو أَقتُل .. وأنت مني في سعة .. فاذهب حيث شئت.
فجعل عبد الله يساير الإمام إلى السوق .. فظهر أمامه أبو القلمس .. يقاتل أخا أسد بن المرزبان .. فتجالدا حتى تقطعت سيوفهما .. وتراجع كل منهم إلى أصحابه يبحث له عن سلاح ..
ثم تعاودا فكان أخو أسد بن المرزبان يمسك سيفاً وابن القلمس يخفي وراء درعه شيئاً .. فلما تقاربا قام أبو القلمس في ركائبه وأخرج سلاحه الذي أخفاه وراء درعه فضرب أخا أسد في صدره.. فإذا به يخر صريعاً ..
(5)
دارت أحداث المعركه في جميع أنحاء المدينة .. واستبسل الناس في القتال .. وجعل عبد الله بن خضير يقاتل مع الإمام أشد القتال.
وزالت الشمس من كبد السماء .. وكثر القتل والجراح في أصحاب الإمام ..
وبعد أن نظَّم الإمام أصحابه عاد إلى دار أخته زينب بنت عبد الله وقد أيقن بإقتراب موعد الشهادة .. وكأن أمراً هاماً كان يريد أن يوصيها به ..
محمد: أختاه .. إن زالت الشمس وأمطرت فإني أقتل .. وإن زالت ولم تمطر وهبت الرياح فإني أظفر بالقوم .. فإن زالت الشمس ياأختاه .. فاسجري التنانير وهيئي هذه الكتب .. فإذا أمطرت فأحرقيها .. فإن قدرتم على بدني ولم تقدروا على رأسي فأتوا به ظلة بني نبيه على مقدار أبعة أذرع أو خمسة .. فأحفروا لي وادفنوني فيها.
زينب: سمعاً وطاعة يا أخي.
كان ولد زينب الحسين بن علي العابد بن الحسن المثلث ينظر إلى خاله بعين دامعة ..
فلما تهيأ الإمام للإنصراف .. مضى الحسين يتبعه قد لبس سلاحه وهو في السابعة عشر من عمره يريد أن يواسيه بنفسه ..
ولكن الإمام أحس بأن هناك من يتتبع خطواته .. فالتفت فوقع نظر الإمام على إبن أخته فرجع إليه .. وقال له:
- بُني عد إلى أمك .. لعلك تقوم بهذا الأمر من بعدي.
كان الحسين وحيد أمه .. كما كانت هي البنت الوحيدة لأبيها ..
وواصل الإمام مسيره حتى أشرف الإمام على القوم وهم في ساحة القتال .. يكاد كل منهم أن يفني الآخر ..
قوم يقاتلون على دينهم .. وآخرون يناضلون من أجل سلطانهم ..
رأى محمد أصحابه والقتال يكاد أن يفنيهم .. فأراد أن يفديهم بنفسه .. فتقدم إلى ساحة المعركة .. ونادى بأعلى صوته:
- ياحميد بن قحطبة .. ياحميد ..
وجعل يناديه حتى سمع نداءه والتفت نحوه.. فقال له الإمام:
- إن كنت فارساً وأنت تعتد ذلك على أهل خراسان فابرز لي فأنا محمد بن عبد الله ..
حميد: قد عرفتك .. وأنت الكريم إبن الكريم .. .. الشريف إبن الشريف .. لا والله يا أبا عبد الله .. لا أبرز لك وبين يدي من هؤلاء الأغمار إنسان واحد .. فإن فرغت منهم فسأبرز لك لعمري.
وتراجع حميد لما رأى الإمام قد قصده .. وحدد مكانه .. فدخل على عيسى مع إذان العصر ..
عيسى: أراك قد أبطأت في أمر رجالك .. فولِّ حمزة بن مالك حربه.
حميد: والله لو رمت انت ذلك ماتركتك .. أحين قتلت الرجال ووجدت ريح النصر؟!
عيسى: إني لا أراك جاداً في قتاله ..
حميد: أتتهمني؟ .. فو الله لأضربن محمداً حين أراه بسيفي أو أقتل دونه.

أبوحيدر 11-26-2011 11:32 PM

رد: الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(3)
 
الفصل الرابع

كان كل شيء ينذر بالخطر .. فثورة محمد بالمدينة وخروج إبراهيم بالبصرة كان قد أحال حياة أبي جعفر إلى جحيم .. نسي معه كل شيء من متاع الدنيا .. وصار المار على قصر الخليفة يتساءل: عجباً أصارت قصور هاشمية أبي العباس وأبي جعفر مهجورة .. مابال المار بها لا يسمع صوت الغانيات ولا يرى لمجلس الشراب أثراً؟!!
أين ذهب الخليفة الجبار؟! فكم ملأت جنبات القصر ضحكاته الساخرة ..
شخص واحد كان يكثر الدخول والخروج من وإلى مجلس الخليفة .. إنه الوزير ابن الربيع .. وخرج ابن الربيع ولم تمض مدة من الزمن .. إلا وهو يقبل ومعه أعرابي من إعراب البادية .. قد أقبل به حتى أوقفه بين يدي الخلفية.
الإعرابي: من هذا؟
ابن الربيع: هذا أمير المؤمنين يا أحمق.
لم يستطع الإعرابي معرفة أبي جعفر .. فهو لم يره يوماً إلا وهو في أزهى ملابسه .. مشرق الوجه بادي السرور .. أما اليوم فقد امتلأ وجهه بشعر لحيته وشاربه .. وأسود لونه وغارت عيناه ..
لقد هجر النوم منذ أيام ولم يجد شهية للأكل .. ولا رغبة للزينة ..
كان يظن أن أمر الله قد أقبل وحان وقت الرحيل ..
ابن الربيع: يا أعرابي ادخل على أمير المؤمنين بما أقبلت به من أخبار محمد بن عبد الله بالمدينة ..
رفع أبو جعفر نظره إلى الإعرابي في تثاقل ..
الإعرابي: هرب محمد بن عبد الله.
أبو جعفر: كذبت نحن أهل بيت لا نفر.
وأُخرج الأعرابي من مجلس أبي جعفر ..
وعاد أبو جعفر إلى مصلاه .. وكأنه أحد النساك الذين طلقوا الدنيا وزهدوا فيها..
وأقبل يحدث نفسه وهو لا يكاد يشعر بمن حوله .. فقد انتابته حالة من الهذيان .. جعلته يضرب بقضيب من حديد كان في يده علىمصلاه ..
ودخل عليه أحد أعوانه .. وهو متكئ على أريكته وقال له:
- لقد أتت الأخبار بهزيمة عيسى ..
أبو جعفر- وقد جلس بعد اتكائه: كلا .. فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء؟ أما إن ذلك لبعيد.
وهناك في المدينة أمر الإمام محمد بن عبد الله (ع) المؤذن أن يؤذن لصلاة العصر، وتوجه يصلي بالناس .. صلاة مودع .. لا يدري من يمينه ولا من شماله .. وجنود حميد بن قحطبة توشك أن تفني أولئك الذين ثبتوا حوله ..
ولما فرغ من صلاته قال لأصحابه:
- هل من شربة ماء ..
فاقبلت عليه امرأة كانت تعالج الحرجى فسألها الإمام: ممن المرأة؟
المرأة: ربيحة بنت أبي شاكر جعلت فداك .. انج بنفسك.
الإمام: إذاً لا يبقون في المدينة ديك يصرخ.
وركب الإمام فرسه وأقبل على أصحابه يودعهم ثم قال لهم: جزاكم الله عني خير الجزاء .. قد بايعتموني ولست بارحاً حتى أقتل .. فمن أحب أن ينصرف فقد أذنت له.
فأقبل ابن خضير على الإمام وقال:
- أتأذن لي يا مولاي حتى أدخل المدينة لبعض حاجتى.
الإمام: افعل ما شئت يا عبد الله.
وأسرع عبد الله بن خضير إلى المدينة فتوجه إلى السجن الذي ينزل فيه رياح.. فدخل عليه فقطع رأسه..
وأقبل يريد سجن محمد بن خالد القسري.. فصاح أهل السجن بمحمد: احذر فإن ابن خضير إن أدركك قتلك.
فاجتمع هو ومن معه فسدوا باب السجن ..
فأقبل عليه عبد الله بن خضير يريد فتحه فأعياه ذلك .. وكان على عجل وأراد حرق الديوان .. فوجد الإمام قد أوصى بحرقه .. فأحرق ما بقي منه من أسماء المبايعين ..
ثم عاد فرأى الإمام قد عرقب فرسه ومعه أعوان من بني شجاع ..
جعل ابن خضير ينظر إلى أهل خراسان وأهل الشام والعراق وقد نكوا بأصحاب الإمام نكاية شديدة وبلغوا بهم كل مبلغ .. فخشي أن يصاب الإمام بأذى ..
ابن خضير: اناشدك بالله .. امض إلى البصرة أو غيرها.
الإمام: لا والله لا تبتلون بي مرتين .. ولكن اذهب أنت حيث شئت يا عبد الله.. فأنت في حل من بيعتي.
ابن خضير: وأين المذهب منك .. لا والله لا أفارقك أو أقتل دونك.
وأقبل ابن خضير يخوض غمار الموت لا يبالي .. وجعل يدفع عن الإمام بكل ما أوتي من قوة..
وزحف الإمام بأصحابه وتراجع جيش عيسى رغم كثرته .. ومال الإمام على رجل من أصحابه يسمى عبد الله بن عامر وقال له:
- تغشانا سحابة فإن أمطرتنا ظفرنا .. وإن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمي على أحجار الزيت.
***
التفت بعض أصحاب الإمام فرأوا راية بني العباس السوداء قد رفعت على مئذنة مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. فارتفع الصوت في معسكر الإمام: إن القوم من خلفكم .. فتراجع الناس مخافة وقوع السيوف على أدبارهم ..
فعطف عليهم حميد بن قحطبة من أمامهم فقتل وجوههم وأنكى أبطالهم ..
كان الأمر مجرد حيلة .. فقد خرجت امرأة من بني العباس كانت تسمى أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبد الله بن العباس .. حتى أتت مئذنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فرفعت فوقها قماشاً أسود ..
وتقدم ابن خضير راجلاً يحمل سيفه في رقاب رجال ابن قحطبة قد تهيب الناس مبارزته .. كلما حمل على فئة ولّت مدبرة..
وجعل حميد ينادي بالأمان لابن خضير .. لكن ابن خضير ما كان ليلتفت إلى شيء ..
قفد باع نفسه لله وللقتال بين يدي أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..
فجعل ينشد:
لا تسقه حرزا ولا حليباً ... أن لم تجد سابحاً يعبوبا
ذا ميعة يلتهم الحبوبا ... كالذئب يتلو طمعا قريبا
يبادر الآثار أن تؤوبا ... وحاجب الجوبة أن تغيبا
***
وتقدم الإمام ليقاتل القوم بنفسه ..
فاقترب هشام بن عمارة بن الوليد بن عدي بن الخيار من الإمام وقال له:
- إني لا آمن أن يخذلك من ترى .. فاجعلني إلى جوارك .. فأشهد الله أن غلامي هذا حر لوجه الله إن رميت أبداً أو نقتل أو أقتل أو تغلب.
وجعل هشام يقاتل بين يدي الإمام ..
الإمام: هشام .. هشام ..
وما إن التفت هشام إلى الإمام حتى رأى نشابة قد وقعت في ترسه .. ففلقته اثنين .. ثم خسفت درعه ..
الإمام: ويلك ما رأيت هذا قط يا هشام .. أيهما أحب إليك نفسي أم نفسك.
هشام: بل نفسك.
الإمام: فأنت حر فانطلق.
ونظر الإمام فرأى ابن خضير قد أحاطه القوم ووضعوا فيه سيوفهم .. فأسرع لإستنقاذه .. فلم يبلغه حتى كان القوم قد احتزوا رأسه .. فجعل الإمام يقاتل عن جثة ابن حضير حتى جثا عليها وحملها إلى أصحابه ..
وجعل الإمام يقاتل القوم .. ولكن أنصاره كانوا قد رحلوا إلى الدار الآخرة .. وسبقوه إلى جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليبثوا إليه شكواهم ..
ولم يكن يلتفت يميناً ولا شمالاً و أمامه ولا خلفه .. إلا ورأى من جنده وأنصاره جريحاً أو قتيلاً مضرجاً بدمه ..
فأقبل يقاتل القوم بكل ما أوتي من قوة..
***
مرت السحابة وأوشكت أن تضع حملها وتنزل المطر على جيش الإمام .. واستبشر عبد الله بن عامر خيراً.. ولكن لم يطل استبشاره .. فما هي إلا لحظات حتى انقشعت عنهم تلك السحابة دون أن تمطر ..
وقدم سهم من بين أوساط جيش قحطبة .. فاستقر دون شحمة أذنه اليمنى وأدرك أنه الموت والشهادة ..
وفي تلك اللحظات التفت الإمام إلى رجل من تجار المدينة كان واقفاً إلى جواره .. وكان له عند الإمام دين فلم يجد في يده إلا سيفه ذو الفقار الذي يقاتل به فدفعه إلى ذلك التاجر وقال له:
- خذ هذا السيف .. فإنك لا تلقى أحداً من آل أبي طالب إلا أخذه وأعطاك حقك.
ثم تنحى جانباً وأسند ظهره إلى جدار..
ثم برك على ركبتيه .. وجعل يذب الناس عن نفسه بسيف آخر كان قد أخذه .. وهو يقول:
ويحكم أنا ابن بنت نبيكم .. محرج مظلوم ..
فلم يلتفت أحد إلى مقاله ..
وجعلوا يندفعون نحوه كل يريد أن يظفر به .. وينال رضا الأمير وسخط الرحمن ..
كانت الدماء تسيل.
والمشهد أليم .. أليم ..
فدماء أبناء الأنبياء تسفك .. ودماء أبناء الأدعباء محترمة معصومة!!
***
جعلت الشمس تبحث عن غيمة تتوارى خلفها كي لا تذوب حزناً وكمداً فيذهب ضوؤها .. وجعلت السماء ترسل المزن لكي تنزل قطرها لتعبر عن حزنها.. واستمر الأسد الفريد .. يدافع الأقران باركاً على ركبتيه ..
وازدادت الدماء تدفقاً ..
واكتسى المكان بحمرة الدماء .. وأظلمت الأرض بتكاثف الغيوم في السماء ..
وكأنها أتت لتشهد آخر مراحل الجريمة .. لتكون شاهداً لا يرغمه السلطان الجائر على تغيير أقواله ..
وأيقن الجميع أن الإمام لن ينتصب على قدميه مرة أخرى .. إلا في ساحة المحشر .. ليقدم شكواه إلى الله .. ولكن الأسد الضرغام فاجأ الجميع .. لقد غرس سيفه بين يديه .. بحركة سريعة واستعان به كي ينتصب واقفاً..
ولكن كان هناك من يتوجه نحو الإمام وتفرق له الصفوف .. وحُق له أن يدوس كل من يعترض طريقه بحوافر خيله..
كان ذلك الفارس يفك الحلقة التي كونها الجنود حول الإمام الجريح الغارق في دمائه الذي أفرده الزمان .. وخذله الأنصار.
كان الإمام يتوكأ على سيفه يجاهد نفسه كي ينتصب .. وفجأة تحطم السيف تحت يديه .. فلم يتحمل السيف جسد الإمام وقلبه المثقل بالهموم ..
فبرك مرة أخرى على ركبتيه.. ولم يمنع ذلك الفارس إباء الفرسان .. ولا كون الخصم أعزل السلاح أن يهوي بسيفه على تلك الرقبة الطاهرة ..
كان الفارس هو قائد الجيش حميد بن قحطبة .. الذي دعاه الإمام للمبارزة يوم كان الناس للناس أكفاء .. فلم يستجب ولم تظهر بطولته إلا عندما صار الإمام صريعاً مضرجاً .. فريداً مجرداً من الأنصار .. جالساً لا يقوى على القيام .. مجرداً أعزلاً ليس معه سلاح ..
فقبح الله أيدي وضمائر الجبناء ..
كيف صارت لا تحمل ولا مجرد بصيص من نور الحرية والإيمان ..
وتقدم نحو الإمام ففصل الرأس عن الجسد .. فلم تطق الروح الطاهرة البقاء .. وسارعت في العروج إلى السماء .. وصارت المدينة من غير حام يحميها ..
(3)
اجتاح ذلك الجيش الخليط الناقم على كل شيء المدينة من كل جوانبها ..
واقتحمت الديار .. واستبيحت الأموال ..
وتسابق الفرسان إلى جمع رؤوس العزل من السلاح..
وأسرع جزارو البشر ينصبون الأعمدة في مشهد وحشي فريد .. وكأن الجميع يعد لإقامة حفل الانتصار على الاشلاء والدماء ..
وبدأت فرقة العزف تعزف مقطوعتها الموسيقية الفريدة ..
أنين ينبعث من أزقة وشوارع المدينة .. وعويل من بيوتها ..
وعربيد يمشي بين الجثث المتناثرة يبحث عن رقبة سليمة يعزف بسيفه عليها وكأنما هي وتر ..
فالرؤوس ثمينة وغنيمة .. فمن أتى السلطان برأس أعطاه الكثير من المال..
ولم يجد ذلك العربيد رأساً .. لقد جردت كل الجثث من الرؤوس .. وبدأ الجزار يعلقها على الأعمدة ليباشر سلخها ..
ولكن نشوة النصر وسكره كانت تحتاج إلى معزوفة حتى ولو كانت على رؤوس الأحياء ورقابها ..
فقد خرج عربيد من ألف عربيد من أوساط الجثث .. وتوجه نحو الأحياء .. بدأوا يطوقون الأبواب .. فأوصدت ولم تفتح .. ورأى باب دار ضعيف .. فأمل أن يجد خلفه مراده ..
فكسر الباب فلم تقع عيناه خلف الباب إلا على شيخ أعمى .. قد ابيض شعره واحدودب ظهره .. وأثر السجود في جبينه.. وأشرق النور من وجهه .. حوله فتاة تعنى بأمره .. وتقوده إلى مراده ..
أب وابنته قد أغلقوا على أنفسهم باب دارهم وكفوا أذاهم عن جيرانهم ..
ذعرت الفتاة .. وهب الرجل ينفض عنه وطأة الأعوام الطويلة.. ويتجاوز عمى البصر ليستضيء بنور البصيرة .. هب ليتلمس بيده جداراً اعتاد أيام الصحة أن يعلق عليه سيفه ..
وسل أعمى البصر نيّر البصيرة سيفه ليدافع عن عرضه ونفسه ..
ودارت معركة عير متكافئة بين الشيخ العاجز الهرم .. وبين رجال غلاظ شداد يرونه من حيث لا يراهم ..
وطاشت ضربات الشيخ الطاعن في السن ..
وأخفقت تلك المحاولة ..
وتقدم العلج السفيه ليعزف أنشودة الموت .. على رقبة الشيخ الضرير ..
فلا الشعر الأبيض .. ولا الظهر الأحدب يمكن أن يشفع .. وتدحرج الرأس ذو الشعر الأبيض .. ليقع بين يدي ابنته الناعمة بنت أبي الشدائد ..
أرادت أن تضمه إلى صدرها لعلها تطفئ لوعها وحزنها .. لكن الرأس كان هو المطلوب ..
فقد انتزعه الجندي .. وأسرع ليستلم الثمن ..
وقطعت في ذلك اليوم مئات الرؤوس بلا ذنب..
وقف عيسى يستقبل جنده .. ويحصي غنيمته ..
فكان أول رأس وضع بين يديه .. رأس عبد الله بن خضير .. لا يكاد يُعرف لكثرة ما فيه من الجروح .. وتتابعت الرؤوس وكثر عددها ..
وأقبل عيسى يفحصها .. وفي تلك اللحظة أقبل حميد بن قحطبة .. والفخر يكاد ينطلق من كل خلية في جسده .. ومن على صهوة جواده .. رمى برأس كان يعدل عند عيسى كل الرؤوس .. ويعدل عند الله ورسوله كل الناس .. إنه رأس ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
حميد: هذا رأس عدو أمير المؤمنين .. محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب.
وظهرت الإبتسامة على وجه عيسى .. وخر ساجداً لله وشاكراً له أن مكنه من سفك دم ابن رسول الله ..
سجدت لقتل ابن محمد .. فمن علمك السجود؟ ..
سجدت فسل رسول الله .. هل يغنيك يوم اللقاء هذا السجود؟ ..
سجدت لقتل آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مغتبطاً فرحاً ..
ألِلَّه؟!! أم لشيطان الهوى مرغت خدك في الثرى؟!!
ورفع رأسه من سجوده .. ليرى كوماً آخر من الرؤوس قد وضع بين يديه .. ليس فيهم إلا ناسك أو زاهد أو عالم ..
وأقبل الجندي برأس الشيخ الضرير ..
كان ابن أبي الكرام .. ومحمد بن لوط واقفين إلى جوار عيسى .. فاسترجعا عندما نظرا إلى ذلك الرأس ..
ابن أبي الكرام: والله ما بقي من أهل المدينة أحد .. هذا رأس أبي الشدائد فالح بن معمر .. رجل من بني فزارة مكفوف!!
وحينها أدرك عيسى بن موسى أن جنده قد أوغلوا في سفك الدماء فصاح في أصحابه قائلاً:
- فليناد أحدكم .. من جاء برأس ضربنا رأسه ..
وبهذه الكلمات توقف شلال الدماء بعد أن احمرت الأرض وسالت الدماء .. لتحيل ماء المطر الذي كان ينزل بغزارة إلى أحمر قان .. ليسيل دم محمد بن عبد الله إلى أحجار الزيت .. ويعلم الجميع من الذي قصده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ((إن النفس الزكية يقتل فيسيل دمه إلى أحجار الزيت لقاتله ثلث عذاب أهل جهنم))

أبوحيدر 11-26-2011 11:37 PM

رد: الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(3)
 
تابع الفصل الرابع

أشرفت شمس الرابع عشر من الشهر الكريم لعام 145 هجربة .. تمضي نحو الغروب .. خجلاء شاحبة .. قد احمر لونها وخفت ضوؤها .. وغارت أشعتها .. شاكية باكية .. وعند الله بما اقترفه المجرمون شاهدة ..
وساد سكون موحش .. موحش .. وغم قاتل ..
وبيوت مقفرة .. وضمائر ميتة .. وأعين دامعة ..
وهناك .. في دور لا يُرى فيها إلا مصباح شاحب .. أو ظلام موحش ..
وقفت عقيلة بني هاشم الثانية .. أم المصائب والأحزان .. زينب بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي .. تسامر النجوم الصامتة .. وتناجي البدر الطالع .. الجاهل لما سبق طلوعه .. وتتلفت في دار كان يزدحم قبل سنوات بالفتيان والشيوخ ..
تنظر يميناً .. ليسألها الجدار الصامت .. أين أبوك؟ أين عبد الله الكامل؟ .. أين عمك الحسن المثلث؟ .. أين عمك الأصغر إبراهيم بن الحسن؟ ..
صرخ الظلام .. وأجابه الصمت ..
الصمت القاتل .. كلهم في سجن أبي جعفر صرعى ..
فأين الزوج والحبيب؟ .. وأين الأب والأعمام؟.. أين علي (العابد)؟ .. وأين أخوه العباس بن الحسن؟ .. وأين علي بن محمد؟ .. وأين ابناء العم والأقارب؟ ..
كلهم صرعى .. كلهم تحت الثرى .. من ذا يواسيك يا بنت عبد الله .. من ذا يخفف حزنك يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!..
فالزوج قتيل .. والأب قتيل .. والعم قتيل .. والأخ الحبيب لا زالت مياة الأمطار تفرق دمه بين الشعاب ..
ما أطول هذا الليل .. متى ينزاح؟ .. متى؟ ..
كانت الدموع تذرف بغزارة .. ولكن اللسان ما كان لينطق بفحش أو سوء .. كلمة واحدة هي التي عرفها لسان زينب .. (إنا لله وأنا إله راجعون) .. (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين).
وبعد ليل طويل .. أتى النهار .. ليؤنس زينب .. ويذكرها بصباح الأمس يوم كانت الديار بالأحباب مزدهرة .. والقلوب بقربهم مطمئنة ..
فتهيج الشوق .. واشتدت لوعة القلب الحزين لرؤية الأحباب .. ولو حتى جثث بلا رؤوس .. ولا أطراف ..
وبينما هي تعاني أشد الآلام ..
أقبلت عليها ابنة أخيها فاطمة بنت محمد بن عبد الله .. فضمتها إلى صدرها ..
فاطمة: ألا يتركنا هؤلاء فنواري حثة أبي .. فقد منعنا جند عيسى من ذلك؟!
زينب: بلى يا بنية .. نرسل إلى هذا الرجل لنطلبها منه .. بعد أن نالوا مرادهم..
وأسرع بعض موالي بني هاشم إلى مجلس عيسى .. فلما دخل المجلس رأى أمة من الناس قد اجتمعوا وتحلقوا ينظرون إلى رأس في طبق أبيض .. فبهت لما رأى ولما سمع .. لقد كان الرأس هو رأس محمد بن عبد الله النفس الزكية ..
سمع عيسى يقول:
- ما تقولون في هذا؟! ..
فتنافس الخطباء من الذين باعوا دينهم بدنياهم .. يقعون في الزكي الطاهر النفس الزكية .. يتلمسون بذلك رضا سلطان الدنيا ولا يأبهون لغضب سلطان سلاطين الدنيا والآخرة ..
فلما عظم المقال وتطاول السفهاء .. تقدم أحد قواد الجيش العباسي .. وقد ثارت في نفسه بادرة للإنصاف .. بعد أن ساءه كثرة الزيف والإفتراء .. فصاح فيهم:
- كذبتم والله .. وقلتم باطلاً .. ما على هذا قاتلناه .. لكنه خالف أمير المؤمنين وشق عصا المسلمين .. وإنه كان لصواماً قواماً ..
فخرست ألسن المتملقين .. وقطعت ألسن المتقولين ..
ثم تكلم رسول زينب بنت عبد الله فقال لعيسى: يا عيسى .. تقول لك مولاتي زينت بنت عبد الله .. ومولاتي فاطمة بنت محمد إنكم قد قتلتم هذا الرجل .. وقضيتم حاجتكم منه .. فلو أذنتم لنا فواريناه ..
عيسى: أما قولها أني نلت منه .. فوالله ما أمرت ولا علمت .. فليواريانه راشدتين.
وخرج رسول زينب وكل عضو في جسده يكاد أن ينطلق ليقول لعيسى: كذبت وافتريت .. بل بأمرك ومشورتك.... أنسيت أنك سجدت حين أتوك برأسه؟!
وأرسرع إلى زينب يقول لها: قد أذن لك عيسى يا مولاتي في قبر أخيك ..
فسارع فتيان بني هاشم إلى جثة الإمام .. فاخذوها بعد أن بات مع اصحابه في العراء .. حثثاً بلا رؤوس ..
فلما ادخلوا جثته على نساء آل محمد .. جعلن ينظرن إلى الجسد .. يكدن أن ينكرنه .. فاشتد النحيب .. وارتفع العويل ..
وجعلت عقيلة آل محمد تقلب الجسد .. وتتفحصه .. فبقاه في العراء قد غير لونه ..
ولما وقع بصرها على بقعة في جسده .. أيقنت أن الجثة حثة أخيها .. فجعلت له فراشاً تحته .. وأمرت من يحفر له قبره حيث أوصاها ..
وصارت الدماء تخرج من جسده .. كأنه قتل الساعة .. وكلما وضعوا فراشاً تلطخ بدمه الزكي الطاهر .. حتى غير له ثلاثاً ..
وبينما زينب على هذه الحال .. دخل عليها ولدها الحسين بن علي .. مع من كان يحفر القبر ..
الحسين: أماه .. ان في القبر صخرة منعتنا من إكمال حفره ..
زينب: أخرجوها يا ولدي .. فلا يقبر خالك إلا حيث أوصى.
فعاد الحسين .. وبعد طول عناء أخرجت تلك
الصخرة .. فإذا هو مكتوب عليها (هذا قبر الحسين بن على بن أبي طالب) .
فلما علمت زينب، قالت: رحم الله أخي كان أعلم حين أوصى أن يدفن في هذا الموضع ..
يا صاحِبِّي دعا الملامة وأعلما ... أن لست في هذا بألوم منكما
وقفا بقبر للنبي فسلما ... لا بأس أن تقفا به وتسلما
قبر تضمن خير أهل زمانه ... حسباً وطيب سجية وتكرما
رجل نفى بالعدل جور بلادنا ... وعفا عظيمات الأمور فأنعما
لم يجتنب قصد السبيل ولم يجر ... عنه ولم يفتح بفاحشة فما
لو أعظم الحدثان شيئاً قبله ... بعد النبي به لكنت مُعظما
أو كان امتع بالسلامة قبله ... أحداً لكان قُصاره أن يسلما
بطلاً يخوض بنفسه غمراتها ... لا طائشاً عشا ولا مستسلما
حتى مضت فيه السيوف وربما ... كان حتوفهم السيوف وربما
أضحى بنو حسن أبيح حريمهم ... فينا وأصبح نهبهم متقسما
ونساؤهم في دورهن نوائح ... سجع الحمام إذا الحمام ترنما
يتوسلون بقتلهم ويرونه ... شرفاً لهم عند الإمام ومغنما
والله لو شهد النبي محمد ... صلى الإله على النبي وسلما
إشراع أمته الأسنة لابنه... حتى تقطر من ظباتهم دما
حقا لأدرك أنهم قد ضيعوا ... تلك القرابة واستحلوا المحرما

أبوحيدر 11-26-2011 11:53 PM

رد: الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(3)
 
الحمد لله المعين
فبهذا تمت قصة الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية)
أخي العزيز ابوالحسين أسعدني مرورك على موضوعي وأشكرك على ملاحظتك لكن القصة لا تحتمل أكثر من هذا التقسيم
والشكر موصول للأخ الكريم أبوأحمد
طبعا لا ننسى المؤلف يحي المؤيدي رحمه الله من صالح الدعاء وجميع من قام على نشر هذا الكتاب ( القصة ) الرائع
وانتظروا القادم

ابو أحمد 11-27-2011 08:05 AM

رد: الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(3)
 
نقدر مجهودك يا أبا حيدر

ابوالحسين 11-27-2011 08:54 PM

رد: الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(3)
 
الله يسلمك ويعافيك ويوفقك اخي ابو حيدر ويبض الله وجهك ماقصرت وقد حذفت التعليقات ليتواصل الموضوع بدون تعليقات0

أبوحيدر 11-27-2011 11:18 PM

رد: الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(3)
 
سلمت يداك عزيزي ابوالحسين
وشكرا لك ابو احمد


الساعة الآن 07:38 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd Trans
ضاوي الغنامي تواصل::dawi ® طيور الامل © 1,0
new notificatio by 9adq_ala7sas
Developed By Marco Mamdouh
e3laN by kashkol

اختصار الروابط

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47