ربيب أمير المؤمنين علي عليه السّلام وواليه على مصر
تميز التاريخ الإسلامي بنفر من القادة، تولّى بعضهم مصراً من الأمصار، أو قاد جيشاً، أو عُهد إليه بسفارة أو تمثيل لحاكم أعلى. هؤلاء الرجال بالرغم من أهمية المسؤولية الموكلة إليهم، كانوا فتيةً في ريعان الصبا وشرخ الشباب؛ لم يتجاوز سنهم العقد الثالث من العمر، بل دون ذلك أحياناً، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على دور الشباب في حركة الدين والإصلاح الاجتماعي، فهم الشعلة المتوقدة والطاقة المتوثبة.
لقد انتدب رسول الله صلّى الله عليه وآله مصعب بن عمير، الشاب المترف المدلل الذي صدف عن زخرف الدنيا وزينتها، ليمثله في المدينة للقاء الأنصار، عشية هجرته المباركة، وكان أسامة بن زيد قائداً في غزوة، وتحت إمرته كبار الصحابة، ومَنْ هم أقدم منه هجرة وإسلاماً، وهو ابن الثامنة عشرة.
وتولى محمد بن أبي بكر ولاية مصر، وما أدراك ما مصر! فهي أعظم ولاية في حواضر الإسلام، في امتداد الأرض وسعتها وكثرة سكانها، وأهمية موقعها، حيث تحتاج إلى قائدٍ محنّك ووالٍ ذي سياسة قوية، كل ذلك توفر في محمد بن أبي بكر حيث كان واعياً لمهمته التي كان بها جديراً.
هو ابن أبي بكر، عبدالله بن عثمان بن عامر التيمي القرشي.
وُلِد في حجة الوداع، بذي الحليفة، وهي موضع بين مكة والمدينة، في شهر ذي القعدة سنة 10هـ (1).
نشأ في المدينة المنورة، في حجر الإمام علي عليه السّلام، وشهد معه الجمل وصفين، وولاه مصر.
والدته أسماء بنت عُمَيس الخثعمية، وكانت أسماء زوجةَ جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي تعد من النساء الأوائل في الإسلام، ومن شيعة علي عليه السّلام، وكانت تكثر من السؤال لرسول الله صلّى الله عليه وآله لتتعلم معالم دينها منه. هاجرت مع زوجها جعفر إلى الحبشة في أوائل مَنْ هاجر، فولدت له هناك عبدالله الجواد. ثم استشهد جعفر في يوم مؤتة (2)، فتزوجها أبو بكر، فولدت له محمداً، ثم توفي أبو بكر، فتزوجها الإمام علي أمير المؤمنين عليه السّلام، فأصبح محمد ربيبه وخريجه، وجارياً عنده مجرى أولاده، رضع الولاء والتشيع من زمن الصبا، واستقاه من أمه ومربيه، فلم يكن يعرف أباً له غير علي عليه السّلام، ولا يعتقد لأحد فضيلة غيره، حتّى قال علي عليه السّلام: « محمد ابني من صلب أبي بكر »، وكان يكنّى أبا القاسم، وكان من عُبّاد المسلمين ونسّاكهم، وكان يثنى عليه لفضله وعبادته واجتهاده.
قرابته من آل علي عليه السّلام
لم يكن محمد بن أبي بكر ربيباً لعلي عليه السّلام فحسب، وإن كان حَسْبه شرفاً وفخراً أن يحظى بتلك الكفالة التي حظي بمثلها إمامه عند رسول الله صلّى الله عليه وآله، كما حظي كافلو النبيّ صلّى الله عليه وآله والقائمون على تنشئته وإرضاعه مثل عبدالمطلب وأبي طالب وحليمة السعدية، لأن الفيوضات الروحية، والكمالات الإنسانية تسري من الأكثر كمالاً إلى مَنْ له القابلية لتلقي تلك الفيوضات الروحانية والمزايا السَّنية.
لقد كان محمد أخاً لعبدالله بن جعفر لأمه، وعاش ردحاً من الزمن في كنف الحسنين عليهم السّلام يقتبس من نوريهما ويتأثر بهما، ثم جاء فتح فارس في معركة القادسيّة، فأُسِر ليزدجرد أربع بنات، كانت إحداهن من نصيب الإمام الحسين عليه السّلام، فأنجبت له الإمام زين العابدين عليه السّلام، وهي شاهزنان، والثانية شهربانويه، تزوجها محمد بن أبي بكر فولدت له القاسم، وتوفيت شاهزنان أم الإمام زين العابدين، فقامت بتربيته خالته شهربانويه زوجة محمد، فأنزلها الإمام زين العابدين عليه السّلام بمنزلة أمه. أمّا البنتان الأخريان فتزوج إحداهما الإمام الحسن عليه السّلام والثانية عبدالله بن عمر. فعلى هذا يكون القاسم بن محمد والإمام زين العابدين عليه السّلام أبناء خالة. وكان للقاسم ابنة اسمها « أم فروة » تزوجها إمامنا الباقر عليه السّلام، فولدت له الإمام الصادق عليه السّلام، فيكون محمد بن أبي بكر جد الإمام الصادق عليه السّلام لأمه، مع العلم أن أمّها هي ابنة عبدالرحمان بن أبي بكر شقيق محمد. ومن ألطاف الله على محمّد بن أبي بكر أن جعل ذريته موصولة الرحم بذرية الرسول صلّى الله عليه وآله.
يقول الأصمعي: « كان أكثر أهل المدينة لا يرغبون في الإماء، حتّى نشأ فيهم علي ابن الحسين عليه السّلام والقاسم بن محمد وسالم بن عبدالله بن عمر، ففاقوا أهل المدينة علماً وفقهاً وورعاً، فرغب الناس في الإماء (3).
جهاده
اشترك محمد بن أبي بكر في معركة الصواري البحرية سنة 31هـ، في عهد عثمان بن عفان (4)، وهي معركة بحرية جرت بين المسلمين والروم، وأُرْسِل محمد في سفارة إلى أبي موسى الأشعري بالكوفة في عهد أمير المؤمنين عليه السّلام (5)، وفي معركة الجمل كان قائد الرجّالة (6). وهو الذي حمل الهودج من بين القتلى، فأمر الإمام علي عليه السّلام أن يضرب عليه قبة، ثم قال لمحمد: « أنظر هل وصل إلى اختك عائشة شيء من جروح ». وعندما أقبل الليل أدخلها البصرة وأنزلها دار عبدالله بن خلف الخزاعي، ضيفة عند صفيةً بنت الحرث بن أبي طلحة، ثم أعادها الإمام علي السّلام إلى المدينة المنورة برفقة أخيها محمد مع أربعين امرأة متنكرات بزيّ ثياب الرجال حرساً لها (7).
وكانت وفاة محمد بن أبي بكر في مطلع سنة 38هـ، وكان له من العمر ثمان وعشرون سنة0
رضي الله عنه ونعم المنشىء ونعم المنبت
اشكرك على موضوعك الشييق والجميل
في الحقيقه اعرف عن محمد بن ابي بكر ولاكن لم اتعرف على حياته والان عرفتها والحمد لله
وتقبل تحياتي....
بارك الله فيك يا أبا الحسين على هذا الموضوع المفيد والجذاب وأشكرك على أطروحاتك المستمرة والمتميزة.
توقيع : الهاشمي....
مَـن لم يعظه الدهر لم ينفعه ما ....... راح بـه الـــواعظ يوما أو غدا
مَـــن لـم تُـفده عـبرا أيــــــــامه ....... كان العمى أولى به من الهدى
مَـن قــــاس مـا لم يره بما يرى ....... أراه مــــــا يـدنو الـيه مـا نـأى