لم يكد الوضع يستقر بالإمام حتى جعل يستعيد أحداث رحلة الأمس .. تلك الرحلة التي إطّلَع من خلالها على وضع العراق عن قرب .. ولمس ذلك الواقع المأساوي الذي تعيشه الأمة المسلمة.
ورفع نظره إلى ابن عمه عبد الله بن الحسن ثم قال:
- ماذا ترى أن يكون الحل يا عبد الله؟ هل نترك الناس على ما هم عليه؟ أليس فينا من يغار على مبادئ الإسلام ..؟!
عبد الله: يا ابن العم .. والله لقد التبس عليّ الأمر .. فماذا يمكن أن نفعل إذا كان ولاة الأمر ومَنْ بأيديهم الحل والعقد .. هم منبع الفساد ودعاته؟!
الإمام زيد: إني أنوي أن أكتب رسالة إلى علماء الأمة أذكرهم فيها بواجبهم نحو دينهم وأمتهم لعل الله أن يهديهم بها ويعيدهم إلى جادة الطريق .. فإذا صلحت هذه الطبقة من الأمة أصلح الله من تحتها من طلبة العلم وعامة الناس.
عبد الله: فبادر إلى هذا .. فقد بلغني أن هشاماً عزل خالد القسري وسجنه عقاباً له على استقباله لنا .. واخبروني أنه استدعى والي المدينة وأخاف أن يضيقوا الخناق علينا فلا نجد من نرسلها معه.
زيد: أكتبها إن شاء الله الليلة ..
***
وما هي إلا أيام حتى وصل خالد بن عبد الملك وهو يزمجر ويتوعد .. واستدعى وجهاء أهل البيت .. فجعل يتوعدهم ويتطاول عليهم وينقص في حقهم ولكن الجميع كان يدرك قصده .. فكان يحب أن يستثيرهم فيجد مدخلاً عليهم .. فحاولوا أن يقابلوا اساءته بالحلم والصمت.
ولما لم تُجْدِ طريقة الإستفزاز بدأ والي المدينة يفكر في طريقة وأسلوب آخر يمكن أن يستثيرهم .. فبث حولهم الجواسيس والرقباء يحصون عليهم أفعالهم وأقوالهم وجعل الإلتقاء فيما بينهم جريمة.
ثم بث المنافقين لإثارة الخلاف والنزاع فيما بينهم .. وخلال هذه الفترة ثار نزاع بين جعفر بن الحسن بن الحسن وزيد بن علي حول ميراث الحسين عليه السلام. فما كاد خالد بن عبد الملك يسمع بهذا الخبر حتى صار يتتبع أخبارهم .. ويحشد لها الناس من أجل تشويه سمعة بني هاشم .. تلك السلالة التي كان قد ذاع صيتها واشتهرت تضحيات أبنائها حتى أصبحوا مضرب الأمثال في الزهد والعبادة والعلم.
وكتب بشأن هذا النزاع إلى هشام فاشتد فرحه .. وكتب إلى والي المدينة: أن اشتر منهم ذلك الميراث المتنازع عليه وضاعف ثمنه حتى يشتد تمسك طرفي النزاع بذلك الميراث.
ولم يصل جواب الخليفة إلى والي المدينة إلا وقد توفى جعفر بن الحسن.
وأعدّ الوالي مجلسه وجمع فيه العلماء والوجهاء.. وأمر أمير شرطته أن يستدعي زيد بن علي وابن عمه عبد الله بن الحسن بن الحسن.
وبعد أن وصلا إلى مجلس الوالي أجلسهما بين يديه
ثم قال:
- اسمع يا زيد وأنت يا عبد الله إن أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك قد علم بقطعة الأرض التي كانت لعلي بن أبي طالب جدكما .. فأمرني أن أشتريها له .. ولأنكم أنتم أصحاب الملك فقد أمرني أن أضاعف ثمنها عشر مرات صلة للرحم ولمنزلتكم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا ثمنها مائة ألف دينار فأيكم صاحب الحق في هذه الأرض فأعطيه.
وهنا تبادل عبد الله بن الحسن النظرات مع الإمام زيد وتقدم الإمام زيد إلى خالد وقال له: ولأي شيء جمعت علماء ووجهاء المدينة يا خالد؟!
خالد: ليكونوا شهوداً على هذا البيع.
زيد: أو ما علمت أن الشهادة على نقل الملك تثبت بشاهدين؟! بل أردت أن تجعلنا أضحوكة وسخرية للأعراب.
خالد: دعنا من هذا يا زيد وافسح لابن عمك مجالاً للتكلم فلست صاحب الحق وحدك.
زيد: اسمع يا خالد الأرض أرض ابن عمي عبد الله بن الحسن..
ثم التفت الإمام زيد إلى ابن عمه وقال له: قم يا عبد الله واستلم ثمنها.
تقدم عبد الله بن الحسن واستلم المال ثم أقبل على الإمام زيد ووضع المال بين يديه .. وقال له: خذه يا ابن العم .. فالمال مالك وأنت صاحب الحق فيه.
وفي هذه اللحظات وأمام هذا المنظر كبَّر الحاضرون وارتفعت الأصوات: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}... فاستشاط خالد غضباً واحمر لونه وصاح فيهم: اخرجا لا بارك الله لكما فيه.
وانفض المجلس وكل من فيه أكثر حباً وإعجاباً بالإمام وابن عمه عبد الله بن الحسن.
***
وبعد هذه الحادثة التي أصبحت مدار حديث أهل المدينة بلغ حقد خالد على أهل البيت النهاية .. فجعل لا يترك فرصة يمكن أن ينال من أهل البيت فيها إلا فعل وضيَّق عليهم الخاق حتى عزلهم عن الناس ومنعهم من الإلتقاء والإجتماع .. فضاق صدر الإمام زيد عليه السلام ولم يستطع أن يحتمل هذا الوضع فطبعه يأبى الذل وقرر أن يسافر إلى الشام ويشكو والي المدينة خالد بن عبد الله إلى هشام لعله يجد عنده متنفساً من هذا الوضع الذي فرضه عليه وعلى أهل بيته.
فخرج الإمام زيد من المدينة متخفياً حتى لا يتمكن خالد من منعه إن أراد ذلك واتجه إلى مقر الخلافة الأموية في دمشق .. وبمجرد وصوله حاول أن يستأذن للدخول على هشام ولكن الرفض والتجاهل هو الرد الذي اختاره هشام .. فحاول أن يستخدم أسلوباً آخر .. فكتب رسالة إلى هشام بث إليه شكواه وشكوى أهل بيته من ظلم خالد بن عبد الملك والي المدينة .. فكان الجواب نهاية نفس الرسالة: (عد يا زيد من حيث أتيت).
فأقسم الإمام زيد أنه لا يعود حتى يجد حلاً فالكل في المدينة كان ينتظر الفرج المقبل مع الإمام زيد فكيف يعود إليهم صفر اليدين. وما كان الإمام ليضيع وقته على باب هشام ينتظر منه الرحمة .. فقد اتجه إلى مسجد دمشق وفتح درساً في تفسير القرآن الكريم.
(2)
كان رقباء وجواسيس هشام يتتبعون الإمام وينقلون إلى هشام تحركات زيد بن علي أولاً بأول.
قائد الشرطة: مولاي أرأيت ذلك الهاشمي الذي أمرتنا بمتابعته.
هشام: ماذا فعل هذا الرجل؟ .. تكلم بسرعة.
قائد الشرطة: لقد جلس في المسجد يحدث الناس ويعظهم منذ عدة أيام.. وفي كل يوم يزداد الناس كثافة من حوله.
احمرَّ وجه هشام وبسرعة خاطفة انتزع جسده من كرسي الخلافة ليطوق عنق قائد الشرطة بكلتا يديه ويصرخ بصوت أشبه بالصواعق:
- كيف أيها الأحمق؟ لماذا لم تخبرني بذلك من أول يوم..؟ ألم يَكْفِ زيداً أن يفسد علينا أهل المدينة وأهل العراق حتى أتى ليفسد أهل الشام؟! والله لأقطعن رأسه وأجعله طعاماً للطيور.
سكت كل من في المجلس لشدة الخوف .. فقد تحول الخليفة إلى وحش كاسر.
وبنظرة غاضبة إلتفت هشام إلى وزرائه وجلسائه وقال: أشيروا عليّ أيها القوم في أمر هذا الفاسق .. فكأني به لن يكف عن مساعيه الخبيثة حتى يجردني من الخلافة.
فقام أحد الوزراء فقال: يا سيدي إن أذن لي مولاي في الكلام فأنا أشير عليك.
هشام: تكلم ..
الوزير: يا مولاي قد بلغني أن بعض العلماء ترك حلقة درسه وطلابه واتجه ليتتلمذ على يد زيد .. وإنك إن قتلت زيداً أو سجنته في هذه الأيام بعد أن عرفه أهل الشام، وعرفوا علمه، وصيروه شيخاً يتحلقون حوله .. استوحش منك أهل الشام وكثر الكلام وكثرت الأسئلة ولن يعدموا من يجيب عليهم .. وفي ذلك والله تفرق أهل الشام وهم والله سيفك الذي تضرب به من تشاء.
هشام: فما هو الرأي أيها الوزير ..؟
الوزير: أرى أن تجمع العلماء وتختار من أوساطهم أكثرهم علماً وأسرعهم جواباً .. وأقواهم حجة .. فإذا جلس زيد في مجلسه واجتمع الناس من حوله حاجج زيداً في أن الحق مع الكثرة وأن يد الله مع الجماعة .. فإن أفحمه بين رواد حلقته .. سقط في أعينهم .. فإذا أردت به شيئاً بعد ذلك هان عليهم الأمر.
هشام: أحسنت .. الرأي ما رأيت أيها الوزير..
***
وما هي إلا أيام حتى ازدحم مجلس هشام بفطاحلة الشام وعلماء البلاط .. فجعل يختبرهم واحداً واحداً.. فبرز في أوساطهم رجل خرست لبلاغته وقوة حجته الألسن فأشرق وجه الخليفة .. وقا ل له:
- أنت من سيخرس زيداً ويجعل منه أضحوكة لأهل الشام.
فدخل علماء أهل الشام على الإمام زيد عليه السلام وقد حف به الناس من كل جانب .. وتقدم ذلك الرجل في زهو وثقة .. ثم قال:
- يا زيد .. أجمع علماء أهل الشام على أن يد الله مع الجماعة .. وأن أهل الجماعة حجة الله على خلقه وأن أهل القلة هم أهل البدعة.
فنظر إليهم الإمام زيد وحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وآله ثم تكلم بكلام ما تكلم بأبلغ منه قرشي ولا عربي وأثبت من كتاب الله أن الله ما ذكر القلة في كتابه إلا مدحهم ولا ذكر الكثرة إلا ذمهم واثبت أن القليل في الطاعة هم أهل الجماعة وأن الكثير في المعصية هم أهل البدعة؟
فبُهت الشامي وخرج هو ومن معه يجرون أذيال الهزيمة وبقي الناس كأن على رؤوسهم الطير لشدة الذهول.
فما كادوا يتجاوزون باب المسجد حتى التفتوا إلى صاحبهم يسبونه ويشتمونه يقولون: فعل الله بك وفعل .. زعمت أن لا تدع له حجة إلا كسرتها فخرست ولم تنطق. ..!
فأجابهم قائلاً: ويلكم كيف أكلم رجلاً إنما حاججني بكتاب الله فهل ترون أن أرد كلام الله؟
وتفرقت جموعهم وكل واحد منهم يتهم الآخر ويحمِّله أسباب هذه الهزيمة النكراء.
وبلغ الخبر مجلس الخليفة فاغتم للأمر .. فقد ازداد زيد بهذا الموقف رفعة وسمواً في قلوب الخاصة والعامة .. فجمع هشام خاصته ليشاورهم في الأمر.
هشام: إن استمر زيد على مثل هذا الأمر أفسد علينا أهل الشام وصيرهم على مثل رأيه فلا بد من حل .. فقد نغص عليّ وجود زيد في الشام حياتي فصرت لا أجد لذة في شيء .. أعتقد أنه لا بد من مقابلته والإستماع إلى شكواه .. لعله بعد ذلك يعود من حيث أتى .. ولكن والله لأجعلنه يكره اليوم الذي يدخل
مجلسي فيه.
ثم التفت إلى حاشيته وقال:
- اسمعوا يا قوم أريد منكم إذا دخل زيد أن يستقر كل منكم مكانه يتكلم ويضحك مع من يجاوره فلا يدري زيد أين يجلس إلا أن يجلس بين الأحذية فذلك مكانه الذي يليق به.
الوزير: أحسنت يا مولاي ذلك هو الرأي فمثل زيد لا يجدي معه سوى السخرية والقسوة.
هشام: والله لأحجمنه في هذا اليوم وليعلم أني ابن حرة وهو إبن أمة وما بين الحرة والأمة فرق يعلمه حتى صبيان العرب .. يا قائد الشرطة .. أرسل في طلب زيد بن علي يأتينا الساعة.
فلما دخل الإمام زيد ألقى عليهم السلام فجعل أصحاب هشام يتضاحكون ويتشاغلون .. فرفع الإمام زيد(ع) صوته وقال: أوصيك يا هشام بتقوى الله..
فصمت المجلس فجأة والتفت هشام إلى الإمام زيد(ع) في غرور واستهتار لا مثيل له
هشام: أمثلك يا زيد يوصيني أنا بتقوى الله؟
الإمام زيد: ليس في عباد الله أحد دون أن يُوصِي بتقوى الله ولا فوق أن يُوصَى بتقوى الله.
هشام: أنت زيد المؤمل للخلافة الراجي لها.! وما أنت والخلافة لا أم لك؟ وأنت ابن أمة!!
زيد: لا أعرف أحداً هو أعظم منزلة عند الله من نبي بعثه الله تعالى وهو ابن أمة -إسماعيل بن إبراهيم- وما يقصرك برجل أبوه رسول الله وهو ابن علي بن أبي طالب.
فوثب هشام من مجلسه .. ووثب أهل الشام .. ونادى على قائد الشرطة: لا يبيتن هذا في معسكري الليلة؟!
وخرج الإمام زيد عليه السلام وهو يقول:
((ما كره قومٌ قط حرَّ السيوفِ إلا ذلوا)).
وخرج زيد بن علي من مجلس الخليفة وقد اشتد عليه غضب هشام ويئس من أن ينال منه .. فشخصية زيد بلغت المنتهى في العلم والفصاحة وقوة الحجة.
ومما زاد الإمام قوة في نفسه، ومتانة ومهابة في قلوب أعدائه، إيمانه بعدالة القضية التي يناضل من أجلها إلى جانب علاقته القوية بالله سبحانه وتعالى .. ولذلك أخفقت كل محاولات هشام وزبانيته في إهانة الإمام زيد أو الحط من شأنه.
***
واستدعى هشام -للمرة الثالثة- حاشيته وقد إزداد الأمر سوءاً وأصبح هشام في حالة من التوتر فقد جعلته تلك المقابلة يستشعر قوة وصلابة خصمه ووضع نفسه في موضع المقارنة مع شخصية الإمام زيد فرجحت كفة الإمام وطاشت كفة هشام.
هشام: لا بد من حل نتخلص به من زيد بن علي فلا أريد أن أرى وجهه مرة ثانية.
الوزير: يا سيدي إني أرى أن نسجن زيد بن علي إلى أن نجد طريقاً نتخلص بها منه.
هشام: أخاف أن يثير ذلك الناس علينا وبالذات العلماء الذين كثر اتصالهم به في هذه الفترة.
الوزير: يا سيدي هيبة السلطان ستخرس الألسن ولن يطول سجنه فستجد حلاً تتخلص به من زيد وشرّه.
هشام: إذاً فليسجن زيد حتى نجد طريقة يرحل بها من الشام.
وانتقل زيد إلى سجون هشام .. وبقي مدة من الزمن يجالس السجناء ويحادثهم، وما هي إلا أيام حتى تحول ذلك السجن إلى مسجد للعبادة وصار من فيه بين راكع وساجد وتال للقرآن وذاكر لله عز وجل .. وجعل الإمام يعطيهم دروساً في تفسير القرآن الكريم ففسر لهم سورة الفاتحة وسورة البقرة فأنس إليه السجناء وتأثروا به .. حتى حراس السجن الذين نشأوا على سفك الدماء وارتكاب الجرائم.
ومضت مدة من الزمن والأمر كذلك والإمام لا يألو جهداً في تعليم دين الله .. وفي إحدى حلقات الدرس حدثهم عن القرآن فقال:
واعلموا رحمكم الله أن القرآن والعمل به يهدي للتي هي أقوم لأن الله شرّفه وكرّمه ورفعه وعظّمه وسمّاه روحاً ورحمة وهدى وشفاء ونوراً .. وقطع منه بمعجز التأليف أطماع الكائدين، وأبانه بعجيب النظم عن حيل المتكلفين، وجعله متلواً لا يُمل، ومسموعاً لا تمجه الآذان، وغضا لا يخلق عن كثرة الرد، وعجيباً لا تنقضي عجائبه، ومفيداً لا تنفد فوائده.
والقرآن على أربعة أوجه: حلال وحرام لا يسع الناس جهالته .. وتفسيره يعلمه العلماء .. وعربيه يعرفه العرب .. وتأويله لا يعلمه إلا الله وهو ما يكون مما لم يكن.
واعلموا رحمكم الله أن للقرآن ظهراً، وبطناً، وحداً ومطلعاً، فظهره تنزيله، وبطنه تأويله، وحده فرائضه وأحكامه، ومطلعه ثوابه وعقابه.
فقام إليه أحد السجناء - وكان يسمى أبو غسان الأزدي- فقال:
والله يا ابن رسول الله لأنت أعلم بالقرآن وما فيه .. فوالله لقد جلست إلى العلماء والفقهاء فلم أر أحداً منهم أعلم بالقرآن منك.