أخمدت الأصوات .. وصار المتنقل في أرجاء البلاد الإسلامية لا يسمع إلا همساً تشم منه رائحة الحرية والجهاد لتحرير الأمة الإسلامية من تلك الهيمنة التي تبث أعوانها وأنصارها .. لتصيِّر كل شبر من أرض الإسلام إلى سجن.
وصارت تلك البلاد المترامية الأطراف لا تمثل إلا زنزانة لكل الشرفاء الأحرار.
فها هي الهيمنة الأموية تتمركز في دمشق لتمثل ذلك الأخطبوط الذي يمد أطرافه ليختطف رؤوس العلماء والأحرار على تفرق بلدانهم لا تأخذهم بهم رحمة أو شفقة.
فكلمات أبي سفيان التي ترددت أصداؤها في آذانهم: ((هاهي قد آلت إليكم يا بني أمية -يعني الخلافة- فتلقفوها تلقف الكرة في أيدي صبيانكم .. فو الله ما من جنة ولا نار)) جعلت سلاطين الدولة الأموية لا يفكرون إلا في بقاء ملكهم .. واستمرار هيمنتهم ..
فهذا معاوية يؤسس ملكه بقتال أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته .. ثم يختمه بسَمِّ الحسن بن علي عليهما السلام وقتل حجر بن عدي وأصحابه صبرا.
وأسلم الدَّور إلى ولده البار الذي سار على نهج أبيه الخطوة بالخطوة .. فاستهل ولايته بسفك دم الحسين وأهل بيته عليهم السلام في أشنع معركة عرفها تاريخ البشرية .. ثم ختمها باستباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيام .. وقتل صفوة من تبقى من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة .. ثم أدخل جيشه إلى مكة ليفعل فيها مثل ما فعل في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم انتقل الملك إلى عبد الملك ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -مروان بن الحكم- ثم إلى بنيه ليزداد الأمر سوءاً .. وتزداد الأمة سوءاً في واقعها المأساوي .. وتذرف دموع الندم لتفريطها في مناصرة تلك السلالة الطاهرة .. تتجرع أنواع القهر.
فالحجاج في العراق يحصد الرؤوس كما يُحصد الزرع في الحقول .. وأخوه يذيق أهل اليمن من الذل ألواناً .. وآخر في مصر .. وهكذا.
***
وأوشكت الأمة الإسلامية أن تلفظ أنفاسها الأخيرة على أيدي تلك السلالة التي جند أفرادها نفوسهم لمحو كل فضيلة أسسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فجعل الأخيارُ يتلفتون يميناً وشمالاً باحثين عن رجل صالح يستنقذ هذه الأمة من وضعها المأساوي.
فراسلوا زين العابدين في المدينة يطالبونه بالخروج ويقسمون له الأيمان المغلظة ويعطونه العهود الموثقة على النصرة والجهاد بين يديه.
ولكن ذلك المشهد المأساوي الذي حدث أمام عيني زين العابدين كان لا يزال حياً في ذاكرته.
قتلك الأجساد الطاهرة التي رآها تتهاوى بين يديه ما زالت ماثلة أما عينيه فرأس أبيه ذلك الذي حُمل فوق الأسنة لعشرات الأيام وهو يسير في ركبه كان مشهداً لا يُنسى .. وأولئك النساء الثكالى والأطفال الجياع .. أخوه علي الأكبر ، وعمه العباس، وأبناء عمه الحسن، تلك الوجوه المشرقة التي رآها تغيب وتأفل على مرأى ومسمع منه ما كانت لتجعله يثق في أولئك الذين يمدون إليه أيديهم بالبيعة.
فهو يعلم أنه من خان أباه .. وأسلمه لأعدائه -بل وخرج في ركب أعدائه- لا شك سيكرر نفس المشهد معه.
ولذلك اعتزل الناس ومضى يكابد أحزانه ويبث شكواه إلى ربه .. ويمد يد العون لجيرانه وأهل بيته .. ويرعى أولئك النسوة والصبيان الذين فقدوا رجالهم مع والده الحسين بن علي عليهما السلام.
فلجأ الناس في العراق إلى رجل من أحرار الأمة وأتقيائها كان يسمى المختار بن أبي عبيد الثقفي ليقود جحافل الأمة الماضية ويحرر العراق من ولاة الأمويين الذين عاثوا في الأرض فساداً .. فأحسن إلى الأمة وساد العدل مع شيء من الخوف والوجل للمستقبل الغامض.
وما هي إلا أيام حتى مكّن الله المختار بن أبي عبيد الثقفي من قتلة الحسين وشفى غليل صدور قوم مؤمنين .. فقتل عبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، وشمرّ بن ذي الجوشن .. ورفع رؤوسهم فوق الأسنة .. وتتبع كل من شارك في قتل الحسين .. في القرى والوديان وفي أعالي الجبال .. ولم يدرك رجلاً شارك أو أعان على قتل الحسين إلا وقتله شر قتلة.
(2)
وما إن استتب الأمر للمختار الثقفي حتى أراد أن يعبِّر عن ولائه لأهل البيت عليهم السلام.
فمع بزوغ شمس أحد الأيام كانت هناك قافلة تحث الخطى نحو مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم محملة بالهدايا وبينها جارية غاية في الحسن والجمال والعلم والفصاحة .. وما هي إلا أيام حتى أطلت على مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتحط رحالها على باب بيت زين العابدين..
ليُطرق باب ذلك البيت الذي تسوده السكينة والوقار .. لا يسمع فيه إلا التسبيح والتهليل .. سكانه أشبه بالملائكة لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ..
فُتح الباب وسمع صوت يقول: تفضل يا عبد الله..
الغلام: هل هذا هو بيت زين العابدين؟
محمد بن علي: نعم يا أخي تفضل..
دخل الغلام وجعل يمشي خلف محمد بن علي حتى أدخله إلى إحدى الغرف .. فوقف ذلك الغلام مذهولاً أمام منظر سمع عنه الكثير ولكنه فاق كل تصور ..
فسجادة من القش يجلس عليها رجل في منتصف العمر يكاد النور يتفجر من بين عينيه .. قد برزت ثفناته وأصفرَّ لونه .. لا تكاد عيناه تجف عن الدموع .. ذو لحية مستديرة عشماء.
تلفت يميناً وشمالاً ليرى غرفة تكاد أن تكون خالية من الأثاث إلا من بعض قطع تشغل بعض زوايا الغرفة.
أدرك الغلام أنه يقف أمام تلك الشخصية التي طار صيتها ليبلغ المشارق والمغارب من دولة الإسلام.
الغلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تنحى زين العابدين عن طرف سجادته وقال: وعليكَ السلام ورحمة الله وبركاته .. تفضل يا ولدي ..
جلس الغلام وبادر زين العابدين قائلاً:
- يا سيدي أرسلني إليكم مولاي المختار بن أبي عبيد الثقفي لأبلغك منه السلام .. وأن تقبل منه ما في هذه القافلة هدية منه وإعلاناً لولائه ومحبته لكم .. وسيره على منهاج وطريقة آبائكم سلام الله عليهم .. وقد حملت إليك يا سيدي مع هذه القافلة جارية هي غاية في الحسن والعلم والورع والجمال لم يرَ مولاي أنّ على وجه هذه الأرض من هو أحق بها منك.
زين العابدين: شكر الله سعيك يا ولدي وكتب أجرك .. بلّغ مولاك عنا السلام .. وقل له قد قبلت الهدية فجزاه الله عن آل رسول الله خير الجزاء.
ووضع زين العابدين يده على كتف الغلام ليقول له:
- تفضل يا بني مع ولدي محمد ليقدم لكم حق الضيافة .. ويعد لكم مكاناً للإستراحة من وعثاء السفر.
وأقبل محمد بن علي إلى الغلام في لطف وجعل يمشي بين يديه يلاطفه في الكلام ويسأله عن أحوال أهل العراق .. فأدخله إلى مكان قد أعده له ولأصحابه .. فإذا به يجد أصحابه قد أدخلوا إلى ذلك المكان واستضافهم الإمام زين العابدين ثلاثة أيام..ثم ودعهم وأعطى كلاً منهم ما يكفي حاجته ويزيد .. فخرجوا من المدينة .. وقد استولى عليهم الذهول لما رأوا من الحفاوة والأخلاق وحسن الضيافة.
فجعلوا يسرعون في المشي، ويحثُّون الخطى نحو العراق، حاملين رسالة علي بن الحسين إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي ..
ولكن شيئاً ما كان يشغل ذهن الغلام الذي اختاره المختار ليكون قائداّ لهذه القافلة..
فكثيراً ما كان يشرد بتفكيره بعيداً عن رفاقه في القافلة مما يضطرهم إلى تنبيهه مرة تلو الأخرى.
وما كادت القافلة تصل إلى ساحة قصر المختار بن أبي عبيد الثقفي حتى أسرع ذلك الغلام نحو مجلس المختار بن عبيد الله.
واستقبله المختار بوجه دلّت ملامحه على فرحة عميقة .. وبادره المختار قائلاً:
- قص علينا أحداث رحلتك .. فو الله لقد اشتد شوقنا لسماع أخبار مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتعرف على أحوال أهل البيت سلام الله عليهم هناك.
الغلام: مولاي هل تريد أن أسمعك كل ما رأيت أم أعجب ما رأيت؟ فيكفيك عن كثير الكلام.
المختار: تكلم بما تريد.
الغلام: يا مولاي .. والذي بعث محمداً بالحق رسولاً ما خرجت من بيت زين العابدين وفي بيته حبة من خردل مما حملته له من الهدايا إلا تلك الجارية اتخذها لنفسه بعد أن عرض عليها الزواج من أحد أبنائه فأبت إلا البقاء عنده لما رأت عليه من النور وسيماء الصلاح .. فقد رأيته يا مولاي لا يكاد ينتصف عليه الليل إلا وقد شد وسطه بحبل .. وجعل يحمل ما يستطيع حمله ثم يخرج ويعود فارغ اليدين .. فدفعني الفضول فتبعته .. فما رأيته يمر على دار من دور فقراء أهل المدينة إلا ويضع عند بابه من ذلك شيئاً ثم يطرق الباب .. وقبل أن يفتح الباب ينطلق مسرعاً كاللص الذي يخشى أن يُعرف .. فوالله لا يكاد أحد منهم يعلم مصدر ذلك الرزق.
المختار: رحمة الله عليهم من أهل بيتٍ ما أرحمهم بأمة جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. والله لو اعطوا حقهم لعم إحسانهم البلاد .. ولضربوا أروع الأمثلة في العدل والإحسان.. ولكن هل أوصاك بشيء ..؟
الغلام: أمرني أن أبلغك منه السلام .. ثم أسألك كيف استطعت مع حبك لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تجاور قوماً خضبوا سيوفهم بدماء ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قريب؟
المختار- وقد اغرورقت عيناه بالدموع: والله لئن مكنني الله منهم ليرى زين العابدين من حالهم ما يقر عينه ويشفى غليله فما أعظم جرحه .. فمن منا أصيب بمثل مصيبته .. فوالله ما أخرجني على هؤلاء حب جاه أو سلطة .. ما أخرجني إلا طلب الثأر من أولئك الفساق الذين اجترأوا على حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته فسفكوا دماءهم وساقوهم سبايا.
استمر الظلم يخيم على البلاد الإسلامية .. وتمادى الولاة الأمويون في الإساءة إلى الأمة الإسلامية يظلمون العباد .. ويبالغون في الإساءة إلى كل من يصدع بالحق .. أو يبصِّر عامة الأمة بحقيقة هذا الدين .. حتى أصبحت المنابر والمساجد .. أماكن للتجني والسباب.
وفي داخل تلك البيوت المتواضعة كان أهل البيت عليهم السلام .. يعلمون الناس معالم دينهم .. ويصححون للناس عقائدهم .. في معزل عن الجواسيس والعيون الأموية التي كانت ترقبهم بعناية وحقد وحذر.
وفي أحد هذه البيوت كان الإمام زين العابدين (ع) .. يتجرع الآلام لحال الأمة ولا يجد أمامه سوى الدعاء والمناجاة والخلوة مع الله .. وفي ليلة من ليالي عام 80ه أخذته غفوة نوم وهو في مصلاه .. فإذا به يرى فيما يراه النائم
أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أدخله الجنة فزوجه بحورية من حورها وولدت له ولداً .. فإذا به يسمع هاتفاً يقول: ليهنئك زيد.
ومع طلوع الفجر كان هناك طرق خفيف على
باب غرفته.
علي بن الحسين: من الطارق؟
الجارية: ياسيدي إن الجارية السندية توشك أن تضع حملها .. وقد اشتد عليها الألم .. فادع لها يا سيدي لعل الله أن يفرج عنها كربتها.
غمرت الفرحة زين العابدين وكأنه يبشر بمولوده الأول .. فقد توسم في ذلك الحمل خيراً .. فتوجه يدعو الله لها بالفرج.
وما هي إلا لحظات حتى سمع صوت ذلك المولود الجديد الذي كان لصوته وقْع خاص في أذنيه .. فقد إمتلك عليه قلبه حتى قبل أن يراه.
وبعد أن صلى الفجر دخلت عليه إحدى جواريه وهي تحمل ذلك المولود .. وكان من عادته أنه لا يتكلم بعد الفجر حتى طلوع الشمس.
فنظر إليه زين العابدين فإذا هو كامل الخلق
أبيض الوجه.
فحمله بين ذراعيه .. ثم أذَّن في أذنه اليمنى وأقام في الأخرى وتَوَّجَه بأول قُبْلة على جبينه .. ثم دفعه إلى الجاريه .. وعاد إلى مصلاه.
ومع شروق الشمس دخل محمد بن علي متهلل الوجه يهنئ أباه بالمولود الجديد وجلس إلى جوار أبيه.
فتناول زين العابدين مصحفاً كان بجواره .. ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم .. وفتح المصحف .. فإذا به يرى في أول الصفحة من جهة اليمين قول الله سبحانه وتعالى: {وَفَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ على الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا}[النساء:95].
ثم فتحه مرة ثانية فخرج له قول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الله اشْتَرَى من الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}[التوبة:111]، فحدث نفسه بصوت مسموع قائلاً: هو والله زيد ..
محمد بن علي: ومن زيد هذا يا أبي؟
علي بن الحسين: اسمع يا ولدي فوالله لئن طال بك العمر لترى هذا المولود مصلوباً بكناسة الكوفه .. فقد بلغني عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ((المظلوم من أهل بيتي سمي هذا .. المقتول في الله والمصلوب من أمتي سمي هذا)) وأشار إلى زيد بن حارثه .. ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم لزيد: ((أدن مني يا زيد زادك الله عندي حباً فإنك سمي الحبيب من ولدي)).
قد سمعت يا محمد ما رويت لك عن جدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والله لقد رأيت في منامي مازادني يقيناً بأنه المصلوب .. فليكن اسمه زيداً.
الفصل الثالث
جعل زيد بن علي يترعرع في حجر أبيه .. يحوطه بعنايته ويغمره بعطفه.
وفي أحد الأيام أسرع محمد بن علي وهو يحمل أخاه زيداً بين يديه فوضعه في حجر أبيه زين العابدين فجعل يناغيه ويلاعبه ووضعت مائدة الطعام بين يدي زين العابدين .
زين العابدين: يا محمد .. عليّ بأخيك زيد.
محمد بن علي: تفضل يا أبي.
أقبل زين العابدين على مائدة الطعام .. فانشغل عن الأكل بإطعام ولده زيد .
فكان يبرد له اللقمة ويشتغل بانتقاء غيرها .. فلا يكمل زيد مضغ الأولى حتى يعد له الأخرى.
محمد بن علي: أبي.. هلاَّ أعطيتني زيداً لأطعمه .. وأكملت أنت تناول طعامك؟
زين العابدين: لا عليك يا ولدي سيأتي اليوم الذي أتركه أمانة بين يديك.
محمد بن علي: أدام الله ظلك يا أبي .. وفَدَتك نفسي .. فما أعتقد أن في هذه الدنيا من يملأ مكانك .. فأبقاك الله لأمة محمد ولنا وأطال الله عمرك.
ومرت الأيام والسنون وذلك الطفل الصغير يزداد نمواً وأبوه يحيطه بعناية خاصة لفتت نظر أخيه الأكبر محمد الباقر .. فعلم أن لهذا الطفل شأناً فجعل هو الآخر يحوطه بعنايته.
وبدأ زيد بن علي يتخطى باب الدار فيلاعب أقرانه .. من أبناء عمومته عبد الله بن الحسن بن الحسن .. وابن أخيه جعفر بن محمد اللذين كانا في مثل سنِّه .. فيفوقهما ذكاء وفطنة .. ولكنه كان كثير الصحبة لأبيه والبقاء إلى جواره فما كان زين العابدين يطيق كثرة فراقه.
***
وفي أحد الأيام بينما كان زين العابدين علي بن الحسين (ع) جالساً مع مجموعة من أصحابه .. إذ أقبل عليه زيد مسرعاً والدم يسيل من جبينه وهو يصيح: أبي .. أبي..
أقبل عليه زين العابدين وعلامات الخوف بادية على وجهه .. ونادى أحد غلمانه: يا غلام عليّ بخرقة وماء .. وجعل يمسح الدم ويضمد الجرح .. ويردد: أعيذك الله أن تكون زيداً المصلوب بكناسة الكوفة.
وبعد أن ضمد جرحه وعاد إلى أصحابه.. سأله أحدهم:
- يا سيدي سمعتك تعيذ ولدك أن يكون هو المصلوب بالكوفة .. فماذا قصدت يا سيدي؟
تنفس زين العابدين الصعداء ثم التفت إلى السائل ومن إلى جواره من الأصحاب فقال: اسمعوا ما سمعته عن أبي .. مما يرويه عن جدي علي (عليه السلام) قال:
- لما أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((إنه يُقتل ولدي الحسين .. ويُقتل من ولده رجل يسمى
زيداً -لم يلد أبوه بعد- يصلب في كناسة الكوفة)) .. وإني أخاف أن يكون ولدي هذا هو المقصود.
جعل القوم يعوذونه بالله أن يكون هو زيد المصلوب .. وتعلقت أنظارهم بذلك الطفل الذي لم يبلغ الرابعة من عمره ينظرون إليه بعين الخوف والشفقة.
أحدهم: والله لقد عجبت لما رأيت على وجهك من القلق عندما دخل ولدك زيد فالجرح لا يستحق منك كل هذا الخوف .. أما وقد سمعت هذا الخبر فو الله إن نياط قلبي تكاد أن تتمزق حزناً وإشفاقاً عليه.
***
لم تكن تلك التنبآت لتقتصر على زين العابدين .. بل كان هناك من يعلم بمثل هذه الروايات.
فبينما كان الإمام زيد(ع) يلعب في بعض الأيام مع أقرانه إذ رآه إبن الحنفيه محمد بن علي بن أبي طالب .. فجعل ينظر إلى زيد نظرة الحزين المشفق وناداه قائلاً: تعال يا زيد..
فأقبل عليه زيد .. فجعل يحادثه ويلاعبه .. ثم حمله وقبله .. وقال أعيذك بالله أن تكون زيداً المصلوب بالكوفة.
وخرجت تلك التنبوءات من بيوت أهل البيت لتنتشر في أوساط عامة الناس .. وطرقت مسامع الولاة من بني أمية .. فاشتد خوفهم .. وبالغوا في إيذاء أهل البيت عليهم السلام .. وبثوا حولهم الجواسيس .. والرقباء يحصون عليهم حتى أنفاسهم.
كان الإمام زيد (ع) يتنقل بين دور بني هاشم .. ويجلس إلى كبارهم ويلعب مع صغارهم .. ويرتوي من ذلك المنبع الصافي والمنهل العذب.
وجعل زيد لا يكاد يفارق أباه .. يصلي بصلاته .. ويأنس إلى سماع تلاوته ويحاكيه في كل أفعاله.
فما كاد يبلغ العاشرة من عمره .. إلا وقد حفظ القرآن وغاص في فنون العلم .. وبدأ يشعر بوضع أهل البيت وحالهم الذي لا يحسدون عليه .. فكل بيوتهم كان لا يسمع فيها إلا النحيب والمناجاة.
في الوقت الذي كانوا يتخوفون أن يتحدثوا عما حدث بالأمس في كربلاء من مآسٍ وويلات .. فقد كان الحديث عنها يعد جريمة تعاقب عليها السلطة الأموية.
وفي أحد الأيام سمع زيد بن علي عليه السلام حواراً هز مشاعره وغيّر مجرى حياته.
فبينما هو يسمع النحيب والمناجاة التي تعود أن يسمعها وبالذات من والده زين العابدين .. سمع غلام أبيه يقول: يا سيدي أما آن لحزنك أن ينفض وبكائك أن يقل؟
فرفع زين العابدين رأسه من سجوده .. وإذا بالدموع قد بلت وجهه ولحيته وقال له:
- ويحك .. إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبي ابن نبي ابن نبي له أحد عشر إبنا .. فغيب الله واحداً منهم فشاب رأسه من الحزن .. وأحدودب ظهره من الغم .. وذهب بصره من البكاء .. وابنه حي في دار الدنيا .. وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة( ) عشر من أهلي مقتولين صرعى فكيف ينفض حزني ويقل بكائي.
وسالت الدموع من عيني زيد ونزلت تلك الكلمات أشبه ما تكون بالسهام .. لتصيب ذلك القلب الصغير وتحمّله من الحزن والهم ما تعجز عن حمله الجبال الرواسي.
وأقبل على أبيه يريد أن يسأله ليقص عليه أحداث الأمس .. ولكن زين العابدين كان قد عاد إلى سجوده وغرق في مناجاته .. فتهيب أن يحدثه .. فأنسحب حزيناً منكسر البال .. خائر القوى.
***
وخرج زيد في اليوم التالي مع أقرانه .. ولكنه لم يكن على عادته ..
عبد الله بن الحسن: يا زيد! .. يا زيد! ..
زيد بن علي: لبيك يا عبد الله ماذا تريد؟.
عبد الله: أخي ما بالك كاسف الوجه كثير الشرود. !! أهناك ما يشغلك؟
زيد بن علي: لقد سمعت بالأمس بعض كلام أبي لأحد غلمانه .. لقد كان يتكلم يا عبد الله والألم والحزن العميق يسيطر عليه. لقد رأيت أبي يبكي فما رأيت مثل بكاء الأمس.
عبد الله: عن ماذا كان يتكلم؟
زيد بن علي: لقد تحدث عن مصرع جدي وعمي وسبعة عشر من أهله .. وكنت أريد أن يفصل لي ويحدثني .. ولكني تهيبت أن أسأله.
عبد الله: وأنا يا زيد قد سمعت عن هذا وكم اتمنى أن أعرف ذلك بالتفصيل.
زيد بن علي: فما رأيك أن نذهب إلى عمتي فاطمة لعلها تقص علينا ما خفي عنا.؟
عبد الله: هيا يا زيد فأمي لا شك ستقص علينا كل شيء إن شاء الله.
وأقبلا على فاطمة بنت الحسين سلام الله عليها .. فطلبا منها وألحا عليها إلا ما حدثتهما عن تفصيل ما سمعوه من علي بن الحسين .. فجعلت تقص عليهما أحداث معركة كربلاء بالتفصيل وزيد ينتحب ويبكي مع كل حادثة تقصها عليهما.
ازداد الإمام زيد قرباً من أبيه وجعل ينتهل من علمه .. ومعارفه حتى بلغ من العلم ما فاق به أقرانه.
دعاه أبوه زين العابدين (ع) في أحد الأيام وقد إجتمع إليه إخوانه .. فقال لزيد: اقرأ ما تحفظ من القرآن .. فقرأ .. ثم جعل يسأله في المعضلات فيجيبه زيد عن كل المسائل .. فقام إليه زين العابدين وقبله بين عينيه ثم دعا له.
وما إن أوشكت سنة 95ه على الانتهاء عندما بلغ زيد بن علي سن السادسة عشر من عمره .. فَقَدَ زيد أباه وبكت المدينة لفقدانه.
وانتقل زيد ليعيش مع أخيه محمد الباقر .. ويتزود من علمه.
إلى جانب ذلك فقد كان زيد -منذ نعومة أظفاره- يخرج إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليسمع البقية الباقية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين.
وكان الإمام زيد (ع) كثير العبادة يقوم الليل، ويصوم يوماً ويفطر آخر .. فاشتهر وذاع صيته في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يزال في سن مبكر.
***
وبعد زمن من رحيل ذلك الأب الذي أحاطه برحمته وحنانه .. وفي إحدى الليالي أرسل محمد الباقر في طلب أخيه زيد بن علي(ع) .. فلما أتاه وهو جالس مع أصحابه أفسح له في المجلس وجعل يناقشه ويحاوره في بعض مسائل العلم فكان لا يسأله عن مسألة إلا ويجيبه ويزيده بعضاً مما عنده أو ما توصل إليه نظره في بعض مسائل العلم.
فجعل وجه محمد الباقر(ع) يتهلل .. ثم التفت إلى أحد أصحابه وقال:
يا أبا السدير هذا والله سيد بني هاشم .. إذا دعاكم فأجيبوه وإذا استنصركم فانصروه.
ولما انصرف القوم عن مجلسه قرّب إليه أخاه زيداً ثم قال له:
- يا زيد لقد بلغت من العلم ما بلغت وأرى أنه قد آن لك أن تبحث لك عن زوجة صالحة تكون سكناً لك فما رأيك يا أخي؟
زيد: الرأي ما رأيت يا أخي.
محمد الباقر: إذا رأيت يا أخي أن أخطب لك ريطة بنت عمنا عبد الله بن محمد بن الحنفية؟ فقد بلغني من خلقها ودينها وحسنها ما أرجو أن يسرك.
وما هي إلا أيام حتى استعدت دور بني هاشم لإقامة مراسيم الزواج المبارك.
ولم يكن زيد بالرجل الذي تشغله ملاذ الحياة عن عبادته وطلبه للعلم فقد استقى ذلك وتربى عليه منذ نعومة أظفاره .. فصار العلم بالنسبة إليه كالماء لا يُستغنى عنه.
وما هي إلا أيام من زفافه حتى أقبل على مجلس أخيه.
زيد: سلام من الله عليكم.
محمد الباقر: وعليك السلام يا زيد ما الذي أخرجك من عند عروسك ولم تكمل معها أسبوعاً؟ هل ساءك منها شيء؟
زيد: لا يا أخي فنعم المرأة هي .. لكنه أشكل عليّ بعض مسائل فرجوت أن أجدها في كتاب كان لأبي فقلت لعله عندك فأحببت أن أطلع عليه.
الإمام الباقر: أو في أيام عرسك تنشغل بالعلم؟!! عد يا زيد إلى عروسك فإذا انقضت أيام عرسك أرسلته إليك إن شاء الله.
زيد: الرأي ما رأيت يا أخي .. وعاد على الفور إلى داره.
***
كان الإمام زيد كثير التلاوة والتأمل في كتاب الله .. فجعل يبحث ويتأمل .. وكلما ازداد تأملاً للقرآن ازداد شغفاً وتعلقاً به لذلك قل خروجه إلى الناس وجلوسه إليهم .. فقد وجد في آيات الله له مؤنساً ورفيقاً فأخلص له الإنقطاع .. وانقطع عن الناس ثلاثة عشر سنة بقي فيها عاكفاً يتأمل في كتاب الله حتى عُرف بين الناس بحليف القرآن.
ولقد أتى أبو الجارود يسأل يوماً عن الإمام زيد (ع) في مجلس الإمام محمد الباقر (ع)..
أبو الجارود: أين أخوك زيد يا سيدي فمنذ زمن لم أره؟
محمد الباقر: والله يا أبا الجارود لقد اشتد شوقي لسماع حديثه والجلوس إليه .. ولكن والله ما فينا من يتجاسر أن يقطع عليه خلوته .. فقد انقطع للتأمل في كتاب الله عز وجل فإنه ليقف مع الآية يرددها ويتأمل معانيها حتى يخر مغشياً عليه .. فهو بحق والله
حليف القرآن.
وما هي إلا لحظات حتى دخل الإمام زيد على أخيه الإمام محمد الباقر فبادره قائلاً: ألم تكن يا زيد سألتني أن أعطيك كتاب أبيك؟
زيد: بلى يا أخي..!.
محمد الباقر: والله ما منعني أن أبعث به إليك إلا النسيان.
زيد: جزاك الله عني خيراً يا أخي .. لولا أني وجدت ما أغناني عنه لذكرتك.
محمد الباقر: أتستغني عن كتاب أبيك..؟!
زيد: نعم .. إستغنيت عنه بكتاب الله.
محمد الباقر: أفأسألك عما فيه ..؟
زيد: سل يا أخي عما بدا لك .. فأنا أعلم أنك أحرص الناس على أن أكون أكثر الناس علماً.
فقال الإمام محمد الباقر لولده جعفر:
- علي بكتاب أبي يا جعفر.
ثم أقبل يسأل زيداً مسألة مسألة حتى فرغ من آخر مسألة في الكتاب .. ثم تبسم في وجهه وضمه إلى صدره وقال:
- بارك الله فيك يا أخي .. والله لقد أعطاك الله علماً غزيراً وفهما وبلاغة فمتى تخرج علمك إلى الناس.؟ فقد طالت خلوتك .. !
زيد: والله يا أخي ما أنا بمعزل عن أحوال الناس .. وإن انعزلت عن الناس .. فإن نياط قلبي توشك أن تتمزق حسرة على أحوال أمة جدي. ولكن ما ظنك برجل لا أمر له ولا نهي؟!
***
ودخل على الإمام زيد وفد من همدان أرادوا الحج .. فأحبوا أن يسلموا على آل رسول الله .. فشكوا سوء حالهم إلى زيد بن علي عليه السلام وحدثوه بما يقع عليهم من الظلم فأنشد قائلاً:
متى تطلب المال الممنع بالقنا ... تعش ماجداً أو تخترمك المخارم
متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وانفا حمياً تجتنبك المظالم
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا يا آل همدان ظالم
خرج القوم وقد تعلقت قلوبهم بزيد بن علي واشتد حبهم له فقد سمعوا من كلامه ما أثلج صدورهم وأعاد إليهم الأمل في الخلاص من هذا الوضع الفاسد.
***
ودخل عليه جعفر ابن أخيه يوماً ووجد بين يديه كتاباً يخطه فقال: ما هذا يا عماه.؟!
زيد بن علي: هذا يا أبن أخي كتاب جمعت فيه كل لفظ غريب في القرآن .. وذكرت معناه أرجو من الله أن يكتب لي به أجراً وينفع الله به أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
جعفر الصادق: وماذا أسميته يا عماه ..؟
زيد: أسميته (تفسير غريب القرآن)..!
***
وما إن بلغ الإمام زيد سن الخامسة والعشرين حتى
صار أخوه محمد الباقر لا يقطع في رأي إلا ويستشيره
ويعمل برأيه .. وكان يحث أصحابه على طاعته
ويقول-كلما رآه: هذا والله سيد بني هاشم.
ولا يكاد يركب زيد على دابته حتى يسرع جعفر بن محمد ليمسك لعمه زيد دابته.
ولما بلغ سن الخامسة والثلاثين شاء الله أن يفقد أخاه الأكبر محمد الباقر سنة 114ه .. فأصبح بعد أخيه سيد بني هاشم وعميدهم .. وموضع استشارتهم وصار محط الأنظار والأصدقاء والموالين .. يرقبونه معجبين بتلك الشخصية الحسينية الفذة .. صاحب النظر البعيد والرأي السديد .. فأصحاب الفقه وطلبته يرون فيه البحر الذي لا ينفد .. وطلبة علوم القرآن يدركون أنه وحيد عصره فيتسابقون في الإغتراف من معين علمه .. وأهل الزهد والتمسك لا يعدلون به أحداً.
وهناك في قصر الخلافة الأموية في (الرصافة) كان الخليفة هشام بن عبد الملك يتابع أخبار مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أولاً بأول..
وأقبل عليه والي المدينة مسلّماً عليهً وداعياً له بطول البقاء والصحة ..
فأشار هشام إلى كل من في المجلس بالانصراف ثم توجه بالحديث إلى والي المدينة خالد بن عبد الملك بن الحارث.
هشام: ما أخبار ذلك الفتى الهاشمي الذي صارت أخباره تملأ الآفاق؟
خالد: من تقصد يا مولاي ..؟! محمد بن علي بن الحسين الملقب بالباقر؟
هشام: ما قصدت هذا ..! قصدت أخاه زيداً .. ألم تسمع عنه وهو بجوارك في المدينة ونحن هنا في أطراف الشام ونعلم كل أخباره؟
خالد: لا عليك يا مولاي لا تشغل نفسك به فقد عكف على العلم والعبادة .. وما أراه يفكر في شيء
سوى ذلك.
هشام -في صوت حاد: يبدو عليك أنك لم تعرف أهل هذا البيت؟ .. اسمع يا خالد إجعل من يحصي عليه أنفاسه .. ويراقبه ليلاً ونهاراً .. وارقب كل من يأتي إليه أو يخرج من عنده .. وإن استطعت أن تجد عليه مدخلاً فلا تتتورع في ذلك .. فإني أعلم أن نفسه تنازعه الخلافة .. وإذا أراد أن يخرج من المدينة فأمنعه .. وحذار أن تغفل عنه طرفة عين.
خالد: أمرك يا مولاي .. والله لا تجد إلا ما يسرك.
وانطلق خالد ليعود إلى المدينة ولا شيء يشغل ذهنه إلا إرضاء هشام الذي يعلم أن انحصار رضاه في إيذاء آل بيت النبوة وبالذات زيد بن علي عليه السلام.
***
كان الشيء الذي ينغص على الإمام زيد حياته.. ويجعله لا يطيق الحياة هو الوضع الذي تعيشه الأمة المحمدية.
فأهل البدع والأهواء يصولون ويجولون في البلاد الإسلامية لا يجدون من يرد عليهم بدعهم .. يلبِّسون على العوام .. ويحرفون الدين .. ولا يكاد يمر عام حتى تظهر فرقة جديدة ومذهب جديد .. فانشغل العلماء والفقهاء بالجدل فيما بينهم ونسوا حال الأمة .. حتى أصبحت المساجد مجالس خصام وجدل.
فجعل الإمام زيد يتتبع أخبار الأقطار الإسلامية .. ويتلمس أحوال الناس.
وبينما هو جالس في داره بالمدينة إذ بذلك الزائر الذي تعوَّد أن يحل ضيفاً على الإمام في كل سنة منذ عدة سنوات يطرق عليه الباب.
الإمام زيد: من الطارق..!؟
أبو خالد: افتح يا سيدي فأنا أبو خالد الواسطي.
تهلل وجه الإمام .. وأقبل يفتح الباب .. ويعانق أبا خالد.
زيد: أهلاً بك تفضل .. تفضل .. لقد اشتقنا إليك يا أبا خالد.
أبو خالد: والله لشوقي إليكم أعظم .. ولولا مؤنة الطريق وكثرة العيال ما فارقتكم لحظة.
وما كاد أبو خالد يستقر في مجلسه حتى بادره الإمام بالسؤال قائلاً:
- كيف تركت الناس في العراق يا أبا خالد؟
أبو خالد- وقد بدت علامات الحزن على وجهه: عن ماذا تريد أن أحدثك عنه يا أبا الحسين؟ أعن ذلك العداء والعصبية التي قسمت الناس شيعاً وأحزاباً؟ أم عن ظلم وتجبر الولاة الذي ما ترك بيتاً إلا ودخله؟ أم عن تخاذل علماء الأمة عن إيضاح معالم الدين؟ فكم من عالم يداهن الأمراء والولاة على حساب الدين!!
وفي تلك اللحظة طُرق الباب بقوة وجعل رجل ينادي بصوت عال: افتح يا زيد وإلا كسرنا الباب.
اتجه الإمام إلى الباب في عزم وصلابة بدت واضحة على وجهه.
الإمام زيد: من الرجل ..؟!
- أنا خالد بن عبد الملك بن الحارث والي المدينة.
فتح الإمام الباب .. ودخل الوالي.
الإمام: ماذا تريد يا خالد ما الذي أتى بك في مثل هذه الساعة؟
خالد: اسمع يا زيد .. لا تظن أني غافل عنك وعن هذا الأعرابي الجلف الذي يأتيك من أطراف العراق .. فحذارِ أن أرى منك ما يسوء أمير المؤمنين.
ثم خرج الوالي من الدار في تبجح وغطرسة لا مثيل
لها .. واغلق الإمام الباب .. وجلس في مكانه ومسحة من الإطمئنان والسكون بادية على وجهه .. وكأن شيئاً لم
يحدث .. فقد أصبح مثل هذا المشهد عند الإمام زيد وسائر أهل البيت (عليهم السلام) طبيعياً قد ألفوه وتعودوا عليه منذ زمن.
الإمام زيد: المعذرة يا أبا خالد .. فو الله ما تركوا لنا حرمة إلا وانتهكوها .. حتى ديارنا أصبحوا ينتهكون حرمها متى ما شاءوا .. ولكن نحتسب ذلك عند الله.
أبو خالد: لا حاجة للإعتذر يا سيدي .. فقد إعتدنا رؤية مثل هذه المشاهد مراراً .. فما تركوا بيتاً إلا وانتهكوا حرمته .. فإذا كانوا يطرقون أبوابكم فأبوابنا تكسر قبل أن تطرق.
الإمام زيد: الله أعلم إلى أين يؤول حال هذه الأمة؟ .. ولكن لا بد من مخرج فالله أرحم من أن يترك هذه الأمة بأسرها نهباً لهذه الثلة الفاسدة .. فأكمل حديثك يا أبا خالد .. فأنا في شوق لسماع الأخبار عن العراق وعلماء العراق.
أبو خالد: والله يا سيدي .. لو رأيت كيف أصبحت أحوال طلاب العلم .. أولئك الذين اضطربت عليهم الأقوال والآراء .. فالحلقة الواحدة أصبحت حلقات .. واشتد النزاع والخلاف حتى صيروا الحليم العاقل حيراناً لا يعرف الحق من الباطل .. ولا يدري مع من يكون ..؟!
الإمام زيد: فما أخبار الحسن البصري؟
أبو خالد: لقد اعتزل حلقته بعض طلابه .. بعد أن احتد النقاش فيما بينهم .. وأصبح لهم حلقة يتزعمها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد..
والأهم من ذلك يا سيدي أن الخلافات تزداد كل يوم وتتجاوز طبقات العلماء إلى طبقة العوام .. وهناك من يستغل مثل هذا الخلاف ويشكك حتى في دين الإسلام.
الإمام زيد: ولكن أخبرني ما دور ولاة الأمر؟ ألم يحاولوا أن يوقفوا أولئك المشككين عند حدودهم؟
أبو خالد: آه يا سيدي والله لأشد ما أخاف منه أن يكون لهم يد في تأجيج نار الخلاف .. فهم بهذا يضمنون انشغال علماء الأمة بهذه الأمور عن المطالبة بإزالة المظالم التي أثقلت كاهل الأمة.
الإمام زيد: والله ما ذلك بغريب عليهم .. فَمنْ سَفَك الدماء وانتهك الحرم ليس بغريب عليه أن يفعل أي شيء .. ولكن لا بد أن يكون هناك حل فقد صار الأمر لا يطاق .. فما فائدة صلاة وصيام وخشوع وتذلل .. وأمة محمد تسير إلى الهاوية ونحن نقف موقف المتفرج .. فماذا ترى يا أبا خالد ألا ترى أن الحل..؟
أبو خالد -مقاطعاً-: لي رأي إن أذنت لي يا سيدي.
الإمام زيد: تفضل يا أبا خالد .. فأنت أعلم بما في العراق وبما يصلحه.
أبو خالد: لعل الناس يا سيدي لو وجدوا شخصاً يعترف له الجميع بالفضل والعلم يفصل بينهم فيما اختلفوا فيه لجمع الله على يديه كلمتهم.
الإمام زيد: ومن ترى ذلك الشخص؟
أبو خالد: وهل ترى أن هناك غيرك يا سيدي؟
الإمام زيد: وهل ترى أن مثلي يمكنه بنو أمية من التنقل في البلاد وقد صرت لا أخرج من بابي إلا وأعين الرقباء والجواسيس ترقبني من كل جانب .. إن الأمر صعب يا أبا خالد .. والله لقد صرت أتحرج من الرجل أقف معه على قارعة الطريق مخافة أن يؤذوه بسبب حديثه معي.
أبو خالد: إنك لن تعدم طريقاً .. وإذا خرجت من المدينة فوالي العراق خالد القسري هو إليكم أميل يا سيدي ولا أراه يتعرض لكم بأذى.
الإمام زيد: سننظر .. فأسأل الله أن يختار ما فيه خير
هذه الأمة.
وفي ذات مساء كان يحيى بن زيد عليهما السلام يحث الخطى متنقلاً بين دور بني هاشم .. فطرق باب جعفر وعبد الله أبناء الحسن بن الحسن، واتجه إلى باب محمد بن عمر بن علي .. ثم إلى دار داود بن علي بن عبد الله بن العباس، وجعل يهمس في أذن كل واحد منهم بكلمات ثم يذهب ومن ثم عاد إلى دار أبيه.
الإمام زيد: ماذا فعلت يا يحيى؟
يحيى: بلغتهم يا أبي والجميع يقبل إليك الساعة.
وما هي إلا لحظات حتى دخل أربعة من بني هاشم إلى منزل الإمام .. والحيرة والتخوف بادية على وجوههم فما كادوا يستقرون في مجالسهم حتى قال جعفر بن الحسن:
- خيراً يا زيد ما الذي دعوتنا له في مثل هذه الساعة من الليل؟
الإمام: خيراً إن شاء الله يا ابن العم .. والله ما دعوتكم إلا لما فيه خير دينكم ودنياكم.
عبد الله بن الحسن: فصّل يا زيد يرحمك الله .. فوالله لن ترى منا إلا ما يسرك إن شاء الله .. فما عهدناك إلا إلى الخير داعياً.
الإمام: يا بني هاشم والله إني لا أعلم أحداً أوفر حظاً من حظكم .. فقد خصكم الله أن تكونوا ذرية نبيه وقرناء كتابه .. وها هو كتاب الله لا يعمل به .. وها هي سنة رسول الله يزاد فيها وينقص .. ونحن في المدينة ليس فينا من يأمر بمعروف وينهى عن منكر .. وقد أتاني بعض من أعرف إخلاصه ودينه من أهل العراق .. يدعوني للخروج إلى العراق والإلتقاء بعلمائها لعل الله يجمع شتاتهم بنا .. وأنا أرى أن نخرج إلى العراق لزيارة قبر أمير المؤمنين علي عليه السلام والحسين بن علي عليه السلام وأصحابهم .. ومحاورة علماء العراقين والإصلاح ما استطعنا .. فماذا تقولون؟
جعفر بن الحسن: حباً وكرامة يا ابن العم .. فامهلنا حتى نعد العدة للسفر فأنت تعلم حالنا.
***
وما هي إلا أيام حتى وصلوا إلى حدود العراق .. فتسابق أهل العلم والفضل إلى استقبالهم والإحتفاء بهم.
وانتقل الخبر إلى خالد القسري في دار الإمارة .. فخرج في موكب مهيب يسارع في خطاه والبشر باد على محياه والسرور يملأ جوانحه .. وأقبل نحو الجامع الأعظم فإذا المسجد قد اكتض بالناس، فالعبّاد، والزهاد، وعلماء الدين، ووجهاء أهل العراق، وعامة الناس .. الكل يريد أن يكون أول مستقبل لذلك الوفد المقبل من مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
إنه وفد فريد من نوعه فمنذ عشرات السنين ومنذ أن حدثت تلك الحادثة المشؤومة في كربلاء وأهل البيت يستوحشون من دخول العراق.
كان المسجد رغم كثرة الناس يسوده هدوء غريب .. فهنا شخص يتكلم .. الكل قد أصغى إليه بكل جوارحه حتى أصبح المتأمل والمنصت لا يسمع من كلام الناس إلا همساً كله إعجاب بذلك الشخص المتكلم .. ولا يكاد السائل يتم كلامه حتى يسمع الإجابة عليها بأبسط عبارة وأبلغ معنى.
وعندما اقترب وفد الأمير تصايح الناس: الأمير .. الأمير ..
طرقت هذه الكلمة مسامع ذلك الوفد المدني فرجوا من الله أن يكون طارق خير ..
وانشقت الصفوف وتقدم الأمير .. كانت قلوب الناس تضرب كالطبول وحبست الأنفاس .. الكل كان يدرك العداء الذي يكنه بنو أمية لأهل هذا البيت .. فماذا يريد الأمير؟
وأقبل خالد القسري على الإمام زيد يعتنقه، ويقبل رأسه، ويقسم عليه ألا ينزل إلا في دار الإمارة .. فتغير المشهد وانقلب الخوف إلى تكبيرة مدوية انطلقت من أعماق القلوب حتى سمع لها صدى خارج المسجد.
***
بقي الإمام ومن معه ضيوفاً على خالد القسري أياماً .. ومع إشراقة كل صباح كان الإمام ومن معه يخالطون العلماء والفقهاء يحاولون أن يقرِّبوا بين وجهات النظر ويصلحون فيما بينهم يعظون من يحتاج إلى الموعظة ويناظرون من يريد المناظرة.
والتقى الإمام زيد بواصل بن عطاء وجالسه وناظره في بعض المسائل .. كان الجميع يتقبلون من الإمام ويأنسون إلى آرائه.
ولكن كانت هناك عقبة تقف أمام كل هذه الجهود فقد كان هناك من يغذي هذا الخلاف .. ولقد استطاعت السلطات الأموية أن تبث جواسيسها وسمومها في حلقات العلم ومجالس العلماء .. فكان هناك من علماء السلطة من يشتري الضمائر ويجعل من الإختلافات الدنيوية اختلافات دينية.
فاشتد حزن الإمام وقرر مع أصحابه العودة إلى المدينة.
فشكر خالد على حسن استقباله وضيافته واستعد للرحيل مع أصحابه .. وما هي إلا أيام حتى وصلوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليأنسوا من جديد يمجاورته.
(2)
كانت الأخبار تقطع المسافات ما بين العراق والشام على أجنحة الحمام وظهور الخيول لتسابق الريح .. وتطرق سمع الخليفة الأموي فتكون أشبه بالعواصف واشد من وقع الصواعق .. فلا يكاد الخليفة يجد راحة أو لذة في مطعم أو مشرب.
وأصبح الخليفة متوتر الأعصاب يزمجر ويتوعد .. يسأل عن أحوال العراق فلا يكاد يسمعها حتى يطير لُبُّه ولا يستقر به مجلسه .. يبيت مسهداً لا يجد النوم إلى عينه طريقاً .. فيهرب إلى الشراب حتى لا يدري أين هو .. ولكنه ما إن يفيق حتى يعاوده الحزن والغم.
وبينما هو على مثل هذه الحالة إذ وصل إليه رسول من العراق يخبره برحيل الإمام زيد وتوجهه نحو المدينة.
تنفس هشام الصعداء واسترخى في مجلسه .. وجعل يفكر بجدية ويحاور وزراءه فأشاروا عليه بعزل خالد القسري.
هشام: ومن ترون الرجل الذي يستطيع أن يحزم أمر العراق .. أريد رجلاً أميل إلى السيف منه إلى العفو .. أريد رجلاً يسمعني أنين أهل العراق.
جالت الأذهان وتعددت الآراء .. فمن أين لهشام بحجاج آخر يذيق أهل العراق من الذل والمهانة ألواناً؟ .. كان هناك شخص واحد هو الذي يمكن أن يقوم بهذا الدور على أكمل وجه .. وقد حظر فجأة على ذهن الخليفة..
هشام: وجدت الرجل المناسب .. ليس لها إلا يوسف بن عمر.
وفي الحال أمر هشام كاتبه أن يكتب أمراً بتولية يوسف بن عمر وعزل خالد القسري وسجنه .. ثم قال له:
- اكتب إلى والي المدينة خالد بن عبد الملك بن الحارث بأن يحضر إلينا عند وصول كتابي هذا إليه.
وما هي إلا أيام قلائل حتى أقبل خالد بن عبد الملك واستأذن في الدخول على هشام .. فأذن له..
خالد: السلام على أمير المؤمنين هشام..
وقبل أن يكمل خالد سلامه بادره الخليفة بالحديث قائلاً:
- اسمع يا خالد لقد علمت أني لم أوليك المدينة طلباً لرضاك أو صلة لرحمك .. ما وليتك أمر المدينة إلا لتكون صارماً مع آل أبي طالب تحصي عليهم أنفاسهم .. وتعمل على شق عصاهم .. وأن تذيقهم من الذل ألواناً فإذا بك تعطيهم حرية التنقل والإلتقاء بمن شاؤوا.
وبصوت أشبه بفحيح الحيات تجسد فيه الحقد الأموي في أبغض صوره .. أكمل هشام كلامه قائلاً:
- اسمع يا خالد أريد أن أسمع نحيب بني هاشم من هنا .. أريد أن تشق عصاهم فلا تترك لهم وقتاً للإجتماع لا أريد أن أسمع أن أولئك الخمسة الذين ذهبوا إلى العراق قد اجتمعوا .. وإن استطعت أن توغر صدورهم على بعضهم فافعل .. انصرف يا خالد .. واحذر أن تصير إلى ما صار إليه خالد القسري.
خالد: أمرك يا مولاي ..
وبعد أن غادر خالد قصر الخلافة بدأ من ساعته يعد نفسه للسفر.
توقيع : أبوحيدر....
التعديل الأخير تم بواسطة أبوحيدر ; 09-19-2011 الساعة 06:57 PM
سبب آخر: خطأ
لم يكد الوضع يستقر بالإمام حتى جعل يستعيد أحداث رحلة الأمس .. تلك الرحلة التي إطّلَع من خلالها على وضع العراق عن قرب .. ولمس ذلك الواقع المأساوي الذي تعيشه الأمة المسلمة.
ورفع نظره إلى ابن عمه عبد الله بن الحسن ثم قال:
- ماذا ترى أن يكون الحل يا عبد الله؟ هل نترك الناس على ما هم عليه؟ أليس فينا من يغار على مبادئ الإسلام ..؟!
عبد الله: يا ابن العم .. والله لقد التبس عليّ الأمر .. فماذا يمكن أن نفعل إذا كان ولاة الأمر ومَنْ بأيديهم الحل والعقد .. هم منبع الفساد ودعاته؟!
الإمام زيد: إني أنوي أن أكتب رسالة إلى علماء الأمة أذكرهم فيها بواجبهم نحو دينهم وأمتهم لعل الله أن يهديهم بها ويعيدهم إلى جادة الطريق .. فإذا صلحت هذه الطبقة من الأمة أصلح الله من تحتها من طلبة العلم وعامة الناس.
عبد الله: فبادر إلى هذا .. فقد بلغني أن هشاماً عزل خالد القسري وسجنه عقاباً له على استقباله لنا .. واخبروني أنه استدعى والي المدينة وأخاف أن يضيقوا الخناق علينا فلا نجد من نرسلها معه.
زيد: أكتبها إن شاء الله الليلة ..
***
وما هي إلا أيام حتى وصل خالد بن عبد الملك وهو يزمجر ويتوعد .. واستدعى وجهاء أهل البيت .. فجعل يتوعدهم ويتطاول عليهم وينقص في حقهم ولكن الجميع كان يدرك قصده .. فكان يحب أن يستثيرهم فيجد مدخلاً عليهم .. فحاولوا أن يقابلوا اساءته بالحلم والصمت.
ولما لم تُجْدِ طريقة الإستفزاز بدأ والي المدينة يفكر في طريقة وأسلوب آخر يمكن أن يستثيرهم .. فبث حولهم الجواسيس والرقباء يحصون عليهم أفعالهم وأقوالهم وجعل الإلتقاء فيما بينهم جريمة.
ثم بث المنافقين لإثارة الخلاف والنزاع فيما بينهم .. وخلال هذه الفترة ثار نزاع بين جعفر بن الحسن بن الحسن وزيد بن علي حول ميراث الحسين عليه السلام. فما كاد خالد بن عبد الملك يسمع بهذا الخبر حتى صار يتتبع أخبارهم .. ويحشد لها الناس من أجل تشويه سمعة بني هاشم .. تلك السلالة التي كان قد ذاع صيتها واشتهرت تضحيات أبنائها حتى أصبحوا مضرب الأمثال في الزهد والعبادة والعلم.
وكتب بشأن هذا النزاع إلى هشام فاشتد فرحه .. وكتب إلى والي المدينة: أن اشتر منهم ذلك الميراث المتنازع عليه وضاعف ثمنه حتى يشتد تمسك طرفي النزاع بذلك الميراث.
ولم يصل جواب الخليفة إلى والي المدينة إلا وقد توفى جعفر بن الحسن.
وأعدّ الوالي مجلسه وجمع فيه العلماء والوجهاء.. وأمر أمير شرطته أن يستدعي زيد بن علي وابن عمه عبد الله بن الحسن بن الحسن.
وبعد أن وصلا إلى مجلس الوالي أجلسهما بين يديه
ثم قال:
- اسمع يا زيد وأنت يا عبد الله إن أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك قد علم بقطعة الأرض التي كانت لعلي بن أبي طالب جدكما .. فأمرني أن أشتريها له .. ولأنكم أنتم أصحاب الملك فقد أمرني أن أضاعف ثمنها عشر مرات صلة للرحم ولمنزلتكم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا ثمنها مائة ألف دينار فأيكم صاحب الحق في هذه الأرض فأعطيه.
وهنا تبادل عبد الله بن الحسن النظرات مع الإمام زيد وتقدم الإمام زيد إلى خالد وقال له: ولأي شيء جمعت علماء ووجهاء المدينة يا خالد؟!
خالد: ليكونوا شهوداً على هذا البيع.
زيد: أو ما علمت أن الشهادة على نقل الملك تثبت بشاهدين؟! بل أردت أن تجعلنا أضحوكة وسخرية للأعراب.
خالد: دعنا من هذا يا زيد وافسح لابن عمك مجالاً للتكلم فلست صاحب الحق وحدك.
زيد: اسمع يا خالد الأرض أرض ابن عمي عبد الله بن الحسن..
ثم التفت الإمام زيد إلى ابن عمه وقال له: قم يا عبد الله واستلم ثمنها.
تقدم عبد الله بن الحسن واستلم المال ثم أقبل على الإمام زيد ووضع المال بين يديه .. وقال له: خذه يا ابن العم .. فالمال مالك وأنت صاحب الحق فيه.
وفي هذه اللحظات وأمام هذا المنظر كبَّر الحاضرون وارتفعت الأصوات: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}... فاستشاط خالد غضباً واحمر لونه وصاح فيهم: اخرجا لا بارك الله لكما فيه.
وانفض المجلس وكل من فيه أكثر حباً وإعجاباً بالإمام وابن عمه عبد الله بن الحسن.
***
وبعد هذه الحادثة التي أصبحت مدار حديث أهل المدينة بلغ حقد خالد على أهل البيت النهاية .. فجعل لا يترك فرصة يمكن أن ينال من أهل البيت فيها إلا فعل وضيَّق عليهم الخاق حتى عزلهم عن الناس ومنعهم من الإلتقاء والإجتماع .. فضاق صدر الإمام زيد عليه السلام ولم يستطع أن يحتمل هذا الوضع فطبعه يأبى الذل وقرر أن يسافر إلى الشام ويشكو والي المدينة خالد بن عبد الله إلى هشام لعله يجد عنده متنفساً من هذا الوضع الذي فرضه عليه وعلى أهل بيته.
فخرج الإمام زيد من المدينة متخفياً حتى لا يتمكن خالد من منعه إن أراد ذلك واتجه إلى مقر الخلافة الأموية في دمشق .. وبمجرد وصوله حاول أن يستأذن للدخول على هشام ولكن الرفض والتجاهل هو الرد الذي اختاره هشام .. فحاول أن يستخدم أسلوباً آخر .. فكتب رسالة إلى هشام بث إليه شكواه وشكوى أهل بيته من ظلم خالد بن عبد الملك والي المدينة .. فكان الجواب نهاية نفس الرسالة: (عد يا زيد من حيث أتيت).
فأقسم الإمام زيد أنه لا يعود حتى يجد حلاً فالكل في المدينة كان ينتظر الفرج المقبل مع الإمام زيد فكيف يعود إليهم صفر اليدين. وما كان الإمام ليضيع وقته على باب هشام ينتظر منه الرحمة .. فقد اتجه إلى مسجد دمشق وفتح درساً في تفسير القرآن الكريم.
(2)
كان رقباء وجواسيس هشام يتتبعون الإمام وينقلون إلى هشام تحركات زيد بن علي أولاً بأول.
قائد الشرطة: مولاي أرأيت ذلك الهاشمي الذي أمرتنا بمتابعته.
هشام: ماذا فعل هذا الرجل؟ .. تكلم بسرعة.
قائد الشرطة: لقد جلس في المسجد يحدث الناس ويعظهم منذ عدة أيام.. وفي كل يوم يزداد الناس كثافة من حوله.
احمرَّ وجه هشام وبسرعة خاطفة انتزع جسده من كرسي الخلافة ليطوق عنق قائد الشرطة بكلتا يديه ويصرخ بصوت أشبه بالصواعق:
- كيف أيها الأحمق؟ لماذا لم تخبرني بذلك من أول يوم..؟ ألم يَكْفِ زيداً أن يفسد علينا أهل المدينة وأهل العراق حتى أتى ليفسد أهل الشام؟! والله لأقطعن رأسه وأجعله طعاماً للطيور.
سكت كل من في المجلس لشدة الخوف .. فقد تحول الخليفة إلى وحش كاسر.
وبنظرة غاضبة إلتفت هشام إلى وزرائه وجلسائه وقال: أشيروا عليّ أيها القوم في أمر هذا الفاسق .. فكأني به لن يكف عن مساعيه الخبيثة حتى يجردني من الخلافة.
فقام أحد الوزراء فقال: يا سيدي إن أذن لي مولاي في الكلام فأنا أشير عليك.
هشام: تكلم ..
الوزير: يا مولاي قد بلغني أن بعض العلماء ترك حلقة درسه وطلابه واتجه ليتتلمذ على يد زيد .. وإنك إن قتلت زيداً أو سجنته في هذه الأيام بعد أن عرفه أهل الشام، وعرفوا علمه، وصيروه شيخاً يتحلقون حوله .. استوحش منك أهل الشام وكثر الكلام وكثرت الأسئلة ولن يعدموا من يجيب عليهم .. وفي ذلك والله تفرق أهل الشام وهم والله سيفك الذي تضرب به من تشاء.
هشام: فما هو الرأي أيها الوزير ..؟
الوزير: أرى أن تجمع العلماء وتختار من أوساطهم أكثرهم علماً وأسرعهم جواباً .. وأقواهم حجة .. فإذا جلس زيد في مجلسه واجتمع الناس من حوله حاجج زيداً في أن الحق مع الكثرة وأن يد الله مع الجماعة .. فإن أفحمه بين رواد حلقته .. سقط في أعينهم .. فإذا أردت به شيئاً بعد ذلك هان عليهم الأمر.
هشام: أحسنت .. الرأي ما رأيت أيها الوزير..
***
وما هي إلا أيام حتى ازدحم مجلس هشام بفطاحلة الشام وعلماء البلاط .. فجعل يختبرهم واحداً واحداً.. فبرز في أوساطهم رجل خرست لبلاغته وقوة حجته الألسن فأشرق وجه الخليفة .. وقا ل له:
- أنت من سيخرس زيداً ويجعل منه أضحوكة لأهل الشام.
فدخل علماء أهل الشام على الإمام زيد عليه السلام وقد حف به الناس من كل جانب .. وتقدم ذلك الرجل في زهو وثقة .. ثم قال:
- يا زيد .. أجمع علماء أهل الشام على أن يد الله مع الجماعة .. وأن أهل الجماعة حجة الله على خلقه وأن أهل القلة هم أهل البدعة.
فنظر إليهم الإمام زيد وحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وآله ثم تكلم بكلام ما تكلم بأبلغ منه قرشي ولا عربي وأثبت من كتاب الله أن الله ما ذكر القلة في كتابه إلا مدحهم ولا ذكر الكثرة إلا ذمهم واثبت أن القليل في الطاعة هم أهل الجماعة وأن الكثير في المعصية هم أهل البدعة؟
فبُهت الشامي وخرج هو ومن معه يجرون أذيال الهزيمة وبقي الناس كأن على رؤوسهم الطير لشدة الذهول.
فما كادوا يتجاوزون باب المسجد حتى التفتوا إلى صاحبهم يسبونه ويشتمونه يقولون: فعل الله بك وفعل .. زعمت أن لا تدع له حجة إلا كسرتها فخرست ولم تنطق. ..!
فأجابهم قائلاً: ويلكم كيف أكلم رجلاً إنما حاججني بكتاب الله فهل ترون أن أرد كلام الله؟
وتفرقت جموعهم وكل واحد منهم يتهم الآخر ويحمِّله أسباب هذه الهزيمة النكراء.
وبلغ الخبر مجلس الخليفة فاغتم للأمر .. فقد ازداد زيد بهذا الموقف رفعة وسمواً في قلوب الخاصة والعامة .. فجمع هشام خاصته ليشاورهم في الأمر.
هشام: إن استمر زيد على مثل هذا الأمر أفسد علينا أهل الشام وصيرهم على مثل رأيه فلا بد من حل .. فقد نغص عليّ وجود زيد في الشام حياتي فصرت لا أجد لذة في شيء .. أعتقد أنه لا بد من مقابلته والإستماع إلى شكواه .. لعله بعد ذلك يعود من حيث أتى .. ولكن والله لأجعلنه يكره اليوم الذي يدخل
مجلسي فيه.
ثم التفت إلى حاشيته وقال:
- اسمعوا يا قوم أريد منكم إذا دخل زيد أن يستقر كل منكم مكانه يتكلم ويضحك مع من يجاوره فلا يدري زيد أين يجلس إلا أن يجلس بين الأحذية فذلك مكانه الذي يليق به.
الوزير: أحسنت يا مولاي ذلك هو الرأي فمثل زيد لا يجدي معه سوى السخرية والقسوة.
هشام: والله لأحجمنه في هذا اليوم وليعلم أني ابن حرة وهو إبن أمة وما بين الحرة والأمة فرق يعلمه حتى صبيان العرب .. يا قائد الشرطة .. أرسل في طلب زيد بن علي يأتينا الساعة.
فلما دخل الإمام زيد ألقى عليهم السلام فجعل أصحاب هشام يتضاحكون ويتشاغلون .. فرفع الإمام زيد(ع) صوته وقال: أوصيك يا هشام بتقوى الله..
فصمت المجلس فجأة والتفت هشام إلى الإمام زيد(ع) في غرور واستهتار لا مثيل له
هشام: أمثلك يا زيد يوصيني أنا بتقوى الله؟
الإمام زيد: ليس في عباد الله أحد دون أن يُوصِي بتقوى الله ولا فوق أن يُوصَى بتقوى الله.
هشام: أنت زيد المؤمل للخلافة الراجي لها.! وما أنت والخلافة لا أم لك؟ وأنت ابن أمة!!
زيد: لا أعرف أحداً هو أعظم منزلة عند الله من نبي بعثه الله تعالى وهو ابن أمة -إسماعيل بن إبراهيم- وما يقصرك برجل أبوه رسول الله وهو ابن علي بن أبي طالب.
فوثب هشام من مجلسه .. ووثب أهل الشام .. ونادى على قائد الشرطة: لا يبيتن هذا في معسكري الليلة؟!
وخرج الإمام زيد عليه السلام وهو يقول:
((ما كره قومٌ قط حرَّ السيوفِ إلا ذلوا)).
وخرج زيد بن علي من مجلس الخليفة وقد اشتد عليه غضب هشام ويئس من أن ينال منه .. فشخصية زيد بلغت المنتهى في العلم والفصاحة وقوة الحجة.
ومما زاد الإمام قوة في نفسه، ومتانة ومهابة في قلوب أعدائه، إيمانه بعدالة القضية التي يناضل من أجلها إلى جانب علاقته القوية بالله سبحانه وتعالى .. ولذلك أخفقت كل محاولات هشام وزبانيته في إهانة الإمام زيد أو الحط من شأنه.
***
واستدعى هشام -للمرة الثالثة- حاشيته وقد إزداد الأمر سوءاً وأصبح هشام في حالة من التوتر فقد جعلته تلك المقابلة يستشعر قوة وصلابة خصمه ووضع نفسه في موضع المقارنة مع شخصية الإمام زيد فرجحت كفة الإمام وطاشت كفة هشام.
هشام: لا بد من حل نتخلص به من زيد بن علي فلا أريد أن أرى وجهه مرة ثانية.
الوزير: يا سيدي إني أرى أن نسجن زيد بن علي إلى أن نجد طريقاً نتخلص بها منه.
هشام: أخاف أن يثير ذلك الناس علينا وبالذات العلماء الذين كثر اتصالهم به في هذه الفترة.
الوزير: يا سيدي هيبة السلطان ستخرس الألسن ولن يطول سجنه فستجد حلاً تتخلص به من زيد وشرّه.
هشام: إذاً فليسجن زيد حتى نجد طريقة يرحل بها من الشام.
وانتقل زيد إلى سجون هشام .. وبقي مدة من الزمن يجالس السجناء ويحادثهم، وما هي إلا أيام حتى تحول ذلك السجن إلى مسجد للعبادة وصار من فيه بين راكع وساجد وتال للقرآن وذاكر لله عز وجل .. وجعل الإمام يعطيهم دروساً في تفسير القرآن الكريم ففسر لهم سورة الفاتحة وسورة البقرة فأنس إليه السجناء وتأثروا به .. حتى حراس السجن الذين نشأوا على سفك الدماء وارتكاب الجرائم.
ومضت مدة من الزمن والأمر كذلك والإمام لا يألو جهداً في تعليم دين الله .. وفي إحدى حلقات الدرس حدثهم عن القرآن فقال:
واعلموا رحمكم الله أن القرآن والعمل به يهدي للتي هي أقوم لأن الله شرّفه وكرّمه ورفعه وعظّمه وسمّاه روحاً ورحمة وهدى وشفاء ونوراً .. وقطع منه بمعجز التأليف أطماع الكائدين، وأبانه بعجيب النظم عن حيل المتكلفين، وجعله متلواً لا يُمل، ومسموعاً لا تمجه الآذان، وغضا لا يخلق عن كثرة الرد، وعجيباً لا تنقضي عجائبه، ومفيداً لا تنفد فوائده.
والقرآن على أربعة أوجه: حلال وحرام لا يسع الناس جهالته .. وتفسيره يعلمه العلماء .. وعربيه يعرفه العرب .. وتأويله لا يعلمه إلا الله وهو ما يكون مما لم يكن.
واعلموا رحمكم الله أن للقرآن ظهراً، وبطناً، وحداً ومطلعاً، فظهره تنزيله، وبطنه تأويله، وحده فرائضه وأحكامه، ومطلعه ثوابه وعقابه.
فقام إليه أحد السجناء - وكان يسمى أبو غسان الأزدي- فقال:
والله يا ابن رسول الله لأنت أعلم بالقرآن وما فيه .. فوالله لقد جلست إلى العلماء والفقهاء فلم أر أحداً منهم أعلم بالقرآن منك.
سارع الوزير إلى إرتداء ملابسه واعد نفسه للدخول على الخليفة .. ثم أقبل على مجلس هشام بعد أن أخبره الحرس أنه قد دخل إلى مجلسه وقبل أن ينظر إلى كرسي الخليفة رفع صوته بالسلام والدعاء للخليفة ورأسه منحنٍ إلى صدره .. وتردد صدى صوته في المجلس ولم يسمع جواباً ورفع رأسه فإذا كرسي الخلافة فارغاّ.
فجعل يتلفت يميناً وشمالاً باحثاً عن الخليفة .. فإذا الخليفة قد جلس على كرسي في إحدى زوايا المجلس وقد وضع رأسه بين يديه واستغرق في تفكير عميق ولكن ملامح وجهه كانت تنبئ عن غضب عارم وحيرة جعلته يبدو مشتت الذهن.
وأمام هذا المنظر وقف الوزير كعمود الرخام لا ينبس بكلمة .. يكظم أنفاسه مخافة أن يتفجر غضب الخليفة فيكون أول من يصتطدم به .. وجعل يقول في نفسه: لا شك أن لزيد في الأمر يد فما اعتدت أن أرى الخليفة على هذا الحال إلا إذا كان الأمر يتعلق بزيد بن علي.
وبدأ يسبح في تفكير عميق يستعرض فيه أمر زيد والخطط التي حاكها للقضاء عليه وإسقاطه من أعين
الناس ...
وفي أعماق ذلك الصمت القاتل انطلق صوت أشبه بانفجار البراكين ليمزق ذلك الصمت ويحيله إلى حقد أسود انبعث من أعماق التاريخ من أحشاء أبي سفيان ومعاوية ومروان بن الحكم .. حين قال هشام:
- سأمزقه .. سأحتز رأسه .. وسأجعله عبرة لمن اعتبر.. ومضرب مثل لكل من أراد أن يقف في وجه بني أمية ..
وحينها توصل الوزير إلى فكرة لمعت لها عيناه فبادر قائلاً: هدئ من روعك يا مولاي فما مثل زيد من يعكر عليك صفوك فما هو إلا واحد من رعيتك بيدك حياته وموته.
هشام: كيف أُهدئ من روعي أيها الأحمق وقد أحال حتى السجن إلى مسجد للعبادة وحلقة للدرس وجعل من السجناء والحرس تلامذة له.
الوزير: لقد خطرت برأسي فكرة يا مولاي .. عسى أن يكون فيها خلاصنا منه بطريقة لا تثير علينا الرعية.
هشام: قل .. ما هي أيها الوزير؟
الوزير: إن زيداً يا مولاي يكمن خطره في جلوسه إلى الناس وأرى يا مولاي أن نشغله بأمر نفسه حتى لا يتمكن من الجلوس إليهم.
هشام: كيف ذلك؟ أوضح أيها الوزير.!
الوزير: أرى يا مولاي أن ترسل إلى يوسف بن عمر والي العراق .. فتجعله يخرج خالد القسري من سجنه ويعده إن ادعى على زيد بن علي ديْناً أخرجه من سجنه .. ثم تستدعي زيداً فترسله إلى يوسف بن عمر مع شخص لا يمكنه من الجلوس مع الناس أو الإلتقاء بهم .. فإذا صار إلى يوسف حاسبه على المال ثم يخرجه من العراق إلى المدينة .. فيستمر خالد بن عبد الملك بن الحارث في إيذاء زيد وأهل بيته .. فيعود إليك يشكو خالداً وهكذا لا يستقر به الوضع في بلد فتأمن شره.
هشام: ومن الذي يضمن لي رجوعه إلي وقد ساء
مابيني وبينه؟
الوزير: إذا لنت له يا مولاي طمع في إنصافك فعاد إليك.
هشام: علي بالبريد الخاص.
الوزير: ولكني أرى يا مولاي أن تدخل معه في التهمة غيره حتى لا يستشعر زيد ما ندبره له.
هشام: من ترى أيها الوزير؟
الوزير: أرى أن ندخل معه أولئك الفتية الذين صحبهم إلى العراق وآخرين من أقاربكم يا مولاي فيكون الأمر أكثر حنكة.
هشام: لئن نجحت مشورتك هذه المرة لأعطينك ما يسرك .. أكتب ما أمليه عليك..
((من هشام بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر إذا أتاك كتابي هذا فأخرج خالد القسري من سجنه واعطه عهداً إن ادّعى على زيد بن علي ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وداود بن علي بن عبد الله بن العباس وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وأيوب بن سلمة بن عبد الله بن المغيرة المخزومي .. أن تخرجه من سجنه وترد عليه إمارته فإن أجدى معه الترغيب وإلا عليك بالترهيب))
ثم أخذ الرسالة وذيلها بختمه وبعث بها إلى يوسف بن عمر..
ثم أمر هشام بإخراج زيد من السجن إلا أنه منعه من العودة إلى المدينة..
فبقي الإمام زيد أياماً في الرصافة .. وخلال تلك الفترة حضر إليه ابن عمه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب .. وكان يحمل إليه بعض رسائل محملة بالعزاء له في أحد أولاده فكتب مجيباً على من عزاه: ((أما بعد فإنّا أمواتٌ أبناء أمواتٍ آباء أموات فيا عجباً من ميت يعزي ميتاً عن ميت. والسلام)).
***
ولم تمض أيام حتى وصل رسل والي العراق يحملون إلى الخليفة الجواب على رسالته التي بعث بها إليه .. فكان مضمون الجواب: ((إلى مولاي أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك من يوسف بن عمر قد تم لكم ما أردتم .. وهذا خالد يدعي على من ذكرت ديْناً فأرسلهم إليّ أجمع بينهم)).
فأرسل هشام في طلبهم.. فلما دخلوا عليه جعل يلاطف الإمام زيد(ع) على غير عادته.
هشام: أيها القوم وصلتني رسالة من يوسف بن عمر والي العراق بلغني فيها أن خالد القسري يدعي عليكم ديْناً من أيام ولايته على بلاد العراق فماذا تقولون؟
فأنكر جميعهم أن يكون لخالد عندهم شيء ..
هشام: فأنا باعث بكم إليه يجمع بينكم وبينه؟
زيد: أناشدك الله والرحم لا تبعث بنا إلى يوسف.
هشام: وما الذي تخاف من يوسف يا زيد؟
زيد: أخاف أن يتعدى علينا؟
هشام: أكتب إليه فلا يتعدى كتابي فيكم؟..
ثم أمر كاتبه أن يكتب إلى يوسف بن عمر:
((أما بعد: فإذا قدم عليك زيد بن علي وفلان وفلان .. فاجمع بينهم وبين خالد القسري فإن هم أقروا بما ادعى عليهم فأسرع بهم إليّ .. وإن هم أنكروا .. فاسأله البينة .. فإن لم يقمها إستحلفهم بعد صلاة العصر ما استودعهم وديعة ولا له قِبلهم شيء ثم خل سبيلهم)).
الإمام زيد: أخاف أن يتعدى كتابك؟
هشام: كلا فأنا باعث معكم رجلاً من الحرس يأخذه بذلك حتى يفرغ ويعجل ..
فقالوا: جزاك الله خيراً والرحم.
(2)
وفي زنزانة منعزلة .. كان يجلس خالد القسري في ثياب رثة بالية .. قد نحل جسمه وغابت محاسن وجهه .. قد أثقلته القيود وظهرت على جسده آثار السياط وعلامات التعذيب ..
كان خالد منهك القوى شارد الذهن .. فقبل أيام عُرض عليه عرض مغري أعاد إليه الأمل في الخروج من قبضة يوسف بن عمر والعودة إلى منصبه ومكانته في المجتمع ..
كان يقول في نفسه: ماهي إلا مجرد مقابلة مع زيد بن علي ودعوى كاذبة وبعدها مجد وسلطان .. ثم يعود فيحدث نفسه: ولكن كم مرة كنت خادماً مطيعاً لهذا السلطان ممتثلاً لأمره .. أقتل خيار هذه الأمه وأؤذي أتقياءها وبمجرد خطأ واحد صرت رهين سجونه -كان يمر على ذاكرته حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((من أعان ظالماً أغري به))-وهبني اتهمت زيداً من يضمن لي وفاء يوسف بوعده لقد علمَّني الزمان أن الظالمين لا وفاء لهم.
كانت جدران تلك الغرفة القذرة التي أودع فيها خالد تعطيه درساً وتدله على الطريق فإذا لم يحتمل سجناً كهذا .. فكيف يحتمل نار جهنم وهو بلاء تطول مدته ويدوم مقامه ..
وقطع عليه سلسلة أفكاره صوت أحد الجنود كان يتقدم نحو زنزانته بخطىً سريعة ثم فتح الباب ودخل على خالد .. وبصوت آمر متوعد قال له:
- اسمع يا هذا إياك أن تقول غير ما اتفقت مع مولاي عليه .. فوالله لئن سوّلت لك نفسك شيئاً لأذيقنك من العذاب ألواناً ... ولوَّح بسوطه أمام وجه خالد.
خالد: ومتى يجمع بيني وبين زيد وأصحابه؟
الحارس: إنه ينتظرك مع زيد في المجلس .. فقم معي.
كان الحارس يسوق خالداً وخالد لا يكاد يدرك ما يدور حوله لقد جعل يخير نفسه بين الجنة أو النار .. بين طاعة الله وطاعة السلطان .. حتى دخل على يوسف بن عمر وعنده زيد بن علي عليه السلام وبقية أصحابه.
يوسف: اسمع يا خالد إن زيداً ينكر أنك قد أودعت عنده مالاً .. فهل لك بينة على ما ادعيت؟
رفع خالد نظره واستعرض الوجوه التي وقفت أمامه .. فرأى آثار السجود النورانية الإلهية في وجوه القوم .. وآثار الغبرة الشيطانية في وجه يوسف بن عمر ومن حوله فآل على نفسه أن يحسم القضية وينطق بكلمة الحق .. وأخذ قراره الأخير في هذه اللحظة.. فالتفت إلى يوسف بن عمر وقال:
- أتريد أن تجمع مع إثمك إثماً في هذا -وأشار إلى زيد- كيف أُودِعُه مالي وأنا أشتم آبائه على المنبر؟!
كاد يوسف بن عمر أن يخر صعقاً مما سمع فما كان يشك أن خالداً سيجرؤ على مخالفته.
يوسف بن عمر: أتهزأ بي وبأمير المؤمنين أيها الأحمق خذوه وأنزلوا به من التعذيب ما يليق بمثله.
وأنهالت عليه السياط من كل جانب وسحب خالد من المجلس وضرب حتى أوشك على الموت ثم التفت يوسف بن عمر إلى زيد وأصحابه وقال:
- إذا كان عصر هذا اليوم استحلفتكم في المسجد؟
زيد: على أي شيء تستحلفنا وهذا خالد قد أنكر أنه أدعى علينا شيئاً.!
يوسف: أصمت يا زيد ..
ثم التفت إلى قائد شرطته قائلاً:
- خذهم الآن.
جلس زيد مع أصحابه .. وكان شارد الفكر يبحث عن تفسير لما يحدث .. فالإمام زيد كان من الفطنة والذكاء بمرتبة تجعله يدرك أبعاد هذه المؤامرة .. والتفت إليه ابن عمه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قائلاً:
- عجبي يا زيد لكأنك أنت المقصود لوحدك بهذا كله فإنه لم يلتفت إلينا يوسف بن عمر ولا حتى خالد القسري.
وكان لسان حال الإمام زيد يقول: يا ابن العم والله ما أرادوا غيري .. وإني لأعتقد أن كل ما يدور إنما هو أمر مدبر من عند هشام.
داود: ولكن أين ذهب أيوب بن سلمة فمنذ دخلنا العراق ما رأيناه وهو أحد من ادعى عليهم خالد القسري؟!
الإمام زيد: إنما وضعوه معنا يا داود كي يقال إن الخليفة لا يمكن أن يدعي على خاله باطلاً فأيوب بن سلمه من أخوال هشام.
محمد: وما تراه يريد من وراء استحلافنا في المسجد رغم أن خالداً قد كذبه وفضحه وأنكر دعواه.
زيد: إنه يريد أن يقول لأهل العراق هذا زيد وأهل بيته ينهبون الأموال ثم ينجون أنفسهم بالأيمان.
***
وبعد صلاة العصر وقد ازدحم المسجد بالناس تقدم زيد ومن معه فحلفوا ما لخالد عندهم من قليل ولا كثير .. فعلم كل من في العراق من الشيعة بمقدم زيد بن علي عليه السلام. ثم جمع يوسف زيداً ومحمد بن عمر بن علي وقال لهما:
اسمع يا زيد أنت ومحمد لا أريد أن تغرب شمس الغد إلا وقد ارتحلتم.
زيد: أبعد مشقة الرحلة من الشام تريد أن نرحل إلى الحجاز؟ أما ترى ما بنا من التعب والجهد؟
يوسف: هذا أمر أمير المؤمنين هشام وليس أمري.
خرج الإمام زيد مع صاحبه وجعل يتنقل في الكوفة ويلتقي بشيعته وأصدقائه يبحث معهم عن مخرج من هذا الوضع ولكن عيون يوسف وجواسيسه كانوا يرقبون تحركاته .. فجعل يوسف بن عمر يرسل عليه يأمره بالخروج .. والإمام يعتذر إليه ببعض الأشغال وبأشياء يبتاعها وبقي على هذا الحال خمسة أشهر يتخفى في بيوت أتباعه ومواليه يبث العلم والمعرفة ويقرب بين الآراء .. ويعالج آثار الهزيمة والإحساس بالذنب بعد معركة كربلاء .. حتى أرسل يوسف بن عمر معه من الجنود من يخرجه ويراقبه حتى يغادر الكوفة وما حولها فمضوا معه إلى القادسية واطمأنوا على عزمه بالرحيل.