الفصل الرابع
وفي اليوم الخامس والعشرين من شهر محرم سنة 121ه كانت الشمس توشك على الغروب .. فقد غاب شيء من توهجها .. وبدأت تجمع أشعتها. وبدأ يخفت نورها .. فبدأ الأفق شاحباً شديد الحمرة .. وانطلق سهم غادر من قوس متمكن ليخترق الأجواء .. في سرعة خاطفة مزق الأجواء .. وبعثر حبات الهواء.
غاب في عمق الغبار المتصاعد وتجاوز كل من كان
يحمي الإمام.
لم ينحرف .. كان أسرع من أن يتراجع .. استقر وليته لم يستقر .. وجعل الجبين الطاهر الأغر له محلاً .. وأعلنت شمس السماء عن حلول وقت رحيلها .. وأعلن البدر في ساح الوغى حلول أفوله .. وترجل الإمام عن فرسه .. ووضع يده على جبينه .. والدم الطاهر ينزف من جبينه .. ليمثل عيناً جارية تُزَيِّن وجه الإمام بالحمرة ويختلط عرق الجبين بحمرة الدماء .. وتتخضب تلك اللحية العشماء بالدم الذي كثيراً ما التهب واحترق من الألم عند ذكر أحوال الأمة .. فمن أجل دعوته إلى كتاب الله استحل الجبناء سفك دمه .. من أجل دعوته لاحيا سنة رسول الله أهدروا دمه .. لكي لا يتركوا لمسكين حام يحميه أو مدافع يذود عنه ..
شكل جيش الإمام حلقة حول الإمام حتى حجبوه عن أنظار العدو وبدءوا بالتراجع بشكل غير ملفت .. واستغل الجيش الأموي فرصة التراجع لجيش الإمام لكي يتمكن أفراده من إلتقاط أنفاسهم وجمع فلول جيشهم المبعثر فأغمدوا سيوفهم وبدءوا بالتراجع .. ولم يستشعر أحد من الجيش الأموي الكارثة التي حلت بأصحاب الإمام .. وظنوا إنما الأمر مجرد تراجع للمبيت .. فجعلوا يحصون قتلاهم وينظمون صفوفهم لخوض معركة الغد القريب.
وهناك في معسكر الإمام كان الأصحاب يمرون بأحرج اللحظات .. فقد هرع أصحاب الإمام لإحضار طبيب .. ودخل الطبيب وكان اسمه سفيان وكان مولى لبني فراس .. والإمام ملقى في حجر محمد بن سلمة الخياط .. وإلى جواره ولده يحيى بن زيد، ومحمد بن عبد الله، وجمع من أصحابه .. وذلك في بيت حران بن أبي كريمه في سكة البريد .. وكان أنين الإمام يحكي عمق الآلاَم التي يقاسيها في تلك اللحظات .. ورغم هذا كان يدير نظره بين وجوه أصحابه في إشفاق .. ولم تتوقف شفتيه عن الحركة كان في حالة ذكر واستغفار.
جلس الطبيب إلى جوار رأس الإمام .. وبدأ يمسح الدم من على جبينه .. ويركز على مكان خروج الدم .. ويمسحه مرة تلو الأخرى .. وظهرت ملامح الخوف على وجه الطبيب..
الإمام: ما الأمر أيها الطبيب هلا نزعت السهم؟ فالألم يزداد بشدة ..
كانت تلك الكلمات تخرج من صوت خافت وضعيف.
دمعت عينا الطبيب .. وانعقدت الكلمات على لسانه.
فتدخل يحيى بن زيد قائلاً:
- ما الأمر أيها الطبيب؟! حاول أن تفعل له شيئاً.
الطبيب: يا بني ليس بين والدك والرحيل عن هذه الدار إلا نزع هذا السهم .. فالسهم قد بلغ الدماغ.
شهق يحيى شهقة اهتز لها جسمه ودمعت عيناه .. وأكب على والده وقال:
- ابشر يا أبتاه .. تُقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي، وفاطمة، وخديجة، والحسن، والحسين،
وهم عنك راضون.
فقال له الإمام زيد (ع) بصوت ضعيف خافت قد أجهده الألم وكثرة النزيف:
- أجل يا بني ولكن أي شيء تريد أن تصنع؟
يحيى بن زيد: أقاتلهم والله ولو لم أجد إلا نفسي.
زيد: افعل يا بني فإنك والله لعلى الحق .. وإنهم لعلى الباطل .. وإن قتلاك لفي الجنة .. وقتلاهم لفي النار..
ثم التفت إلى الطبيب وهو يرددالشهادتين وأشار إليه بنزع السهم .. وفاضت روحه الطاهرة لتودع عالم الدنيا .. وتستقر إلى جوار ربها .. وتجاور الأحبة في جنة الفردوس.
وأظلت المكان سحابة كثيفة من الحزن الصامت .. وبدأت العيون تذرف الدموع بغزارة وصمت مطبق.
مزق ذلك الصمت صوت الفتى المؤمن المبتلى في أبيه عندما قال:
- الحمد لله الذي حقق مُناه .. فقد كانت الشهادة في سبيل الله غاية أمله ومناه .. فها هو يموت بسيوف فراعنة وجبابرة الظالمين .. فهنيئاً له ذلك ..
ثم التفت إلى أصحابه مخاطباً لهم:
- فما الرأْي الآن يا قوم .. أخاف أن ينتشر الخبر فيباغتونا .. فتؤخذ منا الجثة ويمثَّل بها .. فأين تريدون أن نواري جسده؟
اضطربت الآراء حول ما هو الأصوب .. فقال قوم نلبسه درعين .. ونلقيه في الماء .. وقال آخرون نلقيه بين القتلى.
فقال لهم يحيى بن زيد: والله لا يأكل لحم أبي السباع.
ثم استقر رأي الجميع على دفن الجثة في بستان في العباسية وإخفاء القبر حتى لا يعلم أحد موقعه .. فاجتمع من تبقى من خواص الإمام وأهل بيته وحملوا الجثة في وسط الظلام .. واتجهوا إلى ذلك البستان. وأوقفوا ساقية من الماء كانت تجري في وسطه وقاموا بتحويلها إلى مكان آخر وبدءوا الحفر في مكان تلك الساقية ثم دفن وأعيدت الساقية إلى مجراها من فوق القبر.
كل ذلك كان يتم بمنتهى السرية إلا أن عيناً كتبت على نفسها الشقاء في الدنيا والآخرة كانت ترقب ذلك المشهد من بُعْد .. كان الغلام السندي- غلام أحد الخياطين- يتبع أثر القوم حتى اطّلع على كل شيء.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|