الفصل الخامس
وهناك في قصر الخلافة الأموية في (الرصافة) كان الخليفة هشام بن عبد الملك يتابع أخبار مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أولاً بأول..
وأقبل عليه والي المدينة مسلّماً عليهً وداعياً له بطول البقاء والصحة ..
فأشار هشام إلى كل من في المجلس بالانصراف ثم توجه بالحديث إلى والي المدينة خالد بن عبد الملك بن الحارث.
هشام: ما أخبار ذلك الفتى الهاشمي الذي صارت أخباره تملأ الآفاق؟
خالد: من تقصد يا مولاي ..؟! محمد بن علي بن الحسين الملقب بالباقر؟
هشام: ما قصدت هذا ..! قصدت أخاه زيداً .. ألم تسمع عنه وهو بجوارك في المدينة ونحن هنا في أطراف الشام ونعلم كل أخباره؟
خالد: لا عليك يا مولاي لا تشغل نفسك به فقد عكف على العلم والعبادة .. وما أراه يفكر في شيء
سوى ذلك.
هشام -في صوت حاد: يبدو عليك أنك لم تعرف أهل هذا البيت؟ .. اسمع يا خالد إجعل من يحصي عليه أنفاسه .. ويراقبه ليلاً ونهاراً .. وارقب كل من يأتي إليه أو يخرج من عنده .. وإن استطعت أن تجد عليه مدخلاً فلا تتتورع في ذلك .. فإني أعلم أن نفسه تنازعه الخلافة .. وإذا أراد أن يخرج من المدينة فأمنعه .. وحذار أن تغفل عنه طرفة عين.
خالد: أمرك يا مولاي .. والله لا تجد إلا ما يسرك.
وانطلق خالد ليعود إلى المدينة ولا شيء يشغل ذهنه إلا إرضاء هشام الذي يعلم أن انحصار رضاه في إيذاء آل بيت النبوة وبالذات زيد بن علي عليه السلام.
***
كان الشيء الذي ينغص على الإمام زيد حياته.. ويجعله لا يطيق الحياة هو الوضع الذي تعيشه الأمة المحمدية.
فأهل البدع والأهواء يصولون ويجولون في البلاد الإسلامية لا يجدون من يرد عليهم بدعهم .. يلبِّسون على العوام .. ويحرفون الدين .. ولا يكاد يمر عام حتى تظهر فرقة جديدة ومذهب جديد .. فانشغل العلماء والفقهاء بالجدل فيما بينهم ونسوا حال الأمة .. حتى أصبحت المساجد مجالس خصام وجدل.
فجعل الإمام زيد يتتبع أخبار الأقطار الإسلامية .. ويتلمس أحوال الناس.
وبينما هو جالس في داره بالمدينة إذ بذلك الزائر الذي تعوَّد أن يحل ضيفاً على الإمام في كل سنة منذ عدة سنوات يطرق عليه الباب.
الإمام زيد: من الطارق..!؟
أبو خالد: افتح يا سيدي فأنا أبو خالد الواسطي.
تهلل وجه الإمام .. وأقبل يفتح الباب .. ويعانق أبا خالد.
زيد: أهلاً بك تفضل .. تفضل .. لقد اشتقنا إليك يا أبا خالد.
أبو خالد: والله لشوقي إليكم أعظم .. ولولا مؤنة الطريق وكثرة العيال ما فارقتكم لحظة.
وما كاد أبو خالد يستقر في مجلسه حتى بادره الإمام بالسؤال قائلاً:
- كيف تركت الناس في العراق يا أبا خالد؟
أبو خالد- وقد بدت علامات الحزن على وجهه: عن ماذا تريد أن أحدثك عنه يا أبا الحسين؟ أعن ذلك العداء والعصبية التي قسمت الناس شيعاً وأحزاباً؟ أم عن ظلم وتجبر الولاة الذي ما ترك بيتاً إلا ودخله؟ أم عن تخاذل علماء الأمة عن إيضاح معالم الدين؟ فكم من عالم يداهن الأمراء والولاة على حساب الدين!!
وفي تلك اللحظة طُرق الباب بقوة وجعل رجل ينادي بصوت عال: افتح يا زيد وإلا كسرنا الباب.
اتجه الإمام إلى الباب في عزم وصلابة بدت واضحة على وجهه.
الإمام زيد: من الرجل ..؟!
- أنا خالد بن عبد الملك بن الحارث والي المدينة.
فتح الإمام الباب .. ودخل الوالي.
الإمام: ماذا تريد يا خالد ما الذي أتى بك في مثل هذه الساعة؟
خالد: اسمع يا زيد .. لا تظن أني غافل عنك وعن هذا الأعرابي الجلف الذي يأتيك من أطراف العراق .. فحذارِ أن أرى منك ما يسوء أمير المؤمنين.
ثم خرج الوالي من الدار في تبجح وغطرسة لا مثيل
لها .. واغلق الإمام الباب .. وجلس في مكانه ومسحة من الإطمئنان والسكون بادية على وجهه .. وكأن شيئاً لم
يحدث .. فقد أصبح مثل هذا المشهد عند الإمام زيد وسائر أهل البيت (عليهم السلام) طبيعياً قد ألفوه وتعودوا عليه منذ زمن.
الإمام زيد: المعذرة يا أبا خالد .. فو الله ما تركوا لنا حرمة إلا وانتهكوها .. حتى ديارنا أصبحوا ينتهكون حرمها متى ما شاءوا .. ولكن نحتسب ذلك عند الله.
أبو خالد: لا حاجة للإعتذر يا سيدي .. فقد إعتدنا رؤية مثل هذه المشاهد مراراً .. فما تركوا بيتاً إلا وانتهكوا حرمته .. فإذا كانوا يطرقون أبوابكم فأبوابنا تكسر قبل أن تطرق.
الإمام زيد: الله أعلم إلى أين يؤول حال هذه الأمة؟ .. ولكن لا بد من مخرج فالله أرحم من أن يترك هذه الأمة بأسرها نهباً لهذه الثلة الفاسدة .. فأكمل حديثك يا أبا خالد .. فأنا في شوق لسماع الأخبار عن العراق وعلماء العراق.
أبو خالد: والله يا سيدي .. لو رأيت كيف أصبحت أحوال طلاب العلم .. أولئك الذين اضطربت عليهم الأقوال والآراء .. فالحلقة الواحدة أصبحت حلقات .. واشتد النزاع والخلاف حتى صيروا الحليم العاقل حيراناً لا يعرف الحق من الباطل .. ولا يدري مع من يكون ..؟!
الإمام زيد: فما أخبار الحسن البصري؟
أبو خالد: لقد اعتزل حلقته بعض طلابه .. بعد أن احتد النقاش فيما بينهم .. وأصبح لهم حلقة يتزعمها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد..
والأهم من ذلك يا سيدي أن الخلافات تزداد كل يوم وتتجاوز طبقات العلماء إلى طبقة العوام .. وهناك من يستغل مثل هذا الخلاف ويشكك حتى في دين الإسلام.
الإمام زيد: ولكن أخبرني ما دور ولاة الأمر؟ ألم يحاولوا أن يوقفوا أولئك المشككين عند حدودهم؟
أبو خالد: آه يا سيدي والله لأشد ما أخاف منه أن يكون لهم يد في تأجيج نار الخلاف .. فهم بهذا يضمنون انشغال علماء الأمة بهذه الأمور عن المطالبة بإزالة المظالم التي أثقلت كاهل الأمة.
الإمام زيد: والله ما ذلك بغريب عليهم .. فَمنْ سَفَك الدماء وانتهك الحرم ليس بغريب عليه أن يفعل أي شيء .. ولكن لا بد أن يكون هناك حل فقد صار الأمر لا يطاق .. فما فائدة صلاة وصيام وخشوع وتذلل .. وأمة محمد تسير إلى الهاوية ونحن نقف موقف المتفرج .. فماذا ترى يا أبا خالد ألا ترى أن الحل..؟
أبو خالد -مقاطعاً-: لي رأي إن أذنت لي يا سيدي.
الإمام زيد: تفضل يا أبا خالد .. فأنت أعلم بما في العراق وبما يصلحه.
أبو خالد: لعل الناس يا سيدي لو وجدوا شخصاً يعترف له الجميع بالفضل والعلم يفصل بينهم فيما اختلفوا فيه لجمع الله على يديه كلمتهم.
الإمام زيد: ومن ترى ذلك الشخص؟
أبو خالد: وهل ترى أن هناك غيرك يا سيدي؟
الإمام زيد: وهل ترى أن مثلي يمكنه بنو أمية من التنقل في البلاد وقد صرت لا أخرج من بابي إلا وأعين الرقباء والجواسيس ترقبني من كل جانب .. إن الأمر صعب يا أبا خالد .. والله لقد صرت أتحرج من الرجل أقف معه على قارعة الطريق مخافة أن يؤذوه بسبب حديثه معي.
أبو خالد: إنك لن تعدم طريقاً .. وإذا خرجت من المدينة فوالي العراق خالد القسري هو إليكم أميل يا سيدي ولا أراه يتعرض لكم بأذى.
الإمام زيد: سننظر .. فأسأل الله أن يختار ما فيه خير
هذه الأمة.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|