تابع الفصل الرابع
أشرفت شمس الرابع عشر من الشهر الكريم لعام 145 هجربة .. تمضي نحو الغروب .. خجلاء شاحبة .. قد احمر لونها وخفت ضوؤها .. وغارت أشعتها .. شاكية باكية .. وعند الله بما اقترفه المجرمون شاهدة ..
وساد سكون موحش .. موحش .. وغم قاتل ..
وبيوت مقفرة .. وضمائر ميتة .. وأعين دامعة ..
وهناك .. في دور لا يُرى فيها إلا مصباح شاحب .. أو ظلام موحش ..
وقفت عقيلة بني هاشم الثانية .. أم المصائب والأحزان .. زينب بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي .. تسامر النجوم الصامتة .. وتناجي البدر الطالع .. الجاهل لما سبق طلوعه .. وتتلفت في دار كان يزدحم قبل سنوات بالفتيان والشيوخ ..
تنظر يميناً .. ليسألها الجدار الصامت .. أين أبوك؟ أين عبد الله الكامل؟ .. أين عمك الحسن المثلث؟ .. أين عمك الأصغر إبراهيم بن الحسن؟ ..
صرخ الظلام .. وأجابه الصمت ..
الصمت القاتل .. كلهم في سجن أبي جعفر صرعى ..
فأين الزوج والحبيب؟ .. وأين الأب والأعمام؟.. أين علي (العابد)؟ .. وأين أخوه العباس بن الحسن؟ .. وأين علي بن محمد؟ .. وأين ابناء العم والأقارب؟ ..
كلهم صرعى .. كلهم تحت الثرى .. من ذا يواسيك يا بنت عبد الله .. من ذا يخفف حزنك يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!..
فالزوج قتيل .. والأب قتيل .. والعم قتيل .. والأخ الحبيب لا زالت مياة الأمطار تفرق دمه بين الشعاب ..
ما أطول هذا الليل .. متى ينزاح؟ .. متى؟ ..
كانت الدموع تذرف بغزارة .. ولكن اللسان ما كان لينطق بفحش أو سوء .. كلمة واحدة هي التي عرفها لسان زينب .. (إنا لله وأنا إله راجعون) .. (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين).
وبعد ليل طويل .. أتى النهار .. ليؤنس زينب .. ويذكرها بصباح الأمس يوم كانت الديار بالأحباب مزدهرة .. والقلوب بقربهم مطمئنة ..
فتهيج الشوق .. واشتدت لوعة القلب الحزين لرؤية الأحباب .. ولو حتى جثث بلا رؤوس .. ولا أطراف ..
وبينما هي تعاني أشد الآلام ..
أقبلت عليها ابنة أخيها فاطمة بنت محمد بن عبد الله .. فضمتها إلى صدرها ..
فاطمة: ألا يتركنا هؤلاء فنواري حثة أبي .. فقد منعنا جند عيسى من ذلك؟!
زينب: بلى يا بنية .. نرسل إلى هذا الرجل لنطلبها منه .. بعد أن نالوا مرادهم..
وأسرع بعض موالي بني هاشم إلى مجلس عيسى .. فلما دخل المجلس رأى أمة من الناس قد اجتمعوا وتحلقوا ينظرون إلى رأس في طبق أبيض .. فبهت لما رأى ولما سمع .. لقد كان الرأس هو رأس محمد بن عبد الله النفس الزكية ..
سمع عيسى يقول:
- ما تقولون في هذا؟! ..
فتنافس الخطباء من الذين باعوا دينهم بدنياهم .. يقعون في الزكي الطاهر النفس الزكية .. يتلمسون بذلك رضا سلطان الدنيا ولا يأبهون لغضب سلطان سلاطين الدنيا والآخرة ..
فلما عظم المقال وتطاول السفهاء .. تقدم أحد قواد الجيش العباسي .. وقد ثارت في نفسه بادرة للإنصاف .. بعد أن ساءه كثرة الزيف والإفتراء .. فصاح فيهم:
- كذبتم والله .. وقلتم باطلاً .. ما على هذا قاتلناه .. لكنه خالف أمير المؤمنين وشق عصا المسلمين .. وإنه كان لصواماً قواماً ..
فخرست ألسن المتملقين .. وقطعت ألسن المتقولين ..
ثم تكلم رسول زينب بنت عبد الله فقال لعيسى: يا عيسى .. تقول لك مولاتي زينت بنت عبد الله .. ومولاتي فاطمة بنت محمد إنكم قد قتلتم هذا الرجل .. وقضيتم حاجتكم منه .. فلو أذنتم لنا فواريناه ..
عيسى: أما قولها أني نلت منه .. فوالله ما أمرت ولا علمت .. فليواريانه راشدتين.
وخرج رسول زينب وكل عضو في جسده يكاد أن ينطلق ليقول لعيسى: كذبت وافتريت .. بل بأمرك ومشورتك.... أنسيت أنك سجدت حين أتوك برأسه؟!
وأرسرع إلى زينب يقول لها: قد أذن لك عيسى يا مولاتي في قبر أخيك ..
فسارع فتيان بني هاشم إلى جثة الإمام .. فاخذوها بعد أن بات مع اصحابه في العراء .. حثثاً بلا رؤوس ..
فلما ادخلوا جثته على نساء آل محمد .. جعلن ينظرن إلى الجسد .. يكدن أن ينكرنه .. فاشتد النحيب .. وارتفع العويل ..
وجعلت عقيلة آل محمد تقلب الجسد .. وتتفحصه .. فبقاه في العراء قد غير لونه ..
ولما وقع بصرها على بقعة في جسده .. أيقنت أن الجثة حثة أخيها .. فجعلت له فراشاً تحته .. وأمرت من يحفر له قبره حيث أوصاها ..
وصارت الدماء تخرج من جسده .. كأنه قتل الساعة .. وكلما وضعوا فراشاً تلطخ بدمه الزكي الطاهر .. حتى غير له ثلاثاً ..
وبينما زينب على هذه الحال .. دخل عليها ولدها الحسين بن علي .. مع من كان يحفر القبر ..
الحسين: أماه .. ان في القبر صخرة منعتنا من إكمال حفره ..
زينب: أخرجوها يا ولدي .. فلا يقبر خالك إلا حيث أوصى.
فعاد الحسين .. وبعد طول عناء أخرجت تلك
الصخرة .. فإذا هو مكتوب عليها (هذا قبر الحسين بن على بن أبي طالب) .
فلما علمت زينب، قالت: رحم الله أخي كان أعلم حين أوصى أن يدفن في هذا الموضع ..
يا صاحِبِّي دعا الملامة وأعلما ... أن لست في هذا بألوم منكما
وقفا بقبر للنبي فسلما ... لا بأس أن تقفا به وتسلما
قبر تضمن خير أهل زمانه ... حسباً وطيب سجية وتكرما
رجل نفى بالعدل جور بلادنا ... وعفا عظيمات الأمور فأنعما
لم يجتنب قصد السبيل ولم يجر ... عنه ولم يفتح بفاحشة فما
لو أعظم الحدثان شيئاً قبله ... بعد النبي به لكنت مُعظما
أو كان امتع بالسلامة قبله ... أحداً لكان قُصاره أن يسلما
بطلاً يخوض بنفسه غمراتها ... لا طائشاً عشا ولا مستسلما
حتى مضت فيه السيوف وربما ... كان حتوفهم السيوف وربما
أضحى بنو حسن أبيح حريمهم ... فينا وأصبح نهبهم متقسما
ونساؤهم في دورهن نوائح ... سجع الحمام إذا الحمام ترنما
يتوسلون بقتلهم ويرونه ... شرفاً لهم عند الإمام ومغنما
والله لو شهد النبي محمد ... صلى الإله على النبي وسلما
إشراع أمته الأسنة لابنه... حتى تقطر من ظباتهم دما
حقا لأدرك أنهم قد ضيعوا ... تلك القرابة واستحلوا المحرما
| توقيع : أبوحيدر.... |
|