الفصل الثاني
عيّن الخليفة الأموي مروان بن محمد والياً له على المدينة يسمى عبد الملك بن عطية وأوصاه ان لا يمس أحداً من أهل البيت بسوء.. فقد كان مروان بن محمد يدرك بذكائه وفطنته أن التعرض لأحد من أهل البيت في تلك الفترة ما هو إلا ضرب من الحمق والجنون .. فالناس قد تعلقت قلوبهم بأهل البيت.. وأصبحت الدولة الأموية في أشد الضعف، ولم يبق دار إلا وقد دخله السخط على البيت الأموي..
وحين وصل عبد الملك بن عطية إلى المدينة خرج أهل المدينة لاستقباله وتخلف عبد الله بن الحسن وبنوه.. فقد علم عبد الله بن الحسن أن هناك من سعى بولديه عند مروان بن محمد فخاف عليهما.
فلما دخل الوالي دار الامارة هناك.. أرسل في طلبهم فلما حضروا إلى مجلسه عنّفهم أشد تعنيف وهمَّ أن يضرب أعناقهم .. لولا أنه تذكر وصية مروان له أن لا يتعرض لأحد منهم بسوء.
وجعل الوالي يراسل الخليفة بأخبار المدينة أولاً بأول، ومن ضمنها أخبار عبد الله بن الحسن وبنيه .. فأرسل مروان إلى واليه:
((من أمير المؤمنين مروان بن محمد إلى عبد الملك بن عطية .. لا تتعرض لعبد الله بن الحسن وبنيه وإن استتروا منك بثوب فلا تكشفه، وإن كان جالساً على جدار فلا ترفع رأسك إليه)) ..
ثم كتب مروان بن محمد رسالة أخرى إلى عبد الله بن الحسن ضمنها هذه العبارة: ((أكفف عني بنيك))..وارفقها بعشرة آلاف دينار.
وما إن قرأ عبد الله رسالة مروان حتى أيقن أن الخليفة قد أضمر في نفسه شيئاً وأن أحداً قد أوغر صدره عليهم .. فأحب أن يقطع الطريق على أصحاب السوء الذين اعتادوا أن يجعلوا من الوشاية بأهل هذا البيت وسلية وزلفة يتقربون بها إلى الأمراء والولاة.. فقرر أن يشدَّ رحاله إلى بلاد الشام يرجو أن يلقى مروان. ويقرأ في ملامح وجهه وفلتات لسانه ما يضمر له ولولده وأهل بيته.
***
توجه عبد الله نحو الشام حتى وصل إلى قصر الخلافة بدمشق..
فلما دخل على الخليفة في قصره -وقد أحاط به قواده ووزراؤه- إستقبله مروان أحسن إستقبال واجلسه إلى جواره..
مروان: ماذا فعل مهديكم يا عبد الله؟
عبد الله بن الحسن: لا تقل ذلك يا أمير المؤمنين .. فليس الأمر كما يبلغك.
مروان: بلى .. ولكن يصلحه الله ويرشده.
ثم أطرق قليلاً يفكر في أمر ما .. ثم رفع رأسه وجعل ينظر إلى عبد الله..
مروان: إئتني بابنك محمد يا عبد الله.
عبد الله: وما تصنع به يا أمير المؤمنين؟
مروان: لا شيء .. لا شيء .. إلا أنه إذا أتانا أكرمناه .. وإن قاتلنا قاتلناه .. وإن بعد عنا لم نهجه.
اكتفى عبد الله بما سمع .. فقد أدرك أن مروان بن محمد يسير على طريق آبائه وأنه يضمر لهم الشر وما يرده عن الفتك بآل محمد إلا ضعف دولته..
وبادر عبد الله من ساعته للعودة إلى المدينة.. وشدَّد في إخفاء بنيه وأمرهم بالإستتار مخافة أن ينال بنو أمية منهم.
(2)
زاد الناس من محنة عبد الله وبنيه .. بما كانوا يختلقون من الشائعات التي دخلت إلى كل بيت ووصلت إلى مسامع ولاة الدولة الأموية وأمرائها، مما جعل الناس لا يدخلون المدينة إلا ويسألون عن دار عبد الله بن الحسن ليروا ابنه محمداً الذي سموه بالمهدي .. فاضطر محمد بن عبد الله إلى الخروج من المدينة والتخفي ..
ولما دخل محمد بن عبد الله المدينة في أحد الأيام متنكراً عرفه أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان أبو جعفر جالساً مع بعض رفاقه، فلما خرج محمد بن عبد الله من دار أبيه أسرع أبو جعفر إليه .. فأخذ بردائه حتى ركب ثم سوى ثيابه على السرج.
وجعل أبو جعفر يبالغ في الإجلال لمحمد بن عبد الله حتى تعجب أصحابه مما رأوا .. فلما عاد إليهم أبو جعفر قال له عمير بن الفضل:
- من هذا الذي أعظمته هذا الإعظام حتى أخذت بركابه وسويت له ثيابه؟!..
أبو جعفر: أو ما تعرفه؟
عمير بن الفضل: لا.
أبو جعفر: هذا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن مهدينا أهل البيت.
***
وكان السبب في اعتقاد الناس بأن محمد بن عبد الله هو المهدي هو تلك الرواية التي مفادها أن المهدي اسمه اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم واسم أبيه كاسم أبي النبي.
وتلك العلامة كانت موجودة في محمد بن عبد الله مع ما هو عليه من الفضل والعلم والشجاعة وقوة الجسم .. الأمر الذي جعله يزداد في قلوب الناس ميلاً إليه وحباً له.
ولكن عبد الله بن الحسن كان يبالغ في نفي ذلك عن ولده .. فقد كان أهل البيت يعلمون أن موعد خروج المهدي لم يحن بعد.
ولكن الأخبار التي كان أهل البيت يتناقلونها تشير إلى أنه النفس الزكية التي تحدث عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أطل زمانها.
ولعل عبد الله كان قد توسم في ولده محمد أنه المقصود بالرواية.. فقد أقبل عليه بعضهم وهو جالس فجلسوا إليه يحادثونه..
أحدهم: متى يخرج ولدك يا أبا محمد؟.
عبد الله: لا يخرج حتى أموت، وهو مقتول.
محمد بن بشر: إنا لله وإنا إليه راجعون .. هلكت والله الأمة.
عبد الله: كلا.
محمد بن بشر: فإبراهيم؟
عبد الله: ليس بخارج حتى أموت، وهو مقتول.
محمد بن بشر: إنا لله وإنا إليه راجعون .. هلكت والله الأمة.
عبد الله: فإذا مت خرجا جميعاً، فلا يلبثان إلا وهما مقتولان.
محمد بن بشر -في حسرة وألم: إنا لله هلكت والله الأمة.
عبد الله: كلا يا محمد .. فإن صاحبهم منا غلام شاب ابن خمسٍ وعشرين سنة يقتلهم تحت كل حجر ..
ولكن لم يكن مثل هذا القول كافياً لتكذيب تلك الشائعات التي آمن بها سائر الناس القريب والبعيد والخاص والعام..
***
وفي أحد الأيام اجتمع جمع من بني هاشم .. وأقبلوا على عبد الله بن الحسن وولديه محمد وإبراهيم وهم في الأبواء .. فضم ذلك المجلس إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس .. وأبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وصالح بن علي بن عبد الله بن العباس .. ومحمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان -وكان أخاً لعبد الله بن الحسن من أمه.
صالح بن علي: قد علمتم أنكم الذين تمد الناس أعينهم إليهم، وقد جمعكم الله في هذا الموضع، فاعقدوا بيعة لرجل منكم تعطونه إياها من أنفسكم وتوثقوا على ذلك حتى يفتح الله والله خير الفاتحين.
أبو جعفر: لأي شيء تخدعون أنفسكم، والله لقد علمتم ما الناس إلى أحدٍ أصور أعناقاً وأسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى -يريد محمد بن عبد الله (ع).
فأجابه الجميع: قد صدقت والله إن هذا لهو الذي نعلم.
وبايعوا جميعاً محمد بن عبد الله ومسحوا على يده.
ثم أرسل عبد الله بن الحسن إلى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين.. فأقبل على الفور.. حتى وصل إلى هنالك وهم مجتمعون.. فأوسع عبد الله لجعفر بن محمد واجلسه غلة جواره.
جعفر بن محمد: لأي شيء اجتمعتم؟
عبد الله بن الحسن: احتمعنا لنبايع محمد بن عبد الله.
جعفر بن محمد: لا تفعلوا فإن هذا الأمر لم يأت بعد.. ولكنا والله لا ندعك يا عبد الله وأنت شيخنا ونبايع ابنك.
عبد الله بن الحسن: لقد علمت خلاف ما تقول، ولكن يحملك على هذا الحسد لإبني.
جعفر بن محمد: والله ما ذاك يحملني.. إنها والله ما هي إليك ولا إلى إبنيك.. وإن إبنيك لمقتولان.
ثم نهض جعفر بن محمد وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري ثم قال له:
- أرأيت صاحب الرداء الأصفر -يعني أبا جعفر؟
عبد العزيز: نعم.
جعفر بن محمد: فإنا والله نجده يقتله.
عبد العزيز: أتقصد أن أبا جعفر يقتل محمد بن عبد الله؟!
جعفر بن محمد: نعم..!
ولما خرج الإمام جعفر بن محمد(ع) لحقه أبو جعفر وقال له:
- أتقول هذا يا أبا عبد الله؟!
جعفر بن محمد: نعم أقوله والله واعلمه..!
وبعد أن انصرف جعفر بن محمد تفرق من في المجلس، وقد أجمع أمرهم على أن يجددوا البيعة مع من بقي من بني هاشم ومواليهم في بيت الله الحرام بمكة.
فلما كان بعد ذلك بزمن .. بايعوا محمد بن عبد الله عند البيت الحرام بمكة.
فلما أراد محمد بن عبد الله الانصراف، خرج أبو جعفر فأمسك لمحمد الركاب.. فلما استوى محمد على فرسه التفت إليه أبو جعفر -وكأنّ أمراً ما يدور في خلده- ثم قال له:
- أما إنه إن أفضى إليكم هذا الأمر نسيتَ لي هذا الموقف!!
(3)
كانت قد انتشرت بين الناس تنبؤات تقول أنه لا حظَّ لبني الحسن في الملك وأن بني العباس يرثون هذا الأمر..
إلا أن مثل تلك التنبؤات لم تكن لتثني محمد بن عبد الله عن المضي فيما هو عازم عليه .. فهو تلميذ الإمام زيد بن علي (ع) خرج معه وجاهد بين يديه.. ورافق يحيى بن زيد زمناً طويلاً..
لذلك فقد أرسل محمد بن عبد الله دعاته إلى الأمصار، يطلبون له البيعة..
وانطلق دعاة بني هاشم وأتباعهم في أرجاء البلاد الإسلامية يدعون الناس إلى مبايعة محمد بن عبد الله (ع).
وكان من أهم العوامل التي سهلت مهمة الدعاة .. وساعدت على نجاح هذه الدعوة هو ضعف الدولة الأموية واشتداد وطأة الظلم الذي تعانيه الأمة الإسلامية.. في الوقت الذي كانت شهرة محمد بن عبد الله قد بلغت المنتهى ..
كان الدعاة يدعون إلى مبايعة محمد بن عبد الله إلا نفراً من بني العباس فإنهم كانوا يدعون الناس إلى الرضا من بني هاشم ولا يصرحون باسم أحد .. بعد أن أضمروا في أنفسهم أنه إن تم لهم هذا الأمر استخلصوه لأنفسهم..
وبينما عبد الله بن الحسن جالس في أحد الأيام مع أبي العباس -الذي لقب فيما بعد بالسفاح- وأبي جعفر- الذي تسمى بالمنصور- ومعهم أخوهم الأكبر إبراهيم بن علي .. إذ دخل عليهم رجل فسألهم:
- أين إبراهيم بن علي منكم؟..
إبراهيم: أنا هو.
فتقدم الرجل .. وهمس في أذن إبراهيم بن علي بكلام.. ثم خرج الرجل على الفور فتبعه إبراهيم وبنو العباس .. فلما انفردوا عن عبد الله بن الحسن وولده قال لهم:
- يا مولاي .. قد أخذت لك البيعة بخراسان، وجمعت لك الجيوش .. فأقبل.
وهنا تذكّر أبو جعفر ما قاله الإمام جعفر بن محمد -من أنه يقتل محمداً وإبراهيم- فعلم أنه لا يقدر عليهم إلا إذا صار الأمر إليه أو إلى إخوته .. ففهم أن الملك صائر إليهم..
فأعدوا العدة لهذا الأمر .. وكتموا أخبارهم عن عبد الله بن الحسن وأولاده، وصاروا يتقربون إلى الناس بآل علي بن أبي طالب (ع).
وجعلوا من محمد بن عبد الله وسيلة يدخلون بها إلى قلوب الناس .. فلما تم لهم ما دبروا، واستوثقت لهم البيعة من شيعة خراسان .. جعلوا لا يكترثون من التكتم من هذا الأمر.
فقد دخل عبد الله بن الحسن وأخوه الحسن بن الحسن ومعهم رجل اسمه عبد الله بن الحسن بن تراب على داود وعبد الله بن علي بن عبدالله بن العباس.
فأقبل داود يحدث عبد الله بن الحسن .. ثم سأله:
- ألم يحن الوقت لظهور محمد؟
عبد الله بن الحسن: إن الوقت لم يحن لظهوره.
فالتفت عبد الله بن علي إلى عبد الله بن الحسن .. فقال:
سيكفيك الجعُالةَ مستميت ... خفيف الحاد من فتيان جَرْمِ
ثم قال:
- أنا والله الذي قد أظهر عليهم وانتزع ملكهم [يقصد بني أمية].
فخرج عبدالله وقد أدرك أن القوم قد خذلوا ولده .. وأنهم يريدون الأمر لهم.
***
وفعلاً كان دعاة محمد بن عبد الله من بني العباس قد طمعوا في الأمر وأرداوه لأنفسهم فكانوا إذا أنسوا إلى أحد أخذوا البيعة منه لإبراهيم بن علي بن عبد الله بن العباس.
وكانوا يشيعون في خواصهم أن محمد بن عبد الله حديث السن، قليل العلم.
فقد أقبل القاسم بن مسلم وأبو خلف على عيسى بن زيد بن علي بن أبي طالب (ع) يسألانه عن أمر محمد بن عبد الله.
القاسم بن مسلم: لقد حدثنا بعض من يعرف محمد بن عبد الله أنه حدث السن لا فقه له.
عيسى: إسمع يا هذا .. والله لو أن الله جل ثناؤه حدثنا في كتابه أنه يكون من بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي لقلنا إن ذلك محمد بن عبد الله بن الحسن.
فخرج الرجلان من عند عيسى بن زيد يرجوان لقاء محمد بن عبد الله (ع).. وأقبلا عليه في داره بينبع .. فدخلا عليه .. فإذا هو في كسائين قد ائتزر بأحدهما والتحف بالآخر.. فصارحه القاسم بن مسلم بما سمع من الناس.
القاسم بن مسلم: جعلت فداك يا أبا عبد الله .. إن الناس يقولون لنا أن صاحبكم حدث السن ليس له فقه..
فنظر محمد بن عبد الله إلى القاسم وصاحبه .. ثم إلتقط سوطاً كان بين يديه .. فأدخل علاقته في يده .. ثم قال:
- يا قاسم.. ما يسرني أن الأمة اجتمعت عليّ فكانت كعلاقة سوطي هذا .. وأني سئلت عن باب حلال أو حرام لم أجئ بالمخرج منه.. يا قاسم بن مسلم.. إن أضل الناس -بل أكفر الناس- من ادعى أمر هذه الأمة.. ثم يسأل عن باب حلال أو حرام لم يجيء بالمخرج منه.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|