حين نستعرض الألحان الفلكلورية عبر النطاق الجبلي لمنطقة جازان، فلا بد أن يستوقفنا "المَغْرَدُ" ذلك اللون الفذ، ذو الإيقاع السخي بالشجن، واللحن الحافل بالعُرَبِ الموسيقية، بحيث يصعب أداءه إلا من قبل متمرس،
ملتصق بتلك البيئة الجبلية التي أفرزته، ويندرج تحت هذا اللون عدد من الألحان والإيقاعات المتباينة، تبعا لتباين البيئات اللغوية التي منحته أكثر من تسمية. فإذا كان القسم الأكبر من قبائل خولان يمنية أو سعودية تطلق عليه " المغرد" فإن غالبية حاشد وبكيل ينعتونه بـ ( الزامل)، وطبقا لما ذكرناه فإن الخارطة الجغرافية للمغرد يمكن أن تشمل مرتفعات جنوب الجزيرة العربية.
ولاشك أن من يحاول الاقتراب أكثر من ألحان المغرد، سيعثر في بعضها على نكهة الغناء الصنعاني، وما ذلك إلا لالتقائهما في صفة العتق والقدم، إذ كان "المغرد" لونا تراثيا قادما من أعماق الماضي السحيق.
وحين أتناول هذا اللون التراثي المميز، فإنني لا أستدعيه بشموليته واتساعه، وإنما من خلال الزاوية المنظورة من جانبي، فحديثي هنا يقتصر على المغرد الشائع في فيفاء دون غيره، وينتمي لمقام الرصد، منطلقا من طبقة القرار آخذا في التدرج صعودا حتى يلامس النغمة الحادة، ثم يعود لينتهي بذات النغمة التي انطلق منها، ولكي نجنب القارئ لغة الأزمنة الموسيقية، فبإمكانه أن يتصور إيقاع الخطوة العسكرية البطيئة، ليقترب من استيعاب رتابة لحن المغرد، كما تؤديه قبائل فيفاء في المناسبات التي تتسم بالسلام ، أو يجمعها صفة ( الوفديّة )، وفي مقدمتها وفد الاعتذار وطلب الصفح عن خطإ وقع من قبيلة ما ضد قبيلة أخرى، فإن البطولة المطلقة تكون هنا للمغرد، الذي تصدح به حناجر الوفد المعتَذِر، وهم على مقربة من مكان الاجتماع، بما يحتويه من سخاء طربي، ورقة متناهية، وعمق فلسفي، وكأن هذا اللحن الشجي يتم توظيفه بعناية في مثل هذه المناسبات لما يذكيه في النفوس من التناغم والتوافق العصبي والذهني، لدى القبيلة المُعْتَذَر لها، كما أن الإيقاع الرتيب الذي يضبط حركة تقدمهم الؤيد يعكس مشاعر السلم والدّعة، والحكمة، حتى لا يكون حضور الوفد صاخب الحركة فيما يشبه الكر على الأعداء.
ويتصدر "المغرد" أيضا الاجتماعات القبلية لدى رموز السلطة، لما يشف عنه من مشاعر الحب، الولاء والطاعة، وهو اللحن الذي استمع إليه الرحالة هاري سانت فيلبي حين وصوله فيفاء في ديسمبر سنة 1936م، ووصف تقدم الجموع المصاحبة إلى مركز أمارة فيفاء قائلا : ( كَوّن حرس الشرف وكل السكان المتفرجين موكبا آخر من خلفنا ومن أمامنا، لمرافقتناعبر الطريق الملتوي، وهم يغنون أثناء مشيهم على إيقاع نغم حزين يكاد يكون جنائزيا) مرتفعات الجزيرة العربية ج2 ص921.
قلتُ: فإن المغرد لحن يترنم به الوفد القادم للتعزية والمواساة، ومن يستمع إلى مغرد وفود حاشد التي حضرت للتعزية عند آل الأحمر في وفات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر سيدرك مدى الأثر العاطفي لهذا اللون التراثي الفريد، يعرف عند حاشد بالزامل، وهو متاح على الشبكة العنكبوتية لمن أراد الاستماع والاستزادة .
كما نعثر على المغرد يتصدر المناسبات التي تحمل صفة التهاني، والامتنان، وشكر النعم، كعودة الحاج بعد قضائه الفريضة، وفي العيدين، وإنجاز واجب جماعي له صفة النبل والكرم والنجدة.
بقي أن نعلم بأن المغرد لا يُغَنّى من قبل جوقة منسحبة أو مغادرة لأي تجمع أو مناسبة كانت على الإطلاق، وإنما يتم غناءه كافتتاحية لمناسبة مما ذكرنا، ومن قبل وفد قادم .
ـــــــــــ
**نشر هذا المقال في زاوية ( رؤية فنية ) ـ مجلة اليمامة السبت 22 / شعبان / 1432 هـ
توقيع : محمد بن مسعود الفيفي(•'.'•)
التعديل الأخير تم بواسطة محمد بن مسعود الفيفي ; 03-07-2012 الساعة 03:53 AM
المغرد تعبير عن مواساة أو مشاركة فرحة للطرف الآخر وهو من أجمل ما تتميز به القبائل
المحافظة على هذا النوع من الحضارة وقد أجاد الكاتب في شرح الموضوع لمن لا يعرف المغرد فله مني
أجمل تحية:-)
توقيع : الصنو....
معالٌ هي الفخر الصحيح وغيرها=معال مجاز بين واهٍ وسالم
ومن ذا يقيس الشمس في رونق الضحى=إلى كوكب في غيهب الليل عاتم
الله يعطيك العافية على هذا المقال الجميل.
وأعتقد أنه فن وتراث مهدد بالإندثار ولا نكاد نسمعه في المناسبات...
أهلا أبا حور .. كل الحاننا التراثية مهددة بالموت والفناء، والقضية لا تتوقف عند اللحن
وإنما الأوزان الشعرية وما أودع فيها من انفعالات إنسانية، تعكس ماض مغرق
في الشدة والتجهم .