![]() |
![]() |
{ أعلانات المنتدى } |
||
|
|||||||
الإهداءات |
![]() |
| انشر الموضوع |
|
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
المشاركة رقم: 1 | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
المنتدى :
أعلام نبلاء
الباب الثاني الفصل الأول الشعور بالخوف من الغد الآتي ..الغد الذي يحمل معه جزاء الغدر وانتصار المظلوم .. جعل يتملك على أبي جعفر قلبه ومشاعره وتخيلاته .. فقد كان يرى في أولاد عبد الله بن الحسن كابوساً لا يفارق مخيلته .. فبعد أن أحكم القبضة على زياد بن عبد الله الحارثي وولاته .. جعل لا يشغله شيء عن التفكير في وال يضبط له أمر المدينة وما حولها ويأتيه بمحمد وإبراهيم ..فكر كثيراً فلم يجد سوى رجلاً واحداً يمكن أن يقوم ولو ببعض هذا العمل .. فمحمد بن خالد القسري -سيد اليمن- لن يألو جهداً في التقرب إلى أبي جعفر .. ولذلك أرسل في طلبه .. فلما دخل على أبي جعفر قال له: - يا محمد .. هذا أمر بولايتك على المدينة .. ولكن لن أوليك حتى تتكفل لي بمحمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن .. وخذ ما شئت من المال والجنود .. فقد أطلقت يدك في كل شيء لا أضع عليك رقيباً.. محمد بن خالد: أمر مولاي .. فإني آتيك بهم إن شاء الله. وسافر محمد بن خالد القسري نحو مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد تعهد لأبي جعفر بقتل وأسر ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..فلما اقترب من المدينة .. أرسل إلى أهلها يبلغهم بقدومه .. فخرجوا لاستقباله ثم دخل المدينة .. وجعل يتشدد في طلب محمد وإبراهيم .. وينفق الأموال الكثيرة في طلبهم .. ودخل يوماً إلى السجن وجعل يطوف على من فيه من السجناء.. فرأى عبد الله بن الحسن وقد كسى الشيب وجهه .. وأثرالسجود في جبينه .. وتوهجت الأنوار من وجهه .. يطيل السجود ويكثر الذكر .. فمال إليه وأحبه.. منذ أن رآه لأول وهلة.. فجلس إليه يحادثه.. وكان عبد الله لا يجلس إلى أحد إلا وأثر فيه لقوة حجته ومنطقه .. وتكرر اللقاء تلو اللقاء .. فأنس إليه وعرف له مقامه .. ولكن رسائل أبي جعفر ما كانت لتترك محمد بن خالد وشأنه .. فقد أتاه كتاب أبي جعفر يأمره فيه أن يرفع إليه بالأموال التي أنفقها .. فكتب إليه كتاباً ذكر فيه مالاً عظيماً أنفقه في البحث عن أولاد عبد الله بن الحسن .. فسرى الشك في قلب أبي جعفر واتهم محمد بن خالد، فقد أتاه بعض عيونه بأخبار محمد بن خالد وجلوسه إلى عبد الله بن الحسن .. أبو جعفر- مخاطباً ابن الربيع-: والله ما جلس أحد إلى عبد الله بن الحسن إلا وأدخله في رأيه .. وإني لا أشك أن محمد بن خالد قد مال إلى عبد الله وبنيه. ابن الربيع: مُره أن يحصر أهل المدينة في دورهم وأن يفتشها داراً داراً؟ فإن ظفر بمحمد وإبراهيم وتركهما .. افتضح أمره .. وإن أخذهما قطع ما بينه وبين بني الحسن .. وأرسل من عندك من يحضر هذا الأمر. أبو جعفر: لله أنت .. نعم الرأي ما رأيت. وبالفعل .. وصلت رسالة أبي جعفر إلى المدينة تحمل هذا الأمر .. ومع الرسالة الرصدة والعيون.. فخرج محمد بن خالد .. فجمع أهل المدينة .. فأمرهم أن يتجاعلوا .. وأن يعطي غنيهم فقيرهم .. ثم قسم بينهم أموالاً تكفي حاجتهم .. وأمر أهل المدينة أن يلزموا بيوتهم أسبوعاً لا يخرجون .. وسد الطرق .. وأحاط المدينة بجنده. ثم أمر دوريات من الجنود لتكشف المدينة بيتاً بيتاً .. وعززهم بصكوك تمنع أي شخص يريد التعرض لهم أو منعهم .. فلم يبق بيتٌ في المدينة إلا وقلبّه الجند رأساً على عقب .. وبعد أسبوع من البحث المتواصل .. عادت دوريات الجند فارغة اليدين .. لم تظفر بأي أثر يدلهم على مكان محمد وإبراهيم. (2) استبطأ أبو جعفر محمد بن خالد القسري .. فرأىعزله ..ولكن الحيرة اخذته فيمن يخلفه .. فكلما نصب على المدينة والياً مال إلى عبد الله بن الحسن وأولاده .. واشتد على أبي جعفر أمر محمد وإبراهيم .. فطال سهره .. وثقله عليه همه .. وساء حاله .. فهو في كل يوم .. بل في كل ساعة يدرك شدة ضعفه .. وقلة حيلته.. كان أبو جعفر يريد رجلاً ذا رأي وفطنة .. بعد أن كاد اليأس أن يستولي عليه .. علّه يجد له مخرجاً من هذا المأزق .. فلما دخل عليه أبو السَّعلاء قال أبو جعفر: - أدركني يا أبا السَّعلاء .. وأشرْ عليَّ في أمر هذين الرجلين فقد غمني أمرهما.. لم يكن أبو السَّعلاء يحتاج إلى السؤال عن قصد أمير المؤمنين -بقوله الرجلين- فقد عرف الخاص والعام بما صار إليه حال أمير المؤمنين. أبو السَّعلاء: أرى لك أن تستعمل رجلاً من ولد الزبير أو طلحة .. فإنهم يطلبانهما بالثأر .. فأشهد لا يلبثون أو يخرجونهما إليك. أبو جعفر: قاتلك الله .. ما أجد رأياً أحسن مما جئت به .. والله ما غَبي هذا علي .. ولكن أعاهد الله ألا أثأر من أهل بيتي بعدوي وعدوهم .. ولكني أبعث عليهم صعيلكاً من العرب .. فيفعل ما قلت. ثم ركب أبو جعفر مع حاشيته .. وخرج يريد أن يروح عن نفسه .. فقد طال تفكيره في هذا الأمر .. فلما تجاوز قصره .. استقبله يزيد بن أسيد السُّلمي .. أبو جعفر: أما تصحبنا يا يزيد؟ يزيد: حباً وكرامة يا أمير المؤمنين. فلما جاوزه بفرسه .. مال إليه أبو جعفر وجعل يسره ببعض كلام .. أبو جعفر: أما تدلني على فتى من قيس مقل .. أُغنيه وأُشرّفه وأُمكّنه من سيد اليمن -يعني محمد بن خالد القسري -يلعب به. يزيد: بلى .. قد وجدته يا أمير المؤمنين. أبو جعفر: فمن هو؟ يزيد: رياح بن عثمان بن حيان المري. أبو جعفر: فلا تذكر هذا لأحد. ثم انصرف أبو جعفر عائداً إلى قصره .. فأمر بنجائب وكسوة ورجال .. فهيئت للسفر.. ثم أمر بإحضار رياح بن عثمان المري. كان رياح غليظ الطبع .. جاف القول .. متسلطاً.. فلما حضر رياح وجلس إليه أبو جعفر جعل يذكر له ما بلاه من غش زياد وابن القسري في ابني عبد الله .. ثم قال له أبو جعفر: - يا رياح .. سر من ساعتك إلى المدينة واجعل همك ابني عبد الله. فركب رياح من ساعته وخرج يريد المدينة .. *** وصل رياح إلى المدينة مع حاجب له يكنى أبا البختري في الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة 144 هجرية ..فأقبل حتى وصل إلى دار مروان .. فلما استقر فيها سألهم: - أهذا دار مروان؟ أبو البختري: نعم يا مولاي .. هذا دار مروان. رياح: هذا المِحْلال المِظْعَان -ونحن أولى من يظعن منها-. أين ابن القسري؟ فأرسلوا في طلبه وأتوا به حتى أدخل عليه .. فلما جلس بين يديه قال له رياح: - كيف صنعت في الأموال يا ابن القسري؟ محمد بن خالد القسري: هذا كاتبي رزام أعلم بذلك مني. رياح: أسألك وتحيلني على كاتبك؟! ثم أمر به فوجأت عنقه .. وقُنِّع أسواطاً .. ثم أخذ رزاماً الكاتب .. فبسط عليه العذاب.. فجعل يجلده في كل موضع من جسده خمس عشر سوطاً .. ويده مغلولة إلى عنقه، ثم يطوفون به في أفناء المسجد والرحبة .. فلما بلغ به العذاب أشده وامتلأ جسده بالقراح من أطراف قدميه إلى مقاص شعره ..أرسل إليه رياح: (ارفع بمحمد بن خالد .. وأنا أكف عن تعذيبك). فرفض رزام ذلك .. وأقسم رزام أن لا يفعل.. فأمر بضربه .. فأقبل قائد الشرطة نحو رزام وقال له: - أين تحب أن أضرب في هذا اليوم؟ رزام: والله ما في بدني موقع للضرب .. فإن شئت فبطون كفي .. فأخرج كفيه .. وضربه فيها خمسة عشر سوطاً .. وجعل رياح يرسل إليه: إن رفعت بابن القسري خليت سبيلك .. فلما ألحوا عليه واشتد به الألم قال لهم: - أرسلوا إلى رياح .. فليأمر بالكف عني حتى أكتب كتاباً أرفع فيه بمحمد بن خالد القسري وأتهمه. فأمر رياح بالكف عنه .. وأقبل رياح إلى رزام وقال له: - إذا كان العشية واجتمع الناس عندي .. فأقبل واقرأ الكتاب الذي رفعت فيه على محمد بن خالد بأنه كان يأكل أموال المسلمين. فلما اجتمع رياح مع وجوه الناس .. دخل عليهم رزام فقال: - أيها الناس إن الأمير أمرني أن أكتب كتاباً وارفع على محمد ابن خالد .. وقد كتبت كتاباً أتنجَّى به .. وأنا أشهدكم أن كل ما فيه باطل.. فالتفت إليه رياح .. وقد احمر وجهه .. وجحظت عيناه ثم صرخ في وجهه وقال له: - ماذا قلت يا ابن الفاعلة؟ .. يا قائد الشرطة .. خذ هذا الأحمق واضربه مائة سوط. *** أمضى رياح ليله مهموماً لم يجد النوم إلى عينه طريقاً .. فلما مضى من الليل ثلثه .. التفت رياح إلى أبي البختري ثم قال له: - يا أبا البختري .. خذ بيدي ندخل على هذا الشيخ .. أبو البختري: أتقصد عبد الله بن الحسن؟! رياح: نعم .. فهو مسجون في القبة منذ ولاية زياد الحارثي .. فجعل رياح يتكئ على يد أبي البختري ويمشي في تبختر كما هو شأن الصعاليك الأراذل الذين يتولون أموراً ليسوا من أهلها .. فصعلوك الأمس أصبح بفضل الطغاة أميراً .. فلما دخلا على عبد الله بن الحسن وهو متوجه يناجي ربه .. قد شغلته مناجاته عن الداخلين عليه.. وقف رياح على رأس عبد الله.. وجعل ينظر إليه في سخرية.. رياح: أيها الشيخ .. إن أمير المؤمنين والله ما استعملني لرحم قريبة .. ولا يد سلفت مني إليه .. والله لا لعبت بي ما لعبت بزياد وابن القسري .. والله لأزهقن نفسك أو لتأتيني بابنيك محمدٍ وإبراهيم .. فلما انتهى عبد الله من مناجاته .. رفع رأسه ونظر في وجه رياح بن عثمان.. فلم يزد على أن قال: - نعم .. أما والله إنك لأُزيرق قيس المذبوح فيها(1) كما تذبح الشاة .. وقعت هذه الكلمات على رياح كأنما هي رماح اخترقت جسده .. فاصفر لونه .. وبردت أعضاؤه .. فأحس أبو البختري ببرودة يده .. وبخطلة في قدميه .. أبو البختري: والله إن هذا ما اطلع الغيب. رياح: إيهاً .. ويلك فو الله ما قال إلا ما سمع. كان رياح يدرك مقام أهل البيت عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن حب المال والجاه كان قد أعمى بصيرته .. فلم يكن للعبرة والتذكرة أن تدخل قلبه .. فأنىّ لقلب امتلأ بالأحقاد وحب الدنيا أن تدخله العبرة والموعظة .. (3) أمر رياح بعبد الله بن الحسن .. فثقِّلت قيوده .. وضيق عليه في سجنه .. وجعل رياح يتعرض بالأذى لكل من يأتي لزيارته أو السؤال عنه. وكان الحسن بن الحسن أخو عبد الله متألها عابداً وقد آل على نفسه أن لا يدهن ولا يكتحل ولا يلبس ثوباً ليناً ولا يأكل طعاماً ليناً ما دام عبد الله في سجنه .. وكان الحسن يأتي عبد الله في سجنه .. فيبكي حتى يخرج من عنده .. وهو لم يكلمه لكثرة بكائه وحزنه .. فلما ضيق عليهم رياح .. تأخر الحسن عن الإرسال إلى أخيه عبد الله .. فأرسل عبد الله إلى أخيه ..فلما دخل الرسول على الحسن في داره بادره بالسؤال عن أخيه قائلاً: - كيف تركت عبد الله؟ الرسول: على مثل الحال التي تعهد .. إلا أنه عاتِب، ويقول لك: إنك وولدك آمنون في بيوتكم ..وأنا وولدي بين أسير وهارب .. فإذا كنت مللت معونتي .. فآنسني برسلك .. فشهق الحسن واشتد بكاؤه وجعل يقول: - بنفسي أبو محمد إنه لم يزل يحشد الناس باللائمة. *** وجعل رياح يستخدم سلطانه أسوأ إستخدام .. فأساء إلى كل رجل تقي.. وكل مؤمن زاهد ..وشدد في طلب ابني عبد الله وملأ الطرق بالعيون.. وضاقت بهما السبل .. وأرسل محمد بن عبد الله إلى والده يستأذنه في السفر.. فأذن له .. فدخل محمد على أخيه وقال له: - يا إبراهيم .. إذا عم الظلام خرجنا. إبراهيم: أي بلد نقصد؟ محمد: نقصد العراق. إبراهيم: إلى أبي جعفر !! محمد: نعم نحو أبي جعفر .. فإنه لا يمكن أن يتوقع ذلك منا أبداً .. ولنا شيعة هناك .. وقد انقطعت عنا أخبارهم. وركب محمد في جمع من أصحابه متوجهاً إلى العراق .. لا يشارك المسافرين طريقهم ولا يحدث أحداً عن وجهته .. فلما بلغ العراق توجه إلى البصرة .. فدخلها وفرق أصحابه .. ونزل على عبدالله بن شيبان أحد بني مرة. فبقي عنده ستة أيام .. وجعل الناس يدخلون إليه وكثرت الوفود إليه .. فبايعه جمع عظيم من العلماء .. ودخل عليه عمرو بن عبيد المعتزلي العابد .. فبايعه .. وحُملت إلى بغداد أخبار قدوم محمد بن عبد الله على البصرة .. فخرج أبو جعفر .. وقصد البصرة .. فلما بلغها أقبل يسير على الجسر فلاقاه عمرو بن عبيد على الجسر .. بعد أن ودع محمد بن عبد الله فقال له أبو جعفر: - يا أبا عثمان أبايعت محمداً؟!. كان عمرو بن عبيد يرى أن في التعريض بالكلام مندوحة عن الكذب.. لذلك رفع عمرو نظره إلى أبي جعفر ثم قال: - أما والله لو قلدتني الأمة أمرها ما عرفت لهم موضعاً .. أبو جعفر: يا أبا عثمان .. هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا؟ عمرو: لا. أبو جعفر: فاقتصر علىقولك وانصرف. عمرو: نعم. فانصرف أبو جعفر بعد أن علم أن محمداً قد خرج من البصرة .. ولم تُعرف له وِجْهة.. فعاد إلى الكوفة وأمر أن تخرج جماعة من خواصه .. لتسير مع المسافرين في الطرق المؤدية إلى المدينة والشام .. وغيرها. *** واستشعر محمد بن عبد الله وأصحابه أنهم مطاردون .. وأن القوم يتبعونهم .. إبراهيم: أي طريق نسلك وقد أمر أبو جعفر أتباعه بالانتشار في الطرقات؟ محمد: نسلك طريقاً لا يمكن أن يفكر أبو جعفر أنَّا نسلكه. إبراهيم: أين تقصد؟ محمد: نتوجه إلى بلاد السند .. فنبقى هناك حتى تذهب حدته .. ويقل ذكره لنا. وفعلاً خرجا متوجهين إلى بلاد السند .. *** وبذل رياح كل ما في وسعه لعله يصل إلى محمد وإبراهيم .. أو إلى شيء من أخبارهما.. ولكن كل وسائل القهر والعنف باءت بالفشل .. لذلك فكر في أسلوب آخر .. فأرسل جماعة من بني هاشم وبعض وجوه أهل المدينة ممن عرفوا بالولاء لبني الحسن إلى عبد الله بن الحسن في سجنه ينصحونه بتسليم ولديه .. فلما دخلوا عليه في سجنه .. جعلوا يكلمونه وينصحونه ويمنونه بسلامة ولديه إن هو أظهرهما. فلما فرغوا من كلامهم إلتفت عبد الله بن الحسن إلى الحسن بن زيد بن الحسن-وكان منحرفاً عن خط أهله- فقال له: - يا ابن أخي .. والله لبليتي أعظم من بلية إبراهيم (صلوات الله عليه).. إن الله عزّ وجلّ أمر أن يذبح ابنه .. وهو لله في طاعة فقال إبراهيم {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ} .. وإنكم جئتموني تكلموني في أن آتي بابنيَّ إلى هذا الرجل فيقتلهما .. وهو لله عزّ وجلّ في معصية .. فو الله يا ابن أخي لقد كنت على فراشي فما يأتيني النوم .. وإني على ما ترى أطيب نوماً. وبهذه الكلمات قطع عبد الله كل أمل للوسطاء، وحطم آمال رياح في أن يصل إلى محمد وإبراهيم من خلال أبيهم .. فأرسل رياح إلى أبي جعفر يعتذر إليه من تأخره في القبض على ابني عبد الله .. ويطلب منه فرصة أخرى. (4) لم يحتمل أبو جعفر طول الإنتظار .. فقد جعل يفكر في طريق يصل بها إلى محمد وإبراهيم .. لقد بلغه أنهم ما زالوا في بلاد السِّند .. ثم أنهم رحلوا يقصدون المدينة .. فلما أتى من أكد له خبر رجوعهم من بلاد السَّند .. وتوجههم نحو المدينة .. أرسل إلى رجل من ثقاته .. وكتب له عدداً من الرسائل على ألسنة رجال من الشيعة .. الذين كان يعرفهم حق المعرفة يوم أن كان أحد دعاة أهل البيت (ع) وجهزه بأموال ولطائف .. وأمره بالسفر إلىالمدينة وإظهار الحب لأهل البيت والتودد .. وأن يكثر الزيارة لعبد الله بن الحسن .. ثم أخبره ببعض ما سينال به ثقة عبد الله بن الحسن.. فسار الرجل نحو المدينة ودخل على عبد الله في سجنه .. وأكثر التردد عليه .. ووضع بين يديه الرسائل .. فلم يشك عبد الله في صدقه .. فلما أنس إليه .. سأله الرجل: - أين ولدك محمد؟ فقد طال مقامي في المدينة .. وأخاف أن يتهمني رياح .. فلا أتمكن من الرجوع .. عبد الله: هو في جبل جهينة متخفياً .. الرجل: ولكن كيف لي أن أصل إليه وهو ينفر من كل الناس .. عبد الله: أمرر بالرجل الصالح (علي بن الحسن) الذي يدعى بالأغر .. وهو بذي الإبر .. وهو يرشدك .. فخرج الرجل وقد نال مراده .. فأسرع من ساعته نحو علي بن الحسن .. فدله على محمد بن عبد الله .. فتوجه الرجل على جهينة .. في مكان قد حدده له علي بن الحسن .. وقبل أن يخرج إلى مكان محمد .. مر على رياح .. الرجل: إسمع يا رياح .. إن محمداً في (رضوى) من جبل جهينة .. وإني خارج إليه الآن .. فأحدثه وأشغله .. وأنت أرسل كتيبة من الجيش فتمسك بي وبه .. واجعل عليها رجلاً يعرف مسالك البلاد. رياح: سأرسل عمر بن عثمان بن مالك الجهني .. أحد بني جشم. ثم خرج الرجل متوجهاً إلى شعب (رضوى) .. فلما بلغ هناك استقبله محمد بن عبد الله .. فجلس إليه وجعل يحدثه .. ومعه عبد الله بن عامر الأسلمي، وابنا شجاع من أصحاب الإمام .. وتحرك الجيش من المدينة يسلك الوديان والشعوب .. ليحيط بشعب (رضوى) من كل ناحية .. وتحقق الأمر .. وقربت لحظة الفرج .. فلكم انتظر أبو جعفر ورياح لحظة كهذه اللحظة .. فمنذ عام 132 هجرية إلى عام 144 هجرية .. والجيش العباسي وجواسيسه عاجزون عن الإمساك بمحمد بن عبد الله .. اثنا عشرة سنة من المطاردة والمتابعة ستنقضي بعد لحظات .. ليجثو ذلك الأسد العتيد بين يدي أبي جعفر .. لينفذ فيه حكمه .. ويتحقق لأبي جعفر مراده .. لقد آن الأوان لأبي جعفر أن ينام قرير العين .. مطمئن النفس .. وقد وارى التراب أشد خُصومه.. ذلك الخصم الذي كان بالأمس هو من يجب أن يجلس على عرش الخلافة..! *** كان عبد الله جالساً في سجنه منشرح الصدر .. بعد أن رحل عنه عين أبي جعفر .. قد اطمأن إلى أن هناك من حمل نفس همه .. ويسعى معه لتحرير هذه الأرض من ولاة الجور والظلم .. لقد أتاه الجواسيس برسائل من المقربين لأبي جعفر .. يعطون لولده محمد البيعة .. كان يقول في نفسه .. لا غرابة أن يكتبوا إليه .. فإنما هم شيعتنا بالأمس .. اختدعهم أبو جعفر فمالوا معه .. واليوم عاد إليهم رشدهم .. لما رأوا ظلم أبي جعفر وتسلطه .. وقطع تفكيره دخول الحارس عليه يبلغه أن هناك زائراً يريده .. التفت عبد الله نحو باب السجن .. فإذا الداخل رجل لم يره من قبل ولا عرفه .. عبد الله: ممن الرجل؟ الرجل: أنا رسول كاتب سر أمير المؤمنين. عبد الله: وما دليلك على هذا؟ الرجل: رجل أتاك صباح اليوم قبلي يحمل إليك رسائل من فلان وفلان وفلان .. وأعطاك من الأموال كذا وكذا وكذا .. عبد الله: كل ما ذكرت قد كان. الرجل: كاتب سر أمير المؤمنين يبلغك السلام .. ويقول لك .. الحذر .. الحذر، فكل الرسائل مكذوبة .. وليس الرسول إلا جاسوساً لأمير المؤمنين. تغيّر وجه عبد الله بن الحسن لما سمع .. وجعل يسترجع .. ويكرر الإسترجاع. الرجل: أرسلني إلى رجل يأتيك .. فترسل إلى محمد ليحذره.. عبد الله: إسأل عن دار أبي هبار .. فإذا دلوك عليه فقل له فليسرع إلي. فخرج الرجل .. فلما لقي أبا هبار .. أمره بالإسراع إلى عبد الله ..فاسرع إليه من ساعته.. فلما دخل على عبد الله .. قال له: - اسمع يا أبا هبار .. أخرج إلى علي بن الحسن الأغر .. فاسأله هل أتاه رجل على وصف كذا وكذا .. ودله على محمد؟ .. فإذا قال: نعم، فأسرع إلى محمد .. فإن الرجل قد توجه إليه .. فأخبر محمداً أنما هو جاسوس لأبي جعفر فلا يعطيه سراً ولا يكشف له عن مستور .. ولينظر في أمر الرجل .. ويتحول عن مكانه. وأسرع أبو هبار إلى الرجل الصالح علي بن الحسن .. فلما دخل عليه قال له أبو هبار: - هل أتاك رجل على وصف كذا وكذا؟ علي: نعم!! .. وقد دليته على محمد حتى يأتيه كما قال عبد الله. أبو هبار: إنما الرجل جاسوس لأبي جعفر. علي: فأسرع إلى محمد .. فإني أخشى أن يؤخذ على غرة. جعل أبو هبار يستحث فرسه .. كأنما هو في ميدان السباق.. وبالفعل .. قد كان يتسابق مع الموت .. فقد صار جيش رياح يكاد أن يكمل مهمته في تطويق المكان .. فلما دخل أبو هبار على محمد وأصحابه .. فإذا الرجل يجلس في أوساطهم في كهف كان قد اتخذ منه محمد بيتاً .. *** كان جاسوس أبي جعفر منشرح الصدر .. يكثر الضحك .. ويرفع صوته بالكلام .. ويكثر الإلتفات إلى مدخل الكهف .. لا يشك في أن قائد جيش رياح سيلج عليهم من الباب في أي لحظة .. فلما دخل أبو هبار .. استنكره .. فجلس أبو هبار إليهم .. ثم مال أبو هبار على محمد.. وهمس في أذنه قائلاً: إن لي حاجة. فاستأذن محمد بن عبد الله أصحابه وخرج وتبعه أبو هبار .. فلما خليا من الناس قال له أبو هبار: - إن الرجل جاسوس لأبي جعفر .. وأنا رسول ابيك إليك .. فانظر ماذا أنت فاعل.. محمد بن عبد الله: إنا لله و إنا إليه راجعون .. فما الرأي؟. أبو هبار: تدعني .. فأقتل الرجل. محمد بن عبد الله: ما أنا بمقترف دماً إلا مكرهاً .. أو ماذا؟ أبو هبار: توقره حديداً .. وتنقله معك حيث تنتقل. محمد بن عبد الله: وهل بنا فراغ من الخوف والإعجال .. أو ماذا؟ أبو هبار: تشدوا وثاقه .. وتودعه بعض أهل ثقتك من جهينة. محمد بن عبد الله: هذه إذاً. فرجعوا إلى مجلسهم .. فلما دخلوا المكان .. فإذا الرجل قد خلي منه .. أبو هبار: أين الرجل؟ عبد الله بن عامر: قام بركوة واصطب ماء .. ثم توارى بهذا الظرب يتوضأ. أبو هبار: فأسرعوا يا قوم .. وأحيطوا بهذا الظرب .. فإنما الرجل جاسوس لأبي جعفر. أسرع الجميع يجولون حول الجبل .. فتوجه كل منهم من جهة ..وطال البحث .. ولم يجدوا له أثراً كأنما إبتلعته الأرض. وبينما الرجال على مثل هذه الحال.. إذا برجال رياح وجنوده يشرفون عليهم من أطراف الشعب .. كان محمد قد دخل إلى كهف آخر .. كانت فيه جارية له توشك أن تضع حملها .. فلما سمع أصوات الرجال خارج الكهف .. أسرع ينظر ماذا في الخارج .. فعلم أنه أحيط به. فأقبل نحو الكهف .. يريد أن يحمل الأمة .. لينجيها معه .. فإذا بها قد وضعت حملها. فأمر أن تسرع وتحمل مولودها .. ليحملها على فرسه .. فحملت مولودها .. وأصعدها محمد على فرسها .. ورحل يريد النجاة من أصحاب رياح وجنده ..فلما أسرع بالفرس .. سقط الطفل من بين يدي أمه .. فجعل محمد والأمة ينظران إلى الولد .. وهو يتدحرج في الجبل حتى تمزق وتبعثرت أشلاؤه .. وتكسر رأسه .. وخضب الأحجار بدمه .. ومزقت صخور مرو الحداد جسمه .. صاحت الأم صيحة المفارق .. وأرادت أن ترمي بنفسها من على ظهر الحصان .. فأمسكها محمد بن عبد الله.. وسالت دمعة أبٍ لم يمنحه خصومه أن يبكي على ولده .. فإذا لم يسرع فسيمزق جسده .. ويُلحق بولده .. فمن ذا يهدئ روعه؟! أو يمسح الدمع .. أو يداوى جرحه؟! مسكينة أمٌ على إثر الولادة تفقد طفلها .. كان الشقاء يحرمها ومخاضها أن تحتضنه بصدرها .. من ذا يداوي جرحها .. أو يُذهب الحزن العظيم بقلبها.. لما رأت رأس الوليد على الصخور تمزقت أطرافها .. ورأت خدود الطفل بعد بياضها تتفجر منها الدماء .. ورأت أكفاً لم تجن في الدنيا أذىً .. قد قطعت .. فكيف لا تبكي وترمي نفسها؟! .. يا أم طفل قد قتل لا تجزعي .. فأبوه يوماً سوف يتبع طفله .. *** وجعل محمد بن عبد الله يخاطب نفسه وهو يحاول أن ينجو بنفسه: منحرق الخفين يشكو الوِجا ... تنكُبُه أطراف مروٍ حِدادْ شرده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حر الجِلادْ قد كان في الموت له راحة ... والموت حتمٌ في رقاب العبادْ وبعد طول مطاردة وإشراف على الهلكة .. وتقحم المخاطر .. كتب الله النجاة لأوليائه .. وخيب آمال أعدائه .. فخابت مساعيهم .. ونجا محمد بن عبد الله.. ولم يقترب محمد بعدها من المدينة فترة من الزمن. (5) بعد أن طال شوق محمد بن عبد الله إلى أهله .. وإلى ديارٍ عاش فيها أيام صباه ..وطلب فيها العلم .. واشتاق إلى زيارة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. أضمر في نفسه دخول المدينة .. ولما أقبل عثمان بن مالك -وكان من خلّص أصحابه- أسر إليه بالأمر.. محمد بن عبد الله: يا عثمان بن مالك .. لقد اشتد شوقي إلى أهلي بالمدينة .. وزيارة قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. فهل تصحبني إلى المدينة؟. عثمان: إن عيون رياح تتبع كل من يدخل المدينة .. فأخاف أن يقع ما نحذره. محمد بن عبد الله: يكفينا الله شرهم .. ويحفظنا بحفظه. عثمان: فافعل ما شئت .. فأنا معك. *** وخرج محمد بن عبد الله وصاحبه حتى دخلا المدينة متنكرين .. وجعلا يسيران في الطريق مختلطَين بالناس .. فلما انتهيا من زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وطافا ببعض ديار بني هاشم قال محمد بن عبد الله لرفيقه: - يا عثمان .. ألا تأتي فنصلي ركعتين في مسجد الفتح؟ ثم ننصرف. عثمان: إذاً فلنسلك هذه الطريق - وأشار إلى أحد الشوارع .. كان الشارع خالياً من المارة وازدحام الناس .. فسارا حتى توسطا الطريق .. وإذا بكوكبة من الفرسان يظهرون من أعلا ذلك الشارع. عثمان: يا مولاي هذا رياح وأعوانه .. محمد بن عبد الله: إنا لله وإنا إليه راجعون. كان محمد بن عبد الله يسير باطمئنان .. وكأن شيئاً لم يحدث .. ولم يلتفت ولم يغير من مشيه .. محمد بن عبد الله: إمض يا عثمان واسبقني. فجعل عثمان بن مالك يسرع في المشي .. وقدماه لا تكاد تحمله خوفاً أن تكون هذه هي لحظة النهاية .. جعل الإمام يواصل سيره .. فلف رداءه .. وغطى يديه .. وأسدل شيئاً على وجهه. فلما صار على مقربة من موكب رياح .. انحاز إلى ناحية الطريق .. فجلس وجعل الطريق من ورائه .. فلما قابله رياح ومن معه .. التفت إليه رياح .. ثم عاد ينظر إلى أصحابه فقال -وقد أخذ يضحك ويقهقه: امرأة رأتنا فاستحيت... ثم واصل سيره مع أتباعه. كان عثمان يرقب هذا الموقف .. وقد صار لا يقوى على الصبر .. لقد كانت المفاجأة مذهلة .. ولكن من عاش مشرداً منذ الصبا لا يهزه مثل هذا الموقف .. ولا يضطرب أمره عندها..ولما انصرف موكب رياح .. قام الإمام من مكانه وتوجه بصاحبه نحو مسجد الفتح.. فصلى هناك ووقف يدعو الله ويناجيه طويلاً .. ثم خرج مع صاحبه على طريق الحرة .. ومضى حتى قابل بئراً فيها .. وكان الوقت قبيل الغروب .. فإذا برياح مرة أخرى .. يطل مع فرسانه .. بعد رحلة صيد وبحث عن محمد بن عبد الله.. كانت المفاجأة للإمام أعظم من الأولى .. فلا ملجأ ولا مهرب .. وقد صار على مقربة منه.. وأقبل نحو البئر .. فوقف الإمام بين قرنيها .. يظهر أنه يستقي .. فأقبل رياح نحو البئر .. حتى أيقن الإمام أنه لن يفلت هذه المرة.. وأن رياحاً سيعرفه .. فلم يلتفت الإمام إليهم .. بل جعل يجر حبل الدلو.. وهو يتلو بعض آيات من القرآن.. فمر رياح بمحاذاة البئر .. وجعل ينظر إلى ذراعي محمد بن عبد الله .. وقد أعجب بقوتها.. فانشغل بهما عن النظر إلى وجهه .. فالتفت رياح إلى أصحابه وراح يضحك ويقول: - قاتله الله من أعرابي .. ما أحسن ذراعه. ثم واصل رياح سيره .. وكأنه لم يكن معنياً بأمر البحث عن الإمام ..{وَجَعَلْنَا من بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} .. كانت حياة الخوف والتشرد والبُعد عن الأهل والوطن حياة قد أثقلت كاهل الإمام ..فمنذ عرف نفسه وهو يطارد ويتابع .. فبالأمس مع ولاة خلفاء الدولة الأموية .. واليوم مع أمراء الدولة العباسية .. فإلى متى يعيش حياة التشرد والخوف؟ .. إلى متى؟؟ ..
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
المشاركة رقم: 2 | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
كاتب الموضوع :
أبوحيدر
المنتدى :
أعلام نبلاء
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
المشاركة رقم: 3 | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
كاتب الموضوع :
أبوحيدر
المنتدى :
أعلام نبلاء
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||
![]() |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الإمام المرتضى محمد بن يحيى رضي اللّه عنه | محمد الحسني | أعلام نبلاء | 2 | 01-22-2012 09:26 PM |
| صفات الإمام أبا عبدالله الحسين عليه السلام | محب آل محمد | أعلام نبلاء | 5 | 12-09-2011 07:52 AM |
| الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )(3) | أبوحيدر | أعلام نبلاء | 8 | 11-27-2011 11:18 PM |
| الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية ) | أبوحيدر | أعلام نبلاء | 3 | 10-31-2011 10:46 PM |
| حسين محمد مشكاع يرثي السيد العلامة/ يحيى عبدالله مشكاع | ابوالحسين | الصوتيات والمرئيات | 4 | 10-16-2011 04:29 PM |
|
|
This Forum Is Using MCSofts.CoM's Ads System By : Memo90
![]() |
![]() |