يقول الله تعالى : ( ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) الحديد (27)
قد يشكل على القارئ المراد هنا بالرهبانية .. إذا كانت مجعولة في قلوب أتباع عيسى عليه السلام مع الرأفة والرحمة فلم وصفها بأنها مبتدعة ؟ ولم ذمهم على عدم رعايتها حق الرعاية ؟ وهل كتبت عليهم أم لا ؟ وكيف يوجه الاستثناء ؟ كل هذه التساؤلات وغيرها ترد على ذهني عند قراءة هذه الآية وقد حاولت جمع بعض من أقوال المفسرين لعل في ذلك إجابة على التساؤلات .
الطبري : (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) يقول: ما افترضنا تلك الرهبانية عليهم، (إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) يقول: لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) .
واختلف أهل التأويل في الذين لم يرعوا الرهبانية حقّ رعايتها، فقال بعضهم: هم الذين ابتدعوها، لم يقوموا بها، ولكنهم بدّلوا وخالفوا دين الله الذي بعث به عيسى، فتنصروا وتهوّدوا.
وقال آخرون: بل هم قوم جاءوا من بعد الذين ابتدعوها، فلم يرعوها حقّ رعايتها، لأنهم كانوا كفارا، ولكنهم قالوا: نفعل كالذي كانوا يفعلون من ذلك أوّليًّا، فهم الذين وصف الله بأنهم لم يرعوها حق رعايتها
الثعلبي : وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها من قبل أنفسهم ما كَتَبْناها فرضناها وأوجبناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ يعني: ولكنهم ابتغوا رِضْوانِ اللَّهِ بتلك الرهبانية فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وهم أهل الرأفة والرحمة والرهبانية التي ابتدعوها طلبا لرضا الله وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها وكفروا بدين عيسى وتهوّدوا وتنصّروا.
الكشاف : عنى: وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ لم نفرضها نحن عليهم إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ استثناء منقطع، أى:
ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها كما يجب على الناذر رعاية نذره، لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا يريد: أهل الرحمة والرأفة الذين اتبعوا عيسى وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ الذين لم يحافظوا على نذرهم. ويجوز أن تكون الرهبانية معطوفة على ما قبلها، وابتدعوها: صفة لها في محل النصب، أى: وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم، بمعنى: وقفناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها، ما كتبناها عليهم إلا ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا بها الثواب، على أنه كتبها عليهم وألزمها إياهم ليتخلصوا من الفتن ويبتغوا بذلك رضا الله وثوابه، فما رعوها جميعا حق رعايتها، ولكن بعضهم، فآتينا المؤمنين المراعين منهم للرهبانية أجرهم، وكثير منهم فاسقون. وهم الذين لم يرعوها.
الثعالبي : وقوله: ابْتَدَعُوها: صفة لرهبانية، وخَصَّها بِأَنَّها ابْتُدِعَتْ لأَنَّ الرأفة والرحمةَ في القلب، لا تَكَسُّبَ للإنسان فيها، وَأَمَّا الرهبانيةُ فهي أفعال بدن مع شيء في القلب، ففيها موضعٌ لِلتَّكَسُّبِ، ونحو هذا عن قتادة ، والمراد بالرأفة والرحمة حُبُّ بعضهم في بعض وتوادُّهُم، والمراد بالرهبانية: رَفْضُ النساء، واتخاذ الصوامع والديارات، والتفردُ للعبادات، وهذا هو ابتداعهم، ولم يَفْرِضِ اللَّه ذلك عليهم، لكنهم فعلوا ذلك ابتغاءَ رضوان اللَّه هذا تأويل جماعة، وقرأ ابن مسعود «مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ لَكِنِ ابتدعوها» وقال مجاهد : المعنى: كتبناها عليهم ابتغاءَ رضوان اللَّه، فالاستثناء على هذا مُتَّصِلٌ، واخْتُلِفَ في الضمير الذي في قوله: فَما رَعَوْها مَنِ المراد به؟ فقال ابن زيد وغيره «4» : هو عائد على الذين ابتدعوا الرهبانِيَّة، وفي هذا التأويل لزومُ الإتمام لِكُلِّ مَنْ بدأ بتطوّع ونفل، وأنّه يلزمُه أَنْ يرعاه حَقَّ رعيه، وقال الضَّحَّاكُ وغيره : الضمير للأخلاف الذي جاؤوا بعد المبتدعين لها .
الأعقم : ومتى قيل : لما أضاف الرأفة والرحمة إلى نفسه؟ قالوا : بالأمر والترتيب ووعد الثواب عليه ، لأنه أمرهم بالترحّم فأطاعوه ، وقيل : باللطف الذي قوّى دواعيهم فصارت قلوبهم بهذه الصفة ، وقيل : بالاختيار والتعريف كما يقال : فلان عدله القاضي ورعاه { ابتدعوها } أحدثوها { ما كتبناها عليهم } أي ما فرضناها عليهم تلك الرهبانية برفض النساء واتخاذ الصوامع ، وقيل : لحاقهم بالبراري والجبال ، وقيل : الانقطاع والانفراد بالعبادة { إلا ابتغاء رضوان الله } قيل : معناه ما كتبناه عليهم البتة لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله ، وقيل : اتبعوا بتلك الرهبانية رضوان الله ، وقيل : ما كتبناها عليهم ولكن لما دخلوا فيها أوجبنا ذلك ابتغاء رضوان الله ، وقيل : الاستثناء منقطع ، أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فبدلوا ولم يفعلوا ما أمروا به { فما رعوها حق رعايتها } فيه قولان : إذا حملت الأمَّة على أنه لم كتب الرهبانيَّة عليهم اتباع الله فما رعوا ما كتب عليهم من أمر الدين والملة فيكون كناية عن غير مذكور ، وإذا حملت على أن الرهبانية طاعة فما رعوا تلك الرهبانية ، يعني ما حفظوا ذلك ، وقيل : فما رعوا حق رعايتها لكن كفروا بعيسى وتهودوا وتنصروا وشربوا الخمر وأكلوا الخنزير ، وقيل : فما رعوها لتكذيبهم بمحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فإن من آمن بمحمد فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن فأولئك هم الهالكون ، وقيل : اتخذوا الترهب والتزهد شوقاً ومكيدة ولم يتبعوا به رضى الله هذه زماننا هذا .
بحث مفيد جدا لتفسير الآية (( 27 )) من سورة الحديد , وأنصح بقراءة المشاركة كاملة لما فيها من الفوائد الجليلة..
بالنسبة لما لفت انتباهي ( وفي هذا التأويل لزومُ الإتمام لِكُلِّ مَنْ بدأ بتطوّع ونفل )
أشكرك أخي طالب الخير على هذه المشاركة المفيدة..
تستاهل التقييم لعدة أسباب :
الجهد المبذول في البحث..
ومثله في الكتابة..
ومثلهما في التوثيق والتنسيق..
توقيع : الهاشمي....
مَـن لم يعظه الدهر لم ينفعه ما ....... راح بـه الـــواعظ يوما أو غدا
مَـــن لـم تُـفده عـبرا أيــــــــامه ....... كان العمى أولى به من الهدى
مَـن قــــاس مـا لم يره بما يرى ....... أراه مــــــا يـدنو الـيه مـا نـأى