الفصل الخامس
وبعد يومين من القتال كان قد أدرك أفراد الجيش الأموي عظيم خسارتهم في اليوم الأول والثاني وكان الرعب قد خيم في القلوب فما إن دخل أحد القواد على يوسف بن عمر .. حتى صاح به يوسف:
- أجيش قوامه الخمسمائة يْثُبت لجحافل الجيش الأموي المدرب؟ وكيف إذا كانوا مجرد عرباناً جلاف حفاة لا خبرة لهم بالحرب وفنونه؟!
القائد: يا سيدي والله لو تأملت قتالهم وشدة صبرهم .. لجعلت الواحد منهم يعد بالمائة .. والله لولا الرماة كفونا شر المبارزة لأفنونا جميعاً.
يوسف بن عمر: أسكت أيها الأحمق.. والله لو سمع الجيش وصفك ما ثبتوا لهم من الغد ساعة .. أخرج لا بارك الله فيك.
***
وطلع الصباح والجيش الأموي في حالة من الذعر والفزع والضعف لما نالهم من أصحاب زيد .. ولكن الأوامر كانت تقضي بضرورة المواجهة والإستمرار إلى أن يحسم الأمر مع الإمام وأصحابه.
وانتظروا مدة من الزمن فإذا الأخبار بمقتل الإمام زيد (ع) تطرق أسماعهم لتملأ قلوب المجرمين سروراً كما امتلأت قلوب المؤمنين حزناً وألماً.
وإذا كان الأمويون لم يستطيعوا أن ينالوا من شخصية الإمام حياً بعد أن قارعهم في بداية حياته بالحجة والدليل .. وفي آخرها برؤوس القنا وحد السيوف.. فقد عبّروا عن دناءة النفوس وانعدام الفضيلة فيهم .. وسارعوا إلى الاعلان عن بذل المكافآت المغرية لكل من دل على الإمام وصاحبيه -نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري- وما هي إلى ساعات حتى أقبل ذلك الغلام على الحكم بن الصلت فأخبره عن موقع القبر.
الحكم بن الصلت: من يذهب فيأتينا بجثته.
صمت الجميع تهيباً لبشاعة الموقف وكأن على رؤوسهم الطير.
الحكم: أما فيكم من يجرؤ عليه ميتاً؟ فكيف لو كان حياً إذاً لتركتم له العراق ووليتم فراراً؟ قم يا حجاج بن القاسم .. فأت به في الحال.
وانطلق الحجاج بن القاسم في بعض أعوانه حتى أتوا على البستان فنبشوا القبر واستخرجوا الجثة .. وحملوها على ظهر بعير.
وعلى باب القصر كان الجميع ينتظرون وصول جثة الإمام .. أوقف الجمل في وسط الجموع المحتشدة .. وبدلاً من إقعاد الجمل وإنزال الجثة أشار الحكم بن الصلت إلى بعض جنوده بفك وثاقها فهوت جثة الإمام إلى الأرض.
وضع الجميع أيديهم على قبضات سيوفهم .. وكأن الإمام ترجل حياً لا ميتاً .. فرحم الله أبا الحسين أفزعهم حياً وميتاً .. وما هي إلا لحظات حتى فصل الرأس عن الجسد.
وحمل الرأس الشريف إلى يوسف بن عمر .. فأمر من يطوف به في شوارع الكوفة .. وجعل الناس ينظرون إليه في إجلال واحترام .. فلكم طالت غيبة هذا الرأس وتخفيه .. ولكم إشتاق الناس إلى رؤيته.
وتجرأت ألسن السفهاء فصاغت مكنون قلوب مريضة .. فأندلع سيل من الشتائم والسباب لتكون وسيلة لهم يتقربون بها من قلوب ولاتهم لينالوا بها لقمة
عيش حقيرة.
وسريعاً انتقل الرأس الشريف تحوطه أيدي السفهاء وعباد الدرهم والدينار بعناية شديدة ليجوب صحاري العراق والشام.
***
ومع طلوع شمس أحد الأيام فتحت دمشق أبوابها ليدخل وفد تشيعه الطبول والأهازيج .. ويرتفع في وسط هذا الجمع ثلاثة من الرماح تحمل ثلاثة من الرؤوس .. ووقف الناس عن يمين وشمال الطريق ينظرون إلى هذا الوفد كل يسأل صاحبه: من أصحاب هذه الرؤوس؟
وخرج هشام من قصره يحوطه جنده .. وتشيعه حاشيته ويتبختر في مشيته .. وأقبل الوافدون عليه وقد أنزلوا الرؤوس ووضعوها بين يديه وتقدم متكلمهم قائلاً:
- مولاي أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين هشام بن عبد الملك بن مروان .. مولاي يوسف بن عمر والي العراق يبلغك السلام ويقول لك طلباً لرضاك ووفاء لك قتلنا الفاسق بن الفاسق زيد بن علي .. وصاحبيه معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة .. ونصر بن خزيمة .. وها هي الرؤوس بين يديك.
جعل هشام يمعن النظر في رأس زيد .. وهو لا يكاد يصدق أنه رأس ذلك الذي أقض مضجعه وعكّر صفوه بالأمس القريب .. وارتفعت أصوات الوزراء بالتهاني تبارك للخليفة نصره ويدعون له بطول البقاء ودوام الصحة.
وتقدم الخطباء والشعراء يتبارون في ميادين البلاغة والفصاحة .. يبالغون في المدح والإطراء لهشام وبني مروان .. ولا يألون جهداً في الذم لزيد وآل البيت عليهم السلام.
(2)
أمر هشام أن يُرمى الرأس بين الدجاج .. وجعل هشام في كل يوم يخرج إلى الناس ويرفع الرأس على رمح .. ثم يجمع له الناس .. وبدأ الخطباء والشعراء في اختلاق النقائص لعلهم بذلك يحقرون من شأن صاحب ذلك الرأس .. ثم رُفع فوق باب دمشق مدة من الزمن.
وبعد ذلك أمر هشام بالرأس فحُمل في موكب مهيب لبس أفراده أجمل ثياب الزينة وحملوا الطبول .. وأمرهم بالتوجه إلى المدينة.
وعلت أصوات الطبول وامتلأت الأجواء ضجيجاً وخرج أهل المدينة يتلمّسون الخبر .. وعلى بُعْد ظَهر موكب عظيم عليه ملامح الزينة والسرور .. تلمع ثيابهم الفضفاضة وعمائمهم المذهبة.
كان الجميع يتساءلون هل هو عرس أم ماذا؟! ولكن لم يجب أحد على هذا السؤال.
وما إن اقترب الموكب حتى انفجر طفل صغير في السابعة من عمره في أوساط الجموع المحتشدة بالبكاء .. وجعل ينادي ويجري باحثاً عن أمه:
- أماه .. أماه .. إنه رأس أبي ..
وعلم جميع أهل المدينة أن صاحب ذلك الرأس هو الإمام زيد بن علي (ع) فضج أهل المدينة بالبكاء .. وارتفعت الأصوات في ديار بني هاشم بالعويل والنحيب .. ولم تبق عين إلا بكت .. وكان والي المدينة الجديد إبراهيم بن هشام المخزومي يريد أن يعبر لهشام عن شدة وفائه وولائه فاستقبل الوافدين وأخذ منهم الرؤوس وأمر جنوده أن ينصبوها إلى جوار قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. فدخل عليه بعض وجهاء أهل المدينة يرجونه أن لا يفجع أطفال ونساء آل البيت النبوي بمثل هذا المنظر .. فأبى وأغلظ لهم في المقال وتوعدهم.
ثم أمر مناديه أن ينادي في أهل المدينة برئت الذمة من رجل بلغ الحلم ولم يحضر إلى المسجد.
وجعل يجتمع الناس لمدة سبعة أيام يستمعون إلى الخطباء والشعار وهم يبارون في سب آل البيت عليهم السلام..
***
وفي أحد الأيام قام رجل يدعى محمد بن صفوان الجمحي يريد التكلم .. فلم يأذن له إبراهيم بن هشام في الكلام وصاح في وجهه:
- أقعد يا هذا..
فبقي ساعة جالساً في مكانه ثم قام مرة أخرىمن غير أن يدعى لذلك.
فقال له إبراهيم بن هشام:
- أقعد يا هذا.
محمد بن صفوان: إن هذا مقام لا يُقْدر عليه كل ساعة.
ثم التفت محمد بن صفوان إلى الناس وأخذ في الخطبة .. فذكر علياً عليه السلام وبالغ في سبه .. ثم تناول الحسين عليه السلام وزيد بن علي وأهل البيت وكل من كان يحبهم أو يواليهم .. ولما بالغ في السب توقف فجأة ووضع يده على رأسه وخر صريعاً.
وفي فزع صاح رجل كان يجلس مقابل قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالتفت إليه عيسى بن سوادة وتلقاه بين يديه .. فإذا هو يرتعش لشدة الخوف .. فقال له عيسى: ما الأمر يا هذا؟!
الرجل: والله لقد رأيت القبر ينشق ويخرج منه رجل عليه ثياب بيضاء فاستقبل المنبر وقال: كذبت لعنك الله.
وانفض مجلس ذلك اليوم فجعل عيسى بن سوادة يتتبع أخبار محمد بن صفوان .. فأُخبر أنه أصيب بصداع في رأسه في تلك الساعة .. ولم تمض عليه تلك الليلة حتى فقد بصره.
***
كانت النساء في خدورهن والرجال في محاريبهم ينتحبون ويبكون .. والضجيج والنحيب يعلو بيوت بني هاشم .. وهيَّج هذا المشهد أشجان القلوب .. فخيم الحزن عليها وأعاد إلى الأذهان ذكرى كربلاء.
لكن الكبت والإضطهاد كان هو المشهد الطبيعي .. فالناس قد صاروا أشبه بحجارة صماء لا تنطق ولا تجرؤ أن تعبر عما يدور في أعماقها .. فالسجن والتعذيب والقتل أصبح شبحاً يطارد الأحرار ويلجم الألسن.
ولما بالغ إبراهيم بن هشام في التشنيع على زيد بن علي .. وجعل يطوف برأسه بين شوارع المدينة أفصح الأحرار عن بعض مشاعرهم ..
فهذا كثير بن كثير بن المطلب السهمي ينظر إلى رأس الإمام مرفوعاً على الرمح فيقول: نضّر الله وجهك .. وقتل الله قوماً قتلوك ..
فأسرع الوشاة بهذا الخبر إلى إبراهيم بن هشام المخزومي فدعا كثير بن كثير .. وقال له هشام:
- أومثلك يجرؤ على هذا القول .. خذوا هذا السفيه وارموه في السجن.
وما كانت مثل هذه الكلمات والمواقف تجعل كثيراً يتراجع عن موقفه فما كاد يستقر في سجن هشام حتى كتب إليه شعراً يقول فيه:-
إنَّ امرءاً كانت مساويه ... حب النبي لغير ذي ذنب
كذا بني حسن فوالدهم ... من طاب في الأرحام والصلب
ويرون ذنباً إنْ أحَبَّهم ... بل حبهم كفارة الذنب
فكتب إبراهيم بن هشام المخزومي إلى هشام بن عبد الملك في الشام يبلغه موقف كثير .. فكتب إليه أن أقمه على منبر المدينة وأجعله يلعن علياً وزيداً .. فإن لم يفعل فاضربه مائة سوط على ظهره.
فأخرج كثير من سجنه .. وجُمع الناس .. ووقف كثير على المنبر .. والأمير وجنوده من حوله يهددونه ويتوعدونه إن لم يسب علياً وزيداً عليهما السلام .. فانتصب قائماً وأنشأ يقول:-
لعن الله من يسب علياً ... وبنيه من سَوْقةٍ وإمام
تأمن الطير والحمام ولا يأ ... من آل النبي عند المقام
طبت بيتاً وطاب أهلك أهلاً ... أهل بيت النبي والإسلام
مرحباً بالمطيبين من النا ... س أهل الإحلال والإحرام
رحمة الله والسلام عليكم ... كلما قام قائم بسلام
(3)
وهناك في العراق وفي منطقة الكُنّاسة في مكان في أطراف الكوفة .. كانت قد نصبت الأخشاب وأستعد جزارو البشر لتعليق فرائسها لهذا العام .. ليكملوا بذلك المشهد اللاإنساني فيرسموه في أشنع صورة عرفها تاريخ البشرية.
فبإسم الدين يقتل قرناء الكتاب .. وباسم الدين تسلخ أجساد العباد .. وباسم الدين يفرق بين رؤوس المؤمنين وأجسادهم .. أعز الله دينه أن يكون في أحكامه ما يدل على جواز قتل المؤمنين.
وصُلب جسد الإمام زيد عليه السلام .. وعن يمينه وشماله نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق عارية أجسادهم .. مكشوفة عوراتهم.
فأبت عناية الله إلا أن تعلن للخلائق عظيم فضلهم وعلو مقامهم .. فما كادت تطلع شمس اليوم الثاني من صلبهم إلا وقد نسجت العنكبوت على عورة الإمام فوارتها عن أنظار الخلائق .. فاستيقظ حراس الجثث ليروا هذا المشهد .. فامتدت يد أثيمة لتمزق تلك الخيوط لتظهر عورة الإمام من جديد .. وتكرر هذا المشهد مراراً .. وفي كل مرة كان الحرس يبادرون في إبعاد تلك الخيوط.
ولكن ما أذهل الحراس أن لحم البطن بدأ يتدلى حتى غطى العورة؟ وفي أحد الأيام أقبل رجلان من بني ضبة فجعلا يمشيان في تبختر وأنظارهم معلقة بالجثة .. فرفع أحدهم يده وضرب بها على الخشبة. ثم تلا قول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ من خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا من الأَرْضِ}[المائدة:33].
فأراد أن ينحي يده وصاح في فزع فالتفت إليه صاحبه فإذا يده قد انتثرت بالآكلة .. فولى المصاب فزعاً وجعل يصيح حتى وقع شقه وخرَّ صريعاً.
وجعلت في كل ليلة تنبعث رائحة طيبة لا يدري الناس مصدرها.
***
وفي أحد الأيام بعد ما بدأت القوافل تعود من موسم الحج مرَّ شبيب بن غرقد مع جماعة من أصحابه حتى بلغوا مكان خشبة زيد .. فإذا بنور ينبعث ورائحة تفوح كرائحة المسك فالتفت شبيب إلى أصحابه فقال:
- أهكذا تكون رائحة المصلوبين؟
فسمعوا هاتفاً يهتف: (هكذا تكون رائحة أولاد النبيين الذين يقضون بالحق وبه يعدلون).
وبقي ذلك الجسد الطاهر مصلوباً بالكناسة نحو أربع سنين حتى ذاع صيت كراماته .. في الوقت الذي كان هشام لعنه الله قد هلك وتولى بعده الوليد بن يزيد .. وبدأت ثورة الإمام يحيى بن زيد عليهما السلام بخرسان .. فكتب الوليد إلى يوسف بن عمر:
((أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فانظر عِجْل العراق فأحرقه وانسفه في اليم نسفا .. والسلام)) .. فأمر يوسف بن عمر رجلاً يقال له خراش بن حوشب بإنزال جثة زيد بن علي فقام بإنزال الجثة ثم أحرقها حتى صارت رماداً، ثم نسفت في مياه نهر الفرات.
وأنشد الزمان على لسان الصاحب بن عباد:
قام الإمام بحق الله تنهضه ... محبة الدين إن الدين مرموق
يدعو إلى ما دعا آباؤه زمناً ... إليه وهو بعين الله مرموق
ابن النبي نعم وأبن الوصي نعم ... وأبن الشهيد نعم والقول تحقيق
لم يشفهم قتله حتى تعاوره ... قتل وصلب وإحراق وتغريق
ـ
| توقيع : أبوحيدر.... |
|