الفصل الخامس
وفي أرض المعركة وقبل أن يبدأ محمد بن سليمان الهجوم خرج إلى ما بين الصفين ونادى على الحسين بن علي فخرج إليه الحسين بن علي حتى قرب منه.
محمد بن سليمان: السلام عليك والله يا خال ما أشخصني إلى هذه البلاد إلا شفقة عليك والظن بك. ورجاء أن يحقن الله دمك.
الحسين: ما أعرفني بما تحاول من خديعتي من ديني ودنياي، وكيف لا وأنتم تغرون المرء عن دينه بحيلة يسيره تطمعونه فيها فإذا ركن إليكم قتلتموه.. أليس هذا وصية آبائكم؟ إليك عني.
محمد: يا خال لا تفعل، اقبل نصحي ولا تعرض نفسك للهلكة، فإن معي كتاب قد أخذته لك من ابن عمك الخليفة بأمانك وجعل لي أن أعرض عليك كل ما أحببت .. فصر إلى أي بلد من البلدان شئت، وسمِّ ما شئت من الأموال والقطائع والضياع.
الحسين: يا ابن الخيزران أتظن أني إنما خرجت في طلب الدنيا التي تعظمونها، أو للرغبة فيها، أو ما تعرضون علي من أموال المسلمين.؟ وليس ذلك كما تظن، إنما خرجت غضباً لله ونصرة لدينه، وطلباً للشهادة وأن يجعل الله مقامي هذا حجة على الأمة، واقتديت في ذلك بأسلافي الماضين المجاهدين، لا حاجة لي في شيء مما عرضت علي، وأنا نافذ فيما خرجت له ماض على بصيرتي حتى ألحق بربي.
وهنا أحس محمد بن سليمان بثبات الحسين وإصراره فعاد إلى المعسكر.
وتقدم موسى بن عيسى إلى الحسين وأصحابه فثبتوا له وقاتلوا قتالاً شديداً ولم يتزحزحوا رغم كثرة المهاجمين، وكمال عدتهم.
فتراجع موسى بن عيسى ومن معه، فتبعهم الحسين وأصحابه، فاستطرد موسى حتى صار أتباع الحسين في بطن الوادي.
فسنحت الفرصة لمحمد بن سليمان لينفي عن نفسه التهمة التي رماه بها موسى بن عيسى، فأمر جنده بالهجوم على الحسين وأصحابه فأقبلوا عليهم من خلفهم فتفاجئوا بالقوم، فأصابوا أصحاب الحسين بالقتل والجراح، ولم ينج من أصحاب الحسين أحد.
فجعل أصحاب محمد بن سليمان ينادون الحسين ومن معه بالأمان .. فلم يلتفت إليهم الحسين بل جعل يقاتل لا يلوي على شيء.
وحمي الوطيس وتفرق الناس عن الحسين وكثرت فيه الجراح.
وجعل من حوله من أصحابه يقولون له: أنج بنفسك.
الحسين: والله لا أفر ولا أمكنهم من نفسي فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إن لله يبغض العبد يُستأسر إلا من جراح مثخنة)).
ولم يبرز للحسين رجل إلا قتله حتى صار جنود العباسيين يتحاشون مبارزته.
وهنا تحرك مارد لم يعرف لله حقاً ولا لرسوله حرمة، علج من الأتراك، ربيب الغواني وطالع سوء يقال له حمّاد التركي، وقال لأصحابه: -أروني الحسين فإني لا أعرفه.
وأشارت الأصابع لتعلن عن قرب المصُارع: ذاك الحسين..
وهنا حمل اللئيم القوس وصوب سهامه نحو الحسين.
ومضت السهام من قوس اللئيم إلى صدر نسل الأنيباء.
وتخضبت أرض فخ بالدماء.
وأقبل الحسن بن محمد ليرى الحسين صريعاً فشدَّد في قتال القوم، فإذا بنشابة قد سددت إلى عينه.
فراح الدم ينزف وهو لا يكف عن القتال.
فصاح به محمد بن سليمان قائلاً: يا با ابن الخال اتق الله في نفسك ولك الأمان.
الحسن: والله مالكم أمان، ولكني أقبل منكم؟ ثم كسر سيفاً هندياً كان في يده ودخل عليهم.
العباس بن محمد -وهو يشير إلى ابنه عبد الله:- قتلك الله إن لم تقتله أبعد كل تلك الجراح تنتظره.
موسى بن عيسى: إي والله .. عاجلوه.
فحمل عليه عبد الله بن العباس فطعنه، وضرب العباس بن علي عنقه بيده صبراً.
وتهاوى آل البيت وشيعتهم في ساحة المعركة بين قتيل وجريح.
وآن للتاريخ أن يطوي صفحة مليئة بدماء الأبرياء.
فلما جن عليهم الليل انسل من بقي منهم يتخفى بين الحجيج وتفرقت بهم البلاد خوفاً من أن تسفك دماءهم على غير فائدة ولا نصرة لدين الله.
وأنشد الدهر على لسان أحد الشعراء:
يا عين أبكي بدمع منك منهمر...فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن
صرعى بفخ تجر الريح فوقهم...أذيالها وعوادي الدلج والمزن
حتى عفت أعظم لو كان شاهدها...محمد غاب عنها ثم لم يهن
ماذا يقولون والماضون قبلهم...على العداوة والبغضاء والإحن
ماذا يقولون إن قال النبي لهم...ماذا صنعتم بنا في سالف الزمن
لا الناس من مضر حاموا ولا دفعوا...ولا ربيعة والأحياء من يمن
ياويحهم كيف لم يرعوا لهم حرما...وقد رعى الفيل حق البيت ذا الركن
واجتمع قادة المعركة لينظروا حصادهم، فإذا بالرؤوس مقبلة على الرماح، فدعى موسى بن عيسى كل من لم يحضر المعركة من آل علي وجعل ينظر إلى الرؤوس وهي على الأسنة، ثم نظر إلى موسى بن جعفر قائلاً: هذا رأس الحسين بن علي.
فقال موسى بن جعفر: نعم .. إنا لله وإنا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً صواماً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله ... فصمت الجميع ولم يجبه أحد بشيء.
وجعلت الجند تمر على مكة والمدينة وتطوف البلدان حاملة لرؤوس القوم حتى مر أكثر من مائة رأس ونيف موضوعة في أعلى الرماح في مقدمتها رؤوس آل البيت.
وبدأت الجيوش رحيلها لتبشر الخليفة بسفك دم الحسين بن علي الفخي وخلاصه من عدوه.
وحملوا معهم الرؤوس والأسرى وعلى رأسهم فاطمة بنت علي العابد-أخت الحسين- بعد أن ودعت أخاها ورأت مصارع أهلها لتكون زينب عصرها.. ولسان حالها يقول:
فلأبكين على الحسين...بِعَولةٍ وعلى الحسن
وعلى ابن عاتكة الذي...أثووه ليس بذي كفن
تُركوا بفخ غدوة...في غير منزلة الوطن
كانوا كراماً فانقضوا...لا طائشين ولا جُبَن
غسلوا المذلة عنهم...فلهم على الناس المنن
قوم كرام سادة...من هم؟ ومن هم؟ ثم من ؟!
وخلت المدينة من رجال آل البيت ولم يبق في ديارهم إلا المرأة الثكلى والطفل اليتيم وعادت سحابة الحزن لتمطر الديار بفيض من مآسيها. وليت المأساة تقف هاهنا.
فقد أقبل العمري إلى المدينة فأهلك المال وخرب الديار، ثم أحرقها وشرد العيال .
وحقٌ للجبناء أن ينالوا من النساء والأطفال إذا غاب حاميها.
***
وجعل موسى بن عيسى هو الآخر يتتبع من نجا من أهل البيت (ع).
فقد دخل موسى بن عبد الله بن الحسن متخفياً فجعل يتحرش به بعض القوم حتى عُرف.. فأخذه موسى بن عيسى فضربه خمسمائة سوط، فما تأوه من ذلك.
موسى بن عيسى: قيدوه واضربوا كعبيه بالمطرقة.
فجعل موسى بن عبد الله لا يتأوه ولا يتكلم.
فصاح موسى بن عيسى: لم لا تتكلم؟
فقال ابن عبد الله:
وإني من القوم الذين يزيدهم...حماساً وبأساً شدة الحدثان
فأرسله موسى إلى الخليفة في بغداد، وأرسل معه القاسم بن الحسن بن محمد بن عبد الله، والحسن بن علي (العابد) بن الحسن المثلث أخو الحسين بن علي الفخي.
***
وأقبلت طلائع الجيش العباسي إلى بغداد يحملون الرؤوس والأسرى.
وأعلنت الأفراح وضربت الطبول.
فكان من بين الأسرى: العذافر الصيرفي، وعلي بن سايق السلانقي وآخرون .. وكان من وصل إلى الخليفة موسى المسمى بالهادي أمر بضرب عنقه .. فضربت أعناقهم جميعاً.
وجعل بعضهم يحدثه عن فاطمة بنت علي، وعن انهزام مبارك التركي، فقال موسى الهادي: والله لأجعلنه سائساً، أما فاطمة لأن يوافى بها لأطرحنها للسوس ...
ولم يكد يكمل توعده حتى أقبل رسل العمري وموسى بن عيسى..
موسى الهادي: ما أخبار المدينة أيها الرسل؟
أحد الرسل: بخير .. كل من فيها يدين بالولاء لكم.
موسى الهادي: فما ورائكم؟
أحد الرسل: حملنا إليك بعضاً ممن نصروا الحسين في فتنته.
موسى الهادي: عليّ بهم.
فأدخل عليه موسى بن عبد الله بن الحسن، والقاسم بن محمد بن عبد الله والحسن بن علي -أخو الحسين بن علي الفخي.
موسى الهادي -يخاطب القاسم-: أنت ابن محمد بن عبد الله من تسمونه بالنفس الزكية؟
القاسم: ما سميناه بل سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: ((يقتل رجل من أهل بيتي فتسيل دماؤه إلى أحجار الزيت)) فكان ذاك أبي.
موسى الهادي: والله لأقتلنك يا ابن الفاعلة قتلة ما قتلها أحد قبلي أحداً بعدك.
فغضب القاسم بن محمد والتفت إلى موسى العباسي بكل جسمه وقال: الزانية هي الصناجة التي اشتريت بأموال المسلمين، أإياي تهدد بالقتل الذي لم يسبقك إليه ظالم؟ فلأصبرن لك صبراً ما صبره أحد قبلي طلباً لمرضاة الله وجميل ثوابه.
فثار موسى وأزبد وارتج المجلس، ونادى بأعلى صوته:
- عليّ بالمناشير ليعلم ابن الفاعلة أيَّنا يكون أصدق.
فأمر فوضعت المناشير على كل عضو في جسده.
فجرد اللحم من العظم ونشر وجهه صفحة واحدة، ثم قطعت جميع أعضائه عضواً عضوا وهو صامت لا يتحرك ولا يتأوه.
موسى: كيف رأيت يا ابن الفاعلة؟
فالتفت إليه القاسم التفاتة المشفق عليه -ودماؤه تنزف من كل مكان في جسمه- ثم قال:
- مسكين لو رأيت ما أرى مِنَ الذي أكرمني الله به في دار المقام، وما أعد لك من العذاب في دار الهوان، لرأيت حسرة دائمة وتثبت النقمة العاجلة...
وما كاد القاسم يكمل كلامه حتى خرجت روحه الطاهرة إلى باريها لتنعم بالمقام في ساحات الجنان.
ثم التفت موسى الملقلب بالهادي إلى الحسن بن علي بن الحسن المثلث -وكان كفيف البصر- فقال:
- وأنت لأقتلنك قتلة ما سبقني بها أحد.
الحسن بن علي: اختر لنفسك شرّها.
موسى الهادي -وهو يشير إلى بعض جنده: أملأ البيت الفلاني تبنا، وسد جميع أبوابه وضع هذا الأعمى بداخله ودخن عليه ثم أتركه ثلاثاً.
ففعلوا ذلك ثم فتحوا الدار بعد ثلاثة أيام فوجدوه حياً يرزق .. فلما علم الخليفة قال: اسجنوه حتى أقتله قتلة يبطل معها سحره.
***
وتفنن الخليفة العباسي في تعذيب أهل البيت (ع) وشيعتهم وإنزال الأذى بهم.
وسبقه الجميع إلى الملك الديان ينتظرون قدومه ليفصل في أمرهم أسرع الحاكمين..
وأما فاطمة فكانت قد أخذت فوضعت عند زينب بنت سليمان فلم تصل إلى دار الخلافة إلا وقد هلك الخليفة المسمى بالهادي فنجاها الله من شره...
فإنه لم يكد ينصرم العام حتى كانت الآكلة قد أصابت جسمه،، فلما أحسن بدنو أجله أراد أن يعهد بالبيعة لأحد أولاده حتى لا تصير الخلافة إلى أخيه هارون .. فأوعزت أمه إلى بعض الجواري بقتله فدخلن عليه وهو نائم فجلسن على صدره حتى مات، {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}
| توقيع : أبوحيدر.... |
|
التعديل الأخير تم بواسطة أبوحيدر ; 01-07-2012 الساعة 10:03 PM