الفصل الثالث
ومع إطلالة نور الفجر الأول كان الإمام في محراب المناجاة وسطع صوت المؤذن: ((الله أكبر .. الله أكبر .. حي على الصلاة .. حي على خير العمل)).
وتقدم الإمام ليصلي بالناس في خشوع لا مثيل له فالسكينة والطمأنينة كانت قد تمكنت من قلبه .. وما كانت ساحات الجهاد ورقاق السيوف لتشغله عن أداء فريضة الصلاة .. كان يؤمن أن النصر بيد الله .. ويرى أن النصر الأعظم هو الشهادة في سبيل الله.
وبعد أن أتم صلاته وعلا صوت مؤذن الجهاد: حي على الجهاد .. حي على الجهاد.
ودقت طبول الحرب وعلت أصوات المجاهدين بالتكبير وانتظمت الصفوف وقسم الناس إلى ميمنة وميسرة وقلب .. امتطى الليث صهوة جواده والنور يشع من بين عينيه وتقدم الصفوف ثم استدار نحو أصحابه فتعلقت الأنظار به .. وخمدت الأصوات .. وانسابت الكلمات من بين شفتيه فقال:
الحمد لله مذعناً له بالإستكانة مقراً له بالوحدانية .. وأتوكل عليه توكل من لجأ إليه.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى والمرتضى الأمين على وحيه.. المأمون على خلقه .. المؤدي إليهم ما استرعاه من حقه حتى قبضه إليه صلى الله عليه وآله وسلم.
أيها الناس أوصيكم بتقوى الله .. فإن الموصي بتقوى الله لم يدخر نصيحة ولم يقصر عن إبلاغ عظة .. فاتقوا الله في الأمر الذي لا يصل إلى الله تعالى إن أطعتموه .. ولا ينتقص من ملكه شيئاً إن عصيتموه .. ولا تستعينوا بنعمته على معصيته .. وأجملوا في طلب مباغي أموركم وتفكروا وانظروا.
ثم تقدم الإمام الصفوف وانطلق بأصحابه نحو جموع أهل الشام وخفقت راية الحق والحرية تحملها تلك الثلة المؤمنة .. لترسم للأحرار والمؤمنين طريقهم .. وما هي إلا لحظات حتى ظهرت أمام العين تلك الجحافل الأموية الغاشمة يفوق عددها إثني عشر ألفاً.
***
تهيأ الفريقان لخوض معركة فاصلة.. واستعد جيش الإمام لاختراق ذلك السيل البشري وكبح جماح كبريائه.. فانطلقوا بعزيمة المؤمن الذي لا يفرِّق بين النصر أو الشهادة .. فالكل يتمنى إحدى الحسنيين .. وتفاجأ القائد الأموي العباس بن سعد المزني من هذا الهجوم الجريء فلم يبق أمامه سوى الدفاع .. فأصدر أمره إلى جيشه بالنزول ورصهم صفوفاً متجاورة لا يكاد يستطيع المرء أن يلوي عنقه لشدة تقاربها .. ورفعوا الرماح والسيوف في وجوه المهاجمين .. والتحمت السيوف بالرماح فوق رؤوس البغاة لتشكل حاجزاً حديدياً لحمايتهم من ضربات المهاجمين.
وأقبلت العزيمة والإيمان والتقوى لتكون وجهاً لوجه مع الحديد الصلب .. فامتلأ الكون ضجيجاً وصهيلاً للخيل .. وتطايرت الشرار لتكون أشبه بالبرق الخاطف في لمعانه.
لقد كان المهاجمون قلة في العدد .. لكن كل واحد كان يمثل جيشاً وأمة لوحده .. وثبت الجيش الشامي أمام تلك الضربات بضع دقائق ولكن الصدق والإخلاص والعزيمة لدى المهاجمين كانت كفيلة بإحالة الفولاذ إلى رماد فلا شيء يقف أمام عزائم المؤمنين.
فقد تجاوزت تلك السيوف الحاجز الحديدي .. ومزقت من تحتها من جنود الجور والبغي .. وبدأ الإمام يقاتل مع أصحابه .. هدفهم هو نصرة دين الله ورفع راية الحق وإزالة ذلك الجور والظلم الذي فرضه الأمويون وأذنابهم على جموع الأمة في كل الأقطار.
وأخفق كل من أراد أن يتصدى لأولئك الثلة المؤمنة .. وأدرك القائد الأموي أن صراع السيوف والمبارزة لن يجدي مع أمثال هؤلاء .. لذا أمر الرماة أن يعدوا أنفسهم .. وبدأ سيل من السهام يتوجه نحو الإمام وأصحابه وكانت صدور القوم تتلقى السهام مقبلة غير مدبرة .. لا تبالي إن وقع في الصدر أو في الذراع .. أو مزق الهامة أو اخترق الثنايا .. المهم أن يكون الإمام في مأمن .. وأن يُقتلوا مقبلين غير مدبرين.
***
حميت المعركة .. وكشفت الحرب عن ساقها .. وتفرقت الجموع .. وكثر القتلى .. وكان كل شيء ينادي بالحرية وبإعلاء شريعة الله وهدم عروش الظالمين .. وكان نصر بن خزيمة يقاتل جنباً إلى جنب مع الإمام فيصد عنه كل هجمة غادرة أو ضربة مباغتة .. لا يشغله عن ذلك شيء.
وعلى بُعْد كان هنالك عين ترقبه لا تشارك في أحداث القتال .. كان ذلك الرقيب يحاول أن يقترب بحذر يتحرك بتحرك نَصْرَ ويسكن بسكونه .. تارة يقترب حتى يصير على بُعد خطوات .. وأخرى تراه يبتعد خوفاً أنْ يناله شيء من تلك الضربات التي يكيلها نصر مرة عن يمين الإمام ومرة عن شماله.
وفجأة انشغل نصر بجموع المهاجمين .. فإذا بذلك الوغد المسمى نائل بن فروة يستل ذلك السيف المرهف والمتميز ليبتر رجله من فوق الركبة.
التفت إليه نَصْر في غضب عارم جمَّد الدم في عروق نائل فشلت حركته .. وهوى عليه نصر بضربة أردته صريعاً ..
علم نصر أنها الشهادة فالتفت إلى الإمام ونظر إليه نظرة مودع .. كان ألمه لمفارقة الإمام في مثل هذه اللحظة الحرجة يضاعف من آلام الجراح .. ولذلك وجه فرسه نحو عدوه والدماء تنزف من فخذه فجعل يضربهم بالسيف ضرب من يبغي الشهادة وتوالت عليه ضربات السيوف ووقْع السهام .. حتى خرَّ صريعاً بعد أن ضرب أروع الأمثلة في البذل والجهاد من أجل رد الحق لأهله ورفع الظلم عن أمته.
***
انتصف النهار وساحة القتال ترجح كفة الإمام وأصحابه .. واستمر القتال وفي كل لحظة كان الجيش الأموي يزداد كثافة بسبب المدد الوافد من الشام ومن سائر البلدان وتضاعف عدد الرماة الذين بدأوا يقتلون أصحاب الإمام واحداً تلو الآخر .. فسقط قائد ميمنة جيش الإمام زيد -معاوية بن إسحاق- وتلاه عشرات القتلى في صفوف جيش الإمام .. وكان كل هذا يحدث .. ولكن ذلك الجهد الذي كان يقوم به الإمام وجماعة من أصحابه وأهل بيته كمحمد بن عبد الله وبعض إخوانه جعل الخصم لا يشعر بذلك التراجع فالإمام متواجد في جميع الأنحاء.
وأدرك العجز بعض أفراد الجيش الأموي فأحال دفة الصراع المسلح إلى مناوشات كلامية كشَّر فيها الحقد الأموي عن أعماقه وسوء اعتقاده .. فانطلقت الكلمات لتنال الأعراض .. فهذا أحدهم يتقدم على فرس أبيض فينال من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رمز العزة والعفة والطهارة ليتهمها بأبشع الجرائم .. والإمام في الضفة الأخرى من النهر يسمع تلك الكلمات كانت أشد وأمضى من السهام ومن ضرب السيوف .. فقد سالت الدموع من عيني الإمام بغزارة حتى ابتلت لحيته .. فليس الإمام بالرجل الذي يمكن أن يسقط في المهاترات الكلامية فالإمام يدعو إلى المبارزة الشريفة قائلاً وبصوت يملأ الآفاق:
- أما من أحد يغضب لفاطمة بنت رسول الله؟ أما من أحد يغضب لرسول الله؟ أما من أحد يغضب لله؟؟
فأجابه سعد بن خثيمة قائلاً:
- بلى يا ابن رسول الله .. والله لئن يمكني الله منه لاختطفن روحه.
وما هي إلا ساعات حتى تحول ذلك الشامي من على فرسه إلى بغلة .. فاستقر عليها واستمر يصب سيلاً من الشتائم على الإمام زيد .. وجدته فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين.
جعل سعد بن خثيمة يراقب ذلك الشامي حتى ابتعد إلى ناحية من أصحابه .. فتناول سعد رداء من فوق أحد غلمانه واستتر به وقطع المسافة في هدوء .. وجعل يمضي باتجاه الرجل حتى استقر فوق رأسه وهوى بسيفه ففصل الرأس عن الجسد .. وبسرعة خاطفة ألقى الجسد الخبيث من فوق البغلة .. وقاد بزمامها وأقبل مسرعاً نحو أصحاب الإمام.
تحرك الخيالة وانطلقوا لأخذ الثأر لصاحبهم .. ولكن خيل الإمام كانت أسرع فأحاطوا بسعد بن خثيمة ومنعوهم من الوصول إليه .. فأقبل الإمام نحوه مسرعاً وقبله بين عينيه وقال أدركت والله ثأرنا أدركت والله شرف الدنيا والآخرة.
سعد: إليك يا سيدي سلب الشامي .. استعن بها على حرب القوم.
الإمام: لا والله .. بل هي مني لك تنفيلاً.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|