الفصل الرابع
فتح الحسين بن علي بيت المال في المدينة، فوجد فيه الأموال والكنوز فقسمها في فقراء أهل المدينة ولم يدخر لنفسه منها شيئاً.
وأقبل بعض الزوار من أهل العراق ودخلوا على الحسين بن علي.
العراقي: يا مولاي .. لقد أرسل الهادي العباسي خمسة جيوش كثيفة العدد والعدة.
الحسين: هل عرفت وجهتهم؟
العراقي: نعم يا مولاي، إنهم لا يقصدونك هنا ولكنهم ذاهبون إلى مكة، وقد منعوا الحجاج من دخول المدينة وجعلوا لهم طرقاً بعيدة عن المدينة.
الحسين: إذاً نسبقهم إلى مكة، فإني أخاف أن يحصروا الحجيج فلا يمكنوا من أراد الوصول إلينا من هنالك..
ثم نادى على أصحابه قائلاً:
- ادعوا إليّ يوسف أن يقبل بما أعده من الجمال والحمير.
وانطلق بعض الجنود للبحث عن يوسف وطال الوقت فأرسل الحسين آخرين..
ورجع الجميع فأخبروه أنهم لم يجدوا له أثراً في المدينة، وأن بعض من رآه أخبرهم أنه أخذ المال وهرب.
الحسين: إنا لله وإنا إليه راجعون. فعلى أي شيء نحمل الناس؟
فجعل يحث الناس على الخروج معه، ولكن لا يجد ما يحملهم عليه، فجعل يطلب مالاً فما وجد المال إلا بعد أيام.
وقبل أن يرحل دعا ديناراً الخزاعي وولاه على المدينة.
ثم دخل على أخته فاطمة بنت علي، فجعل يواسيها ويعزيها ويقول: يا أختاه صبراً على البلاء، فلك في أمك خير قدوة. ثم قام يريد أن يودعها.
فاطمة: إلى أين يا أخي؟
الحسين: إلى مكة حيث واعدت الناس.
فاطمة: وتتركني هنا.؟!
الحسين: يا أختاه ليس لك صبر السفر، وإني أخاف عليك الأسر فإن القوم ليسوا أهل دين.
فاطمة: لا والله، لا أسأل عنك الركبان بل أخرج معك لينالني ما نالك.
فحملها وخرج ومعه زهاء ثلاثمائة، كلهم من أهل العلم والبصائر والزهد والعبادة يقصد مكة.
فلما بلغ الحسين وأصحابه منطقة (فخ) الواقعة بين مكة والمدينة إذا بالجيوش العباسية قد احتشدت هناك وحالت بينه وبين الوصول إلى مكة والإتصال بالحجيج فباتوا ليلتهم على مقربة منهم.
وهناك في المعسكر كان القادة العباسيون قد اجتمعوا بموسى بن عيسى، والعباس بن محمد، وجعفر ومحمد ابني سليمان بن جعفر المنصور، ومبارك التركي، ومنارة، والحسن الحاجب، والحسين بن يقطين يعدون العدة ويجمعون الجمال ليحملوا الناس عليها.
فأرسل موسى بن عيسى إلى رجل جمال يسمى أبو العرجاء الجمال.
موسى: كم تملك من الجمال؟
أبو العرجاء: أملك مائة جمل ذكر.
موسى: فعلي بها الآن.
فأقبل أبو العرجاء بجماله فأمر عيسى بختم أعناقها .. ثم التفت إلى أبي العرجاء وقال له: لا أفقد منها وبرة إلا ضربت عنقك.
فلما دنا الليل دعا موسى أبا العرجاء.
موسى: يا أبا العرجاء، اذهب إلى معسكر الحسين حتى تراه، ثم عد وأخبرني بما رأيت.
ولم يغب أبو العرجاء طويلاً حتى عاد.
موسى: ماذا رأيت يا هذا؟
أبو العرجاء: والله ما أظن القوم إلا منصورين.
موسى: كيف ذاك يا ابن الفاعلة؟
أبو العرجاء: والله ما رأيت خللاً ولا فللاً ولا رأيت إلا مصلياً أو مبتهلاً أو معداً للسلاح.
فضرب موسى بن عيسى يداً على يد وبكى.
فجعل أبو العرجاء يقول في نفسه: والله لا يخرج هذا لقتالهم.
ثم تكلم موسى بعد طول صمت فقال:
- هم والله أكرم عند الله وأحق بما في أيدينا منا، ولكن الملك عقيم، والله لو أن صاحب هذا القبر -يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- نازعنا الملك لضربنا خيشومه بالسيف.
فلما ظهر ضوء الفجر نادى على غلام بين يديه طبل، فقال له: اضرب طبلك يا غلام.
وأقبل العباس بن محمد على رأس الجيوش العباسية.
وتقدم موسى بن عيسى وقدم بين يديه محمد بن سليمان بن جعفر المنصور وقال له:
- اسمع يا محمد.. لقد علمت انهزامك وأخيك في العراق لإبراهيم بن عبد الله، فإنما هم أخوالك تداريهم وتبغي لهم ملكاً.
فاشتد غضبه وقال: اليوم ترى ما أفعل!!
***
فلما أحس الحسين أن القوم لا شك مقاتليه.
التفت إلى أصحابه وقام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد يا إخوتي وإخواني وشيعة أبي ومحبي جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قد تبين لكم ظلم هؤلاء القوم وفسقهم وفجورهم وعداوتهم لله ولرسوله وسيرتهم في أمة محمد، وارتكابهم الشرور، وهتكهم الستور، واستئثارهم بالفيء، وأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف .. دعاهم الشيطان فأجابوه واستصرخهم فتبعوه، يسيرون فيكم بسيرة القياصرة، ويقضون بالهوى ويحكمون بالرشا، يولون السفهاء، ويظاهرون أهل الريب والردى، يقلدون إمرة المسلمين اليهود والنصارى، جبابرة عتاة، يلبسون الحرير، وينكحون الذكور، فكيف لا يغضب أولي النهى، أم كيف يسوغ الطعام لأهل البر والتقوى.
قد درسوا الكتاب فأولوه على غير تأويله، وغُنّيَ به على المعازف فحُرف عن تنزيله، فلم يبق من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، فلو أن مؤمناً تقطعت نفسه قطعاً، ما كان ذلك لله رضى بل كان ذلك جديراً عندي، فروحوا بنا إلى الله واصطبروا لله.
فوالله إن الراحة منهم ومن المقام معهم في دارهم لراحة، والجهاد عليكم فريضة، فقاتلوهم فإن الله تعالى قد فرض قتالهم وصبِّروا أنفسكم فوالله لو لم أجد غيري لحاكمتهم إلى الله حتى ألحق بسلفي.
ثم قام بعده يحيى بن عبد الله يحث الناس على الجهاد. فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي وآله، ثم قال:
أبشروا معاشر المسلمين فإنكم أنصار الله وأنصار كتابه وأنصار رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأعوان الحق وخيار أهل الأرض، وعلى ملة الإسلام ومنهاجه الذي اختاره لأنبيائه المرسلين وأوليائه الصابرين.
ثم قال: والله ما أعرف على وجه الأرض وعلى ملة الإسلام ومنهاجه الذي اختاره لأنبيائه المرسلين وأوليائه الصابرين، إلا من كان على مثل رأيكم . حالت بينكم وبينهم المعاذير، إما فقير لا يقدر على ما يحتمل به إلينا، فهو يدعو الله في آناء ليله ونهاره، أو غني بعدت داره عنا فلم تدركه دعوتنا، أو محبوس عند الفسقة وقلبه عندنا ممن أرجو أن يكون ممن وفى لله بما اشترى منه.
فما تنتظرون عباد الله بجهاد من قد أقبل إلى ذرية نبيكم ليسبوا ذراريهم ويجتاحوا بقيتهم؟!
فدمعت عيون القوم وقالوا: سر بنا فوالله لا نرجع أو نقتل دونك.
واستعد الجميع لخوض المعركة..
| توقيع : أبوحيدر.... |
|