الفصل الثالث
وبالفعل إضطر الحسين بن علي بن الحسن المثلث ... إلى إعلان ثورته قبل موعدها بعشرة أيام فالضغوط صباحاً ومساءً، والظلم النازل بالناس وفضلاء أهل البيت على وجه الخصوص جعل الحسين يعلن ثورته قبل موعدها.
وبدأ الحسين في الإعداد للأمر، فأرسل إلى بني هاشم من نسل علي الموجودين في المدينة.
فبث إليهم الأمر وطلب منهم جمع أمرهم على إمام يبايعونه فالتفت إلى يحيى بن عبد الله وقال له: أمدد يدك أبايعك يا خال فأنت أحقنا بهذا الأمر وأقدرنا عليه.
يحيى: أنت أحق بالبيعة مني، لأنك الممتحن به دوني وأنا لك عون حتى يقضي الله من أمرنا ما هو قاض.
فأقبل بنو هاشم من ولد علي يبايعون الحسين بن علي رجلاً رجلاً فبايعه وأخواله أولاد عبد الله بن الحسن يحيى وإدريس وسليمان، وعلي بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي، وأسد بني هاشم وكان أشجع أهل زمانه المسمى بالأفطس عبد الله بن الحسن بن علي بن علي بن الحسن بن علي، وأقبل فتيان بني عبد المطلب حتى بلغوا ستة وعشرين رجلاً، ومن مواليهم خمسة وعشرين رجلاً، ثم أقبل لمبايعة الحسين جماعة من العباد والعلماء والفقهاء ممن ضاقوا بحكم الظالمين ذرعاً.
فافتقد الحسين أثناء البيعة إثنين من وجهاء أهل البيت.
الحسين: أين موسى بن جعفر بن محمد ؟. وأين الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن ؟. لا يذهب أحد من هذا المكان حتى يأتياني ونسمع رأيهما.
ولم يمر وقت طويل حتى أقبل موسى بن جعفر، والحسن بن جعفر بن جعفر بن الحسن .. فدخل موسى فانكب على الحسين يقبله، ثم رفعه رأسه..
موسى: أنا ثقيل الظهر، فلو خرجت معك لم يتركوا من ولداني أحداً إلا قتلوه، فاجعلني في حل من تخلفي عنك.
جعل الحسين: يفكر قليلاً، ثم قال: أنت في حل يا عماه.
موسى: فأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، فيا بني عمي أجهدوا أنفسكم في قتالهم، وأنا شريككم في دمائهم، فإن القوم فساق يسرون كفراً ويظهرون إيماناً.
أما الحسن بن جعفر بن الحسن فقد أبدى كراهته للخروج، فلم يرغمه الحسين على ذلك وبات أهل البيت (ع) تلك الليلة يحلمون بغد مشرق تتحرر به الأمة من هيمنة الطغاة وتسلطهم.
***
وقبيل الفجر دخلوا المسجد وصعد عبد الله بن الحسن الأفطس إلى المؤذن وهو في الشهادتين فقال له: أذن ((بحي على خير العمل)) فأبى عليه فجرد سيفه فرفع المؤذن صوته بحي على خير العمل.
وكان العمري في دار الأمارة، فلما سمع المؤذن يؤذن بحي على خير العمل أحس بالخطر فارتعدت فرائصه، وجعل ينادي في جنوده وغلمانه: أطعموني حبتي ماء وأردفوا البغلة الباب.
ثم هرب متخفياً إلى دار عمر بن الخطاب .. وخرج من الزقاق المسمى بزقاق عاصم ومضى يهرب على وجهه ويسعى حتى نجا بنفسه ولم يلحق به أحد.
ثم تقدم يحيى بن عبد الله فأقام الصلاة وتقدم الحسين وصلى بالناس، ثم صعد يحيى بن عبد الله على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال:
هذا الحسن بن محمد قد جئت به فهاتوا العمري فقد برأت يميني وخرجت مما علي ..
ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله، ثم قال:
أنا ابن رسول الله على منبر رسول الله أدعوكم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أيها الناس أتطلبون آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحجر والمدر والعود وتتمسحون بذلك وتضيعون بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ من أراد أن يدخل في هذه البيعة ويبايعنا على جهاد عدو الله وعدونا فإني أبايعكم على كتاب الله وسنة نبيه، والعدل في الرعية والقسمة بالسوية.. نحل ما أحل القرآن والسنة العادلة.. ونحرم ما حرم القرآن والسنة العادلة .. على ذلك دعوتنا بجهدنا وطاقتنا.. وتتسلحوا معنا.. وتجاهدوا عدونا.. فإن وفينا لكم وفيتم لنا.. وإن خالفنا فلا طاعة لنا عليكم.. اللهم اشهد لنا به.
وجعل العمري يسير ويهرول حتى وصل إلى الصوافي حافي القدمين مصفر اللون مذهولاً لشدة الخوف، فاستقبله خالد البربري الذي كان معسكراً في الصوافي فقال له:
- ماذا دهاك أيها الرجل؟ وما أخرجك على مثل هذا الحال.
العمري -في تلعثم: لقد لقد...
خالد: تكلم لقد أفقدتني صبري ما وراءك أيها الأحمق؟
العمري: لقد ثار عليّ الطالبيون واستولوا على مسجد الرسول وعلى المدينة.
خالد: وماذا فعلت هل حاربتهم هل قتلت منهم أحداً.
العمري: لا بل نجوت بنفسي.
خالد: ما أجبنك!! ثم التفت إلى الجنود الذين من حوله وصاح فيهم: جهزوا الجند وهيا بنا نحو مسجد رسول الله.
ثم أقبل خالد البربري في ستمائة فارس وألف راجل.
فدخل المسجد يزبد ويشتم ويتوعد ويقول -قاصداً الحسين: قتلني الله إن لم أقتقلك.
وكان قد دخل الحسين رحبة دار القضاء مع أصحابه فأقبل خالد نحوهم شاهراً سيفه يريد الحسين، فلم يفك الحسين حبوة جلسته فاعترضه يحيى بن عبد الله وكان يحيى شديد القوة مجتمع القلب، فتضاربا بالسيوف فتلقى يحيى سيف خالد بالترس فأسرع فيه فأصاب أصبع كفه فضربه يحيى بن عبد الله على رأسه فشق البيضة والعمامة وبلغ السيف إلى أنفه، وخرج الدم من عينيه، ثم برك عليه حتى جمدت أنفاسه.
وحملوا على أصحابه فقتلوا منهم ثلاثة عشر فارساً وأخذوا منهم ثلاثين فرساً ثم تفرقت جموع خالد البربري كل منهم يرجو النجاة بنفسه.
***
جلس الحسين مع أهل الرأي من أهل بيته وأنصاره ليعد العدة للمعركة وتحدث إليهم قائلاً:
- سيا قوم؛ إن موعدنا مع الناس أن نلقاهم في مكة؛ لأن من بايعني لن يدخل المدينة فلا بد أن نخرج إلى مكة.
يحيى: ولكن لمن نترك أهلنا في المدينة فأخاف أن نخرج منها فيدخلوها، وأخاف أن يهتكوا الحرم فإن القوم ليسوا أهل دين ولا ورع..
الحسين: لا نخرج منها حتى يقوى جانبنا في المدينة، ثم نولي عليها من يحميها ولكن يجب أن نعد الرواحل، فمع موسم الحج لن نجد من يحملنا إن لم نكتر الجمال من الآن .. ثم قال الحسين: ادعوا لي يوسف مولى آل الحسين.
فلما أقبل يوسف قال له الحسين: يا يوسف خذ هذا المال واكتر لنا جمالاً تحملنا وأبقها عندك حتى أطلبها.
***
أسرعت الرسل في الوصول إلى الخليفة العباسي في بغداد.
وكان موسى الهادي أشد أهله حمقاً ورعونة، فلما بلغه الخبر أقبل لا يلوي على شيء، ولا يكاد يدرك ما يجب أن يفعل.
فجعل ينادي فلاناً وفلاناً ويهذي ويسب ويشتم كل من تأخر فيرسل الجيش تلو الجيش والقائد تلو القائد حتى بلغ من أرسل إلى خمسة جيوش.
***
وبينما الحسين منشغل بأمر الإعداد كانت مؤامرة تدبر من داخل المدينة، فقد خرج أولياء بني العباس وأصحاب المصالح إلى مبارك التركي الذي كان قد حج في ذلك العام مع جمع كثير من الجنود.
فلما علم بما يحدث في المدينة توقف بعيداً عنها كراهة أن يقاتل الحسين بن علي.
فنزل عليه أهل المدينة راجين أن يقاتل الحسين.
مبارك: ما وراء القوم؟
القوم: إن المدينة بِشرّ حالٍ فقد قوي جانب الحسين بن علي وبايعه بعض الحجيج ممن دخلوا المدينة للزيارة.
مبارك: وأين العمري، وخالد البربري؟
القوم: لقد قتل خالد البربري وانهزم العمري ولعله يعلم بوصولك فيقبل إليك.
مبارك: فما ترون أن نفعل؟
القوم: لا بد أن تدخل المدينة وتقاتل القوم ونحن لك عون.
فجعل مبارك التركي يتملص من دخول المدينة، فقد كره أن يقاتل أهل البيت.
مبارك: إن الخليفة لم يأمرني بالقتال وأخاف أن يغضب إن قاتلت القوم.
ليس هذا لك بمخرج فقد أرسل الخليفة عدداً من الجيوش وهم في طريقهم إلى هنا، فاخرج معنا كي لا يتمكن الحسين من استقبال الحجيج ليقنعهم بدعوته.
فلم يجد مبارك التركي بداً من الخروج للقتال، فقد خاف أن يعلم بنو العباس بتملصه فينزلوا به جام غضبهم.
فأقبل مبارك التركي بمن معه في اليوم الثالث من خروج الحسين، فجعل يناوش أتباع الحسين، وجعل حربه معهم سجالاً إلى وقت الزوال.
ثم أعلن في الناس أن يكفوا عن القتال، وقال: لا بد من القيلولة فأقبل عليه من معه من أهل المدينة قائلين:
- ما بالك يا مبارك لا تقاتل الرجل وتناجزه.
مبارك: أنا الأمير هنا واعرف متى أقاتل ومتى أكف .. لا شأن لكم.
فقال له القوم: إذاً نناجز القوم غداً.
مبارك: إن شاء الله .. وكان قد أضمر في نفسه أن لا يعود إلى قتال الحسين وأهل بيته.
فلما حل الظلام أرسل مبارك رجلاً يثق به إلى الحسين بن علي وقال له:
- إذهب إلى الحسين بن علي وأبلغه مني السلام، وأبلغه أني أكره ملاقاته وقتاله . فوالله لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أيسر علي من أن أشوكك أو أقطع من رأسك شعره . ولكن لا بد من الإعذار. ليرسل ولو عشرة من أصحابه الليلة ليبيتوا في معسكري، فأتظاهر بالفرار والهزيمة ولك علي الوفاء، عهد الله.
انطلق الرسول إلى الحسين وأخبره الخبر، فأسرع إلى إجابة مبارك التركي، وأرسل عشرة من خلص أصحابه، فطرقوا عسكره وجعجعوا به .. فالتمس مبارك دليلاً يوصله إلى ما بين مكه والمدينة وأعطاه مالاً كثيراً .
| توقيع : أبوحيدر.... |
|