الفصل الثاني
جعل الحسين بن علي لا يألو جهداً في التواصل مع الشيعة في سائر الأقطار الإسلامية وجعل يواعدهم اللقاء في موسم الحج لعام 169هـ.
ولكن العمري كان يصب غضبه على أهل البيت، ويبتكر الحيلة تلو الحيلة ليتمكن من النيل منهم، فقد جعل العمري يأمرْ من يتعرض للحسن بن محمد ويرميه ببعض ما يثيره حتى يجد طريقاً إلى حبسه والنيل منه، فهو لم ينس الإهانة التي تجرع مرارتها بسببه.
واستطاع بعضهم أن يثير الحسن بن محمد فضربه الحسن فشج رأسه، فأسرع الرجل إلى الوالي وأخبره الخبر فأرسل العمري في طلب الحسن.
وبينما هو في مجلسه أتاه بعض جواسيسه.
الرجل: يا مولاي .. يا مولاي.
العمري: ما وراءك يا رجل؟ ما الذي حدث؟
الرجل: لقد حضر إلى الحسين بن علي ما يزيد عن سبعين رجلاً من الشيعة في دار ابن فليح.
العمري -وهو يكاد أن يتميز غيضاً وغضباً: عليّ بالحسين بن علي، ويحيى بن عبد الله، فهم الكفلاء والضمناء على الحسن بن محمد.
ثم التفت إلى أبي بكر الحائك وقال له: أغلظ لهم في العرض، لا تمكنهم من اللقاء بشيعتهم.
فأسرع ابن الحائك فجمعهم في المقصورة وجعل يسخر منهم ويطيل في استجوابهم.
فلم يُمكِّن أحداً منهم من الخروج إلا قبيل الظهر وكان اليوم يوم جمعة.
ولم ينته من آخرهم إلا وقد حضر الناس للصلاة حتى لم يتمكنوا إلا من الوضوء.
فلما خرج الناس من صلاة الجمعة أراد أهل البيت الإنصراف فجمعهم ابن الحائك في المقصورة إلى صلاة العصر، ثم عرضهم فجعل يسأل عن الحسن بن محمد ويدعو باسمه، فلم يحضر.
فالتفت إلى الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله قائلاً:
- لتأتياني به أو لأحبسنكما فإن له ثلاثة أيام لم يحضر العرض، فقد غاب أو خرج.
يحيى: نحن كفيلان عليه فلا حاجة إلى حضوره أم تريد أن تأخذه إلى العمري؟
ابن الحائك: لئن لم تأتياني به فستريان ماذا سأفعل.
يحيى: وما عساك أن تفعل ثكلتك أمك؟
فخرج ابن الحائك مغضباً ودخل على العمري وشكا إليه أمر الحسين ويحيى بن عبد الله.
العمري: لقد كثر تطاولهما .. عليّ بهما اللحظة.
وما هي إلا لحظات حتى أقبل العساكر بالحسين بن علي قد أُخذ بتلابيبه يجرونه جراً .. يتعمدون بذلك إهانته وإسقاطه من عيون شيعته.
فلم يكد يصل إلى دار مروان التي كانت داراً للإمارة إلا وقد لحقه يحيى بن عبد الله بن الحسن.
العمري: أتخرجان عن طاعتي وتهزءآن بي؟ أمثلك يا يحيى قد صار يسب ويشتم من وليته أمركم؟
التفت يحيى إلى الحسين وأخذ يضحك ثم قال: أنت مغضب يا أبا حفص!!
العمري: أتهزأ بي وتخاطبني بكنيتي؟
يحيى: قد كان أبو بكر وعمر خير منك.. يخاطبان بالكنى فلا ينكران ذلك.. وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية.
العمري: آخر قولك شر من أوله.
يحيى: معاذ الله .. يأبى الله لي ذلك ومن أنا منه؟
العمري: فإنما أدخلتك لتفاخرني وتؤذيني؟!
التفت يحيى بن عبد الله إلى العمري في غضب وشدة قائلاً: فما تريد منا؟
العمري: أريد أن تأتياني بالحسن بن محمد.
يحيى: لا نقدر عليه وهو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث إلى آل عمر فاجمعهم كما تجمعنا، ثم أعرضهم رجلاً رجلاً فإن لم تجد فيهم من قد غاب أكثر من غيبة الحسن عنك فقد أنصفتنا.
فأعرض العمري عن يحيى بن عبد الله والتفت إلى الحسين الذي كان صامتاً وإلى من بجواره من الحاشية ثم قال:
- اسمع يا حسين .. اشهدوا يا هؤلاء .. أن امرأته طالق وكل مملوك له حر، إن لم يأتني به غداً قبل الزوال، ويدخله إلى دار مروان .. فإن لم يجدني أشْهَدَ على موافاته به، وإن لم يفعل ضربته ألف سوط عاش معها أم مات ولأضربن عليه سويقه وآتي بنسائه قسراً حتى أولجهن الحبس.
فلما سمع يحيى بن عبد الله هذه الكلمات الساخرة والحكم الجائر، وثب من مكانه وهو يكاد أن يتميز غيظاً، وقال للعمري:
- أنا أعطي لله عهداً وكل مملوك لي حر إن ذقت الليلة نوماً حتى آتيك بالحسن بن محمد أو لا أجده فأضرب عليك بابك حتى تعلم أني قد جئتك..
ثم أخذ يحيى بيد الحسين وخرجا مغضبين.
فلما صارا إلى مكان آمن من الجواسيس والعيون، التفت الحسين إلى يحيى قائلاً:
- بئس لعمر الله ما صنعت حين تحلف لتأتينه به، وأين تجد حسناً؟
يحيى: لم أرد أن آتيه بالحسن والله، وإلا فأنا نفيٌ من رسول الله ومن علي، بل أردت أن لا أدخل عيني نوم حتى أضرب عليه بابه ومعي السيف إن قدرت عليه قتلته.
الحسين: بئسما تصنع تفسد علينا أمرنا.
يحيى: كيف ذلك وما بيننا وبين الموسم الذي واعدت عليه الناس إلا عشرة أيام، وتسير إلى مكة، وهؤلاء بعض أنصارك قد وصلوا إليك؟ فكم قد بايعك من الناس؟
الحسين: ثلاثون ألفاً من خيار الناس وأئمة العلم والعبادة.
وفي تلك اللحظة نادى الحسين بن علي أحد غلمانه وقال له:
- اذهب وقل للحسن بن محمد فليأتني.
فلما دخل الحسن عليهما أقبل على عمه يحيى وعلى الحسين وجثا يقبل أيديهما.
فتكلم الحسين فقال: يا ابن أخي قد بلغكما ما كان بيني وبين هذا الفاسق، فامض حيث أحببت.
الحسن: لا والله يا عم، بل أجيء معك الساعة حتى اضع يدي في يده.
يحيى: ما كان الله ليطّلع عليّ وأنا جاءٍ إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خصمي وحجيجي في دمك، ولكن أفديك بنفسي لعل الله أن يقيني من النار.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|