الباب الثاني
لفصل الأول
وفي شهر المحرم سنة 169 هجرية مات المهدي العباسي واستلم الملك بعده ولده موسى وتلقب بالهادي.
وكان موسى أشد الخلفاء العباسيين قسوة وشراسة، ورث الحقد والكراهية لأهل البيت (ع) فكان أشبه الناس بجده أبي جعفر المنصور، فكان أول ما فعله أن ولى على المدينة إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس.
فأرسل إسحاق إلى رجل يسمى عمر بن عبد العزيز ويلقب بالعُمَرِيْ من ذرية عمر بن الخطاب بأن يصلي بالناس ويتولى أمر الأمارة إلى قدومه.
وكان العُمَرِيْ من أشد الناس بغضاً لأهل البيت، فقد سئم من ثناء الناس عليهم ومن مكانتهم في قلوب الناس، فلما سنحت له الفرصة أضمر في نفسه أن يستذلهم.
فأرسل إلى رجل يعرف بأبي بكر بن عيسى الحائك، فلما دخل عليه قال له:
- اسمع يا أبا بكر لقد سئمت من هؤلاء القوم، فعلى أي شيء يحبهم الناس؟ .. ولأي شيء يرون لأنفسهم في الناس مكانه؟ .. فلا مال ولا سلطان لهم!!
أبو بكر: من تقصد يا مولاي؟
العمري: أقصد آل أبي طالب.
فوافق هذا الكلام هوى عند هذا الحائك فقال للعمري:
فماذا ترى؟ فالأمر أمرك ولا سلطان أعلى من سلطانك في المدينة، فاصنع بهم ما شئت، فلن يقدر أحد على منعك يا مولاي.
العمري: نعم .. نعم، -وترددت في المجلس أصداء ضحكاته- ثم قال: إذاً فاسمع يا أبا بكر.. أريد أن تجمع لي آل أبي طالب وتأخذ صغيرهم بكفالة كبيرهم، وأخبرهم أني قد أمرتك أن تستعرضهم في المقصورة صباحاً ومساءً ومن غاب منهم أخذ كفيله به.
وبصوت تجلت فيه أبعاد هذا الحقد الدفين ختم كلامه قائلاً: لابد أن أمتهن كرامتهم وأعرِّف الناس حقارة مقامهم حتى يعرف الناس من نحن؟ ومن هم؟
خرج أبو بكر بن عيسى الحائك وأقبل ينفذ المهمة، فجمع بني هاشم من صلب علي (ع) وأخبرهم بالأمر، فضاقوا به ذرعاً وعلموا أن العمري يضمر لهم شراً، وأنهم إن خالفوه قتل منهم كل خارج عن أمره.
ولم تكن مأساة الأمس بالبعيدة، فلا زال القلب الجريح ينزف دماً.
ولم تمض على المأساة سوى أربعة عشر سنة بل أقل من ذلك.
فلم يجدوا أمامهم إلا التسليم والخضوع للأمر الواقع، فجعلوا في كل صباح يقبلون على مقصورة الوالي، فيُسْتَعْرَضُونَ كما يستعرض الرقيق والنظرات الحاقدة والضحكات الساخرة تحيط بهم من كل جانب
***
ولم يكن العُمَريْ وابن الحائك يتركان وسيلة لإهانة أهل البيت عند كل استعراض إلا وأحدثوها، مما جعل الحسين بن علي يفكر مراراً في مخرج من هذا المأزق الحرج.
فأهل البيت في المدينة أشد الناس ضعفاً وشيعتهم في الأمصار لا يكادون يظهرون أنفسهم خوفاً من السلطة العباسية.
فلم ير الحسين من حل إلا أن يراسل العلماء والصلحاء ممن يعلم صدق ولائهم وحرصهم على تَغْيير الوضع الفاسد، فما كان يجري في المدينة مع أهل البيت كان يمثل نموذجاً مصغراً لما يجري في سائر البلدان.
فحقارة الكثير من الولاة جعلهم يغمطون كل ذي فضل فضله حتى لا تظهر للناس حقيقتهم عند المقارنة.
***
ومضت الأيام والشهور والحال يزداد سوءاً والتذمر يزداد في الأوساط، والعمري يحيك المؤامرة تلو المؤامرة لينال من ذلك الشرف الرفيع والمقام العالي.
ولكن صبر أهل البيت وتحملهم لم يزدهم في الناس إلا رفعة وشرفاً، وأبت القلوب أن تحتقر من أعزه الله، فإن العزة لله جميعاً {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}.
لقد ظن العمري أن إسقاط فتيان بني هاشم في الرذيلة هو الطريق لإسقاطهم عند الله وعند خلقه، فجعل يوعز للسفهاء الإقتراب منهم وجرهم للرذيلة، ولكن جهوده باءت بالفشل، فورع الآباء قد ورثه الأبناء.
فلم يجد من طريق إلا أن يرميهم بذلك ويحاول إلصاق التهم بهم، فأوعز إلى بعض جنوده بذلك.
العمري: اسمع يا هذا اذهب واقبض على الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، وابن جندب الهذيلي (الشاعر) وعبد الله بن سلام مولى آل عمر بن الخطاب، وأشع في الناس أنهم كانوا مجتمعين على الخمر.
أبو بكر الحائك: ولماذا عبد الله بن سلام وهو مولى لآل عمر، أليس في ذلك من شيء يلحقك؟
العمري: اسكت يا أحمق، فإنا إذا أخذنا عبد الله معهم لم يشك أحد في الأمر، ومهما بلغ فلن يلحق آل عمر عاره، فما هو إلا مجرد مولى.
وبالفعل لم تشرق شمس اليوم الثاني إلا وقد شاع الخبر في المدينة وعلمه الجميع.
لم يُمكن العمري آل البيت من الدفاع عن الحسن بن محمد، فقد أمر السجان بإخراجهم للجلد.
فأمر الجلاد بضرب الحسن بن محمد ثمانين سوطاً، وضرب ابن جندب خمسة عشر سوطاً، وضرب مولى آل عمر سبعة أسواط فقط.
فشاع هذا الأمر في المدينة فافتضح أمر العمري وعلم الناس أنه ما أراد إلا لينال من الحسن بن محمد ليسيء إلى أهل البيت.
ولم يقف العمري عند هذا الحد ولكنه تمادى في الأمر والتفت إلى أحد جنوده قائلاً:
- عليّ بالحمير فوالله لأفضحنهم حتى لا يبقى أحد إلا ويعلم بخبرهم فحملوهم على الحمير مكشوفي الظهور.
وطار هذا الخبر ليطرق مسامع بني هاشم، وعلمت بذلك تلك المرأة التي رفعت الراية السوداء في أيام محمد بن عبد الله النفس الزكية وكانت سبب انتصار الجيش العباسي، فتحركت فيها النخوة الهاشمية فأرسلت إليه.
فلما جاءها قالت له: اسمع يا هذا، لا ولا كرامه، لا تشهر بأحد من بني هاشم وتشنع عليه وأنت له ظالم، فكف عن ذلك وخل سبيلهم.
فلم يجد العمري أمامه إلا أن يمتثل للأمر ويخلي سبيلهم وهو ذليل صاغر.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|