الفصل الثاني
كان جميع من بايع الإمام من سائر الأمصار قد علموا بالموعد وأعدوا العدة .. فالأول من صفر صباح الأربعاء كان هو اليوم الذي اختاره الإمام زيد لإعلان ثورته. ولكن الوقت كان يمر في تثاقل وبطء والخناق يضيق على الإمام وأصحابه يوماً بعد يوم .. وصار اليوم وكأنه سنة كاملة.
فهذا يوسف بن عمر يتتبع كل من يعتقد أن له صلة أو قرابة بالإمام فيقتل بمجرد الظن .. ويعذب بمجرد الشك .. وكلمات الوشاة صارت عنده نصوصاً يصح الإستدلال بها على سفك الدماء .. فهذا سراقة البارقي أحد ذيول بني أمية يخمن للوالي بوجود زيد في بعض المنازل فيسارع يوسف بن عمر إلى الأمر بمداهمتها وقتل كل من فيها..
وساد جوٌ من الإرهاب والوجل والخوف .. وبثت الدعايات بقدوم جيش الشام .. واشتد فزع الناس .. وبعد مراقبة شديدة أدرك أحد الجواسيس وجود زيد في بيت معاوية بن إسحاق فأسرع نحو دار الإمارة.
الجاسوس: مولاي .. إن زيداً في بيت معاوية بن إسحاق.
يوسف: داهموا البيت واقتلوا كل من فيه.
كان الحكم بن الصلت أحد القادة الأمويين .. ووالي يوسف على الكوفة جالس في مجلس يوسف فنهض من مكانه وقال:
هل لي أن أشير في الأمر .. فما ظني أن زيداً سيكون لوحده في الدار .. فأخاف أن تفتح علينا باباً فيقاتلنا بمن معه فينتشر الخبر ويسرع أصحابه لنصرته ونجدته .. أرى يا مولاي أنك لو تبعث من ينادي في الكوفة فيجمع وجهاء أهل الكوفة وعامتهم في المسجد .. ثم تداهم الدار .. وهذا هو ما أراده مولاي الخليفة في رسالته.
يوسف بن عمر: ولَّيتك هذا الأمر فانطلق.
فانطلق الحكم بن الصلت وجمع العرفاء والشرطة والمقاتلة فجمعوا الناس في المسجد الأعظم .. وأغلقت دروب السوق ثم أمر المنادين ينادون في النواحي: أيما رجل من الأعراب والموالي أدركنا زيداً في رحله الليلة فقد برأت منه الذمة .. وأمر مجموعة من الجنود أن يتقدموا نحو دار معاوية بن إسحاق .. وجعلوا يسدون عليه المنافذ ويقتربون في صمت وخفاء .. يريدون أن يستفيدوا من مباغتة الإمام ومن معه .. ويمنعوهم من المقاومة .. وبخطى سريعة بدأ الجنود يتقدمون فالحقد والهيمنة وظلام الليل والصقيع .. الكل كان يمد يديه وكأنه يتكاتف محاولاً اقتطاف تلك الروح الطاهرة.
كان الإمام زيد يرقب الوضع بحذر شديد وأدرك أنه قد انكشف أمره .. وأنهم إذا حاصروه وأصحابه وسدوا عليهم المنافذ أمكنهم القضاء عليهم .. فكان الإمام بين أمرين إما التعجيل بالخروج ونتائج الأمر غير مضمونة .. وإما الإنتظار .. ومعنى ذلك أن يتخطف أصحابه من حوله واحداً تلو الآخر .. وقد تسد عليه جميع الطرق فلا يتمكن أصحابه من الوصول إليه.
كان الترجيح صعب ولكن كان الرأي الأول هو
الأقرب .. وكان كل من في دار معاوية بن إسحاق ينتظرون أمر الإمام.
وتحت جنح الظلام في ليلة شديدة البرد خرج الإمام بمن معه من بيت معاوية بن إسحاق ورفعوا أصواتهم
بالشعار: (يا منصور أمت).
ذهل الجنود المهاجمون الذين أمروا بمداهمة البيت.
وفجأة تحول ذلك الصمت إلى ضجيج وتكبيرات وصيحات .. ولم يفيقوا من ذهولهم إلا وقد تجاوزهم الإمام ومن معه فانطلق أتباع الإمام في الشوارع والأزقة وبين العشائر ينادون بالشعار المتفق عليه: (يا منصور أمت).
***
وفي صبيحة ذلك اليوم أمر الإمام زيد (ع) القاسم التبعي وآخرين بالخروج إلى العشائر والنداء بالشعار .. فمضوا ينادون بالشعار .. فسمعهم يحيى بن صالح بن يحيى بن مالك بن خزيمة وكان رجلاً صيتاً فنادى معهم بالشعار.
وذهب ابن الجارود زياد بن المنذر إلى مئذنتهم .. فرفع صوته بالشعار.
فلما كانوا في صحارى عبد القيس لقيهم جعفر بن العباس الكندي مع جمع من أصحابه -وكان من أتباع يوسف بن عمر- فحملوا على المنادين فقتل أحدهم وأخذ القاسم التبعي بعد أن جرح إلى الحكم بن الصلت فلقيه على باب القصر..
الحكم بن الصلت: أين أصحاب زيد؟ وكم عددهم؟ وما عدتهم؟ .. أخبرني إن شئت النجاة ..
صمت القاسم وجعل ينظر إلى الحكم بن الصلت في احتقار .. فأمر الحكم بضرب عنقه..
وعلى الفور ضربت عنقه وأعلن نهر الدم أنه قد آن الوقت ليبدأ تدفقه ليعيد ذكرى كربلاء مرة ثانية.
(2)
بقي يوسف بن عمر في الحيرة يناوش زيد بن علي عليه السلام فيرسل بعض قواده ليطلع على بعض ما يدور في أرجاء الكوفة.
يوسف بن عمر: من يأتي الكوفة فيقرب من هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم.
عبد الله بن عياش: أنا آتيك بخبرهم.
وانطلق عبد الله بن عياش مع خمسين فارساً .. وما هي إلا مدة قصيرة حتى أقبل على يوسف بن عمر بخبر أهل الكوفة .. وأمسى يوسف بن عمر مغتماً لا يدري أيدخل على الإمام زيد الكوفة فيقاتله في شوارعها وأزقتها أم ينتظر خارج الكوفة ويستدرج جيش الإمام إلى هناك.
أخذ يوسف بن عمر قراره ووضع خطة الحرب لمواجهة الإمام زيد وأتباعه.
ومع شروق شمس اليوم الثاني خرج مع جنوده من أهل الشام وأهل العراق وخرج معه وجهاء أهل العراق وأمير شرطته .. وأمر بتجهيز جيش يزيد عدده على ألفي فارس وثلاثمائة من الرماة.
ثم أرسل مجموعة مع قائد شرطته العباس بن سعد المزني .. وأمر بالتوغل داخل الكوفة ومناوشة الإمام زيد وأتباعه وإخراجهم من بين شوارعها حتى ينكشفوا فيصيروا هدفاً سهلاً للرماة.
***
كان الإمام في هذه اللحظات يعدّ أصحابه للمواجهة الحاسمة .. يعدّهم ليضربوا أروع الأمثلة في البطولة والفداء .. فجمعهم فإذا عددهم لم يبلغ الثلاثمائة.
الإمام زيد: سبحان الله .. فأين الناس؟
معاوية بن إسحاق: هم محصورون يا سيدي في المسجد وقد أغلقت عليهم الأبواب ووضع الحرس على الأبواب ليمنعوهم من الخروج.
الإمام زيد: لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر.
لقد كان الإمام زيد ينتظر وصول من بايعه من أهل الكوفة ليجتمع له أكبر عدد ممكن من الرجال.
وجعل من يريد الخروج مع الإمام زيد يقبلون عليه من كل ناحية من نواحي الكوفة.
فكان نصر بن خزيمة يقود مجموعة من أصحابه يحث الخطى ليلتحق بالإمام زيد عليه السلام وفجأة ظهر عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصلت في خيل من جهينة.
رفع نصر بن خزيمة صوته بشعار الإمام زيد: (يا منصور أمت) .. فلم يرد عليه أحد بشيء .. فاستل سيفه وشد على عمر ومن معه .. وشد أصحابه معه .. وأراد عمر بن عبد الرحمن أن يستعد للمواجهة ولكن السرعة والإقدام الذي اتخذه نصر وأصحابه أفقدهم توازنهم فقتل عمر بن عبد الرحمن ومجموعة من أصحابه وأسرع من تبقى منهم في الهروب .. وأفسحوا الطريق أمام نصر وأصحابه فأقبل على الإمام فاستبشر الإمام بقدومه .. وبادره الإمام قائلاً:
- يا نصر بن خزيمة أتخاف على أهل الكوفة أن يكونوا قد جعلوها حسينية؟
نصر بن خزيمة: جعلني الله فداك أما أنا فوالله لأضربن بسيفي هذا معك حتى أموت.
أدرك الإمام زيد أن القوم قد خانوه ونقضوا عهودهم .. لكن بصيص الأمل كان يدفعه إلى أن يحاول مع أولئك الذين حُصروا في المسجد. فقاد جيشه وأتجه نحو المسجد ولكن ما كان ذلك ليخفى على أهل الشام .. فقد وضع يوسف بن عمر أحد قواده وهو عبد الله بن العباس الكندي مع جمع كثيف من أهل الشام ليمنعوا زيداً من التقدم.
وفي ثبات كانت تلك القلة المؤمنة يتقدمون بخطى ثابتة غايتهم وأملهم الشهادة في سبيل الله والوفاء بعهودهم.
***
نظر الإمام إلى كثرة أهل الشام وقلة أصحابه فأدرك أنه قد حان الوقت لينظم الجيش حتى يتمكن من مواجهة تلك الجموع التي تزداد كثافة في كل لحظة .. فالمدد من الشام لا يكاد يتوقف فجعل على ميمنته معاوية بن إسحاق .. وعلى ميسرته نصر بن خزيمه .. وأعطى الراية رجلاً من بني سعد بن بكر يسمى عبد الصمد بن أبي مالك .. والتفت الإمام زيد (ع) إلى الرايات فإذا هي تخفق فوق رأسه .. فأشرق وجهه رغم شدة الموقف وخطورة الوضع وقال:
الحمد لله الذي أكمل لي ديني .. والله إني كنت لأستحيي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أِردَ عليه الحوض غداً ولم آمر في أمته بمعروف ولم أنه عن منكر.
ثم جرد حسامه وانطلق كأنه البرق الخاطف يفرق الجموع ويحصد رؤوس المتكبرين .. وسرى ذلك الحماس العلوي والثبات المحمدي في قلوب أصحابه فصاروا أشبه شيء بالأسود الكواسر .. فانكشف أهل الشام يميناً ويساراً كل يريد النجاة بنفسه.
وتقدم الإمام وأصحابه حتى أحاطوا بالمسجد فجعلوا يدخلون الرايات من نوافذه بينما كان جنود الشام المتمركزة على سطح الجامع يقذفونهم بالحجارة .. وجعل نصر بن خزيمة ينادي أهل الكوفة: ((أخرجوا من الذل إلى العز وإلى الدين والدنيا)).
فيئس الإمام من استجابة أهل الكوفة وعلم أن من عَجز عن التغلب على بعض الجنود عند باب الجامع جدير به أن يخفق عن مواجهة جحافل الجيش في أرض المعركة.
واستمر القتال والمناوشات في معظم أزقة الكوفة .. وبدأ الإمام يقود أصحابه فلا يثبت أمامهم أحد .. وحاولوا الإقتراب من دار الرزق فإذا بيوسف بن عمر قد جمع لهم جحافل أهل الشام وأعدهم للقتال بقيادة الريان بن سلمة.
وتقدم الإمام زيد (ع) مع أصحابه حتى اقتربوا منهم وصاروا في مواجهتهم .. فأقبل جنود الشام يرمونهم بالسهام ويجالدونهم بالسيوف .. ولكن العزيمة والإيمان كان أمضى وأشد .. فقد انطلقت تلك السيوف مع تلك العزائم المؤمنة تخترق الجموع وتمزق الصفوف وتخزي الظالمين.
وما هي إلا لحظات حتى انكشف ذلك الجمع .. وقد صاروا بين قتيل وجريح وهارب يرجو النجاة لنفسه..
لم تكن تلك المواجهة مواجهة يحكمها العدد والعدة إنما يحكمها الإيمان والتقوى .. لذلك انتهت تلك المواجهة باستيلاء الإمام وأصحابه على دار الرزق.. في حين انسحب الريان وجموعه يجرون أذيال الهزيمة.
(3)
ما إن قاربت الشمس على المغيب حتى تراجع كل فريق إلى معسكره كل ينتظر الغد وما يحمله من المفاجآت .. وكلٌ كان يحاول أن يراجع حساباته ليحصل على نتائج اليوم الأول فقد عاد أهل الشام وهم في أسوأ حال.
كان يوسف بن عمر الثقفي يراجع حساباته مع قواده .. فها هو يستدعي الريان بن مسلمة فدخل عليه وقد ساء حاله لما وقع له من الإمام وأصحابه .. فما كاد يقع نظره عليه حتى نظر إليه في ازدراء وسخرية قائلاً:
- أف لك من صاحب خيل .. أتعجز عن زيد وصحبه وأنت في خيل أهل الشام؟!
والتفت إلى الحارس قائلاً: أدع لي قائد الجند العباس بن سعد المزني.
فلما دخل قائد الجند قال له يوسف:
- اسمع يا عباس إذا كان الغد فتقدم أهل الشام وقاتل زيداً وأصحابه وحذارِ أن يكون يومك مع زيد كيوم
هذا -وأشار إلى الريان-، ثم التفت إليه وقال له:
- ولكني أريد أن أعرف منك يا ريان من أشد أصحاب زيد تفانياً في القتال والدفاع عنه.
الريان: والله يا مولاي ما رأيت أحداً منهم إلا وهو أشد الناس حرصاً أن يقتل قبل الآخر فإنهم يتسابقون إلى الموت بين يديه.
يوسف بن عمر: أسكت أيها الأحمق والله لو سمع الجنود كلامك لزرعت فيهم الهزيمة .. أقصد أيهم يعتمد عليه زيد وله كلمة في أصحاب زيد؟
الريان: أعتقد يا مولاي أنهما نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق.
وفي صباح ذلك اليوم وهو الخميس التفت يوسف بن عمر إلى الجند فقال: أيكم يكفيني أمر نصر بن خزيمة؟ فقام رجل كان يسمى نائل بن فروة من بني عبس فقال: والله لأن ملأت عيني من نصر بن خزيمة ليقتلني أو أقتله.
فأخرج له يوسف سيفاً لا يقع على شيء إلا قطعه .. وقال له: خذ هذا السيف.
***
وفي نفس الليلة تراجع الإمام عليه السلام وأصحابه .. واستقر بهم المقام في دار الرزق فجعلوا يضمدون جروح المصابين ويترحمون على من فقدوه في ذلك اليوم من الأصحاب .. وتحول دار الرزق إلى مسجد لا يسمع منه إلا التهليل والتكبير وقراءة القرآن.
كان الجميع يعدون أنفسهم للرحيل .. كل واحد منهم يحاول أن يجرد نفسه من أمتاع الدنيا ليقبل على الله بقلب سليم ويد بيضاء.
وبعد يوم وليلة من الصراع والصولات والجولات والمناوشات التي فاحت منها رائحة الشهادة فزادتهم شوقاً إليها. وما كان منهم من أحد إلا وهو يتمنى أنه مكان شهيد من شهداء الأمس القريب.
كان الإمام ينظر إلى أصحابه بعين الحب والإشفاق والتعظيم .. فقد ثبتوا وأبدوا من البطولة ما أذهل أعداءهم وأربك صفوفهم .. ولكن الإمام عليه السلام لاحظ أن معسكره ازداد .. فبالأمس كان عددهم لا يتجاوز الثلاثمائة رجل .. واليوم أصبحوا خمسمائة رجل .. فداخله شيء من الخوف .. فبشائر النصر التي أحرزها في اليوم الأول كانت نتيجة الإخلاص الذي كان يحمله أصحابه .. وخاف أن ذلك العدد الذي انضم إليه قد يكون من أولئك الطامعين في الدنيا.
ووقف الإمام خطيباً في أصحابه فقال:
الحمد لله الذي من علينا بالبصيرة وجعل لنا قلوباً عاقلة وأسماعاً واعية .. وقد أفلح من جعل الخير شعاره .. والحق دثاره .. وصلى الله على خير خلقه الذي جاء بالصدق من عند ربه وصدق به الصادق محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. وعلى الطاهرين من عترته وأسرته .. والمنتجبين من أهل بيته وأهل ولايته.
أيها الناس العجل العجل .. قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل .. فوراءكم طالب لا يفوته هارب .. إلا هارب هرب منه إليه .. ففروا إلى الله بطاعته .. واستجيروا بثوابه من عقابه .. فقد أسمعكم وبصَّركم ودعاكم إليه وأنذركم .. وأنتم اليوم حجة على من بعدكم .. إن الله تعالى يقول: {لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[التوبة:122] .. {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}[الأنفال:21] .. {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا من بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[آل عمران:105].
عباد الله إنا ندعوكم إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله .. إن الله دمَّر قوماً اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.
عباد الله كأن الدنيا إذا انقطعت وتقضت لم تكن .. وكأن ما هو كائن قد نزل .. وكأن ما هو زائل عنا قد رحل .. فسارعوا في الخير .. واكتسبوا المعروف تكونوا من الله بسبيل. فإنه من سارع في الشر واكتسب المنكر فإنه ليس من الله في شيء.
أنا اليوم أتكلم وتسمعون ولا تبصرون .. وغداً بين أظهركم جثة هامدة فتندمون .. ولكن الله ينصرني إذا ردني إليه .. وهو الحاكم بيننا وبين قومنا بالحق .. فمن سمع دعوتنا هذه الجامعة غير المفرقة العادلة غير الجائرة .. فأجاب دعوتنا وأناب إلى سبيلنا .. وجاهد بنفسه نفسه ومن يليه من أهل الباطل ودعائم النفاق فله ما لنا وعليه ما علينا .. ومن رد علينا دعوتنا وأبى إجابتنا واختار الدنيا الزائلة الآفلة على الآخرة الباقية .. فالله من أولئك بريء .. وهو يحكم بيننا وبينهم.
إذا لقيتم القوم فادعوهم إلى أمركم .. فلئن يستجيب لكم رجل واحد خير لكم مما طلعت عليه الشمس من ذهب وفضة .. وعليكم بسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالبصرة والشام .. لا تتبعوا مدبراً.. ولا تجهزوا على جريح.. ولا تفتحوا باباً مغلقاً.. والله على ما أقول وكيل.
عباد الله .. لا تقاتلوا عدوكم على الشك فتضلوا عن سبيل الله .. ولكن البصيرة ثم القتال .. فإن الله يجازي عن اليقين أفضل جزاء يجزي به على حق إنه من قتل نفساً يشك في ضلالتها كمن قتل نفساً بغير حق .. عباد الله .. البصيرة البصيرة.
فقام أبو الجارود وقال:
- يا ابن رسول الله فدتك نفسي أيبذل الرجل نفسه على غير بصيرة؟!
الإمام: نعم يا أبا الجارود إن أكثر من ترى عَشِقت نفوسهم الدنيا .. فالطمع أرداهم إلا القليل الذين لا تخطر على قلوبهم الدنيا ولا لها يسعون فأولئك مني وأنا منهم.
وبات الإمام مع أصحابه في تلك الليلة بين راكع، وساجد، وقارئ للقرآن، ومتجهز يتجهز للجهاد.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|