الفصل الرابع
عاد الحسين بن علي إلى المدينة وسدد بعض ديونه، وجعل يتلمس أخبار من نجا من أخواله وبني عمه ممن خرجوا مع محمد بن عبد الله النفس الزكية وأخيه إبراهيم بن عبد الله، وحاول أن يلم شعثهم، وسهل مهمته هذه أن المرض عاجل أبا جعفر المنصور، فمات في عام 158هجرية.
وتولى الأمر بعده ولده محمد بن عبد الله الملقب بالمهدي..
فحاول أن يرد عليهم عطاءهم حتى يؤمن خائفهم ويظهر متخفيهم.
فكتب الأمان لعيسى بن زيد ولجميع أهل البيت.
فرجع يحيى وإدريس إلى المدينة، وظهر الحسن بن محمد بن عبد الله الذي كان لا يزال في مقتبل العمر.
وبظهور هؤلاء خف الحمل على الحسين بن علي.
ولكن الديون كانت قد أثقلت ظهره واشتد حياؤه من أهلها.
***
وبينما الحسين بن علي يعاني من ظروفه الصعبة أقبلت الرسل من العراق ووصلت الأخبار أن علي بن العباس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب قد حاول الثورة في العراق فأسره جنود المهدي قبل أن يحقق شيئاً.
فجعل أهل البيت يصرون على الحسين بن علي أن يذهب إلى المهدي ليشفع في علي بن العباس.
فخرج الحسين من المدينة متوجهاً إلى العراق، فأقبل عليه التجار يقولون له:
- يا حسين أتخرج إلى العراق قبل أن تقضي ما عليك من ديون، فمن يضمن لنا عودتك؟
الحسين: إذاً فالحقوني إلى باب المهدي.
فلما وصل إلى المهدي أقبل إلى باب قصره راكباً على جمل.
الحارس: من الرجل وماذا تريد؟
الحسين: أبلغ مولاك أن الحسين بن علي على باب قصره.
دخل الحارس على المهدي.
الحارس: يا مولاي، إن ابن عمك الحسين بن علي بن الحسن على باب القصر لم يترجل عن رحله.
المهدي: أدخله على رحله؟ وَهَبَّ المهدي إلى ساحة القصر ليستقبله.
فلما أناخ البعير وثب إليه المهدي فسلم عليه وعانقه وأجلسه إلى جنبه.
المهدي: كيف خلفت الأهل في المدينة يا ابن العم.
الحسين: بخير يا ابن العم لا يعكر صفوهم إلا سجن علي بن العباس.
المهدي: هو هبة لك نخرجه من السجن متى شئت، ولكن ما الذي جاء بك إلينا؟
الحسين: ما جئت وورائي من يعطيني درهماً.
المهدي: أفلا كتبت إلينا.
الحسين: أحببت أن أحدث بك عهداً.
فدعى المهدي بعشر بدر من ذهب ومثلها من فضة، وعشرة تخوت من الثياب ودفعها إلى الحسين بن علي.
فخرج الحسين ووضعها في دار في بغداد، فأقبل عليه أهل الدين، فجعل يسأل كل واحد منهم: ما عندنا لك من الدين؟.. فيقول: كذا .. فيعطيه ما قال .
ثم يدخل يده في كيس الدنانير ويخرج ملء يده ويقول:
- وهذه صلة لك.
وهكذا حتى لم يبق من المال إلا الشيء اليسير.
***
وبعد أن خرج الحسين من عند الخليفة المسمى بالمهدي، أمر المهدي بإحضار سم بطيء التأثير وأمر بأن يدس في طعام علي بن العباس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، بحيث لا يؤثر فيه إلا وقد صار إلى أهله فيكون لهم عبرة.
فأقبل الحسين على حرس السجن وطلب منهم أن يخرجوا إليه علي بن العباس فعانقه واصطحبه معه.. وتوجه به نحو المدينة.
فلما بلغ الكوفة ونزل في خان .. أقبل بعض من رآه عند المهدي إلى صاحب الخان، وقال له:
- يا رجل، هذا رجل من ولد رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم.
فأسرع الرجل وأخذ سمكاً فشواه وأخذ معه رقائق وقدمه إلى الحسين ورفاقه..
صاحب الخان: لم أعرفك يا ابن رسول الله.
التفت الحسين بن علي إلى غلامه قائلاً:
- كم بقي من المال يا هذا؟
الغلام: شيء يسير يا مولاي والطريق بعيد.
الحسين: إذاً فادفعه إلى هذا.
فدفعه إلى صاحب الخان .. ثم بحث الحسين عمن يعطيه مصاريف الطريق ديناً.
وواصل الحسين سفره ومعه ابن عمه علي بن العباس، فلما وصل المدينة كان تأثير السم قد ظهر على جسد علي بن العباس، فلم يمر اليوم الثالث من وصولهم إلى المدينة إلا وقد تفحم لونه وبدأ لحمه في التساقط.
أدرك الحسين أن الخليفة المسمى بالمهدي قد وضع لعلي بن العباس السم، فجعل يحذر ذلك على نفسه وأهل بيته، فلعل أبو جعفر قتل أهل البيت علناً ومجاهرة فمقته الناس، فأراد المهدي أن يحسن إليهم في الظاهر ويقتلهم دون أن يشعر أحد بالجريمة فيسوء ذكره وتسخط عليه العامة.
فقد منع الولاة من التعرض لهم، وأرسل الجواسيس بينهم يحصون عليهم أنفاسهم وينقلون إليه أخبارهم، فيقتل منهم كل من يخاف خروجه عليه.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|