الفصل الثالث
كانت المأساة تأبى أن تفارق تلك البيوت، فقد غابت الأفراح عنها وخلت الديار إلا من النساء أو فتية صغار بعضهم لم يبلغ سن الرشد وأما الرجال فهم بين قتيل مضرجٍ بالدماء أو سجينٍ لا يعرف أحيّ هو أم ميت؟ ومشرد يمسي في بلد ويصبح في آخر يرجو النجاة بدينه وبدنه.
وبقيت زينب بنت عبد الله تتجرع كؤوس الحزن ألواناً بين شوق إلى الغائبين، وحزناً وكمداً على المقتولين، وخوفاً أن يخُطف منها وحيدها.
فذهبت محاسنها ولبست المسوح على جلدها.
وهلَّ هلال ذي الحجة وبدأت قوافل الحجيج تدفقها على الديار المقدسة.
وأقبلت قوافل العراق ..
وجعلت زينب تأمر ولدها أن يتلمس الأخبار عن أهلها وزوجها، فعاد يحمل إليها أخبار العراق.
الحسين: أماه لقد قتل هذا الفاسق -أبو جعفر -لعنه الله- أبي وجدي وجميع أخوالي، وقتل خالي إبراهيم في المعركة( ).
زينب: رحمة الله عليهم، لكن احذر يا ولدي أن يسمعك أحد وأنت تسب هذا الرجل فيصيبك منه ما تكره، بل اصبر واحتسب فإلى الله نشكو مصابنا.
وانطوت على نفسها تبكي وتبث شكواها إلى الله وحده، حتى انتحل منها الجسد وعاجلها المرض وهي تردد: يا فاطر السموات والأرض، يا عالم الغيب والشهادة، الحاكم بين عباده، احكم بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الحاكمين.
***
جعل الحسين بن علي يرتقي في مراتبه العلمية يوماً بعد يوم، ولم يبلغ من العمر الخامسة والعشرين إلا وقد صار يشار إليه بالبنان في العلم والكرم والشهامة والنُّبل.
وبذل الحسين بن علي كل جهده في سبيل تحصيل العلوم، وإعالة أمه زينب وأخته فاطمة، ورعاية أخيه من أبيه الحسن بن علي الذي كان كفيف البصر..
ولكن مهام الحسين بن علي لم تنحصر عند هذا فقط، فقد اضطره الحال إلى إعالة معظم أسر بني هاشم ممن فقدوا رجالهم أو غاب عنهم من يعيلهم .. فهم ما بين قتيل أو متخفٍ أو مسجون.
أخذ الحسين يوزع أمواله التي ورثها عن أبيه على أهل بيته وينفقها يميناً وشمالاً، فلا يكاد يرد فقيراً ولا مسكيناً ولا صاحب حاجة.
كان يعطي بيد سخية فلو أصبح وفي يديه أموال أهل الدنيا لأمسى ويديه خالية .
ولما اشتهر كرمه قصده أصحاب الحاجات من كل بلاد .. واجتمع بعض أهل بيته وأصدقائه فقال أحدهم:
- هلا ذهبنا إلى الحسين لعلنا ننهاه عن هذا الإنفاق، فإني أخاف أن يفني ماله ويغرق نفسه في الديون.
وعلى الفور وافقه الجميع على ذلك.
فلما دخلوا على الحسين قام إليهم فأحسن استقبالهم وبالغ في إكرامهم.
فتكلم أحدهم قائلاً: ياسيدي، لقد أجمع أمرنا أن نأتيك ناصحين ومحذرين من بعض ما أنت فيه من العطاء، فإنا نخاف أن تفني أموالك وتغرق نفسك في الدين.
الحسين: والله يا أصحابي إني أخاف أن لا يكون لي في ذلك أجر.
قالوا: وكيف ذلك وأنت أسخى العرب والعجم؟
الحسين: إن الله يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ووالله ما هذه الأموال التي أنفقها وهذه الحصاة إلا بمنزلة واحدة.
فبهت الحاضرون، وعادوا وقد يبئسوا أن يجدوا حيلة لإقناعه بها عن التخلي عما هو فيه.
واستمر في عطائه وكرمه حتى كاد أن يفني جميع أمواله التي كانت له في الحجاز.
***
وذات يوم دخل عليه أحدهم سائلاً، فلم يجد ما يعطيه فأطرق برأسه مفكراً، ثم قال للسائل:
- اجلس هناك -وأشار إلى مكان في ناحية المجلس- فإن أخي الحسن يأتي ليُسلِّمَ عليّ فإذا أقبل إلي فخذ حماره واذهب.
فأقبل الحسن بن علي -وكان كفيفاً- وجلس إلى أخيه الحسين، فأشار الحسين بإصبعه إلى السائل لأخذ الحمار.
فأقبل السائل يريد الحمار، ولكن غلام الحسن منعه من أخذه.
فأشار إليه الحسين أن يعطيه.
فبقي الحسن ما شاء الله أن يبقى، ثم ودع أخاه وقام من مجلسه.
الحسن: يا غلام عليّ بالحمار.
الغلام: لم يبق لنا حمار يا سيدي.
الحسن: أين ذهب الحمار؟
الغلام: لقد أمرني أخوك مولاي الحسين بأن أعطيه للرجل الذي كان عنده حال دخولنا.
التفت الحسن إلى أخيه قائلاً: أعرت؟ أم وهبت؟
ولكنه قبل أن يسمع الإجابة تمتم بكلمات هي خلاصة تجربته مع أخيه: والله ما مثلك يعير، نعم ما مثلك يعير.
ثم كرر الحسن وداع أخيه وصاح بغلامه:
يا غلام، خذ بيدي لنذهب مشياً، فأما الحمار فقد وُهب.
***
وفي يوم آخر دخل عليه سائل آخر فلم يجد ما يعطيه، وكره أن يرجع السائل من عنده بلا شيء، فنادى على أهل داره.
الحسين: يا أهل الدار، يا آل محمد، أخرجوا ما عندي من الغسيل.
فجعل أهل الدار يخرجون ثيابه فلما اجتمعت أَمَر المسكين أن يأخذها ويذهب بها صدقة عليه.
***
اشتهر الحسين بن علي، وعرف الناس فضله ومقامه، ووصلت أخباره إلى الخليفة العباسي..
فقد دخل وزير الخليفة الربيع بن يونس على الخليفة أبي جعفر المنصور.
الربيع: يا مولاي .. قد بلغني من كرم الحسين بن علي ما أذهلني، فقد بلغني أنه أنفق من الأموال ما لا ينفق حتى الخليفة مثله، وأخاف أن يتقرب إلى قلوب الناس بذلك، ثم يشق علينا العصا.
أبو جعفر: أعلم ذلك ولكني لن أمكنه من ذلك ما حييت.
الربيع: كيف ستصنع يا مولاي هل تجرده من ماله؟
أبو جعفر: ليس لديه الكثير من الأموال، إنما تأتيه من شيعة أهل البيت في بقية الأمصار..
الربيع: هل تسجنه كما سجنت أهل بيته من قبل؟
أبو جعفر: لا.. لا.. بل أحقره وأهل بيته بين الناس، وأنزلهم منزلة العبيد، فأجعل من يستعرضهم صباحاً ومساءً كما يستعرض الرقيق، فأمنعهم من الخروج من المدينة، ويتهيب الآخرون من بقية مواليهم من لقائهم مخافة أن ينزل به غضبي، وبهذا أكفى شرهم ..
جعل أبو جعفر المنصور يضيق على أهل البيت عليهم السلام ويمنعهم من الخروج من المدينة إلا بإذن واليه على المدينة وعلمه، وأصدر أمره إلى والي المدينة بأن يستعرضهم كل صباح، ويأخذ بعضهم بكفالة بعض، فمن غاب عن العرض سجن كفيله حتى يعود.
بل وجعل يضيق الخناق على كل من يتصل بهم أو يواصلهم من الشيعة في سائر الأمصار.
فضاقت عليهم أرزاقهم وصاروا أقرب شيء إلى السجناء، وزاد السفهاء ومن لا يعرف لهم قدرهم في الإساءة إليهم والتمادي في أخذ حقهم والاعتداء عليهم.
***
وكان الحسين بن علي يدرك أن ذلك الوضع قد فاق كل ما يحتمل.
فجعل يحاول أن يسد حاجة أهل بيت النبوة ومواليهم من خالص ماله، حتى غرق في الديون.
ولقد نادى يوماً على أحد أصدقائه زيسمى الحسن بن هذيل.
الحسين: يا حسن هلا استدنت لي أربعة ألاف درهم؟
الحسن بن هذيل: حباً وكرامة يا سيدي أمهلني حتى الغد.
وجعل الحسن بن هذيل يبحث عن رجل يستدين منه للحسين ولكن الكثير من التجار كان يعتذر عندما يعلم بأن المال للحسين بن علي مخافة أن يعلم الوالي وأن لا يستطيع الحسين رد المال لما هو فيه من الضيق.
إلا أن البعض ممن عُرف بحب آل البيت سارع إلى الإجابة لطلب الحسين.
التاجر: يا حسن، هذه ألفان وعد إليّ في الغد أعطيك الباقي.
دخل الحسن بن هذيل على الحسين وهو يصلي، فوضعهما تحت سجاد من حصير، وذهب فلما أكمل الحسين صلاته أخذ المال وخرج لبعض حاجته.
وبينما هو يمشي في الطريق جعل رجل من أهل المدينة يتبعه، فلما أحس به الحسين التفت إليه.
الحسين: ألك حاجة؟
الرجل المدني: لا ولكني أحببت أن أصل جناحك.
الحسين: إذاً فخذ هذه واعذرني أيها الرجل.. وأعطاه الألفين.
فلما كان الغد أقبل الحسن بن هذيل والحسين في مصلاه يصلي، فأراد أن يضع الألفين عند ألفي الأمس ولكنه لم يجد لها أثراً، فجلس ينتظر الحسين. فلما فرغ من صلاته جعل يكلمه.
الحسن بن هذيل: يا مولاي أين ذهبت الدراهم التي سلمتها لك بالأمس؟
الحسين بن علي: لا تسألني عنها.
الحسن بن هذيل: والله لا أذهب حتى أعلم.
الحسين بن علي: لقد تبعني بالأمس رجل مدني فأعطيته الألفين.
الحسن بن هذيل: إذاً خذ هذه الدراهم ...
وسلم إليه الدراهم ثم تركه وانصرف.
فلما أخذ الحسين المال اصطحب خادمه أبا حمزة إلى السوق، فاشترى ردائين أحدهما للخادم والآخر له وذهبا إلى المسجد.
فإذا برجل أشعث أغبر قد أزرى الفقر ملامحه ينادي عليه: يا ابن رسول الله مسكين لا يجد ما يستر عورته اعطني مما عندك.
فلم يجد الحسين ما يعطيه ولكنه التفت إلى أبي حمزة.
الحسين: يا أبا حمزة أعطه رداءك.
أبو حمزة: وأمشي بغير رداء؟
الحسين: اعطه الرداء وأنا أعوضك عنه ويكون لك أجر صدقتك.
فلم يزل بأبى حمزة حتى خلع الرداء وأعطاه للسائل، ثم أخذ الحسين بيد السائل إلى داره وخلع رداءه وأعطاه له.
وذهب السائل مسروراً قرير العين.
فجعل أبو حمزة يتبعه في الطريق حتى صار السائل في مكان منعزل عن الحسين.
فقال له أبو حمزة: أتبيعني الرداءين؟
السائل: بدينارين؟
فأعطاه الدينارين وأخذ منه الرداءين .. وعاد إلى الحسين فأخبره الخبر وأعطاه رداءه فجعل الحسين يبحث عَمَّنْ يرسله للبحث عن السائل ليرد عليه الرداءين.
فالتفت إليه أبو حمزة قائلاً: امرأتي طالق إن رددتهما عليه أو دعوته.
فلما حلف أبو حمزة تركه الحسين ولم يرسل في طلب السائل.
***
وبعد فترة اشتد الحال بأهل البيت فقرر الحسين أن يذهب إلى العراق ليبيع ضيعة كان قد ورثها عن أبيه ليسد دينه وينفق على أهل بيته ويواسي الفقراء الذين يزداد عددهم يوماً بعد يوم.
فالثراء الفاحش وموارد الأمة صارت تُصَب في طبقات الحاشية والوزراء والأمراء ومن يوالي السلطة، بينما عامة المسلمين في فقر شديد .. واصطحب الحسن بن هذيل في سفره، فلما بلغ العراق، أمر الحسن بن هذيل أن يبيع الضيعة، فباعها بتسعة آلاف دينار.
الحسين: إذاً فهيا لنخرج من العراق.
الحسن: نبيت هذه الليلة ونسافر في الصباح.
الحسين: فهيا بنا إلى الخان، فأقبل الحسين فبسط لهما على باب الخان.
فلما استقر بهما المكان .. أقبل رجل يحمل سلة فتوجه إلى الحسين بن علي وقد توسم في الحسين الخير.
الرجل: مُرْ غلامك أن يأخذ مني هذه السلة.
الحسين: ومن أنت؟
الرجل: أنا أصنع الطعام الطيب فإذا نزل القرية رجل من أهل المروءة أهديته إليه.
الحسين: يا حسن بن هذيل .. خذ السلة منه..
ثم التفت إلى صاحب السلة قائلاً: عد إلينا لتأخذ سلتك.
فلما انصرف صاحب السلة أقبل رجل عليه ثياب رثة..
فالتفت الحسين إلى الحسن بن هذيل قائلاً:
- ادفع إليه السلة.
ثم التفت إلى السائل قائلاً: خذ ما فيها ورد الإناء.
ولما انصرف السائل التفت الحسين إلى الحسن بن هذيل وقال له:
- يا حسن .. إذا رد السائل السلة فادفع إليه خمسين ديناراً، وإذا جاء صاحب السلة، فادفع إليه مائة دينار.
فجعل الحسن ينظر إلى الحسين بن علي في إشفاق وحزن قائلاً:
- يا مولاي جعلت فداك بعت مالاً لك لتقضي ديناً عليك، فسألك سائل فأعطيته طعاماً هو مقنع له، فلم ترض حتى امرت له بخمسين ديناراً، وجاءك رجل بطعام لعله يقدر فيه ديناراً أو دينارين فأمرت له بمائة دينار؟!!
فالفت الحسين بن علي إلى الحسن بن هذيل قائلاً:
- اسمع يا حسن، إن لنا رباً يعرف الحسنات.
إذا أتاك السائل فاعطه مائة دينار، وإذا أتاك صاحب السلة فاعطه مائتي دينار.
والذي نفسي بيده إني أخاف أن لا يقبل مني؛ ووالله ما الذهب والفضة والتراب عندي إلاّ بمنزلة واحدة.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|