الفصل الثاني
كان الحسين كثير التعلق بخاليه محمد وإبراهيم.
فكان يكثر الذهاب إليهما والمجالسة لهما...
وفجأة افتقدهم فلم يعد يراهم.
الحسين: أمي .. أمي.
زينب: لبيك .. لبيك يا حسين ماذا بك؟
الحسين: يا أمي أين خالي محمد وخالي إبراهيم، لقد بحثت عنهما فلم أجدهما؟!
إلتفتت زينب إلى زوجها وقد أغرورقت عيناها بالدموع، وقبل أن تنطق أسرع زوجها ليحمل ولده الحسين حتى لا يرى وجه أمه، وهو يقول له: سيعودان قريباً، سيعودان قريباً إن شاء الله.
كان محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم قد اختفيا عن الأنظار خوفاً من الخليفة العباسي المسمى بالسفاح، حيث كان السفاح قد بايع محمد بن عبد الله بالخلافة قبل قيام الدولة العباسية، وكان من المفترض أن تسلم الخلافة إلى محمد بن عبدالله، ولكن الأهواء وحب السلطان قلبت الموازين.
فبدلاً من أن تسلم الخلافة إلى أهل البيت بادر أولاد العباس في أخذها.
وفجأة وبين عشية وضحاها أصبح الصديق المناصر خصماً عنيداً يتتبع خطى صديقه الماضي ليفتك به..
وفي عام 136هـ أقبل أبو جعفر المنصور إلى المدينة أميراً لموسم الحج قبل وفاة أخيه أبي العباس السفاح.
وعند دخوله المدينة .. كان الوالي عليها زياد بن عبد الله الحارثي.
أبو جعفر: ماذا فعلت يا زياد؟ هل ظفرت بمحمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن؟
زياد: يا مولاي .. ما تركنا طريقاً تُوصِّلْنا إليهما إلا وسلكناها ولكنه لا يكاد يعرف لهما أثر.
أبو جعفر: أيعقل أنهما لم يدخلا المدينة لمدة أربع سنوات؟ لا .. لا .. إنما ذلك تهاون منكم. ابعث إلى والدهما وائتني به اللحظة، لا بد أنه يعلم أين هما؟
وما هي إلا ساعات حتى دخل المجلس شيخٌ ذو هيبة ووقار، قد بدت عليه معالم الشيخوخة .. كان ذلك الشيخ هو شيخ بني هاشم عبد الله بن الحسن.
أبو جعفر: اسمع يا عبد الله، لقد طال تخفّي ولديك واستتارهما، وإني أعلم أنهما يضمران لنا الشر، فأتني بهما في الحال أو دلني على المكان الذي تخفيهما فيه .. وإلا والله لأفصلن رأسك عن جسدك فقد نفد صبري منك ومن ولديك.
عبد الله بن الحسن: ليس لي من سلطان عليهما، ولا أعرف لهما مكاناً فاصنع ما بدا لك.
أبو جعفر: إذاً أضرب عنقك.
وفي هذه اللحظات تدخل والي المدينة..
زياد: يا مولاي اترك عبد الله إنه شيخ كبير وأنا أتعهد لك بالبحث عنهما.
أبو جعفر: كيف .. ونحن نبحث عنهما منذ أربع سنوات؟
فلما انصرف عبد الله قال زياد لأبي جعفر:
- أرى يا مولاي أن تفصل إمارة المدينة عن مكة فيقوم كل أمير بالبحث في إمارته فيضيق عليهما الخناق.
أبو جعفر: لا بأس بهذا الرأي، ولكن اسجنهم هنا في المدينة ولا تترك عبد الله بن الحسن وأولاده يقابلون الناس، فإني أخاف أن يؤلبوهم علينا .. وحذارِ أن يتصل بهم أحد .. أريد أن يضطر محمد وأخوه إلى الظهور.
***
وبعد هلاك أبو العباس السفاح آلت الخلافة إلى أبي جعفر المنصور، فجعل كل همه هو الوصول إلى محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم بن عبد الله.
وفي عام 144هـ قدم إلى المدينة لأداء الحج. وقبل أن يدخل إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر بإحضار المساجين من أهل البيت (ع).
فلما وصلوا إليه أغلظ لهم القول، وأمر بإنفاذهم إلى الكوفة على إبل بدون غطاء، وجعلهم في سجن ابن هبيرة - وهو سرداب مظلم تحت الأرض.
وفي داخل ديار بني هاشم في المدينة وقفت زينب بنت عبد الله بن الحسن تنظر إلى ولدها الحسين وأخته فاطمة والدموع تجري على خديها.
فبين لحظة وأخرى خلت الديار من الأحباب، فقد أُخذ زوجها وأبوها وعمها، وجميع إخوانها، ولم يبق لها في ديار المدينة من أحد سوى وليدها الحسين بن علي.
لقد كانت ترى فيه عبادة أبيه وشجاعة أخواله، كلما نظرت إليه سالت دموعها بغزارة وازداد حزنها، مما جعل نساء المدينة والمحبين لأهل البيت يحاولون أن يخففوا عنها بعض آلامها.
فمنهم من يفتح لها أبواب الأمل ويمنيها بعودتهم، ومنهم من يدعو على من ظلمهم، ومنهم من يشكو جور أبي جعفر المنصور ويتوعد بقتله.
ولكنها كانت قد لاذت بالصمت فلسانها لا ينطق إلا بالذكر والإسترجاع.
دخل عليها ولدها الحسين، فجعل يقول لها: لا تحزني يا أماه، فغداً يخرج خالي محمد فينصره الله على هؤلاء، ويفك أسر أبي وأخوالي إن شاء الله .
***
كان الحسين بن علي قد بلغ سن السادسة عشرة من عمره، وأصبح فتى يافعاً يفهم كل ما يدور من حوله، ويدرك تلك المأساة التي تنزل بأهل البيت (ع).
وفي رجب عام 145هـ وقبيل فجر إحدى الليالي كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضيق بمن فيه. فقد دخل محمد بن عبد الله بن الحسن المسجد مع أصحابه، فلما طلع الفجر ارتفع صوت المؤذن ((الله أكبر .. الله أكبر .. حي على الصلاة .. حي على خير العمل)) وصلى الناس، وصعد محمد بن عبد الله المنبر فخطب الناس ودعاهم إلى نفسه وازدحمت المدينة بالأنصار والموالين.
واستبشر أهل الصلاح بظهوره خيراً وبادر إليه العلماء والفضلاء، وأقبل الحسين بن علي إلى خاله محمد بن عبد الله ليخرج معه وينصره، ويسير في ركبه ليلتحق بقافلة المجاهدين في سبيل الله.
وكان لزينب بنت عبد الله في ظهور محمد بن عبد الله تخفيفاً لبعض آلامها وعزاءً فيمن غاب من أهلها.
لقد طال فراقها لأخيها محمد بن عبد الله فسرت بلقائه، ولكن ذلك لا ينسيها فراق أبيها وعمها وزوجها وما تشعر به من الخطر المحدق بهم.
وعلم أبو جعفر المنصور في العراق بما حدث في المدينة.
فجهز الجيوش نحو المدينة، وحوصرت المدينة بعد أن أمر محمد بن عبد الله النفس الزكية بحفر الخندق حول المدينة قبل وصول جيش الشام، وعاش الناس أيام شهر رمضان في دفاعٍ عن المدينة المنورة.
وبعد أيام من الحصار اقتحم الجيش العباسي الخندق المحيط بالمدينة وقاتل محمد بن عبد الله مع أصحابه قتالاً شديداً حتى اقترب موعد النصر...
وكانت هناك عين امرأة ماكرة ترقب ما يحدث، فلما رأت الدوائر تدور على الجيش العباسي، أمرت خادمها أن يحمل قماشاً أسود على منارة خلف جيش محمد بن عبد الله، وكان شعار العباسيين راية سوداء، وأمرت من ينادي في الجيش: أتتكم المسودة من خلفكم.
فالتفت أتباع محمد بن عبد الله خلفهم فرأوا تلك الراية السوداء، فظنوا أن العدو قد أخذهم من خلفهم، فتفرقوا عنه يميناً وشمالاً، فلما رآهم نادى عليهم: يا قوم الجنة أمامكم والنار خلفكم لكن القوم لم يلتفتوا إليه.
فرفع يديه إلى السماء وهو يدعو ويقول: اللهم إنهم عجزوا عن احتمال أمرك والجهاد مع ولد نبيك فاجعلهم في حل من بيعتي .
ثم توجه إلى دار أخته زينب .. وهناك اغتسل وتطهر ثم جلس إلى جوار أخته وقال لها:
- يا أختاه .. أسأل الله أن يخلفني عليكم بالخير، إذا زالت الشمس وأمطرت السماء فاعرفي أني مقتول...
ثم سلم إليها جملة من الرسائل وأوصاها بأنه متى زالت الشمس أن تحرقها...
ضجت زينب بالبكاء والتفتت إلى أخيها محمد تودعه وولدها إلى جوارها يواسيها.
فلما أراد محمد بن عبد الله الخروج من الدار، ترك الحسين بن علي أمه وتوجه ليلحق بخاله ليكمل جهاده بين يديه فالتفت إليه محمد بن عبد الله قائلاً:
- ارجع يا بني لعلك تقوم بهذا الأمر من بعدي.
***
رجع الحسين إلى الدار وبقي إلى جوار أمه يواسيها ويعزيها، ولم تكد شمس ذلك اليوم لتغيب حتى اكفهرت السماء واشتدت ظلمتها وعلا صوت رعدها، وأمطرت سماء المدينة وهنا علمت الأخت الصابرة أن أخاها قد فارق الحياة.
ولكن أين البقية؟أين يحيى؟ وأين إدريس؟ وأين سليمان؟
هل قتلوا أم أنهم لا يزالون أحياء يحتاجون إلى طبيب يضمد جراحهم؟
كل هذه الأفكار كانت تضطرب كأمواج البحر الهائج...
والتفتت زينب إلى ولدها ووحيدها وقالت له:
- اذهب يا ولدي وتلمس أخبار أخوالك، فإني أرجو أن يكون منهم من لا زال على قيد الحياة.
وتحت جناح الليل المظلم جعل الحسين يبحث في أوساط القتلى عن أخواله، فلم يجد إلا خاله محمداً وقد فُصل الرأس عن الجسد.
وجعل يتلمس الأخبار حتى علم أن إدريس ويحيى لا زالا أحياء.
فعاد إلى أمه وقال لها:
- أماه أبشرك خالي يحيى وإدريس أحياء.
زينب: بشرك الله بالخير يا ولدي وما خبر محمد؟
أحنى الحسين رأسه وسالت دموعه .. وقال: عظَّم الله أجرك فيه، وأحسن عزاءك.
أخذت زينب نفساً طويلاً ثم قالت: الله أعلم ما أخبار إبراهيم في العراق وما أخبار السجناء؟
| توقيع : أبوحيدر.... |
|