الفصل الثامن
سارع الوزير إلى إرتداء ملابسه واعد نفسه للدخول على الخليفة .. ثم أقبل على مجلس هشام بعد أن أخبره الحرس أنه قد دخل إلى مجلسه وقبل أن ينظر إلى كرسي الخليفة رفع صوته بالسلام والدعاء للخليفة ورأسه منحنٍ إلى صدره .. وتردد صدى صوته في المجلس ولم يسمع جواباً ورفع رأسه فإذا كرسي الخلافة فارغاّ.
فجعل يتلفت يميناً وشمالاً باحثاً عن الخليفة .. فإذا الخليفة قد جلس على كرسي في إحدى زوايا المجلس وقد وضع رأسه بين يديه واستغرق في تفكير عميق ولكن ملامح وجهه كانت تنبئ عن غضب عارم وحيرة جعلته يبدو مشتت الذهن.
وأمام هذا المنظر وقف الوزير كعمود الرخام لا ينبس بكلمة .. يكظم أنفاسه مخافة أن يتفجر غضب الخليفة فيكون أول من يصتطدم به .. وجعل يقول في نفسه: لا شك أن لزيد في الأمر يد فما اعتدت أن أرى الخليفة على هذا الحال إلا إذا كان الأمر يتعلق بزيد بن علي.
وبدأ يسبح في تفكير عميق يستعرض فيه أمر زيد والخطط التي حاكها للقضاء عليه وإسقاطه من أعين
الناس ...
وفي أعماق ذلك الصمت القاتل انطلق صوت أشبه بانفجار البراكين ليمزق ذلك الصمت ويحيله إلى حقد أسود انبعث من أعماق التاريخ من أحشاء أبي سفيان ومعاوية ومروان بن الحكم .. حين قال هشام:
- سأمزقه .. سأحتز رأسه .. وسأجعله عبرة لمن اعتبر.. ومضرب مثل لكل من أراد أن يقف في وجه بني أمية ..
وحينها توصل الوزير إلى فكرة لمعت لها عيناه فبادر قائلاً: هدئ من روعك يا مولاي فما مثل زيد من يعكر عليك صفوك فما هو إلا واحد من رعيتك بيدك حياته وموته.
هشام: كيف أُهدئ من روعي أيها الأحمق وقد أحال حتى السجن إلى مسجد للعبادة وحلقة للدرس وجعل من السجناء والحرس تلامذة له.
الوزير: لقد خطرت برأسي فكرة يا مولاي .. عسى أن يكون فيها خلاصنا منه بطريقة لا تثير علينا الرعية.
هشام: قل .. ما هي أيها الوزير؟
الوزير: إن زيداً يا مولاي يكمن خطره في جلوسه إلى الناس وأرى يا مولاي أن نشغله بأمر نفسه حتى لا يتمكن من الجلوس إليهم.
هشام: كيف ذلك؟ أوضح أيها الوزير.!
الوزير: أرى يا مولاي أن ترسل إلى يوسف بن عمر والي العراق .. فتجعله يخرج خالد القسري من سجنه ويعده إن ادعى على زيد بن علي ديْناً أخرجه من سجنه .. ثم تستدعي زيداً فترسله إلى يوسف بن عمر مع شخص لا يمكنه من الجلوس مع الناس أو الإلتقاء بهم .. فإذا صار إلى يوسف حاسبه على المال ثم يخرجه من العراق إلى المدينة .. فيستمر خالد بن عبد الملك بن الحارث في إيذاء زيد وأهل بيته .. فيعود إليك يشكو خالداً وهكذا لا يستقر به الوضع في بلد فتأمن شره.
هشام: ومن الذي يضمن لي رجوعه إلي وقد ساء
مابيني وبينه؟
الوزير: إذا لنت له يا مولاي طمع في إنصافك فعاد إليك.
هشام: علي بالبريد الخاص.
الوزير: ولكني أرى يا مولاي أن تدخل معه في التهمة غيره حتى لا يستشعر زيد ما ندبره له.
هشام: من ترى أيها الوزير؟
الوزير: أرى أن ندخل معه أولئك الفتية الذين صحبهم إلى العراق وآخرين من أقاربكم يا مولاي فيكون الأمر أكثر حنكة.
هشام: لئن نجحت مشورتك هذه المرة لأعطينك ما يسرك .. أكتب ما أمليه عليك..
((من هشام بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر إذا أتاك كتابي هذا فأخرج خالد القسري من سجنه واعطه عهداً إن ادّعى على زيد بن علي ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وداود بن علي بن عبد الله بن العباس وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وأيوب بن سلمة بن عبد الله بن المغيرة المخزومي .. أن تخرجه من سجنه وترد عليه إمارته فإن أجدى معه الترغيب وإلا عليك بالترهيب))
ثم أخذ الرسالة وذيلها بختمه وبعث بها إلى يوسف بن عمر..
ثم أمر هشام بإخراج زيد من السجن إلا أنه منعه من العودة إلى المدينة..
فبقي الإمام زيد أياماً في الرصافة .. وخلال تلك الفترة حضر إليه ابن عمه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب .. وكان يحمل إليه بعض رسائل محملة بالعزاء له في أحد أولاده فكتب مجيباً على من عزاه: ((أما بعد فإنّا أمواتٌ أبناء أمواتٍ آباء أموات فيا عجباً من ميت يعزي ميتاً عن ميت. والسلام)).
***
ولم تمض أيام حتى وصل رسل والي العراق يحملون إلى الخليفة الجواب على رسالته التي بعث بها إليه .. فكان مضمون الجواب: ((إلى مولاي أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك من يوسف بن عمر قد تم لكم ما أردتم .. وهذا خالد يدعي على من ذكرت ديْناً فأرسلهم إليّ أجمع بينهم)).
فأرسل هشام في طلبهم.. فلما دخلوا عليه جعل يلاطف الإمام زيد(ع) على غير عادته.
هشام: أيها القوم وصلتني رسالة من يوسف بن عمر والي العراق بلغني فيها أن خالد القسري يدعي عليكم ديْناً من أيام ولايته على بلاد العراق فماذا تقولون؟
فأنكر جميعهم أن يكون لخالد عندهم شيء ..
هشام: فأنا باعث بكم إليه يجمع بينكم وبينه؟
زيد: أناشدك الله والرحم لا تبعث بنا إلى يوسف.
هشام: وما الذي تخاف من يوسف يا زيد؟
زيد: أخاف أن يتعدى علينا؟
هشام: أكتب إليه فلا يتعدى كتابي فيكم؟..
ثم أمر كاتبه أن يكتب إلى يوسف بن عمر:
((أما بعد: فإذا قدم عليك زيد بن علي وفلان وفلان .. فاجمع بينهم وبين خالد القسري فإن هم أقروا بما ادعى عليهم فأسرع بهم إليّ .. وإن هم أنكروا .. فاسأله البينة .. فإن لم يقمها إستحلفهم بعد صلاة العصر ما استودعهم وديعة ولا له قِبلهم شيء ثم خل سبيلهم)).
الإمام زيد: أخاف أن يتعدى كتابك؟
هشام: كلا فأنا باعث معكم رجلاً من الحرس يأخذه بذلك حتى يفرغ ويعجل ..
فقالوا: جزاك الله خيراً والرحم.
(2)
وفي زنزانة منعزلة .. كان يجلس خالد القسري في ثياب رثة بالية .. قد نحل جسمه وغابت محاسن وجهه .. قد أثقلته القيود وظهرت على جسده آثار السياط وعلامات التعذيب ..
كان خالد منهك القوى شارد الذهن .. فقبل أيام عُرض عليه عرض مغري أعاد إليه الأمل في الخروج من قبضة يوسف بن عمر والعودة إلى منصبه ومكانته في المجتمع ..
كان يقول في نفسه: ماهي إلا مجرد مقابلة مع زيد بن علي ودعوى كاذبة وبعدها مجد وسلطان .. ثم يعود فيحدث نفسه: ولكن كم مرة كنت خادماً مطيعاً لهذا السلطان ممتثلاً لأمره .. أقتل خيار هذه الأمه وأؤذي أتقياءها وبمجرد خطأ واحد صرت رهين سجونه -كان يمر على ذاكرته حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((من أعان ظالماً أغري به))-وهبني اتهمت زيداً من يضمن لي وفاء يوسف بوعده لقد علمَّني الزمان أن الظالمين لا وفاء لهم.
كانت جدران تلك الغرفة القذرة التي أودع فيها خالد تعطيه درساً وتدله على الطريق فإذا لم يحتمل سجناً كهذا .. فكيف يحتمل نار جهنم وهو بلاء تطول مدته ويدوم مقامه ..
وقطع عليه سلسلة أفكاره صوت أحد الجنود كان يتقدم نحو زنزانته بخطىً سريعة ثم فتح الباب ودخل على خالد .. وبصوت آمر متوعد قال له:
- اسمع يا هذا إياك أن تقول غير ما اتفقت مع مولاي عليه .. فوالله لئن سوّلت لك نفسك شيئاً لأذيقنك من العذاب ألواناً ... ولوَّح بسوطه أمام وجه خالد.
خالد: ومتى يجمع بيني وبين زيد وأصحابه؟
الحارس: إنه ينتظرك مع زيد في المجلس .. فقم معي.
كان الحارس يسوق خالداً وخالد لا يكاد يدرك ما يدور حوله لقد جعل يخير نفسه بين الجنة أو النار .. بين طاعة الله وطاعة السلطان .. حتى دخل على يوسف بن عمر وعنده زيد بن علي عليه السلام وبقية أصحابه.
يوسف: اسمع يا خالد إن زيداً ينكر أنك قد أودعت عنده مالاً .. فهل لك بينة على ما ادعيت؟
رفع خالد نظره واستعرض الوجوه التي وقفت أمامه .. فرأى آثار السجود النورانية الإلهية في وجوه القوم .. وآثار الغبرة الشيطانية في وجه يوسف بن عمر ومن حوله فآل على نفسه أن يحسم القضية وينطق بكلمة الحق .. وأخذ قراره الأخير في هذه اللحظة.. فالتفت إلى يوسف بن عمر وقال:
- أتريد أن تجمع مع إثمك إثماً في هذا -وأشار إلى زيد- كيف أُودِعُه مالي وأنا أشتم آبائه على المنبر؟!
كاد يوسف بن عمر أن يخر صعقاً مما سمع فما كان يشك أن خالداً سيجرؤ على مخالفته.
يوسف بن عمر: أتهزأ بي وبأمير المؤمنين أيها الأحمق خذوه وأنزلوا به من التعذيب ما يليق بمثله.
وأنهالت عليه السياط من كل جانب وسحب خالد من المجلس وضرب حتى أوشك على الموت ثم التفت يوسف بن عمر إلى زيد وأصحابه وقال:
- إذا كان عصر هذا اليوم استحلفتكم في المسجد؟
زيد: على أي شيء تستحلفنا وهذا خالد قد أنكر أنه أدعى علينا شيئاً.!
يوسف: أصمت يا زيد ..
ثم التفت إلى قائد شرطته قائلاً:
- خذهم الآن.
جلس زيد مع أصحابه .. وكان شارد الفكر يبحث عن تفسير لما يحدث .. فالإمام زيد كان من الفطنة والذكاء بمرتبة تجعله يدرك أبعاد هذه المؤامرة .. والتفت إليه ابن عمه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قائلاً:
- عجبي يا زيد لكأنك أنت المقصود لوحدك بهذا كله فإنه لم يلتفت إلينا يوسف بن عمر ولا حتى خالد القسري.
وكان لسان حال الإمام زيد يقول: يا ابن العم والله ما أرادوا غيري .. وإني لأعتقد أن كل ما يدور إنما هو أمر مدبر من عند هشام.
داود: ولكن أين ذهب أيوب بن سلمة فمنذ دخلنا العراق ما رأيناه وهو أحد من ادعى عليهم خالد القسري؟!
الإمام زيد: إنما وضعوه معنا يا داود كي يقال إن الخليفة لا يمكن أن يدعي على خاله باطلاً فأيوب بن سلمه من أخوال هشام.
محمد: وما تراه يريد من وراء استحلافنا في المسجد رغم أن خالداً قد كذبه وفضحه وأنكر دعواه.
زيد: إنه يريد أن يقول لأهل العراق هذا زيد وأهل بيته ينهبون الأموال ثم ينجون أنفسهم بالأيمان.
***
وبعد صلاة العصر وقد ازدحم المسجد بالناس تقدم زيد ومن معه فحلفوا ما لخالد عندهم من قليل ولا كثير .. فعلم كل من في العراق من الشيعة بمقدم زيد بن علي عليه السلام. ثم جمع يوسف زيداً ومحمد بن عمر بن علي وقال لهما:
اسمع يا زيد أنت ومحمد لا أريد أن تغرب شمس الغد إلا وقد ارتحلتم.
زيد: أبعد مشقة الرحلة من الشام تريد أن نرحل إلى الحجاز؟ أما ترى ما بنا من التعب والجهد؟
يوسف: هذا أمر أمير المؤمنين هشام وليس أمري.
خرج الإمام زيد مع صاحبه وجعل يتنقل في الكوفة ويلتقي بشيعته وأصدقائه يبحث معهم عن مخرج من هذا الوضع ولكن عيون يوسف وجواسيسه كانوا يرقبون تحركاته .. فجعل يوسف بن عمر يرسل عليه يأمره بالخروج .. والإمام يعتذر إليه ببعض الأشغال وبأشياء يبتاعها وبقي على هذا الحال خمسة أشهر يتخفى في بيوت أتباعه ومواليه يبث العلم والمعرفة ويقرب بين الآراء .. ويعالج آثار الهزيمة والإحساس بالذنب بعد معركة كربلاء .. حتى أرسل يوسف بن عمر معه من الجنود من يخرجه ويراقبه حتى يغادر الكوفة وما حولها فمضوا معه إلى القادسية واطمأنوا على عزمه بالرحيل.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|