الفصل السادس
وفي ذات مساء كان يحيى بن زيد عليهما السلام يحث الخطى متنقلاً بين دور بني هاشم .. فطرق باب جعفر وعبد الله أبناء الحسن بن الحسن، واتجه إلى باب محمد بن عمر بن علي .. ثم إلى دار داود بن علي بن عبد الله بن العباس، وجعل يهمس في أذن كل واحد منهم بكلمات ثم يذهب ومن ثم عاد إلى دار أبيه.
الإمام زيد: ماذا فعلت يا يحيى؟
يحيى: بلغتهم يا أبي والجميع يقبل إليك الساعة.
وما هي إلا لحظات حتى دخل أربعة من بني هاشم إلى منزل الإمام .. والحيرة والتخوف بادية على وجوههم فما كادوا يستقرون في مجالسهم حتى قال جعفر بن الحسن:
- خيراً يا زيد ما الذي دعوتنا له في مثل هذه الساعة من الليل؟
الإمام: خيراً إن شاء الله يا ابن العم .. والله ما دعوتكم إلا لما فيه خير دينكم ودنياكم.
عبد الله بن الحسن: فصّل يا زيد يرحمك الله .. فوالله لن ترى منا إلا ما يسرك إن شاء الله .. فما عهدناك إلا إلى الخير داعياً.
الإمام: يا بني هاشم والله إني لا أعلم أحداً أوفر حظاً من حظكم .. فقد خصكم الله أن تكونوا ذرية نبيه وقرناء كتابه .. وها هو كتاب الله لا يعمل به .. وها هي سنة رسول الله يزاد فيها وينقص .. ونحن في المدينة ليس فينا من يأمر بمعروف وينهى عن منكر .. وقد أتاني بعض من أعرف إخلاصه ودينه من أهل العراق .. يدعوني للخروج إلى العراق والإلتقاء بعلمائها لعل الله يجمع شتاتهم بنا .. وأنا أرى أن نخرج إلى العراق لزيارة قبر أمير المؤمنين علي عليه السلام والحسين بن علي عليه السلام وأصحابهم .. ومحاورة علماء العراقين والإصلاح ما استطعنا .. فماذا تقولون؟
جعفر بن الحسن: حباً وكرامة يا ابن العم .. فامهلنا حتى نعد العدة للسفر فأنت تعلم حالنا.
***
وما هي إلا أيام حتى وصلوا إلى حدود العراق .. فتسابق أهل العلم والفضل إلى استقبالهم والإحتفاء بهم.
وانتقل الخبر إلى خالد القسري في دار الإمارة .. فخرج في موكب مهيب يسارع في خطاه والبشر باد على محياه والسرور يملأ جوانحه .. وأقبل نحو الجامع الأعظم فإذا المسجد قد اكتض بالناس، فالعبّاد، والزهاد، وعلماء الدين، ووجهاء أهل العراق، وعامة الناس .. الكل يريد أن يكون أول مستقبل لذلك الوفد المقبل من مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
إنه وفد فريد من نوعه فمنذ عشرات السنين ومنذ أن حدثت تلك الحادثة المشؤومة في كربلاء وأهل البيت يستوحشون من دخول العراق.
كان المسجد رغم كثرة الناس يسوده هدوء غريب .. فهنا شخص يتكلم .. الكل قد أصغى إليه بكل جوارحه حتى أصبح المتأمل والمنصت لا يسمع من كلام الناس إلا همساً كله إعجاب بذلك الشخص المتكلم .. ولا يكاد السائل يتم كلامه حتى يسمع الإجابة عليها بأبسط عبارة وأبلغ معنى.
وعندما اقترب وفد الأمير تصايح الناس: الأمير .. الأمير ..
طرقت هذه الكلمة مسامع ذلك الوفد المدني فرجوا من الله أن يكون طارق خير ..
وانشقت الصفوف وتقدم الأمير .. كانت قلوب الناس تضرب كالطبول وحبست الأنفاس .. الكل كان يدرك العداء الذي يكنه بنو أمية لأهل هذا البيت .. فماذا يريد الأمير؟
وأقبل خالد القسري على الإمام زيد يعتنقه، ويقبل رأسه، ويقسم عليه ألا ينزل إلا في دار الإمارة .. فتغير المشهد وانقلب الخوف إلى تكبيرة مدوية انطلقت من أعماق القلوب حتى سمع لها صدى خارج المسجد.
***
بقي الإمام ومن معه ضيوفاً على خالد القسري أياماً .. ومع إشراقة كل صباح كان الإمام ومن معه يخالطون العلماء والفقهاء يحاولون أن يقرِّبوا بين وجهات النظر ويصلحون فيما بينهم يعظون من يحتاج إلى الموعظة ويناظرون من يريد المناظرة.
والتقى الإمام زيد بواصل بن عطاء وجالسه وناظره في بعض المسائل .. كان الجميع يتقبلون من الإمام ويأنسون إلى آرائه.
ولكن كانت هناك عقبة تقف أمام كل هذه الجهود فقد كان هناك من يغذي هذا الخلاف .. ولقد استطاعت السلطات الأموية أن تبث جواسيسها وسمومها في حلقات العلم ومجالس العلماء .. فكان هناك من علماء السلطة من يشتري الضمائر ويجعل من الإختلافات الدنيوية اختلافات دينية.
فاشتد حزن الإمام وقرر مع أصحابه العودة إلى المدينة.
فشكر خالد على حسن استقباله وضيافته واستعد للرحيل مع أصحابه .. وما هي إلا أيام حتى وصلوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليأنسوا من جديد يمجاورته.
(2)
كانت الأخبار تقطع المسافات ما بين العراق والشام على أجنحة الحمام وظهور الخيول لتسابق الريح .. وتطرق سمع الخليفة الأموي فتكون أشبه بالعواصف واشد من وقع الصواعق .. فلا يكاد الخليفة يجد راحة أو لذة في مطعم أو مشرب.
وأصبح الخليفة متوتر الأعصاب يزمجر ويتوعد .. يسأل عن أحوال العراق فلا يكاد يسمعها حتى يطير لُبُّه ولا يستقر به مجلسه .. يبيت مسهداً لا يجد النوم إلى عينه طريقاً .. فيهرب إلى الشراب حتى لا يدري أين هو .. ولكنه ما إن يفيق حتى يعاوده الحزن والغم.
وبينما هو على مثل هذه الحالة إذ وصل إليه رسول من العراق يخبره برحيل الإمام زيد وتوجهه نحو المدينة.
تنفس هشام الصعداء واسترخى في مجلسه .. وجعل يفكر بجدية ويحاور وزراءه فأشاروا عليه بعزل خالد القسري.
هشام: ومن ترون الرجل الذي يستطيع أن يحزم أمر العراق .. أريد رجلاً أميل إلى السيف منه إلى العفو .. أريد رجلاً يسمعني أنين أهل العراق.
جالت الأذهان وتعددت الآراء .. فمن أين لهشام بحجاج آخر يذيق أهل العراق من الذل والمهانة ألواناً؟ .. كان هناك شخص واحد هو الذي يمكن أن يقوم بهذا الدور على أكمل وجه .. وقد حظر فجأة على ذهن الخليفة..
هشام: وجدت الرجل المناسب .. ليس لها إلا يوسف بن عمر.
وفي الحال أمر هشام كاتبه أن يكتب أمراً بتولية يوسف بن عمر وعزل خالد القسري وسجنه .. ثم قال له:
- اكتب إلى والي المدينة خالد بن عبد الملك بن الحارث بأن يحضر إلينا عند وصول كتابي هذا إليه.
وما هي إلا أيام قلائل حتى أقبل خالد بن عبد الملك واستأذن في الدخول على هشام .. فأذن له..
خالد: السلام على أمير المؤمنين هشام..
وقبل أن يكمل خالد سلامه بادره الخليفة بالحديث قائلاً:
- اسمع يا خالد لقد علمت أني لم أوليك المدينة طلباً لرضاك أو صلة لرحمك .. ما وليتك أمر المدينة إلا لتكون صارماً مع آل أبي طالب تحصي عليهم أنفاسهم .. وتعمل على شق عصاهم .. وأن تذيقهم من الذل ألواناً فإذا بك تعطيهم حرية التنقل والإلتقاء بمن شاؤوا.
وبصوت أشبه بفحيح الحيات تجسد فيه الحقد الأموي في أبغض صوره .. أكمل هشام كلامه قائلاً:
- اسمع يا خالد أريد أن أسمع نحيب بني هاشم من هنا .. أريد أن تشق عصاهم فلا تترك لهم وقتاً للإجتماع لا أريد أن أسمع أن أولئك الخمسة الذين ذهبوا إلى العراق قد اجتمعوا .. وإن استطعت أن توغر صدورهم على بعضهم فافعل .. انصرف يا خالد .. واحذر أن تصير إلى ما صار إليه خالد القسري.
خالد: أمرك يا مولاي ..
وبعد أن غادر خالد قصر الخلافة بدأ من ساعته يعد نفسه للسفر.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|
التعديل الأخير تم بواسطة أبوحيدر ; 09-19-2011 الساعة 06:57 PM
سبب آخر: خطأ