الفصل الرابع
ازداد الإمام زيد قرباً من أبيه وجعل ينتهل من علمه .. ومعارفه حتى بلغ من العلم ما فاق به أقرانه.
دعاه أبوه زين العابدين (ع) في أحد الأيام وقد إجتمع إليه إخوانه .. فقال لزيد: اقرأ ما تحفظ من القرآن .. فقرأ .. ثم جعل يسأله في المعضلات فيجيبه زيد عن كل المسائل .. فقام إليه زين العابدين وقبله بين عينيه ثم دعا له.
وما إن أوشكت سنة 95ه على الانتهاء عندما بلغ زيد بن علي سن السادسة عشر من عمره .. فَقَدَ زيد أباه وبكت المدينة لفقدانه.
وانتقل زيد ليعيش مع أخيه محمد الباقر .. ويتزود من علمه.
إلى جانب ذلك فقد كان زيد -منذ نعومة أظفاره- يخرج إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليسمع البقية الباقية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين.
وكان الإمام زيد (ع) كثير العبادة يقوم الليل، ويصوم يوماً ويفطر آخر .. فاشتهر وذاع صيته في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لا يزال في سن مبكر.
***
وبعد زمن من رحيل ذلك الأب الذي أحاطه برحمته وحنانه .. وفي إحدى الليالي أرسل محمد الباقر في طلب أخيه زيد بن علي(ع) .. فلما أتاه وهو جالس مع أصحابه أفسح له في المجلس وجعل يناقشه ويحاوره في بعض مسائل العلم فكان لا يسأله عن مسألة إلا ويجيبه ويزيده بعضاً مما عنده أو ما توصل إليه نظره في بعض مسائل العلم.
فجعل وجه محمد الباقر(ع) يتهلل .. ثم التفت إلى أحد أصحابه وقال:
يا أبا السدير هذا والله سيد بني هاشم .. إذا دعاكم فأجيبوه وإذا استنصركم فانصروه.
ولما انصرف القوم عن مجلسه قرّب إليه أخاه زيداً ثم قال له:
- يا زيد لقد بلغت من العلم ما بلغت وأرى أنه قد آن لك أن تبحث لك عن زوجة صالحة تكون سكناً لك فما رأيك يا أخي؟
زيد: الرأي ما رأيت يا أخي.
محمد الباقر: إذا رأيت يا أخي أن أخطب لك ريطة بنت عمنا عبد الله بن محمد بن الحنفية؟ فقد بلغني من خلقها ودينها وحسنها ما أرجو أن يسرك.
وما هي إلا أيام حتى استعدت دور بني هاشم لإقامة مراسيم الزواج المبارك.
ولم يكن زيد بالرجل الذي تشغله ملاذ الحياة عن عبادته وطلبه للعلم فقد استقى ذلك وتربى عليه منذ نعومة أظفاره .. فصار العلم بالنسبة إليه كالماء لا يُستغنى عنه.
وما هي إلا أيام من زفافه حتى أقبل على مجلس أخيه.
زيد: سلام من الله عليكم.
محمد الباقر: وعليك السلام يا زيد ما الذي أخرجك من عند عروسك ولم تكمل معها أسبوعاً؟ هل ساءك منها شيء؟
زيد: لا يا أخي فنعم المرأة هي .. لكنه أشكل عليّ بعض مسائل فرجوت أن أجدها في كتاب كان لأبي فقلت لعله عندك فأحببت أن أطلع عليه.
الإمام الباقر: أو في أيام عرسك تنشغل بالعلم؟!! عد يا زيد إلى عروسك فإذا انقضت أيام عرسك أرسلته إليك إن شاء الله.
زيد: الرأي ما رأيت يا أخي .. وعاد على الفور إلى داره.
***
كان الإمام زيد كثير التلاوة والتأمل في كتاب الله .. فجعل يبحث ويتأمل .. وكلما ازداد تأملاً للقرآن ازداد شغفاً وتعلقاً به لذلك قل خروجه إلى الناس وجلوسه إليهم .. فقد وجد في آيات الله له مؤنساً ورفيقاً فأخلص له الإنقطاع .. وانقطع عن الناس ثلاثة عشر سنة بقي فيها عاكفاً يتأمل في كتاب الله حتى عُرف بين الناس بحليف القرآن.
ولقد أتى أبو الجارود يسأل يوماً عن الإمام زيد (ع) في مجلس الإمام محمد الباقر (ع)..
أبو الجارود: أين أخوك زيد يا سيدي فمنذ زمن لم أره؟
محمد الباقر: والله يا أبا الجارود لقد اشتد شوقي لسماع حديثه والجلوس إليه .. ولكن والله ما فينا من يتجاسر أن يقطع عليه خلوته .. فقد انقطع للتأمل في كتاب الله عز وجل فإنه ليقف مع الآية يرددها ويتأمل معانيها حتى يخر مغشياً عليه .. فهو بحق والله
حليف القرآن.
وما هي إلا لحظات حتى دخل الإمام زيد على أخيه الإمام محمد الباقر فبادره قائلاً: ألم تكن يا زيد سألتني أن أعطيك كتاب أبيك؟
زيد: بلى يا أخي..!.
محمد الباقر: والله ما منعني أن أبعث به إليك إلا النسيان.
زيد: جزاك الله عني خيراً يا أخي .. لولا أني وجدت ما أغناني عنه لذكرتك.
محمد الباقر: أتستغني عن كتاب أبيك..؟!
زيد: نعم .. إستغنيت عنه بكتاب الله.
محمد الباقر: أفأسألك عما فيه ..؟
زيد: سل يا أخي عما بدا لك .. فأنا أعلم أنك أحرص الناس على أن أكون أكثر الناس علماً.
فقال الإمام محمد الباقر لولده جعفر:
- علي بكتاب أبي يا جعفر.
ثم أقبل يسأل زيداً مسألة مسألة حتى فرغ من آخر مسألة في الكتاب .. ثم تبسم في وجهه وضمه إلى صدره وقال:
- بارك الله فيك يا أخي .. والله لقد أعطاك الله علماً غزيراً وفهما وبلاغة فمتى تخرج علمك إلى الناس.؟ فقد طالت خلوتك .. !
زيد: والله يا أخي ما أنا بمعزل عن أحوال الناس .. وإن انعزلت عن الناس .. فإن نياط قلبي توشك أن تتمزق حسرة على أحوال أمة جدي. ولكن ما ظنك برجل لا أمر له ولا نهي؟!
***
ودخل على الإمام زيد وفد من همدان أرادوا الحج .. فأحبوا أن يسلموا على آل رسول الله .. فشكوا سوء حالهم إلى زيد بن علي عليه السلام وحدثوه بما يقع عليهم من الظلم فأنشد قائلاً:
متى تطلب المال الممنع بالقنا ... تعش ماجداً أو تخترمك المخارم
متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وانفا حمياً تجتنبك المظالم
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا يا آل همدان ظالم
خرج القوم وقد تعلقت قلوبهم بزيد بن علي واشتد حبهم له فقد سمعوا من كلامه ما أثلج صدورهم وأعاد إليهم الأمل في الخلاص من هذا الوضع الفاسد.
***
ودخل عليه جعفر ابن أخيه يوماً ووجد بين يديه كتاباً يخطه فقال: ما هذا يا عماه.؟!
زيد بن علي: هذا يا أبن أخي كتاب جمعت فيه كل لفظ غريب في القرآن .. وذكرت معناه أرجو من الله أن يكتب لي به أجراً وينفع الله به أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
جعفر الصادق: وماذا أسميته يا عماه ..؟
زيد: أسميته (تفسير غريب القرآن)..!
***
وما إن بلغ الإمام زيد سن الخامسة والعشرين حتى
صار أخوه محمد الباقر لا يقطع في رأي إلا ويستشيره
ويعمل برأيه .. وكان يحث أصحابه على طاعته
ويقول-كلما رآه: هذا والله سيد بني هاشم.
ولا يكاد يركب زيد على دابته حتى يسرع جعفر بن محمد ليمسك لعمه زيد دابته.
ولما بلغ سن الخامسة والثلاثين شاء الله أن يفقد أخاه الأكبر محمد الباقر سنة 114ه .. فأصبح بعد أخيه سيد بني هاشم وعميدهم .. وموضع استشارتهم وصار محط الأنظار والأصدقاء والموالين .. يرقبونه معجبين بتلك الشخصية الحسينية الفذة .. صاحب النظر البعيد والرأي السديد .. فأصحاب الفقه وطلبته يرون فيه البحر الذي لا ينفد .. وطلبة علوم القرآن يدركون أنه وحيد عصره فيتسابقون في الإغتراف من معين علمه .. وأهل الزهد والتمسك لا يعدلون به أحداً.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|