الفصل الثالث
سبقت جيشَ الشام والعراق أخبارُه.. فطرقت مسامع أهل المدينة .. فازداد الذين آمنوا إيماناً وثباتاً ..
أما أصحاب القلوب الضعيفة والإيمان الهش .. فقد بلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله أسوأ الظن .. أينامون الليل وهم يطلبون لهم مخرجاً من هذا المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه؟
وعلم الإمام محمد بن عبد الله بخروج عيسى بن موسى لقتاله .. فأدرك أن وقت الجد قد حان .. فجمع أصحابه من أهل المدينة وجهينة وبني شجاع وبني سليم في مجلس واحد ثم قال لهم:
- أشيروا عليّ في الخروج أو المقام.
فسكت الناس .. فنظر الإمام إلى عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم وقال له:
- أشر عليّ يا أبا جعفر.
عبد الحميد: ألست تقاتل أشد بلاد الله رجالاً وأكثرها مالاً وسلاحاً؟.
الإمام: نعم.
عبد الحميد: فالرأي أن تسير بمن معك حتى تأتي أرض مصر .. فو الله لا يردك راد .. فتقاتل الرجل بمثل سلاحه وكراعه ورجاله وماله.
فتقدم إلى الإمام رجل من أصحابه يسمى حنين بن عبد الله.. وقال له:
- أعوذ بالله أن تخرج من المدينة يا أمير المؤمنين .. لقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن هذه البلدة .. ورأيتُني في درع حصينة فأوّلتُها المدينة.
فمال الإمام إلى كلام حنين لما فيه من الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
الإمام: ماذا ترون يا قوم إن أقبل علينا الرجل .. هل نخرج إليه؟ .. أم نخندق على المدينة ونقاتل دون خندقنا؟
فتكلم رجل من بني سليم يسمى جابر بن أنس الرياحي فقال:
- يا أمير المؤمنين .. نحن أخوالك وجيرانك .. وفينا السلاح والكراع .. والله لقد جاء الإسلام والخيل في بني سليم أكثر منها بالحجاز .. لقد بقي فينا منها ما لم يبق مثله عند عربي تسكن إليه البادية .. فلا تخندق الخندق .. فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خندق خندقه لما الله أعلمه به .. فإنك إن خندقته لم يحسن القتال رجالك .. ولم توجه لنا الخيل بين الأزقة .. وإن الذين يُخندق دونهم هم الذين يقاتلون فيها .. وإن الذين يُخندق عليهم يحول الخندق دونهم.
فصاح رجل من بني شجاع وقال -يخاطب الإمام:
- خندق رسول الله .. فاقتدِ برأيه، أو تريد أنت أن ندع رأي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرأيك؟
جابر: إيهٍ يا ابن شجاع .. ما شيء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم .. ولا شيء أحب إلي وإلى أصحابي من مناجزتهم ..
ظل الإمام صامتاً يفكر في الأمر، وكان يميل إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. حتى ولو كان في ذلك هلاكه.. ثم أفصح لهم عن رأيه..
الإمام: إنما نتبع في الخندق أثر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. فلا يردني عنه أحد فلست بتاركه.
وركب الإمام فرسه .. وأمر الناس بالركوب وتوجه للبحث عن آثار خندق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. ليعيد حفره .. فأخذ معولاً وجعل يحفر .. فأخرج لبنة من آثار خندق رسول الله .. فرفعها فكبر .. وكبر الناس ..
ونادى الناس بعضهم بعضاً: أبشروا بالنصر .. هذا خندق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
واستمر الناس في حفر الخندق.. وعاد محمد إلى المدينة يعد العدة لخوض المعركة .. وأرسل إلى من لم يأته من أهل بيته ليوافيه ولينظر في رأيه .. وكان أول من أرسل إليهم هو الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر (عليهما السلام).
(2)
أشرفت طلائع الجيش العباسي على المدينة المنورة .. لتتفاجأ بالخندق حول مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. كما تفاجأت جيوش أبي سفيان بالأمس ..
كان جيش بني العباس قد جمع أشد الناس عداءً لأهل البيت (ع) .. ففيه الخراساني شديد التعصب لبني العباس .. والشامي الذي لا زالت جذور العداء الأموي لنبي هاشم يسكن أعماقه .. وأقبلت كتيبة مقنعة بالحديد تخفق فوقها خمسمائة راية .. فجعلت تمشي حتى أشرفت على المدينة .. وأبصرها أهل المدينة .. ثم برز من وسطها فارس ظاهر القوة ..
فلما اشرأبت إليه الأعناق .. ونظر الناس إليه نادى بأعلى صوته:
- يا أهل المدينة .. إن الله قد حرم دماء بعضنا على بعض .. فاحملوا الأمان .. فمن قام تحت رايتنا فهو آمن .. ومن دخل المسجد فهو آمن .. ومن ألقى سلاحه فهو آمن .. ومن خرج من المدينة فهو آمن .. خلوا بيننا وبين صاحبنا .. فإما لنا أو له.
ثم توقف ينتظر جواب الناس ..
كان جمعٌ من أهل المدينة قد عرفوا من هو المتكلم ..
لقد كان المتكلم هو عيسى بن موسى ..
كان ذلك اليوم هو الثاني عشر من شهر رمضان المبارك .. وكان الوقت قبيل صلاة الظهر .. والشمس في كبد السماء .. وعيسى يراود أهل المدينة أن يسلموا إليه ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليذبحه علناً ..
يا سبحان الله .. هل من لسان ناطق حاد يرمي هذا السفيه بما يلجم به لسانه .. ويرد عليه مكيدته!!
وسرى الخبر في أوساط أهل المدينة الواقفين وراء الخندق .. أن المتكلم هو عيسى بن موسى .. قائد الجيش العباسي .. وابن أخي أبي جعفر ..
فتحركت الضمائر الحية .. والنفوس الأبية.. وضج معسكر الإمام بصوت واحد: يا ابن الشاة .. يا ابن كذا .. يا ابن كذا.
وعاد عيسى بعد أن سمع مالم يسره .. يتوارى بين جنده المقنعين بالحديد .. وتراجع جيش عيسى .. وغابت تلك الكتيبة عن أعين الجميع ..
ولما استقر عيسى في معسكره بالثنية .. جمع أتباعه ..
ابن قحطبة: لو كان أمير المؤمنين معنا لناجزه قبل أن يجتمع إليه أصحابه .. فقد بايعه كثير من الأقطار.
عيسى: إنهم والله لا يأتونه وقد حاصرنا المدينة.
العباس بن أبي العباس: فما تنتظر؟ .. هلا دخلت عليه المدينة فنقاتله.
عيسى: لا والله حتى أفرق عنه الناس.
ابن أبي الكرام: ماذا تفكر به يا مولاي؟.
عيسى: علي بقطع الحرير الفاخرة لأريكم ماذا أفعل.
فلما وضع بين يديه .. أمر كاتبه أن يكتب عليها .. ولم يترك وجيهاً و لا سفيهاً يؤمل في مثله إلا كتب له في قطعة منها:
((إن محمداً تعاطى ما ليس يعطيه الله، وتناول ما لم يؤته الله، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ من تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ من تَشَاءُ وَتُذِلُّ من تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فعجل التخلُّص، وأقل التربُّص، وادع من أطاعك من قومك إلى الخروج معك)).
كان منظر القطع التي كتب عليها في حد ذاته مغرياً تميل إليه النفوس .. بل وتسحر به العيون .. فكيف بالاستجابة لما فيها؟! .. وبعدها المال والسلطان .. وبعد القطع أمتار من الحرير ..
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ}..
وانطلق جمع من العبيد يحملون تلك القطع في بطون نعالهم ..
ليطرقوا أبواباً قد حددت لهم ..
مضى ذلك اليوم والجميع مترقب خائف ..
وبقي الإمام في داره يناجي ربه .. ويراسل أهل طاعته يستحثهم على الجهاد ..
كان الإمام قد أرسل مع ولاته خيار رجاله .. فجعل يرسل في طلبهم ..
فقد خرج رسول إلى مكة يأمر الحسن بن معاوية بالقدوم بمن معه إلى المدينة .. وآخر إلى العراق يأمر إبراهيم بإعلان ثورته .. وثالث إلى موسى بالشام يأمره بالخروج فيمن معه ..
وطال الليل .. والجميع في ترقب وتوجس .. وطلع الفجر .. وصعد المؤذن إلى المئذنة .. ليسمع الناس أذان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأول .. (الله أكبر .. الله أكبر .. حي على الصلاة .. حي على خير العمل) فسكنت النفوس إلى أن الوضع لا زال مستقراً ..
كان من لا يعرف الخديعة والنفاق لا يدري ما يحدث!..
ويتساءل عن السر الذي جعل عيسى لا يأمر جيشه بالقتال..
فلما كان في مثل وقت الأمس.. اقتربت جنود بني العباس من المدينة .. حتى سدوا بكثرتهم الآفاق .. وبهروا بما فيها من العدد والعدة الألباب .. فإذا بفارس الأمس يبرز .. ويكرر ما قاله بالأمس!! ..
وكما هو الحال .. انطلقت ألسن أهل المدينة بتقريعه وسبه ورماه بعضهم بالحجارة .. فتراجع وغاب في أوساط جيشه ..
وجعل الجيش العباسي أثناء تراجعه يعرض قوته وكثرة عدده ..
وتكرر عتاب الأمس لعيسى .. كيف لا يناجز القوم؟! .. وهو في أشد قوته ..
وترددت الإجابة: لا والله حتى أفرق عنه الناس.
وكان السؤال: كيف؟
عيسى: أين مولى عبد الله بن معاوية؟ -وكان قائد مجففته ..
مولى عبد الله: ها أنا ذا يا مولاي.
عيسى: قم مع عشرة من خيار أصحابك ..
ثم التفت إلى بني هاشم ممن تخلفوا عن الخروج مع الإمام وقال لهم: قوموا مع هؤلاء فادخلوا على القوم .. فادعوهم وأعطوهم الأمان ..
وسار الجميع حتى نزلوا في سوق الحطابين .. حيث يجتمع جيش الإمام محمد بن عبد الله ..
فتكلم القاسم بن الحسن بن زيد فسبه الناس وكرهوا الاستماع إلى مقالته ..
وقال له رجال من أهل المدينة: هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معنا ونحن معه.
القاسم: وأنا ابن رسول الله .. وكثير ممن ترون أبناء رسول الله .. ونحن ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وحقن دمائكم والأمان لكم.
فثار الناس ضده .. ورشقوه بالحجارة والنبال ..
فما كان من القاسم- إلا أن قال: لغلام له: إلقط هذه النبال .. وهيا بنا يا قوم.
وأسرعوا في الخروج من المدينة .. لم ينالوا خيراً في الظاهر .. ولكنهم كانوا قد زرعوا بذور الشك في قلوب المتدينين من غير وعي ..
فبالأمس أرسل عيسى بالوعود والأموال ليفرق عن الإمام أصحاب المصالح .. ويقول لهم: ماعندنا خيرٌ لكم مما ترجون بمناصرة هذا الرجل، واليوم أرسل ليشكك المتبعون لأهل البيت بلا نظر ولا وعي ..
فلما دخل القاسم بن الحسن بن زيد على عيسى رمى بالنبال بين قدميه .. ثم قال له: ما تنتظر؟! .. أنظر ما يصنعون بنا ..
(3)
رجع الإمام محمد بن عبد الله (ع) إلى داره .. وقد رأى في وجوه أصحابه ما لم يره من ذي قبل..
وبينما هو عاكف في محرابه يؤدي رواتبه أقبل عليه رسول من أخيه موسى من بلاد الشام .. يخبره بخيانة رزام كاتب محمد بن خالد القسري .. ومعه رسالة نظر إليها الإمام فإذا فيها .. (( إني أخبرك .. أني لقيت الشام وأهله فكان أحسنهم قولاً الذي قال: والله لقد مللنا البلاء وضقنا به ذرعاً، حتى ما فينا لهذا الأمر موضع ولا لنا به حاجة.. ومنهم طائفة تحلف لئن أصبحنا من ليلتنا أو أمسينا من غد ليرفع أمرنا وليُدلّ علينا .. فكتبت إليك، وقد غيبت وجهي، وخفت على نفسي .. والسلام)) فطوى الإمام الرسالة وجعل يردد: إنا لله وإنا إليه راجعون .. إنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي تلك اللحظات طُرق الباب مرة أخرى .. فلم ينتظر الإمام غلمانه .. بل أسرع بنفسه نحو الباب لينظر من الطارق فإذا هو أبو سيار قد جاء إليه من عند أخيه إبراهيم يخبره أن إبراهيم قد أخذ البصرة .
***
خرج الإمام في الساعات الأخيرة من الليل نحو مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليصلي مع الناس صلاة الفجر وجعل ينظر إلى كل شيء .. وكأنه يودعه .. فلما طلع الفجر صلى بالناس .. ثم بقي في مصلاه يذكر الله ويقرأ أوراده فإذا به يسمع أصوات بعض الجند يدخلون المسجد فالتفت إليهم وقال لهم:
- ما الذي جاءبكم في هذه الساعة إلى هنا؟
الجند: نحن الحرس على مداخل المدينة .. جئنا نخبرك أن جمعاً من أهل المدينة أرادوا الخروج ليلة الأمس فمنعناهم .. ومن أصر على الخروج أجبرناه على الرجوع.
شعر الإمام أن الخيانة قد سرت بين أصحابه .. وأن الناس إن رجعوا عن بيعته هلكوا .. فكره أن يكون السبب في هلاكهم .. لذلك أمر أن يُنادى على الناس للاجتماع في المسجد..
ولما امتلأ المسجد بالناس صعد منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. فحمد الله وأثنى عليه .. ثم قال: أيها الناس .. إنا قد جمعنا للقتال .. وأخذنا عليكم المناقب .. وإن هذا العدو منكم قريب .. وهو في عدد كبير والنصر من الله والأمر بيده، وأنه قد بدا لي أن آذن لكم، وأخرج عنكم المناقب، وقد حللتم من بيعتي فمن أحب أن يقيم أقام ومن أحب أن ينصرف فلينصرف.
ثم نزل عن المنبر وأمر المنادي أن ينادي في الناس .. ادعوا لإخوانكم من أهل البصرة وإخوانكم في مكة ..
فلما دخل دار مروان أقبل القاسم بن الحسن بن زيد رسولاً من عند عيسى .. فلما دخل على الإمام .. جعل يخوف الإمام ويهول عليه أمر عيسى .. فلما انتهى نظر إليه الإمام وقال له:
- والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك .. لأني لم أرك منذ كنت غلاماً في فرقَتيَ خير وشر إلا كنت مع الشر على الخير.
ثم التفت إلى إبراهيم بن جعفر وقال له:
- انطلق مع هذا إلى عيسى فأبلغه ما أوصيتك.
فخرج إبراهيم بن جعفر .. حتى قدم على عيسى بن موسى ..
عيسى: ما وراءك؟
إبراهيم: يقول لك أمير المؤمنين محمد بن عبد الله ابن رسول الله .. إن لك برسول الله قرابة قريبة .. وإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته .. وأحذرك نقمته وعذابه، وإني والله ما أنا منصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه .. فإياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله فتكون شر قتيل، أو تقتله فيكون أعظم لوزرك وأكثر لمأثمك.
ولم يكن عيسى لينتفع بمثل هذا القول فقد أعمت الدنيا بصيرته .. وحال حب السلطان بينه وبين النظر إلى عاقبته..
عيسى: ارجع إلى صاحبك وقل له ليس بيننا وبينه إلا القتال.
وجعل أصحاب الإمام يجوبون المدينة رافعين الرايات البيض وكانت هي راية الإمام ينادون بشعار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الأحزاب: (أحد أحد) .. ولكن الشوارع لم تزدحم والناس لم يهرعوا لإجابة النداء ..
لقد خرج الناس من أطراف المدينة .. ومنهم من أغلق على نفسه باب داره ومنهم من أسرع في الإنضمام إلى صفوف عيسى ..
فالمال والإرهاب والتشكيك كان قد أدى مفعوله في أصحاب القلوب المريضة والإيمان المهزوز.. فما اجتمع من أصحاب الإمام إلا عداد أهل بدر..
وفي تلك اللحظات أشرف أصحاب عيسى على طرف الخندق في جحافل لا تحصى ورايات لا تكاد تعد .. مقنعين بالحديد لا يكاد يرى منهم إلا بريق عيونهم.
كان جيش عيسى خليط غريب من الناس فرغم اختلاف صورهم، وتباين طباعهم، وتعدد أوطانهم ولغاتهم، لكنهم اجتمعوا لغرض واحد ألا وهو قتل ابن بنت نبيهم ..
فالخراساني والعراقي والشامي والمصري والقرشي والمدني كانوا يقفون في صفوف من وراء الخندق تحسبهم جميعاً -لشدة تعاضدهم في هذا الأمر- وقلوبهم شتى .. فاتحاد المصالح وحب الدنيا كان هو العنصر المشترك الذي جمع صفوفهم.
وتقدم عيسى بن موسى حتى عاينه الجميع واقترب من أصحاب محمد بن عبد الله وراح يصيح فيهم وينادي بأعلى صوته:
- يا أبا عبد الله .. إن أمير المؤمنين أمرني ألا أقتلك حتى أعرض عليك الأمان فلك على نفسك وأهلك وولدك وأصحابك، وتُعطى من المال كذا وكذا، ويقضى عنك دينك.. ويفعل لك ويفعل ..
فتقدم الإمام .. وخاطب عيسى قائلاً:
- إلْهُ عن هذا فو الله لو علمت أنه يثنيني عنكم فزع ويقربني منكم طمع ما كان هذا ..
(4)
تقدم عيسى بأصحابه نحو الخندق على ميمنته محمد بن أبي العباس وعلى ميسرته داود بن كراز من خراسان وسيدها .. المعروف فيها.
فلما رأى أصحاب الإمام جيش عيسى قد عزموا على القتال برز إليهم مولى لآل الزبير يقال له القاسم بن وائل وطلب البراز.
فإذا بصفوف عيسى تفصح عن رجل بهر العساكر بكمال جسمه وهيبة مطلعه وكمال عدته قد غطى الحديد جميع بدنه ..
فلما رآه القاسم بن وائل .. تراجع إلى الوراء وغاب بين صفوف أهل المدينة .. فضاق أصحاب الإمام به ذرعاً ..
وإنشرحت صدور أصحاب عيسى واستبشروا بذلك .. ولم تطل الفرحة فقد أفصحت صفوف جيش الإمام عن قائد شرطته أبو القلمس وهو يقول:
- والله ما انتفع في مثل هذا اليوم بسيف قط ..
فعاجل ذلك الفارس بضربة على حبل عاتقه وهو يقول: خذها وأنا ابن الفاروق..
فتردى الفارس العباسي .. وغاب الحلم .. وصاح صائح من بين صفوف بني العباس: قتلت خيراً من ألف فاروق.
لقد كان الرجل من خيار أهل خراسان ومن الفرسان المعدودين فيهم فبادر آخر يريد أن يأخذ بثأر صاحبه وخرج إلى ما بين الصفين فلم ير الناس منه إلا بريق عينيه ..
فخرج إليه رجل مُعتمٍ بعمامة بيضاء قد أشرق النور من جبينه وهو راجل يمشي في غير إكتراث .. فلما تواجها تكلما ملياً لا يدري أحد ماذا يقولان .. وفجأة ترجّل الفارس عن فرسه مغضباً وحمل على صاحب الإمام بسيفه فلم يشك أحد أنه قاتله ..
فمال عنها صاحب الإمام ثم استدار فضرب الرجل على خوذته بكل ما أوتي من قوة .. فأقعده على إليته وقيذاً لا حراك به ..
ثم كشف خوذة الرجل فاحتز رأسه .. ورماه نحو المعسكر العباسي .. ثم تراجع إلى صفوف أصحابه.
فاغتاظ أصحاب عيسى وبرز له آخر ودعاه لبرازه ..
فخرج إليه الرجل .. ففعل به كما فعل بالأول .. فكبر الإمام وكبر أصحابه .. ثم خرج الثالث فعالجه صاحب الإمام..
وأراد العودة .. ولكن سيلا من النبال الغادره حالت بينه وبين أصحابه.. فقد عاجله أصحاب عيسى فأردوه شهيداً .. بعد أن أبلى أحسن البلاء .. وجاهد بين يدي أبناء الأنبياء ..
وتحاشا أصحاب عيسى البراز ..
وبحنكة حميد بن قحطبة .. أدرك موقع الضعف في صفوف الإمام .. فخرج بثمانمائة فارس .. مقنعين بالحديد .. فداهم طرفا كان جند الإمام فيه قليل .. فتفرق أصحاب الإمام ..
وأشرف حميد وأصحابه على الخندق .. وهدموا حائطاً كان يحتمي به أصحاب الإمام .. فأرسل حميد إلى عيسى أن يرسل إليه بما يقتحم به الخندق .. فلما وصلت الرسل إلى عيسى- وكان قد ولى حميداً قتال الإمام وأصحابه- أمره بقلع أبواب دار قوم كانت قد وصفت له .. أنها أكبر من الخندق ..
وفكر عيسى في تضييق الخناق على الإمام وأصحابه.
عيسى- وهو يخاطب أبو الكرام الجعفري: لقد أخبرتني العيون أن هذا الرجل في ضعف .. وأنا أخاف أن ينكشف، وقد ظننت ألا مسلك له إلا إلى مكة .. فأضمم إليك خمسمائة رجل .. فامض بهم معانداً عن الطريق حتى تأتي الشجرة فتقيم بها تقعطع مابين مكة والمدينة.
***
كان الإمام ينتظر وصول الحسن بن معاوية، فقد كان معه خيار أصحاب الإمام.. وكان قد أرسل إليه يأمره بالقدوم عليه .. فكان كلما أشتدت على الإمام هجمات أصحاب عيسى تلفت إلى خلفه يؤمل أن تقع عينه على الحسن بن معاوية.. وأهل مكة ..
ولكن لم يظهر الحسن بن معاوية .. ونادى المنادي لقد عبر حميد بن قحطبة الخندق فأسرع الإمام في جمع أصحابه نحو الجهة التى دخل منها حميد وباشر الإمام القتال بنفسه .. فجعل يتقدم لا يلوي على شيء ..
فتراجع أصحاب حميد وانهزموا شر هزيمة ..
لكن أصحاب الإمام كانوا قلة .. فلم يتبعوا القوم .. فردهم حميد .. وعاود الكرة عليهم .. وهزمهم أصحاب الإمام مرة ثانية وثالثة ..
كان الإمام يقاتل في نفر من جهينة .. يقال لهم بنو شجاع .. وكانوا يتفانون في الدفاع عنه ..
فلما خاف حميد الهزيمة جمع خيار جنده ونظم صفوف جيشه .. وزحف فملأ الآفاق وضاقت به المسالك .. وأدرك كثير من أصحاب الإمام أن لا طاقة لهم بمواجهة ذلك الزحف فخاف بعضهم أن ينال الإمام بسوء .. فأسرع إليه عبد الله بن جعفر وقال له:
- بأبي أنت .. إنه والله مالك بما رأيت طاقة .. وما معك أحد يصدق القتال .. فأخرج الساعة حتى نلحق بالحسن بن معاوية في مكة .. فإن معه جلة أصحابك ..
الإمام: ياأبا جعفر .. والله لو خرجت لقُتِل أهلُ المدينة .. والله لا أرجع حتى أُقتل أو أَقتُل .. وأنت مني في سعة .. فاذهب حيث شئت.
فجعل عبد الله يساير الإمام إلى السوق .. فظهر أمامه أبو القلمس .. يقاتل أخا أسد بن المرزبان .. فتجالدا حتى تقطعت سيوفهما .. وتراجع كل منهم إلى أصحابه يبحث له عن سلاح ..
ثم تعاودا فكان أخو أسد بن المرزبان يمسك سيفاً وابن القلمس يخفي وراء درعه شيئاً .. فلما تقاربا قام أبو القلمس في ركائبه وأخرج سلاحه الذي أخفاه وراء درعه فضرب أخا أسد في صدره.. فإذا به يخر صريعاً ..
(5)
دارت أحداث المعركه في جميع أنحاء المدينة .. واستبسل الناس في القتال .. وجعل عبد الله بن خضير يقاتل مع الإمام أشد القتال.
وزالت الشمس من كبد السماء .. وكثر القتل والجراح في أصحاب الإمام ..
وبعد أن نظَّم الإمام أصحابه عاد إلى دار أخته زينب بنت عبد الله وقد أيقن بإقتراب موعد الشهادة .. وكأن أمراً هاماً كان يريد أن يوصيها به ..
محمد: أختاه .. إن زالت الشمس وأمطرت فإني أقتل .. وإن زالت ولم تمطر وهبت الرياح فإني أظفر بالقوم .. فإن زالت الشمس ياأختاه .. فاسجري التنانير وهيئي هذه الكتب .. فإذا أمطرت فأحرقيها .. فإن قدرتم على بدني ولم تقدروا على رأسي فأتوا به ظلة بني نبيه على مقدار أبعة أذرع أو خمسة .. فأحفروا لي وادفنوني فيها.
زينب: سمعاً وطاعة يا أخي.
كان ولد زينب الحسين بن علي العابد بن الحسن المثلث ينظر إلى خاله بعين دامعة ..
فلما تهيأ الإمام للإنصراف .. مضى الحسين يتبعه قد لبس سلاحه وهو في السابعة عشر من عمره يريد أن يواسيه بنفسه ..
ولكن الإمام أحس بأن هناك من يتتبع خطواته .. فالتفت فوقع نظر الإمام على إبن أخته فرجع إليه .. وقال له:
- بُني عد إلى أمك .. لعلك تقوم بهذا الأمر من بعدي.
كان الحسين وحيد أمه .. كما كانت هي البنت الوحيدة لأبيها ..
وواصل الإمام مسيره حتى أشرف الإمام على القوم وهم في ساحة القتال .. يكاد كل منهم أن يفني الآخر ..
قوم يقاتلون على دينهم .. وآخرون يناضلون من أجل سلطانهم ..
رأى محمد أصحابه والقتال يكاد أن يفنيهم .. فأراد أن يفديهم بنفسه .. فتقدم إلى ساحة المعركة .. ونادى بأعلى صوته:
- ياحميد بن قحطبة .. ياحميد ..
وجعل يناديه حتى سمع نداءه والتفت نحوه.. فقال له الإمام:
- إن كنت فارساً وأنت تعتد ذلك على أهل خراسان فابرز لي فأنا محمد بن عبد الله ..
حميد: قد عرفتك .. وأنت الكريم إبن الكريم .. .. الشريف إبن الشريف .. لا والله يا أبا عبد الله .. لا أبرز لك وبين يدي من هؤلاء الأغمار إنسان واحد .. فإن فرغت منهم فسأبرز لك لعمري.
وتراجع حميد لما رأى الإمام قد قصده .. وحدد مكانه .. فدخل على عيسى مع إذان العصر ..
عيسى: أراك قد أبطأت في أمر رجالك .. فولِّ حمزة بن مالك حربه.
حميد: والله لو رمت انت ذلك ماتركتك .. أحين قتلت الرجال ووجدت ريح النصر؟!
عيسى: إني لا أراك جاداً في قتاله ..
حميد: أتتهمني؟ .. فو الله لأضربن محمداً حين أراه بسيفي أو أقتل دونه.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|