الفصل الثالث
جعل زيد بن علي يترعرع في حجر أبيه .. يحوطه بعنايته ويغمره بعطفه.
وفي أحد الأيام أسرع محمد بن علي وهو يحمل أخاه زيداً بين يديه فوضعه في حجر أبيه زين العابدين فجعل يناغيه ويلاعبه ووضعت مائدة الطعام بين يدي زين العابدين .
زين العابدين: يا محمد .. عليّ بأخيك زيد.
محمد بن علي: تفضل يا أبي.
أقبل زين العابدين على مائدة الطعام .. فانشغل عن الأكل بإطعام ولده زيد .
فكان يبرد له اللقمة ويشتغل بانتقاء غيرها .. فلا يكمل زيد مضغ الأولى حتى يعد له الأخرى.
محمد بن علي: أبي.. هلاَّ أعطيتني زيداً لأطعمه .. وأكملت أنت تناول طعامك؟
زين العابدين: لا عليك يا ولدي سيأتي اليوم الذي أتركه أمانة بين يديك.
محمد بن علي: أدام الله ظلك يا أبي .. وفَدَتك نفسي .. فما أعتقد أن في هذه الدنيا من يملأ مكانك .. فأبقاك الله لأمة محمد ولنا وأطال الله عمرك.
ومرت الأيام والسنون وذلك الطفل الصغير يزداد نمواً وأبوه يحيطه بعناية خاصة لفتت نظر أخيه الأكبر محمد الباقر .. فعلم أن لهذا الطفل شأناً فجعل هو الآخر يحوطه بعنايته.
وبدأ زيد بن علي يتخطى باب الدار فيلاعب أقرانه .. من أبناء عمومته عبد الله بن الحسن بن الحسن .. وابن أخيه جعفر بن محمد اللذين كانا في مثل سنِّه .. فيفوقهما ذكاء وفطنة .. ولكنه كان كثير الصحبة لأبيه والبقاء إلى جواره فما كان زين العابدين يطيق كثرة فراقه.
***
وفي أحد الأيام بينما كان زين العابدين علي بن الحسين (ع) جالساً مع مجموعة من أصحابه .. إذ أقبل عليه زيد مسرعاً والدم يسيل من جبينه وهو يصيح: أبي .. أبي..
أقبل عليه زين العابدين وعلامات الخوف بادية على وجهه .. ونادى أحد غلمانه: يا غلام عليّ بخرقة وماء .. وجعل يمسح الدم ويضمد الجرح .. ويردد: أعيذك الله أن تكون زيداً المصلوب بكناسة الكوفة.
وبعد أن ضمد جرحه وعاد إلى أصحابه.. سأله أحدهم:
- يا سيدي سمعتك تعيذ ولدك أن يكون هو المصلوب بالكوفة .. فماذا قصدت يا سيدي؟
تنفس زين العابدين الصعداء ثم التفت إلى السائل ومن إلى جواره من الأصحاب فقال: اسمعوا ما سمعته عن أبي .. مما يرويه عن جدي علي (عليه السلام) قال:
- لما أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((إنه يُقتل ولدي الحسين .. ويُقتل من ولده رجل يسمى
زيداً -لم يلد أبوه بعد- يصلب في كناسة الكوفة)) .. وإني أخاف أن يكون ولدي هذا هو المقصود.
جعل القوم يعوذونه بالله أن يكون هو زيد المصلوب .. وتعلقت أنظارهم بذلك الطفل الذي لم يبلغ الرابعة من عمره ينظرون إليه بعين الخوف والشفقة.
أحدهم: والله لقد عجبت لما رأيت على وجهك من القلق عندما دخل ولدك زيد فالجرح لا يستحق منك كل هذا الخوف .. أما وقد سمعت هذا الخبر فو الله إن نياط قلبي تكاد أن تتمزق حزناً وإشفاقاً عليه.
***
لم تكن تلك التنبآت لتقتصر على زين العابدين .. بل كان هناك من يعلم بمثل هذه الروايات.
فبينما كان الإمام زيد(ع) يلعب في بعض الأيام مع أقرانه إذ رآه إبن الحنفيه محمد بن علي بن أبي طالب .. فجعل ينظر إلى زيد نظرة الحزين المشفق وناداه قائلاً: تعال يا زيد..
فأقبل عليه زيد .. فجعل يحادثه ويلاعبه .. ثم حمله وقبله .. وقال أعيذك بالله أن تكون زيداً المصلوب بالكوفة.
وخرجت تلك التنبوءات من بيوت أهل البيت لتنتشر في أوساط عامة الناس .. وطرقت مسامع الولاة من بني أمية .. فاشتد خوفهم .. وبالغوا في إيذاء أهل البيت عليهم السلام .. وبثوا حولهم الجواسيس .. والرقباء يحصون عليهم حتى أنفاسهم.
كان الإمام زيد (ع) يتنقل بين دور بني هاشم .. ويجلس إلى كبارهم ويلعب مع صغارهم .. ويرتوي من ذلك المنبع الصافي والمنهل العذب.
وجعل زيد لا يكاد يفارق أباه .. يصلي بصلاته .. ويأنس إلى سماع تلاوته ويحاكيه في كل أفعاله.
فما كاد يبلغ العاشرة من عمره .. إلا وقد حفظ القرآن وغاص في فنون العلم .. وبدأ يشعر بوضع أهل البيت وحالهم الذي لا يحسدون عليه .. فكل بيوتهم كان لا يسمع فيها إلا النحيب والمناجاة.
في الوقت الذي كانوا يتخوفون أن يتحدثوا عما حدث بالأمس في كربلاء من مآسٍ وويلات .. فقد كان الحديث عنها يعد جريمة تعاقب عليها السلطة الأموية.
وفي أحد الأيام سمع زيد بن علي عليه السلام حواراً هز مشاعره وغيّر مجرى حياته.
فبينما هو يسمع النحيب والمناجاة التي تعود أن يسمعها وبالذات من والده زين العابدين .. سمع غلام أبيه يقول: يا سيدي أما آن لحزنك أن ينفض وبكائك أن يقل؟
فرفع زين العابدين رأسه من سجوده .. وإذا بالدموع قد بلت وجهه ولحيته وقال له:
- ويحك .. إن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان نبي ابن نبي ابن نبي له أحد عشر إبنا .. فغيب الله واحداً منهم فشاب رأسه من الحزن .. وأحدودب ظهره من الغم .. وذهب بصره من البكاء .. وابنه حي في دار الدنيا .. وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة( ) عشر من أهلي مقتولين صرعى فكيف ينفض حزني ويقل بكائي.
وسالت الدموع من عيني زيد ونزلت تلك الكلمات أشبه ما تكون بالسهام .. لتصيب ذلك القلب الصغير وتحمّله من الحزن والهم ما تعجز عن حمله الجبال الرواسي.
وأقبل على أبيه يريد أن يسأله ليقص عليه أحداث الأمس .. ولكن زين العابدين كان قد عاد إلى سجوده وغرق في مناجاته .. فتهيب أن يحدثه .. فأنسحب حزيناً منكسر البال .. خائر القوى.
***
وخرج زيد في اليوم التالي مع أقرانه .. ولكنه لم يكن على عادته ..
عبد الله بن الحسن: يا زيد! .. يا زيد! ..
زيد بن علي: لبيك يا عبد الله ماذا تريد؟.
عبد الله: أخي ما بالك كاسف الوجه كثير الشرود. !! أهناك ما يشغلك؟
زيد بن علي: لقد سمعت بالأمس بعض كلام أبي لأحد غلمانه .. لقد كان يتكلم يا عبد الله والألم والحزن العميق يسيطر عليه. لقد رأيت أبي يبكي فما رأيت مثل بكاء الأمس.
عبد الله: عن ماذا كان يتكلم؟
زيد بن علي: لقد تحدث عن مصرع جدي وعمي وسبعة عشر من أهله .. وكنت أريد أن يفصل لي ويحدثني .. ولكني تهيبت أن أسأله.
عبد الله: وأنا يا زيد قد سمعت عن هذا وكم اتمنى أن أعرف ذلك بالتفصيل.
زيد بن علي: فما رأيك أن نذهب إلى عمتي فاطمة لعلها تقص علينا ما خفي عنا.؟
عبد الله: هيا يا زيد فأمي لا شك ستقص علينا كل شيء إن شاء الله.
وأقبلا على فاطمة بنت الحسين سلام الله عليها .. فطلبا منها وألحا عليها إلا ما حدثتهما عن تفصيل ما سمعوه من علي بن الحسين .. فجعلت تقص عليهما أحداث معركة كربلاء بالتفصيل وزيد ينتحب ويبكي مع كل حادثة تقصها عليهما.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|