الباب الأول
الفصل الأول
أخمدت الأصوات .. وصار المتنقل في أرجاء البلاد الإسلامية لا يسمع إلا همساً تشم منه رائحة الحرية والجهاد لتحرير الأمة الإسلامية من تلك الهيمنة التي تبث أعوانها وأنصارها .. لتصيِّر كل شبر من أرض الإسلام إلى سجن.
وصارت تلك البلاد المترامية الأطراف لا تمثل إلا زنزانة لكل الشرفاء الأحرار.
فها هي الهيمنة الأموية تتمركز في دمشق لتمثل ذلك الأخطبوط الذي يمد أطرافه ليختطف رؤوس العلماء والأحرار على تفرق بلدانهم لا تأخذهم بهم رحمة أو شفقة.
فكلمات أبي سفيان التي ترددت أصداؤها في آذانهم: ((هاهي قد آلت إليكم يا بني أمية -يعني الخلافة- فتلقفوها تلقف الكرة في أيدي صبيانكم .. فو الله ما من جنة ولا نار)) جعلت سلاطين الدولة الأموية لا يفكرون إلا في بقاء ملكهم .. واستمرار هيمنتهم ..
فهذا معاوية يؤسس ملكه بقتال أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته .. ثم يختمه بسَمِّ الحسن بن علي عليهما السلام وقتل حجر بن عدي وأصحابه صبرا.
وأسلم الدَّور إلى ولده البار الذي سار على نهج أبيه الخطوة بالخطوة .. فاستهل ولايته بسفك دم الحسين وأهل بيته عليهم السلام في أشنع معركة عرفها تاريخ البشرية .. ثم ختمها باستباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيام .. وقتل صفوة من تبقى من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة .. ثم أدخل جيشه إلى مكة ليفعل فيها مثل ما فعل في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم انتقل الملك إلى عبد الملك ابن طريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -مروان بن الحكم- ثم إلى بنيه ليزداد الأمر سوءاً .. وتزداد الأمة سوءاً في واقعها المأساوي .. وتذرف دموع الندم لتفريطها في مناصرة تلك السلالة الطاهرة .. تتجرع أنواع القهر.
فالحجاج في العراق يحصد الرؤوس كما يُحصد الزرع في الحقول .. وأخوه يذيق أهل اليمن من الذل ألواناً .. وآخر في مصر .. وهكذا.
***
وأوشكت الأمة الإسلامية أن تلفظ أنفاسها الأخيرة على أيدي تلك السلالة التي جند أفرادها نفوسهم لمحو كل فضيلة أسسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فجعل الأخيارُ يتلفتون يميناً وشمالاً باحثين عن رجل صالح يستنقذ هذه الأمة من وضعها المأساوي.
فراسلوا زين العابدين في المدينة يطالبونه بالخروج ويقسمون له الأيمان المغلظة ويعطونه العهود الموثقة على النصرة والجهاد بين يديه.
ولكن ذلك المشهد المأساوي الذي حدث أمام عيني زين العابدين كان لا يزال حياً في ذاكرته.
قتلك الأجساد الطاهرة التي رآها تتهاوى بين يديه ما زالت ماثلة أما عينيه فرأس أبيه ذلك الذي حُمل فوق الأسنة لعشرات الأيام وهو يسير في ركبه كان مشهداً لا يُنسى .. وأولئك النساء الثكالى والأطفال الجياع .. أخوه علي الأكبر ، وعمه العباس، وأبناء عمه الحسن، تلك الوجوه المشرقة التي رآها تغيب وتأفل على مرأى ومسمع منه ما كانت لتجعله يثق في أولئك الذين يمدون إليه أيديهم بالبيعة.
فهو يعلم أنه من خان أباه .. وأسلمه لأعدائه -بل وخرج في ركب أعدائه- لا شك سيكرر نفس المشهد معه.
ولذلك اعتزل الناس ومضى يكابد أحزانه ويبث شكواه إلى ربه .. ويمد يد العون لجيرانه وأهل بيته .. ويرعى أولئك النسوة والصبيان الذين فقدوا رجالهم مع والده الحسين بن علي عليهما السلام.
فلجأ الناس في العراق إلى رجل من أحرار الأمة وأتقيائها كان يسمى المختار بن أبي عبيد الثقفي ليقود جحافل الأمة الماضية ويحرر العراق من ولاة الأمويين الذين عاثوا في الأرض فساداً .. فأحسن إلى الأمة وساد العدل مع شيء من الخوف والوجل للمستقبل الغامض.
وما هي إلا أيام حتى مكّن الله المختار بن أبي عبيد الثقفي من قتلة الحسين وشفى غليل صدور قوم مؤمنين .. فقتل عبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، وشمرّ بن ذي الجوشن .. ورفع رؤوسهم فوق الأسنة .. وتتبع كل من شارك في قتل الحسين .. في القرى والوديان وفي أعالي الجبال .. ولم يدرك رجلاً شارك أو أعان على قتل الحسين إلا وقتله شر قتلة.
(2)
وما إن استتب الأمر للمختار الثقفي حتى أراد أن يعبِّر عن ولائه لأهل البيت عليهم السلام.
فمع بزوغ شمس أحد الأيام كانت هناك قافلة تحث الخطى نحو مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم محملة بالهدايا وبينها جارية غاية في الحسن والجمال والعلم والفصاحة .. وما هي إلا أيام حتى أطلت على مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتحط رحالها على باب بيت زين العابدين..
ليُطرق باب ذلك البيت الذي تسوده السكينة والوقار .. لا يسمع فيه إلا التسبيح والتهليل .. سكانه أشبه بالملائكة لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ..
فُتح الباب وسمع صوت يقول: تفضل يا عبد الله..
الغلام: هل هذا هو بيت زين العابدين؟
محمد بن علي: نعم يا أخي تفضل..
دخل الغلام وجعل يمشي خلف محمد بن علي حتى أدخله إلى إحدى الغرف .. فوقف ذلك الغلام مذهولاً أمام منظر سمع عنه الكثير ولكنه فاق كل تصور ..
فسجادة من القش يجلس عليها رجل في منتصف العمر يكاد النور يتفجر من بين عينيه .. قد برزت ثفناته وأصفرَّ لونه .. لا تكاد عيناه تجف عن الدموع .. ذو لحية مستديرة عشماء.
تلفت يميناً وشمالاً ليرى غرفة تكاد أن تكون خالية من الأثاث إلا من بعض قطع تشغل بعض زوايا الغرفة.
أدرك الغلام أنه يقف أمام تلك الشخصية التي طار صيتها ليبلغ المشارق والمغارب من دولة الإسلام.
الغلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تنحى زين العابدين عن طرف سجادته وقال: وعليكَ السلام ورحمة الله وبركاته .. تفضل يا ولدي ..
جلس الغلام وبادر زين العابدين قائلاً:
- يا سيدي أرسلني إليكم مولاي المختار بن أبي عبيد الثقفي لأبلغك منه السلام .. وأن تقبل منه ما في هذه القافلة هدية منه وإعلاناً لولائه ومحبته لكم .. وسيره على منهاج وطريقة آبائكم سلام الله عليهم .. وقد حملت إليك يا سيدي مع هذه القافلة جارية هي غاية في الحسن والعلم والورع والجمال لم يرَ مولاي أنّ على وجه هذه الأرض من هو أحق بها منك.
زين العابدين: شكر الله سعيك يا ولدي وكتب أجرك .. بلّغ مولاك عنا السلام .. وقل له قد قبلت الهدية فجزاه الله عن آل رسول الله خير الجزاء.
ووضع زين العابدين يده على كتف الغلام ليقول له:
- تفضل يا بني مع ولدي محمد ليقدم لكم حق الضيافة .. ويعد لكم مكاناً للإستراحة من وعثاء السفر.
وأقبل محمد بن علي إلى الغلام في لطف وجعل يمشي بين يديه يلاطفه في الكلام ويسأله عن أحوال أهل العراق .. فأدخله إلى مكان قد أعده له ولأصحابه .. فإذا به يجد أصحابه قد أدخلوا إلى ذلك المكان واستضافهم الإمام زين العابدين ثلاثة أيام..ثم ودعهم وأعطى كلاً منهم ما يكفي حاجته ويزيد .. فخرجوا من المدينة .. وقد استولى عليهم الذهول لما رأوا من الحفاوة والأخلاق وحسن الضيافة.
فجعلوا يسرعون في المشي، ويحثُّون الخطى نحو العراق، حاملين رسالة علي بن الحسين إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي ..
ولكن شيئاً ما كان يشغل ذهن الغلام الذي اختاره المختار ليكون قائداّ لهذه القافلة..
فكثيراً ما كان يشرد بتفكيره بعيداً عن رفاقه في القافلة مما يضطرهم إلى تنبيهه مرة تلو الأخرى.
وما كادت القافلة تصل إلى ساحة قصر المختار بن أبي عبيد الثقفي حتى أسرع ذلك الغلام نحو مجلس المختار بن عبيد الله.
واستقبله المختار بوجه دلّت ملامحه على فرحة عميقة .. وبادره المختار قائلاً:
- قص علينا أحداث رحلتك .. فو الله لقد اشتد شوقنا لسماع أخبار مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتعرف على أحوال أهل البيت سلام الله عليهم هناك.
الغلام: مولاي هل تريد أن أسمعك كل ما رأيت أم أعجب ما رأيت؟ فيكفيك عن كثير الكلام.
المختار: تكلم بما تريد.
الغلام: يا مولاي .. والذي بعث محمداً بالحق رسولاً ما خرجت من بيت زين العابدين وفي بيته حبة من خردل مما حملته له من الهدايا إلا تلك الجارية اتخذها لنفسه بعد أن عرض عليها الزواج من أحد أبنائه فأبت إلا البقاء عنده لما رأت عليه من النور وسيماء الصلاح .. فقد رأيته يا مولاي لا يكاد ينتصف عليه الليل إلا وقد شد وسطه بحبل .. وجعل يحمل ما يستطيع حمله ثم يخرج ويعود فارغ اليدين .. فدفعني الفضول فتبعته .. فما رأيته يمر على دار من دور فقراء أهل المدينة إلا ويضع عند بابه من ذلك شيئاً ثم يطرق الباب .. وقبل أن يفتح الباب ينطلق مسرعاً كاللص الذي يخشى أن يُعرف .. فوالله لا يكاد أحد منهم يعلم مصدر ذلك الرزق.
المختار: رحمة الله عليهم من أهل بيتٍ ما أرحمهم بأمة جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. والله لو اعطوا حقهم لعم إحسانهم البلاد .. ولضربوا أروع الأمثلة في العدل والإحسان.. ولكن هل أوصاك بشيء ..؟
الغلام: أمرني أن أبلغك منه السلام .. ثم أسألك كيف استطعت مع حبك لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تجاور قوماً خضبوا سيوفهم بدماء ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قريب؟
المختار- وقد اغرورقت عيناه بالدموع: والله لئن مكنني الله منهم ليرى زين العابدين من حالهم ما يقر عينه ويشفى غليله فما أعظم جرحه .. فمن منا أصيب بمثل مصيبته .. فوالله ما أخرجني على هؤلاء حب جاه أو سلطة .. ما أخرجني إلا طلب الثأر من أولئك الفساق الذين اجترأوا على حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته فسفكوا دماءهم وساقوهم سبايا.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|