الفصل الثاني
رغم بُعد المسافة بين المدينة والعراق .. إلاّ أنه كان هناك من جند نفسه لقطعها بسرعة مذهلة ليفوز بالجائزة ..
فقد خرج رجل من آل أويس بن أبي السرح .. فجعل يطوي الفيافي والقفار ويقطع المسافات بسرعة البرق.. ولم تمض تسع ليالٍ حتى كان يطرق أبواب مدينة الهاشمية ليلاً .. وينادي بأعلى صوته: افتحوا فهناك أمر أبلغه أمير المؤمنين ..
فلما دخل قال له ابن الربيع:
- ماحاجتك في هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم؟
الرجل: لا بد لي منه.
ابن الربيع: أعلمنا نعلمه.
الرجل: لا والله حتى أشافهه.
فأسرع الربيع إلى مقصورة أبي جعفر ..
ابن الربيع: رجل يا أمير المؤمنين .. يقول أنه مقبل من المدينة ويريد لقاءك.
أبو جعفر: سله عن حاجته .. ثم أعلمنا.
ابن الربيع: قد أبى إلا مشافهتك.
أبو جعفر: أدخله.
ودخل الرجل.. فسلّم على أبي جعفر ووقف بين يديه وبعد أن خلا به قال له:
- خرج محمد بن عبد الله بالمدينة.
أبوجعفر- وقد أزالت هذه الكلمة خموله وأذهبت النوم عنه: قتلته والله إن كنت صادقاً!! .. أخبرني من معه ..
الرجل: خرج معه ابن خضير وأبو القلمس وابن هرمز وعيسى بن زيد بن علي وأكثر وجوه أهل المدينة.
أبو جعفر: أنت رأيته وعاينته؟!
الرجل: أنا رأيته وعاينته .. وكلمته على منبر مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالساً.
أبو جعفر: إذاً فادخل ونم في هذه المقصورة .. ولاتكلم أحداً.
وأمسى أبو جعفر قائماً في مكانه لا يجد النوم إلى عينه طريقاً .. يقلب الأمور.. ويفكر فيما هو مقبل عليه .. فلا يدري أيصدق الرجل أم يكذبه.
فلما طلع عليه الصبح .. خرج مع الناس ليخط مدينة بغداد .. فقد كان واعد الناس أن يخرج في ذلك اليوم..
وقبل أن يصل إلى موقعها الذي كان يسير إليه بجسمه وقلبه عنه مشغول .. أقبل رسول سعد بن دينار غلام عيسى بن موسى الذي كان يلي أموال المدينة..
فلما اقترب من موكب أمير المؤمنين .. عرفه فأدناه.
الغلام: خرج محمد بن عبد الله وسجن واليك عليها .. وكسر السجن .. وناداه الناس بأمير المؤمنين.
***
وقع هذا الخبر على أبي جعفر كالصاعقة فاغتم أبو جعفر .. وساء حاله.. وسار في موكبه على ظهر حصانه وهو صامت مطرق ببصره لا يجاوز طَرْفه عرف فرسه ثم نادي بأعلى صوته- وهو لا يكاد يشعر بمن حوله: يا ابن الربيع .. يا ابن الربيع، -وكان قد تأخر عن موكبه ثم قال: عليَّ بأبي العباس -عيسى بن علي
فأقبل ابن الربيع وعيسى بن علي حتى وقفا بين يدي أبي جعفرفأخبرهما الخبر..
ابن الربيع: هلك والله.. هلك .. خرج والله في غير عدد ولا رجال يا أمير المؤمنين .. ألا أحدثك حديثاً حدثنيه سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي؟ .. قال: كنت مع مروان بن محمد يوم الزاب واقفاً .. فقال: يا سعيد .. من هذا الذي يقاتلني في هذا الخيل؟ قلت: عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس .. قال: أيهم هو؟ .. عرِّفْهُ .. قلت: نعم .. رجل أصفر حسن الوجه .. رقيق الذراعين .. رجل دخل عليك يشتم عبد الله بن معاوية حين هزم .. فقال: قد عرفته .. والله لوددت أن علي بن أبي طالب يقاتلني مكانه .. إن علياً وولده لا حظ لهم في هذا الأمر .. وهذا رجل من بني هاشم وابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عباس معه ريح الشام ونصر الشام .. يا جعدة .. تدرين ما حملني على أن عقدت لعبد الله وعبيد الله ابني مروان .. قلت: لا .. قال: وجدت الذي يلي هذا الأمر .. عبد الله، وكان عبيد الله أقرب إلى عبد الله بن عبد الملك .. فعقدت له ..
ثم سكت ابن الربيع وهو لا يشك أنه قد هدأ من روع أبي جعفر ..
أبو جعفر: أنشدك الله! .. أحدثك هذا ابن جعدة.
ابن الربيع: ابنة سفيان بن معاوية طالق مني البتة إن لم يكن حدثني بما حدثتك.
عاد أبو جعفر من يومه مغموماً .. فقد أهمه ظهور محمد بن عبد الله.. وخشي أن يكون في ذلك نهاية ملكه.. فأحضر المنجمين فضربوا رمالهم .. فلما انتهوا قال لهم أبو جعفر: ماذا وجدتم؟.
الحارث المنجم: يا أمير المؤمنين ما يجزعك منه؟ .. فو الله لو ملك الأرض ما لبت إلا تسعين يوماً.
وجعل كل من دخل على أبي جعفر يحاول أن يخفف عليه بليته ويُهوِّن عليه الأمر.. ولكن أبا جعفر كان أعرف الناس بمحمد بن عبد الله.. فقد خدمه طويلاً، وسايره زماناً.. فعرف أنه لله ولياً .. شجاعاً أبياً .. وأن قلوب الناس إليه أميل ..
فلما عميت عليه الأمور ذكر عمه عبد الله بن علي الذي كان قد أنزله سجنه منذ أعوام طويلة .. وذكر أن له رأياً لا يخطئ في الحرب .. فأمر بأخوته فجُمِعوا إليه.
فلما استقر آخرهم في مجلسه أخبرهم بأمر محمد بن عبد الله وخروجه .. ثم قال لهم:
- إن هذا الأحمق لا يزال يطلع له الرأي الجيد في الحرب .. فادخلوا عليه فشاوروه .. وتعلموه أني أمرتكم.
فأسرعوا إلى عمهم في سجنه .. فلما دخلوا عليه قال لهم عبد الله بن علي:
- ما جاء بكم جميعاً .. وقد هجرتموني منذ دهر؟!.
- استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا.
عبد الله بن علي: ليس هذا بشيء .. فما الخبر؟
- خرج محمد بن عبد الله.
عبد الله بن علي: فما ترون ابن سلامة صانع؟! .. [يقصد أبا جعفر]
- لا ندري والله .. وقد أرسلنا نستشيرك.
عبد الله بن علي: أخبروه أن المحبوس محبوس الرأي .. فليخرجني حتى يخرج رأيي.
فلما رجعوا إلى أبي جعفر قال لهم:
- إرجعوا إليه وقولوا له: يقول لك أمير المؤمنين: والله لو جاءني محمد حتى يضرب بابي ما أخرجتك .. وأنا خير لك منه وهو ملك أهل بيتك.
فأيقن عبد الله بن علي أن أبا جعفر لا يطلقه .. وكره أن يتحول هذا الأمر عن أهل بيته من بني العباس.. إن بخل على أبي جعفر بمشورته فقال لأخوته:
- اذهبوا إلى أخيكم .. واجعلوه يرحل الساعة .. حتى يأتي الكوفة .. فاجثم على أكبادهم .. فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم .. ثم احففها بالمسالح .. فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه .. فاضرب عنقه.. واكتب إلى مسلم بن قتيبة ينحدر عليك من الري .. .. واكتب إلى أهل الشام فمرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما يحمل البريد .. فأحسن جوائزهم.
فلما وصلت هذه المشورة إلى أبي جعفر جعل ينفذها كما أتت لثقته في رأي عمه ومعرفته بشئون السياسة والحرب .. ولأنه فارغ الذهن من أي رأي ..
***
وأقبل بريد الشام يحمل علي بن محمد بن عبد الله بعد أن أمسكه والي مصر وهو يدعو إلى أبيه.. فهمّ أبو جعفر بإرساله إلى سجن ابن هبيرة.. فذكر أبو جعفر فرحة من في السجن من آل الحسن بوصول علي إلى عبد الله بن الحسن ومن معه في سجنه فقال في نفسه: لا والله .. لا يدخل السرور على قلب عبد الله ماحييت..
ثم نادى على ابن الربيع: يا ابن الربيع .. أكتب إلى أبي الأزهري: ((انظر يا أبا الأزهري ماكنت أمرتك به من مذّلة فعجله وأنفذه)) ..
وكان أبو جعفر قد أمر أبا الأزهري أنه متى أتاه كتابه هذا أن يضرب عنق عبد الله بن الحسن ..
وأسرع الرسول بالكتاب ..
أبو جعفر: يا ابن الربيع .. من ترى أشد الناس حباً لأهل هذا البيت .. وكرهاً لنا .. لأفجعه بعبد الله بن الحسن؟.
ابن الربيع: أسمعت يا مولاي ببشير الرحال .. العابد الزاهد ..
أبو جعفر: نعم .. ومثله لا يخفى.
ابن الربيع: إذاً فهو ذاك.
أبو جعفر: فأرسل إليه من يقوده إلى سجن عبد الله .. إذا أيقنت أن ابن الأزهري قد أنفذ أمري في عبد الله، ومن هو خير من عبد الله؟!
***
وأقبل رسول الخليفة إلى أبي الأزهري .. وهو جالس مع رجلين من أصحابه على باب سجن ابن هبيرة.. أحدهما يسمى الشعباني .. والآخر عبد الله بن عمران بن أبي فروة ..
وبعد أن تصفح الأزهري الرسالة.. رماها من يده وأسرع إلى داخل السجن فأخذ الشعباني الكتاب وقرأه..
الشعباني: أتدري يا عبد الله من هو مذلة؟!! ..
عبد الله بن عمران: لا والله.
الشعباني: هو والله عبد لله بن الحسن .. فانظر ما هو صانع به.
ولم يلبثوا إلا لحظات حتى خرج أبو الأزهري وقد نفذ الأمر ..
أبو الأزهري: والله لقد هلك عبد الله بن الحسن.
ثم بقي قليلاً ثم دخل إلى الجسن فرأى علي العابد وقد خر مغشياً عليه بعد أن رأى مصرع عمه عبد الله بن الحسن فظنوا أنه قد مات فخرج أبو الأزهري إلى صاحبيه مكتئباً.
أبو الأزهري: أخبروني عن علي بن الحسن .. أي رجل هو علي العابد؟.
عبد الله بن عمران: أمُصَدَّقٌ أنا عندك؟.
أبو الأزهري: وفوق ذلك.
عبد الله بن عمران: هو و الله خير من تُقِلُّه هذه وتظله هذه .
أبو الأزهري: فقد والله ذهب .
ولم يلبثوا إلا يسيراً حتى أقبل رسل أمير المؤمنين يحملون بشيراً الرحال ..
الرسول: يا أبا الأزهري .. إن كنت قد أنفذت أمر أمير المؤمنين في عبد الله وابن الحسن.. فأمير المؤمنين يأمرك أن تطلع هذا العابد عليه..
ابن الأزهري: وما شأن ابن الرحال بهم؟! ولكن لا مفر من أمر أمير المؤمنين .. فأدخلوه عليه ليرى ما لا يسره ..
فأُسرع ببشير بن الرحال إلى داخل سجن ابن هبيرة ..
فلما نظر في ساحة السجن رأى ابن رسول الله بالدماء مخضباً .. رأس وجسم مفصولان عن بعضهما .. ودماؤه تجري على التراب .. كأنما لمعانها تسابيح باكية .. تشكو إلى الله ظلم ساجنيها .. فلم تقو بُنية ذلك العابد الورع كثير الصيام على تحمّل هذا المشهد البشع .. ومن يصبر على رؤية دماء آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسفك ظلماً وعدواناً.
فخر مغشياً عليه جوار جثة ولي الله .. فأسرعوا إليه بالماء .. فلما أفاق .. التفت إلى من معه من جنود أبي جعفر وقال له:
- اسمع يا هذا .. لا تخبر أبا جعفر بما لقيت مني .. فإنه إذا علم قتلني.
وخرج العابد بشير الرحال .. وهو يردد عهداً بينه وبين الله .. أن لا يختلف على أبي جعفر سيفان إلا كان مع الذي هو عليه.
وجعل أبو جعفر يقتل ويسجن كل من يشك في ولائه أو يعلم أن له صلة بمحمد وأخيه.
(3)
وفي المدينة كان الإمام قد أمّن الناس .. وضبط أمر المدينة وبدأ يراسل من لم يقبل عليه من أهلها .. ومن وجوه المدينة ..
وأسرع بعض العامة إلى بيت الإمام مالك بن أنس .. فلما دخلوا عليه .. يستفتونه في أمر محمد بن عبد الله .. قال لهم الإمام مالك:
- بايعوه .. والله ما على وجه هذه الأرض خيرٌ منه ومن أهله.
فقال بعضهم: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر.
مالك: إنما بايعتم مكرهين .. وليس على مكره يمين.
وأسرع الناس إلى الإمام محمد بن عبد الله يبايعونه .. فلما تم له الأمر في المدينة جمع أهله .. وأصحابه، ثم قال لهم:
- لقد تم لنا أمر المدينة .. وآن لنا الخروج إلى سائر الأمصار .. لنرفع عنهم تسلط الظالمين .. فقم أنت يا حسن بن معاوية .. فقد وليتك قيادة الجيش .. فسر إلى مكة واعلم أن بها السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس.
الحسن: أرأيت بأن التحم بيننا القتال ما ترى في السري؟.
الإمام: يا حسن .. إن السري لا يزال مجتنباً لما كرهنا .. كارهاً للذي صنع أبو جعفر .. إن ظفرت به فلا تقتله .. ولا تحركن له أهلاً ولا تأخذن له منعاً .. وإن تنحى فلا تطلب له أثراً.
الحسن: يا أمير المؤمنين .. ما كنت أحسبك تقول هذا في أحد من آل العباس.
الإمام: بلى .. إن السري لم يزل ساخطاً لما صنع أبو جعفر..
فأين أين هذا من ذاك؟ .. أين محمد بن عبد الله من أبي جعفر المنصور؟ رجل لا يأخذ أحداً إلا بوزره .. ورجل يحصد الرؤوس لمجرد التهمة.
ثم أشار محمد بن عبد الله إلى أخيه موسى وقال له:
- أنت يا موسى .. اخرج إلى أهل الشام.
فقال محمد بن خالد القسري -وكان قد أُخرج من سجن رياح .. فبايع الإمام وأظهر له الطاعة:
- يا أمير المؤمنين .. إنك قد خرجت في هذا البلد .. والله لو وقف على نقب من أنقابه .. فانهض معي .. فإنما هي عشر حتى أضربه بمائة ألف سيف.
الإمام: دعنا من هذا يا محمد.
محمد بن خالد: إذاً فاجعل خادمي رزاماً يخرج مع أخيك موسى .. فيكون له عوناً .. فإن لنا في الشام معارف وأنصاراً.
الإمام: لا بأس بذلك .. فاصطحب رزاماً يا موسى.
وبينما الإمام في مجلسه .. أقبل رسل أخيه إبراهيم من البصرة بجرابين مليئين بالسيوف .. فقسمها الإمام في أصحابه.
ولما رأى محمد بن خالد القسري أن الإمام لا يميل إلى رأيه .. أضمر في نفسه الخيانة والخديعة .. فكتب رسالة إلى أبي جعفر .. يطلعه فيها على مواطن الضعف في أصحاب الإمام .. ويعده ويمنيه .. ويطلب منه الإسراع بجيشه إلى المدينة ..
ولم يكد رسوله يخرج من المدينة حتى أدركته شرطة ابن المقلس .. فأخذوا الرسالة .. وأتوا به إلى الإمام .. فجعل يردد: إنا لله وإنا إليه راجعون .. إنا لله وإنا إليه راجعون.
الإمام: أودعوا محمداً السجن .. ولا تؤذوه .. حتى ننظر في أمره.
ثم جعل الإمام يستقبل الناس .. لا يُحجب عنه أحد .. يحدث الصغير والكبير.. ويصلي بالناس الفروض.. ثم يجلس لهم في مسجد رسول الله .. يفتي المستفتي .. ويعطي الفقير .. ويعلم الجاهل .. فكان أشبه الناس بأسلافه.
ولكن المخذلين ما كانوا ليصبروا على مثل هذا الأمر ..
فقد ذهب بعض من له هوى في بني العباس ويخشى على مصالحه بذهاب ملك الظالمين يبث الشائعات في أوساط الناس .. ويذكر الناس بمقالة جعفر بن محمد (إن أبا جعفر يقتل محمد بن عبد الله وأخاه إبراهيم).
فلما أرسل الإمام إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب .. يطلب منه البيعة .. أقبل على الإمام وهو في أصحابه وقال له: أنت والله مقتول .. فكيف أبايعك؟
فتركه الإمام دون أن يرد عليه بشيء .. ولم يكرر عليه الطلب.
وتراجع بعض ضعاف النفوس .. ومن يطلب الدنيا للآخرة ..
فلما استقر إسماعيل في داره .. أقبلت عليه بنت أخيه حمادة بنت معاوية بن عبد الله بن جعفر وقالت له:
- يا عم إن إخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم .. وإنك قلت هذه المقالة فثبّطْت عنه الناس .. أفيقتل ابن خالي وإخوتي؟
إسماعيل: فليكن .. فوالله لا أكف عن نهي الناس عنه.
فلما كان بعد أيام مات إسماعيل .. وكان قد بلغ من العمر مبلغاً كبيراً ..
فظن الناس أن الإمام لا يخرج في جنازته .. ولا يصلي عليه .. فلما سمع الإمام بموته خرج وصلى عليه .. ومشى في جنازته .. وكأن الرجل من خيرة أنصاره ولم تمنعه إساءته إليه من أن يصل رحمه ..
فلما رأى الناس عفو محمد بن عبد الله وتسامحه .. تسابق الناس إليه وإلى بيعته.
كان كل وجوه بني هاشم قد أجمعوا على بيعة محمد بن عبد الله .. إلا رجالاً كان أبو جعفر قد استمال قلوبهم بالأموال أو عرفوا بين أهل المدينة بعدم الصلاح .. فلم يكن إعراضهم عن بيعة محمد بن عبد الله ليؤثر على مكانته في قلوب الناس..
وجعل الإمام يدير أمر المدينة ويراسل وجوه الناس .. حتى لم يبق في المدينة إلا نفر قليل لم يوافوه بالبيعة .. فأمر الإمام أن لا يعرض لهم أحد .. وأن لا يدخل عليهم أحدٌ أذىً لا بقول و لا فعل.
ولم تمض أيام على ظهور محمد بن عبد الله (ع) حتى أقبل رسول أبي جعفر المنصور إلى محمد بن عبد الله برسالة تحذير ووعيد .. فبدأها .. ((بسم الله الرحمن الرحيم .. من عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله .. {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ من خِلاَفٍ أو يُنفَوْا من الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنيَا وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا من قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ}.. ولك عليّ عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أن أؤمنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن اتبّعك على دمائكم وأموالكم وأسوغكم ما أصبت من دم أو مال وأعطيك ألف ألف درهم، وما سألت من الحوائج وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك، وأن أؤمن كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل معك في شيء من أمرك، ثم لا أتبع أحداً منهم بشيءٍ كان منه أبداً .. فإن أردت أن تتوثق لنفسك فوجه إليّ من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تثق به)).
جعل الإمام يتصفح رسالة أبي جعفر .. فرأى أن الدنيا قد أقبلت عليه من كل ناحية فغاية ما يريد المرء في هذه الحياة أن يعيش بين أهله غنياً آمناً.
ولكن الإمام محمد بن عبد الله (ع) كان قد باع نفسه لله .. فهو ما خرج ليطلب منصباً أو عرضاً من دنيا وقد آل على نفسه إلا أن يكون عوناً للضعيف وفرجاً للمظلوم وغيثاً للملهوف.
فكان جوابه على أبي جعفر أن بعث إليه برسالة قال فيها:
((بسم الله الرحمن الرحيم .. من عبد الله المهدي محمد بن عبد الله إلى عبد الله بن محمد بن علي ..
بسم الله الرحمن الرحيم {طسم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، نَتْلُو عَلَيْكَ من نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ في الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ من الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ على الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ في الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}..
وأنا أعرض عليك الأمان مثل الذي عرضت علي، فإن الحق حقنا، وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحَظِيتم بفضلنا، وإن أبانا علياً كان الوصي، وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟ ثم قد علمتم أنه لا يطلب هذا أحدٌ له مثل نسبنا وشرفنا، لسنا من أبناء اللعناء و الطرداء ولا الطلقاء..
-ثم أطال بما هو فيه حق حتى قال-: ولك الله علي إن دخلت في طاعتي وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك ومالك وعلى كل أمر أحدثته إلا حداً من حدود الله أو حقاً لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمك من ذلك و أنا أولى بالأمر منك .. أُوفِ بالعهد .. لأنك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجلاً قبلي، فأي الأمان تعطيني، أمان ابن هبيرة؟ أم أمان عمك عبد الله بن علي؟ أم أمان أبي مسلم؟! .. )).
وكان أبو جعفر قد أعطى ابن هبيرة، وعمه عبد الله بن علي، وأبا مسلم الخرساني، الأمان والعهود والمواثيق ثم خانهم .. فسجن عمه، وقتل ابن هبيرة، وأبا مسلم.
وطالت المراسلة بين أبي جعفر و الإمام محمد بن عبد الله (ع)..
ولكن هيهات للحق و الباطل أن يجتمعا ..
ولم تصل رسالة الإمام إلى أبي جعفر حتى كانت قد وصلت معها رسالة أخرى آتية من خراسان ..
فدعاة الإمام في خراسان كانوا قد بثوا في الناس دعوته .. وكشفوا للناس عن زيف أبي جعفر وجرائمه .. فأرسل والي خراسان أبو عون: ((أُخَبِّر أمير المؤمنين أن أهل خراسان قد تقاعسوا عني، وطال عليهم أمر محمد بن عبد الله)).
فزادت هذه الرسالة أبا جعفر غماً إلى غمه فجعل يفكر في طريق يطفئ بها نار فتنة أهل خراسان .. التي ثارت بالأمس فكان في ثورتها سقوط خلافة بني أمية وعمرها ثمانين عاماً.. فكيف لا تسقط دولة لم يتجاوز عمرها العشرين عاماً؟!
وأتت الرسالة الثانية .. من السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس .. يخبره فيها أن الحسن بن معاوية والي محمد بن عبد الله استولى على مكة ..
والرسالة الثالثة أن إبراهيم بن عبد الله يكاد أن يعلن عن ثورته في البصرة.. بعد أن بايعه أهل العراق..
كاد أبو جعفر أن يصعق .. .. لا بد من طريق .. ولكن أي طريق يسلك؟!.
الإستسلام للحق!! التوبة والرجوع عن جرائمه!! لا .. وجلس يحدث نفسه قائلاً:
- لا وألف لا .. أين استشارة النساء .. وأين لعب صبياننا بها.
كانت هذه النبوءة التي سمعها من لسان الإمام الصادق جعفر بن محمد تسيطر على تفكيره وتعطيه الأمل ..
وبعد أيام مريرة وليالٍ كئيبة .. أخذ أبو جعفر قراره في التمادي في جرائمه.. والحفاظ على ملكه ..
كانت هناك في ذهن أبي جعفر قاعدة، توصل إليها بعد تفكير مرير.. وهي أن قتل ذلك الطموح الخراساني متوقف على قتل مصدر الطموح الذي يتمثل في محمد بن عبد الله بن الحسن .. ولكن كيف الوصول إلى ذلك الرأس؟!! ..
أبو جعفر: يا ابن الربيع .. أريد رأس محمد بن عبد الله.
ابن الربيع: يبلغك الله مرادك يا أمير المؤمنين.
أبو جعفر: أريده بين يدي الآن يا ابن الربيع.
ذهل ابن الربيع وألجم .. فكلمات الخليفة تحمل الإصرار والجدية والوقت ليس بوقت مزاح ..
أبو جعفر: أتظن أهل خراسان ينتظرون حتى نأتيهم برأس صاحب المدينة؟.
ابن الربيع: ماذا تقصد يا مولاي .. والله لقد إلتبس عليّ الأمر! ..
أبو جعفر: قم فأمر ابن الأزهري أن يأتينا برأس محمد بن عبد الله العثماني .. أليس اسمه محمد بن عبد الله.
ابن الربيع: نعم.
أبو جعفر: أليس من أولاد فاطمة بنت الحسين ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ابن الربيع: بلى يا مولاي.
أبو جعفر: فهذا ينوب عن ذاك عند أهل خراسان حتى نأتيهم برأس ابن عبد الله بن الحسن.
وما هي إلا لحظات حتى كان محمد بن عبد الله العثماني .. يقف بين يدي أمير المؤمنين وخليفة المسلمين.
أبو جعفر: ما أشتفي من هذا الفاسق من أهل بيت فساق .. أزوجت ابنتك إبراهيم بن عبد الله؟
محمد: لا.
أبو جعفر: أفليست امرأته.
محمد: بلى زوّجها إياه عمها وأبوه عبد الله بن الحسن، فأجزت نكاحه.
أبو جعفر: فأين عهودك التي أعطيتني.
محمد: هي علي.
أبو جعفر: أفلم تعلم بخضاب؟ .. ألم تجد ريح طيب؟.
محمد: لا علم لي .. قد علم القوم مالك عليّ من المواثيق فكتموني ذلك كله.
أبو جعفر: هل لك أن تستقيليني فأقيلك .. وتُحدث لي أيماناً مستقبلة؟
محمد: ماحنثت بأيماني فتجددها عليّ .. ولا أحدثت ما استقيلك منه فتقيلني.
أبو جعفر: السياط يا غلام.
وضرب محمد بن عبد الله العثماني أشد الضرب .. ثم ضربت عنقه واحتز رأسه .. ووضع بين يدي أبي جعفر.
أبو جعفر: أين رسل والي خراسان؟.
فلما أدخلوا عليه قال لهم:
- طُوفوا بهذا الرأس في أنحاء خراسان .. وأعلِمُوا أهل خراسان أني أقسم بأغلظ الأيمان أن هذا هو رأس محمد بن عبد الله .. وأنه ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وخرج الرسل من بغداد يحملون رأس محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان .. ليكون نائباً وبديلاً عن رأس محمد بن عبد الله بن الحسن إلى حين التمكن منه.
وهكذا كان سفك الدماء أمراً مباحاً في سبيل الحفاظ على الملك .. في رأي أبي جعفر وسلاطين الجور..
كان عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس -ابن أخي الخليفة أبي جعفر المنصور- في حرب في بلاد الري .. فأرسل إليه أبو جعفر أن يقبل إليه ..
فلما حضر مجلسه .. أخبره بخروج محمد بن عبد الله بالمدينة ..
وفهم عيسى مراد عمه أبي جعفر ومطلبه منه .. فبدا على وجهه الكراهة .. وعرف أبو جعفر ذلك .. فالتفت إلى رجل كان يسمى أبو جعفر بن حنظلة البهراني- وكان صاحب رأي في الحرب ..
أبو جعفر: ما عندك يا ابن حنظلة.
ابن حنظله: أين ظهر؟
أبو جعفر: ظهر بالمدينة.
ابن حنظلة: الحمد لله .. ظهر حيث لا مال ولا رجال ولا سلاح و لا كراع.. ابعث مولى لك تثق به، فلينزل بوادي القرى، فيمنعه من مسيره إلى الشام .. فيموت مكانه جوعاً ..
فالتفت أبو جعفر إلى عيسى .. وقال له:
- يا عيسى .. قم فامض لقتال هذا الرجل.
عيسى: شاور عمومتك.
أبو جعفر: امض يا رجل .. فو الله ما يراد غيري وغيرك وما هو إلا أن تشخص أو أشخص.
عيسى: بل أشخص يا أمير المؤمنين.
أبو جعفر: فاذهب وأعد نفسك حتى يصل إلينا بقية جيش الشام.
وأسرع عيسى إلى مغادرة مجلس الخليفة والخليفة يتبعه ببصره .. فلما توارى عنه .. أفصحت شفتاه بابتسامة ساخرة تنبي عن سريرة خبيثة، وقال -في سخرية بادية:
- والله لا أبالي أيهما قتل صاحبه!.
***
لم يكن أبو جعفر يفكر إلا في نفسه وفي سلطانه فقط .. لا يهمه أن يقضي على أقرب الناس له مادام قد سلم له سلطانه.
أبو جعفر: يا ابن الربيع .. من الذي ينزل قصرنا من أبناء علي بن أبي طالب؟
ابن الربيع: هناك ثلاثة منهم .. من أشد الناس ولاءً لك يا أمير المؤمنين.
أبو جعفر: من هم يا ابن الربيع؟
ابن الربيع: الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، وعلي بن جعفر بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر، ومحمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي.
أبو جعفر: كيف هؤلاء وقلوب الناس؟
ابن الربيع: ليس لأحد منهم في قلوب الناس إلا البغض والاحتقار .. فهم من شذ من أهل بيتهم.
أبو جعفر: كيف هؤلاء وأهل بيتهم؟
ابن الربيع: قد باينهم حتى أبناؤهم .. فأبناء الحسن بن زيد من أشد الناس حباً لمحمد بن عبد الله وكذا المرجي بن علي بن جعفر.
أبو جعفر: فأدخلهم عليّ الساعة.
كان أبو جعفر يفكر أن يضرب أهل هذا البيت بعضهم بعض .. فلا يحتج محمد بن عبد الله بقول .. ولا يدعي لنفسه منقبة إلا ويكون في جيش عيسى من هو مثله فيها .. فلما صار الثلاثة بين يديه ..
أبو جعفر: ياحسن .. كأني أنظر إلى ابنيك واقفين على رأس محمد بسيفين عليهما قباءان.
الحسن بن زيد: يا أمير المؤمنين .. قد كنت أشكو إليك عقوقهما قبل اليوم.
وفي سخرية .. نظر أبو جعفر إلى من كان حقيقاً بالاستهزاء .. ثم قال:
- أجل .. أجل فهذا من ذاك. [يشير أبو جعفر إلى ما كان عليه الحسن بن زيد من عصيانه لوالده .. وعقوقه لرحمه .. وخروجه عن طريق أهل بيته].
أبو جعفر: ومن هذا المسمى بالمرجي .. فعل الله به وفعل .. فقد أكثر الناس في ذكره.
علي بن جعفر بن إسحاق: يا أمير المؤمنين ذاك ابني .. والله لئن شئت أن ننتقم منه لأفعلن.
أبو جعفر: بل اخرجوا مع عيسى في جيشه .. وانصحوا الناس بترك البيعة لمحمد بن عبد الله وأخبروهم أنكم أهل بيت لاحظ لهم في الملك.
وفي تلك اللحظة دخل عيسى بن موسى .. فتوجه إليه أبو جعفر بالخطاب:
- يا عيسى من لقيك من آل أبي طالب فاكتب إليّ باسمه .. ومن لم يلقك فقيض ماله..
ثم قال له -محاولاً أن يستميل من حضر في مجلسه من آل أبي طالب ويطمعهم فيما عنده:
- يا عيسى .. إني أبعثك إلى ما بين هذين - وأشار إلى جنبيه - فإن ظفرت بالرجل فشم سيفك، وابذل الأمان، وإن تغيب فضمنهم إياه حتى يأتوك به، فإنهم يعرفون مذاهبه.
عيسى: سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين.
أبو جعفر: قد وجهت معك خير جند .. وخير قواد .. فمعك ابن عمك محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين، وحميد بن قحطبة وهم فرسان العرب والعجم .. فاجعلهم لك مقدمة .. واجعل ابن أبي الكرام الجعفري وزيراً لا تقطع في أمر إلا بمشورته .. وابن الأصم لا تنزل في منزل إلا برأيه .. فإن له في ذلك تجربة.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|