الفصل الثالث
توجّه أبو جعفر لأداء فريضة الحج ونزل بالربذة قبل أن يدخل المدينة في ذي القعدة عام 144 هجرية..
فلما علم رياح بنزول أبي جعفر بالربذة، خرج إليه في وجوه أهل المدينة .. ورياح يرجو أن يكون قد رضي مولاه وخليفته عنه بما فعله بأبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..
فلما جلس إلى أبي جعفر أطلعه على أخبار المدينة التي لم يكن بغافل عنها .. فعيونه ينقلون إليه الأخبار بلا انقطاع ..
أبو جعفر: أخبرني يا رياح .. أين ترى محل آل أبي طالب من قلوب الناس ..
رياح: يا أمير المؤمنين .. أما أهل خراسان فشيعتك وأنصارك .. وأما شيعة أهل العراق فشيعة آل أبي طالب .. وأما أهل الشام فو الله ما هو عندهم إلا كافر .. وما يعتدون بأحد من ولده .. ولكن أخاهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان .. والله لو دعا أهل الشام ما تخلف عنه منهم رجل.
أبو جعفر: فعد إلى المدينة وأرسل إليَّ من في سجنك من آل الحسن .. وأرسل إلى أخيهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان .. فأخرجه معهم .. واستصف أموالهم واعرضها للبيع.
***
كان أبو جعفر قد أضمر في نفسه أن يضع لهذا الأمر حداً .. حتى لو اضطر أن يقتل كل آل الحسن ..
فلما دخل رياح المدينة .. بدأ بالأموال فباعها .. وجرد نساء أهل البيت وأطفالهم من كل ما يملكون .. فجعل أحدهم لا يدري من أين يسد جوعه!! وكيف يستر عورته!!
وحين دخل أبو حنين على عبد الله بن الحسن في سجنه.. سأله عبد الله:
- هل حدث اليوم من خبر؟
أبو حنين: نعم .. فقد أمر رياح ببيع متاعك ورقيقك .. ولا أدري أأحدٌ يقدم على شرائها؟
عبد الله: ويحك يا أبا حنين .. والله لو خُرِجَ بي وببناتي مسترقين لاشتُرينا!
كان عبد الله يعلم أن الناس أتباع سلاطينهم .. وأن كل منافق لا يمكن أن يدخل في قلبه حب أهل البيت (ع) بل هم أشد خصومة ..
وأدرك أن أصحاب القلوب المريضة سيبادرون إلى شراء أمواله لينالوا بذلك رضاء السلطان .. ورضاء قلوبهم المولعة ببغض آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ..
***
وبعد أن انتهى رياح من بيع الأموال .. حمل آل محمد من سجنهم قد أثقلتهم سلاسلهم .. وضاقت بهم أحوالهم.. وأخرجهم إلى الربذة..
وطافت القافلة بشوارع المدينة .. وخرج صبيان آل الحسن.. ونساؤهم ليودعوا آباءهم وإخوانهم في موكب مهيب ..
وعزفت الدموع على الخدود أنشودة الوداع ..
وخرج أصحاب الأحقاد والضغائن وعباد الهوى .. وأتباع الأمراء .. ليمتعوا أنظارهم برؤية آل محمد يساقون كما تساق الأغنام.
فلما صارت القافلة على مشارف المدينة .. التفت نحوهم شيخ حاقد يسمى الحارث بن عامر بن عبد الرحمن فقال لهم:
- الحمد لله الذي أخرجكم من بلدنا ..
والتفت إليه الحسن بن الحسن وأراد أن يجيبه فأوقفه أخوه عبد الله وقال له: عزمت عليك إلا سكتَّ.
فصمت الحسن المثلث وامتثل لأمر أخيه الأكبر ..
***
كان هناك شيخ طاعن في السن يرسل الرسول تلو الرسول ليأتوه بأخبار عشيرته وبني عمومه ..
كان ذلك الشيخ هو الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر (ع).. فلما أقبل الحسين بن زيد بن علي كان الإمام جعفر ينتظره ..
جعفر: ما وراءك؟
الحسين: رأيت بني الحسن يُخرج بهم في محامل.
جعفر: إجلس يا أبا عبد الله .. ثم أشار إلى غلام له فقال له: إذهب أنت أيها الغلام .. فإذا رأيتهم قد أقبلوا فاسبقهم .. وأخبرني بقدومهم ..
وبينما جعفر بن محمد يصلي ويناجي ربه ويتضرع إليه.. إذا بالغلام يدخل عليه..
الغلام: هاهم قد أقبلوا يا مولاي ..
فقام جعفر الصادق من مكانه وصعد إلى مكان يشرف على الطريق .. يراهم من حيث لا يرونه .. وكأنه يريد أن يلقي عليهم نظرة الوداع الأخيرة .. قبيل الرحيل الذي ليس بعده رجوع.
فإذا به يرى عبد الله بن الحسن في محمل يتقدم القافلة وبعده آل الحسن .. فهملت عيناه وجرت دموعه حتى خضبت لحيته .. ثم التفت جعفر إلى الحسين بن زيد بن علي فقال:
- يا أبا عبد الله .. والله لا تُحفظ حرمة لله بعد هؤلاء .. والله ما وفت الأنصار وأبناء الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما أعطوه من البيعة على العقبة، فقد حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (خذ عليهم البيعة بالعقبة، فقال: كيف آخذ عليهم؟ .. قال: خذ عليهم يبايعون الله ورسوله أن يطاع فلا يعصى وأن تمنعوا رسول الله وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم).. فو الله ما وفوا له حتى خرج من بين أظهرهم، ثم لا أحد يمنع لامس!! اللهم اشدد وطأتك على الأنصار.
واختفت القافلة عن الأنظار وتوارت بيوت المدينة عن عيون أصحاب القافلة..
وقطعت القافلة الميل الأول .. ثم الميل الثاني ..
فإذا بفارسين كأنهما البرق في لمعانه يطويان الأرض .. ويتجهان نحو القافلة ..
كان الفارسان لا يظهر منهما إلا لمعان عيونهما .. جعلا يستعرضان ركاب القافلة ..
وقد صار أحدهما عن يمين محمل عبد الله بن الحسن .. والآخر عن شماله ..
محمد: أبي .. ماذا ترى أن نفعل؟ .. فإني أخاف عليكم صولة هذا الطاغية .. هل ترى أن أخرج بمن قد بايعني؟
عبد الله: يا محمد .. وأنت يا إبراهيم .. لا تعجلا حتى يمكنكما ذلك، إن منعكم أبو جعفر أن تعيشا كريمين، فلا يمنعكما أن تموتا كريمين.
واستأذنا أباهما وانطلقا لا يعرف أحد من هما؟ ولا من أين أتيا؟ ولا أين سيذهبان؟
وما هي إلا ساعة من الزمن حتى توقفت القافلة بالربذة .. وأقبل جنود أبي جعفر بالحديد والقيود والأغلال حتى يضيفوها إلى ما على بني الحسن من القيود ..
وبدأ الحداد يقيّد أقدامهم ويَغِلّ أيدهم إلى أعناقهم .. وكان عليٌ العابد قد قام يصلي ويتنفل لا يأبه بما يدور حوله.. فصليل القيود وضرب مطارق الحدادين ما كانت لتشغله عن عبادته ..
ولكن آهات المتألمين من أهل بيته كانت تعصر قلبه وتنكيه ..
فقد كان هناك قيد شديد الثقل .. فجعل آل الحسن يتحاشونه .. وكلما أقبل به على فرد منهم كره أن يقيد به واستعفى ..
فلما انتهى علي من صلاته .. التفت إلى أهله فقال: لشد ما جزعتم من هذا القيد .. شرعه هذا.
ومد رجليه ليقيد به ..
(2)
كان محمد بن عبد الله بن عثمان بن عفان قد أُخذ مع أخوته لأمه من آل الحسن بعد أن زوّج ابنته بإبراهيم بن عبد الله بن الحسن..
وبينما جند أبي جعفر يغلون آل الحسن بقيودهم .. أرسل أبو جعفر في طلبه
فقام محمد بن عبد الله العثماني من جوار أخيه لأمه عبد الله بن الحسن كأنما خلق من فضة .. طويل القامة .. حسن الخلقة .. وعليه من الثياب قميص وطيلسان أخضر ..
فلما وقف بين يدي أبي جعفر قال له أبو جعفر: يا ديوث.
محمد العثماني: سبحان الله .. والله لقد عرفتني بغير ذلك صغيراً وكبيراً.
أبو جعفر: فمما حملت ابنتك؟ وقد أعطيتني الأيمان بالطلاق والعَتَاق ألاّ تَغُشّني ولا تماليء عليّ عدواً.. ثم أنت تدخل على ابنتك متخضبة متعطرة، ثم تراها حاملاً فلا يروعك حملها .. فأنت بين أن تكون حانثاً أو ديوثاً .. والله إني لأهم برجمها.
محمد العثماني: أما أيماني فهي علي إن كنت دخلت لك في أمر غش علمته .. وأما ما رميت به الجارية، فإن الله أكرمها بالولادة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. ولكني ظننت حين ظهر حملها أن زوجها ألمّ بها على حين غفلة منا.
لم تزد تلك الكلمات أبا جعفر إلا غضباً وغيظاً.. فأراد أن يشفي غيظه.. وأن يغيظ عبد الله بن الحسن ويدخل الهم عليه بتعذيب أخيه لما كان يعلم من محبة عبد الله بن الحسن لأخيه محمد بن عبد الله العثماني.. فنادى على جنوده:
- شقوا ثياب هذا الفاسق.
فبادر الجنود إلى شق ثيابه .. فلم يبق عليه إلا سترة رقيقة تستر عورته .. ثم أقبل الجلاد فجعل يضربه بسوطه بكل ما أوتي من قوة .. حتى اسود جسمه بعد بياضه .. وأصابه سوط في وجهه .. فتأوه محمد العثماني وقال للجلاد:
- ويحك أكفف عن وجهي .. فإن له حرمة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أبو جعفر: عليك بالرأس .. الرأس .. الرأس.
فضربه الجلاد ثلاثين سوطاً في رأسه .. وأصاب سوط منها عينه .. فسالت على خده.
فلما تفجر جسمه بالدماء والتصق الثوب الرقيق بجسمه .. أمر أبو جعفر بخشبة على طول محمد .. فشد فيها عنقه ويداه وحمل إلى خارج حجرة أبي جعفر وقد لصق ثوبه بعورته حتى كادت أن تظهر..
فأسرع إليه غلامه يقول له:
- بأبي أنت وأمي .. ألا ألوثك بردائي.
فقال له محمد بن عبد الله العثماني: بلى .. جزيت خيراً .. فو الله لشفوف إزاري أشد علي من الضرب الذي نالني.
وبعد أن ألقى الغلام عليه الثوب .. أُخذ إلى أصحابه في سجنهم.
فلما رآه عبد الله اشتد حزنه .. وجعل يسترجع .. ولا يدري كيف يخفف الآلام عن أخيه .. فقام إليه جماعة من بني الحسن يريدون أن ينزعوا عنه ثوبه.. فإذا بالثوب قد التصق .. فتأوه محمد بن عبد الله لشدة الألم فقال عبد الله لأصحابه:
- لا .. دعوه .. هل من رجل يأتينا بزيت؟
فأعطاه بعضهم زيتاً .. فسل الثوب سلاً بعد أن عالجه بالزيت ..
وبلغ العطش بمحمد بن عبد الله العثماني مبلغه فجعل ينادي بصوت ضعيف: هل من شربة ماء .. ماء؟
فتوجه عبد الله بن الحسن نحو جمع من الناس كانوا قد اجتمعوا يتفرجون عليهم.. وصاح فيهم:
- يا معشر الناس .. من يسقي ابن رسول الله شربة ماء؟
فلم يجرؤ أحد من الناس أن يفعل ذلك .. وتحاماه جميع الناس حتى أقبل رجل خراساني بماء .. فسقاه .. وبينما عبد الله يحاول أن يخفف عن أخيه آلامه .. ويداوي جروحه، خرج أبو جعفر من حجرته .. فركب في محمل على بغلة شقراء.. وهو في شق المحمل ووزيره الربيع يعادله في الشق الأيمن ..
فلما أشرف أبو جعفر على المساجين .. إلتفت إليه عبد الله قائلاً:
- يا أبا جعفر .. ما هكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر.
فرد عليه أبو جعفر أسوأ رد وقال له: إخسأ يا هذا..
ثم تفل عليه، وانصرف لا يكاد يبالي بهم .. أو ينظر إليهم أو يرحم حالهم.
فلما توارى أقبل عليهم سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس- عمّ أبي جعفر، وصهر آل الحسن .. فلما أشرف عليهم .. قام إليه عبد الله بن الحسن على سبيل المستغيث فقال له:
- يا أخي .. صهري بك صهري .. ورحمي بك رحمي فيما ترى.
سليمان: والله لكأني أنظر إلى عبد الله بن علي حين حال أبو جعفر الستر بيننا وبينه وهو يشير إلينا: أيّ شيء هذا الذي فعلتم بي؟! فلو كان عافياً عن أحد عفا عن عمه.
فأيقن عبد الله أنها النهاية وأن أبا جعفر لن يرعى لهم حرمة ولا قرابة .. ولن يألو جهداً في إيذائهم.
***
وبعد أيام مر أبو جعفر على السجن ورأى جمعاً من الناس ينظرون إلى آل الحسن في قيودهم..
أبو جعفر: ما بال هؤلاء الناس يقفون هنا؟
الربيع: إنما ينظرون إلى محمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن المسمى بالديباج الأصفر لشدة حسنه..
أبو جعفر: أفي آل الحسن ما يجعل الناس ينظرون إليهم .. ادخلوا علي هذا المسمى بالديباج الأصفر.
فلما نظر إليه أبو جعفر قال له:
- أنت الديباج الأصفر؟
محمد بن إبراهيم: نعم.
أبو جعفر: أما والله لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحداً من أهل بيتك .. ادخلوا الأسطوانة التي في مكان كذا..
فلما أدخلت أمر بإفراغها .. فلما صارت مفرغة أمر بمحمد بن إبراهيم فأدخل فيها .. فبنيت عليه وهو حي ..
وبمثل هذه الجرائم كان أبو جعفر يرسل رسالة صامتة إلى عبد الله بن الحسن .. مضمونها أنه لا رحم ولا قرابة يمكن أن تراعى ..
وبأن كل من تسول له نفسه أن يقف في طريقه فإن الموت هو مصيره ..
كان أبو جعفر يريد بهذا أن يهز تلك الشخصية التي بلغت من الإباء والعزة .. أن تقطن في السجن عاماً بعد عام .. دون أن يرى منها خضوعاً أو ذلة بين يدي سلطان جائر .. أو دخول في معصية الله .. حتى ولو مجرد السكوت والمداهنة ..
كان شعار عبد الله{رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}. ويرفع هذا الشعار الذي لا يقبل المساومة..
بل تجاوزت هذه العبارة إلى: (ربِّ .. الموت والتعذيب والنشور .. أحب إلي مما يدعونني إليه من معاصيك ..)..
وبهذا شيد عبد الله في قلب أبي جعفر قصراً من اليأس .. أن ينال شيئاً من عبد الله.. إلا أن كبرياء وجبروت أبي جعفر ما كان ليجعله يعترف بضعفه..
أبو جعفر - وقد خلا ببعض خواصه: كلما رمت من عبد الله ذلة زدته عزة .. فمتى يأتي خاضعاً ذليلاً؟
أحد خواصه: استذله بأهله من ولده وبني عمه فإنه أشفق الناس بهم.
أبو جعفر: إذن أفعل .. بل أدخل بينهم الخلاف أو أسلب منه ثقة أهله .. لقد بلغني أن موسى أحب ولده إليه .. ولا أراه يفرط فيه .. ولم يبق معه سواه..
وجعل أبو جعفر يتمتم ببعض كلمات غير مفهومة ورفع صوته بالضحك، ثم حدث نفسه قائلاً:
- إن عبد الله لا يقدر على فراق ولده موسى .. فإذا ساوم إخوته أبنائهم كرهوا ذلك منه .. ووقع بينهم الخلاف.
ثم صاح بأحد غلمانه:
- يا غلام إذهب إلى عبد الله في سجنه وأبلغه أن يرسل إليّ أحدهم وأعلمه أنه غير عائد إليه أبداً.
الغلام: أمر مولاي.
وانطلق الغلام من ساعته نحو السجن فلما أقبل على عبد الله قال له:
- أمير المؤمنين يقول لك .. أرسل إليه أحدكم وأعلم أنه غير عائد إليك أبداً.
عبد الله: إنا لله وإنا إليه راجعون .. ألا يكفيه ما فعل بنا حتى يفجعنا بقتلنا.
نهض جماعة من شباب بني الحسن كل يريد أن يفدي الآخر بنفسه .. وجعل كل منهم يعرض نفسه على عبد الله .. فجعل يردهم بكلام لين لطيف ..
عبد الله: جزاكم الله خيراً من أهل بيت .. إني أكره أن أُفجع أهلكم بكم ..
ثم إلتفت إلى ولده وقرة عينه .. ومن يرى فيه ملامح الغائبين من ولده قائلاً:
- ولكن اذهب أنت يا موسى{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً}.
وهكذا كان عبد الله الكامل يعيش للباقيات الصالحات فقط ..
وأُخذ موسى وأُسرع به إلى أبي جعفر .. فلما رآه وعلم أنه قد خاب أمله قال له أبو جعفر:
- لا أنعم الله بك عيناً .. السياط يا غلام.
وصبَّ أبو جعفر غضبه على عبد الله بضرب ولده موسى .. فجعلوا يضربونه حتى أغمي عليه .. فما أفاق حتى كان قد وضع بين يدي أبي جعفر..
أبو جعفر: أتدري ما هذا؟ هذا فيض فاض مني .. فأفرغت منه سَجْلاً لم أستطع رده ومن ورائه الموت أو تُفتَدى منه.
موسى: يا أمير المؤمنين .. والله ما كان لي ذنب وإني لمنعزل عن هذا الأمر.
أبو جعفر: فانطلق فأتني بأخويك.
موسى: يا أمير المؤمنين .. تبعثني إلى رياح بن عثمان .. فيضع علي العيون والرصدة ويعلم ذلك أخواي .. فيهربان مني.
أبو جعفر: أكْتُب إلى رياح أن ليس له عليك سلطان .. ولكني أُرسل معك من يكتب إلي بأخبارك...
وأرسل أبو جعفر إلى عبد الله من يخبره بذلك.
فعلم عبد الله بما أراده أبو جعفر من موسى .. فأرسل إلى أبي جعفر أن يرسل إليه موسى .. حتى يكتب معه إلى محمد وإبراهيم أن يأتياه.
فلما وصل الرسول إلى أبي جعفر فرح بذلك واستبشر وأخذ يحدث نفسه قائلاً:
- الآن نلت ما أريده من عبد الله .. فقد ضاق به سجنه حتى عرض علي يكتب إلى ولده..
ثم قال لشرطته: دعوا موسى يذهب إلى أبيه .. ودعوه فليكتب له رسالة إلى محمد وإبراهيم..
وكتب عبد الله الرسالة .. ثم اقترب عبد الله من ولده موسى وهمس في أذنه قائلاً:
- أبلغهما فلا يأتيانه أبداً .. فإن لم تستطع تكليمهما .. فأنشد قائلاً:
بني أمية إني عنكم غان ... وما الغنى غير أني مرعش فان
بني أمية إلا ترحما كِبري ... فإنما أنتما والثكل مثلان
فإذا حدثتهما بذلك فإنهما يفهمان..
كان عبد الله الكامل يخاف أن يعلم محمد وإبراهيم بما أهلهما فيه من الشدة .. فترق قلوبهما .. فيعجلا في أمرهما..أو يسلما نفسيهما إلى أبي جعفر لينجو أهلهما.
***
وأعيد موسى إلى المدينة ظناً منهم أنه سيكون طعماً لمحمد وإبراهيم وعيناً لأبي جعفر عليهم ..
فكان أبو جعفر بهذا أعمى الناس بصيرة .. فكيف للأخ أن يسلم أخاه؟! ..
بل كيف للأخ أن يبيع حياته وحياة إخوته ..
ومن يضمن لموسى إن دلهم على أخويه أن يكون في ذلك نجاته؟..
ونزل موسى في بيت مروان .. يخرج منه صباحاً فلا يعود إلا ليلاً .. يتحين الفرصة للقاء إخوته .. ينقل إليهم ما خفي عنه من أحوال أهلهم ..ويبحث عن أهل الحاجة من أهله الذين غاب عنهم رجالهم وساء حالهم .. وضاقت معائشهم .. وامتنع الناس من إعطائهم .. إما خوفاً وفرقاً من أبي جعفر .. أو بغضاً وحسداً ..
فكان مقامه في المدينة رحمة من الله لأهل بيت النبوة .. وغيظاً لرياح وأعوانه .. فكان رياح لا يتجاسر أن يعرض له في طريق ولا أن يمنعه من شيء أراده ..
(4)
جعل أبو جعفر فترة مقامه في مكة والمدينة يتلمس أخبار محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن.. فدخل عليه يوماً عمه عيسى بن علي .. فأسر إليه حديثاً ..
عيسى: لقد بلغني أن عبد الرحمن بن أبي الموالي يعرف مكان محمد وإبراهيم وهو أكثر الناس اختلاطاً وحباً لبني هاشم .. فارسل من يأتيك به.
أبو جعفر: أهو هو؟
عيسى بن علي: نعم .. هو هو يا أمير المؤمنين .. وإن أنت شددت عليه أخبرك بمكانهما.
فأسرع أبو جعفر في طلب عبد الرحمن ..
فلما دخل عبد الرحمن على أبي جعفر بدأه بالتحية..
عبد الرحمن: السلام عليك يا أمير المؤمنين.
أبو جعفر: لا سلام عليك .. أين الفاسقان ابنا الفاسق؟ .. أين الكاذبان ابنا الكاذب؟
عبد الرحمن- في ثبات الرجل المؤمن بموقفه: يا أمير المؤمنين .. هل ينفعني الصدق عندك؟
أبو جعفر: وما ذاك؟
عبد الرحمن: امرأتي طالق إن كنت أعرف مكانهما.
أبو جعفر: كذبت .. السياط يا غلام.
ونزلت نقمة الظالمين على ذلك الضعيف المسكين .. فضرب أربعمائة سوط .. واستنقذ الله عبده المسكين بغيبوبة، لم يشعر بعدها بما يفعل به .. ولم يفق إلا على صليل أصوات حديد قيود عبد الله بن الحسن وهو يداوي جراحه ويغسل عنه الدماء .. ودموعه تخضب تلك اللحية البيضاء .. التي تزين وجه شيخ يشع النور منه، يكاد المرء أن ينسى جميع آلامه .. كلما نظر إليه ..
***
وبعد أيام أصدر أبو جعفر أمره إلى أبي الأزهر بحمل المساجين من بني هاشم ومعهم محمد بن عبد الله العثماني إلى الهاشمية في العراق ليكون سجنهم في قصر ابن هبيرة ..
وبدأت القافلة سفرها بخطى حثيثة نحو العراق .. وبعد أيام من السفر ظهرت منارات وبيوت النجف على بعد ..
وأخيراً .. أشرفت القافلة على مرقد الإمام علي (ع) والمسجد الأعظم ..
وأشرأبت أعناق آل الحسن .. يتطاولون لكي يروا قبر أبيهم أمير المؤمنين (ع).. وسبحوا في ذكريات الأمس الغابر .. يوم كان أمير المؤمنين يقود الجيوش وعلى يمينه ابن عمه عبد الله بن عباس حبر هذه الأمة .. فكان أشد الناس طاعة لأمير المؤمنين (ع).. فكيف لو اطلع ابن عباس على أحفاده ورأى ما يفعلون بأحفاد ابن عمه ومولاه أمير المؤمنين (ع)؟!.
وتأوّه ذلك الشيخ الطاعن في السن .. الذي أكلت السجون والأحداث ما لان من جسمه .. وتركته كهلاً .. قد ابيض شعر رأسه ولحيته ..
ثم التفت ينظر من بعيد إلى مرقد جده والبيوت التي تكتنفه ..وتساءل في نفسه: -أما في هذه القرية من يمنعنا من هذا الطاغية؟ ..
كان عبد الله يحدث نفسه بتلك الكلمات .. وهو يرى الأمة تقف موقف المتفرج وكأن لا شأن لهم بما يحدث ..
ولكن كلماته تلك كانت قد تجاوزت القافلة إلى شابين من أهل النجف كانا على مقربة منه ..
فأسرعا إلى سلاحهما .. ثم أقبلا نحو الموكب مسرعين وقد أخفيا سيوفهما تحت ثيابهما.. فلما اقتربا من مركب عبد الله بن الحسن قالا له:
- قد جئناك يا ابن رسول الله .. فمرنا بالذي تريد.
جعل عبد الله ينقل بصره بين القيود التي في أيدي وأقدام بني هاشم .. ثم ينظر إلى الشابين .. ويسرع ببصره إلى تلك الجموع التي قد أحاطته من جنود بني العباس.. فقال لهما:
- قد قضيتما ما عليكما .. ولن تغنيا في هؤلاء شيئاً .. فانصرفا ..
فولى الشابان وأعينهما تفيض بالدمع حزناً وكمداً على آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يجدا ما يفعلان في سبيل نصرتهم.
وأكملت القافلة مسيرتها .. حتى دخلوا الهاشمية .. فإذا بالسجون قد هيئت لاستقبالهم .. ففتح لهم سرداب مظلم تحت القصر .. فأدخلوا فيه .. لا يكاد أحدهم يرى أخاه لشدة الظلام ..
***
وكان أبو جعفر قد عاد بعد أداء فريضة الحج خائباً .. منكسر البال .. كئيب النفس..لا يستقر به حال ولا يقر له قرار .. قد ضاق به ملكه .. وتنغص عيشه.. لا يدري أي طريق يسلك في أمر محمد وإبراهيم..!
فقد بذل الأموال فلم تُجْد شيئاً.. ونشر الجواسيس في كل بلاد .. واستخدم كل طرق الإرهاب .. ولم يداخله شك في قريب ولا بعيد .. إلا وكان مصيره السجن أو القتل..
فماذا يمكن أن يفعل؟! ..
فجعل يلجأ إلى طريق أخرى .. فقد أشاع في الناس أنه يمتلك مرآة إذا نظر فيها علم عدوه من صديقه .. وفي أي بلد ينزل وشاع هذا الخبر .. وهاب الناس أمر أبي جعفر ..
ثم جعل أبو جعفر يجمع السحرة والمنجمين يأمرهم أن ينظروا في النجوم ليعرفوا هل قد آن لملكه انقراض .. ويعرفون له موقع محمد بن عبد الله ..
فكانوا لا يكفون عن ضرب رمالهم .. والنظر إلى النجوم .. فإذا أدْلوا بشيء من كذبهم إلى أبي جعفر .. أرسل إلى واليه على تلك المنطقة أن أرسل بطلب محمد في مكان كذا وكذا ..
وبينما هو على مثل هذا الحال .. إذ أقبل إليه رسل والي المدينة .. فأمر بإدخالهم..
أبو جعفر: ما خبر المدينة وأهلها؟
أحد الرسل: هذه رسالة رياح بن عثمان المري.
تصفح أبو جعفر الرسالة فإذا فيها:
((إلى أمير المؤمنين .. من خادمك المطيع رياح ..
لقد أبقيت لنا موسى بالمدينة .. ليكون عيناً لإخوته علينا .. فماذا ترى أن نفعل؟)) ..
ثم طوى الرسالة وقال لكاتبه: أكتب إلى رياح: ((إذا وصل إليك كتابي .. فكبل موسى بالحديد واسله إلى العراق)).
***
وفي سجن ابن هبيرة ..
عبد الله بن الحسن: أفيكم من يعرف أي وقت هذا .. هل الليل قد دخل؟! .. أم لا زال الوقت نهاراً.
الحسن: ومن أين لنا أن نعرف الليل من النهار .. وليس في هذا السرداب نافذة تطل منها الشمس أو يرى منها الضوء ..
إبراهيم: فكيف نعرف وقت الصلاة فنؤديها؟
علي العابد: إن وقت المغرب قد دخل فقوموا بنا لنصلي.
عبد الله: وكيف عرفت هذا يا ابن أخي؟ .. وقد إنْبَهم على جميع أهل بيتك في هذا السجن المظلم.
علي العابد: كنت أعتاد أن أقرأ أورادي.. وأتلو من القرآن كذا وكذا من بعد صلاة العصر فلا أتمها حتى يدخل وقت صلاة المغرب .. وها أنا قد أتممتها.
وهكذا كان الجميع في ذلك السجن المظلم يؤدون فروضهم .. لا يجدون ما يدلهم على الوقت إلا رواتب كان يؤديها علي العابد بن الحسن المثلث.
***
وطالت أيام السجن .. وساءت أحوالهم .. وضعفت أبدانهم .. حتى صار الرجل منهم لا يجد صعوبة في أن يخلع قيوده .. فكان الجميع يخلعون قيودهم فإذا سمعوا صوت قادم أعادوها.. إلا علي العابد فإنه كان لا يخلع قيده ولا يحله عن قدمه .. فلما أثرت القيود في ساقيه لكثرة قيامه وقعوده في صلاته أقبل عليه أبوه وبني أعمامه..
الحسن المثلث: يا بني ما منعك أن تفك قيودك؟
علي: لا والله لا أخلعه أبداً حتى أجتمع أنا و أبو جعفر عند الله فيسأله لم قيدني به؟
فبكى الجميع .. وتوجهوا إلى الله يدعونه أن يعجل بفرجه..
فجعل علي يرفع صوته بالدعاء قائلاً: (اللهم إن كان هذا سخط منك علينا فاشدده حتى ترضى).
عبد الله بن الحسن: ما هذا يرحمك الله؟ أتدعو لنا أم علينا .. ألا ترى ما نحن فيه من البلاء؟ .. ألا تدعو الله عزّ وجلّ أن يخرجنا من هذا الضيق والبلاء؟! ..
علي: يا عم .. إن لنا في الجنة درجة لم نكن لنبلغها إلا بهذه البلية .. أو أعظم منها .. وإن لأبي جعفر في النار موضعاً لا يبلغه حتى يبلغ منا مثل هذه البلية أو أعظم منها.. فإن شئت أن تصبر فما نوشك فيما أصابنا أن نموت فنستريح من هذا الغم .. كأن لم يكن منه شيء .. وإن تشأ ندع ربنا أن يخرجنا من هذا الغم ويقصر بأبي جعفر غايته التي له في النار، فعلنا.
عبد الله: لا .. بل نصبر .. فاسمع أنت ومن معك من أهلك في هذا السجن ما أخفيت عنكم.
علي: ما ذاك يا عماه .. أهو أشد مما نحن فيه؟!
عبد الله: حدثتني فاطمة بنت علي الصغرى عن أبيها علي بن أبي طالب (ع) عن جدتها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يدفن من ولدي سبعة بشاطئ الفرات .. لم يسبقهم الأولون ولا يلحقهم الآخرون)) ..
علي: ولكن نحن ثمانية؟!
عبد الله: هكذا سمعته.
فعلم الجميع أنهم مقتولون وأن هذا السجن هو قبرهم .. فجعلوا من السجن مسجداً لا يسمع فيه ولا يرى إلا قائماً يصلي أو راكعاً أو ساجداً .. أو تالياً للقرآن أو مناجياً ومستغفراً .. كل يرجو أن يقبل على الله بصحيفة قد ضاقت بالأعمال الصالحة.
فما أشقى يداً شاركت في قتلهم!! (وعند الله تجتمع الخصوم)
| توقيع : أبوحيدر.... |
|