عبد الرحمن بن مُلجم المرادي اللعين، كان يسمى أشقاها، أي أشقى أمة النبي صلى الله عليه وآله ، وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي -عليه السلام-(من أشقى الأولين والآخرين))؟ فقال: الله ورسوله أعلم، فقال(أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين الذي يضربك يا علي)) وأشار إلى حيث يضرب.
وروي أن علياً -عليه السلام- اشتكى شكوى -أي مرض- فلما شفي، قالوا له: لقد خفنا عليك، قال: ما خفتم عليَّ ؟ قالوا: الموت، قال : لعمري ما من الموت أمان، ولكن حدثني الصادق المصدوق : ((أني لن أموت حتى تخضب لحيتي هذه من دم رأسي، يضربني أشقى هذه الأمة، كما عقر ناقة الله أشقى ثمود )).
وروى الحاكم أبو سعيد عن عبد الله بن يشيع، قال: خطبنا أمير المؤمنين، وقال: فيما عهد إليَّ رسول الله ً (لتخضبَّن هذه من دم هذا )) فقالوا : يا أمير المؤمنين، ألا تخبرنا به لنبيد عترته، قال : أنشد الله امرءاً قتل غير قاتلي.
وروي أنه كان إذا رأى ابن مُلجَم، تمثل بقول عمرو بن معدي كرب:
أريد حياته ويريد موتي= عذيرك من خليلك من مراد
فيقول له أصحابه: هلا تقتله؟ فيقول: كيف أقتل قاتلي ؟ وتارة يقول: إنه لم يقتلني فكيف أقتل من لم يقتلني ؟
وروي أنه لما خرج إلى صرح المسجد تصايح البط خلفه فزجرهنَّ بعض الحاضرين، فقال: دعوهنَّ فإنهنَّ نوائح.
وعن أبي الأسود الدؤلي قال سمعت علياً يقول: أتاني عبد الله بن سلام وقد أدخلت رجلي في الغرز، فقال لي: أين تريد؟ فقلت: العراق. فقال: أما إنك لو جئتها ليصيبنَّك بها ذباب السيف، ثم قال علي -عليه السلام-: والله لقد سمعت رسول الله ً يقول مثله قال أبو الأسود : فعجبت منه رجل محارب يحدث بمثل هذا عن نفسه.
وروي أنه -عليه السلام- لم ينم تلك الليلة التي قتل في صبيحتها، بل بات يمشي بين باب المسجد والحجرة، وهو يقول: والله إنها الليلة التي وعدت فيها، والله ما كذبت ولا كذبت.
ولما أراد أن يخرج من الدار تعلق مئزره بالباب، فأنشأ يقول:
أشدد حيازيمك للموت= فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت= إذا حلَّ بواديك
ثم مضى إلى المسجد، وهو يقول:
خلوا سبيل المؤمن المجاهد= في الله لا يعبد غير الواحد
ويوقض الناس إلى المساجد
وكان ابن ملجم -لعنه الله- كان قد واعد ثلاثة رجال على أن يقتل كل واحد منهم رجلاً، علياً وعمراً ومعاوية، وجعلوا ذلك ليلة من ليالي رمضان، فقال ابن مُلَجْمَ: أنا أكفيكم علياً، والقصة مشهورة.
قالوا: ولما دخل شهر رمضان كان علي يفطر عند الحسن ليلة، وعند الحسين ليلة، وعند عبد الله بن جعفر ليلة.
وكان لا يزيد على ثلاث لقم، ويقول: أحبُّ أن يأتيني أمر الله وأنا خميص، وإنما بقي ليلة أو ليلتان.
وروي أنه رأى رسول الله ً في المنام، فشكى عليه ما لقي من أهل العراق فوعده بالراحة منهم عن قريب، فما لبث بعد ذلك إلا جمعة أو جمعتين.
قالوا: وإن ابن مُلجَم لقي قطاماً، وكان أمير المؤمنين قد قتل أباها وأخاها يوم النهروان، وكانت جميلة فلما رآها أعجبته فخطبها فوعدته بالزواج على مهر سمته، وعلى قتل علي، والقصة مشهورة.
من مآثر الأبرار لابن الزحيف بتصرف يسير