عند مطالعة الشعر الجاهلي تجد الأصالة والجزالة والتصوير الحسي يظهر جلياً في المعلقات خصوصاً
لكن الخيال لم يكن حاضراً بقوة ذلك الوقت إلا في مواطن قليلة منها معلقة عنترة بن شداد الشاعر الفارس
النبيل الطموح المظلوم من أقاربه .
وهنا اخترت فقرتين من معلقته التي مطلعها :
هل غادر الشعراء من متردم = أم هل عرفت الدار بعد توهم
الفقرة الأولى :
أَوْ رَوْضَةً أُنُفًا تَضَمّن نَبْتَهَا = غَيْثٌ قَليلُ الدِّمْنِ ليسَ بِمَعْلَمِ
جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ = فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كالدّرْهَمِ
سَحًّا وَتَسْكابًا فَكُلَّ عَشِيّةٍ = يَجْرِي عَلَيهَا الْمَاءُ لَمْ يَتَصَرّمِ
وَخَلَا الذُّبابُ بِهَا فَلَيْسَ بِبَارحٍ = غَرِدًا كَفِعْلِ الشَّارِبِ الْمُتَرَنِّمِ
هَزِجًا يَحُكّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ = قَدْحَ الْمُكِبّ عَلَى الزّنادِ الأَجْذَمِ
قبل هذا البيت كان يصف ابنة عمه عبلة بطيب الرائحة وأنها مثل فارة المسك أو أنها مثل
روضة أُنُف: مستأنفة ( لم ترع بعد ).ورائحة الزبل ( روث الماشية ) قليلة هناك والمكان غير
معلوم للناس والدواب يقول: رائحتها مثل رائحة روضة لم ترع بعد وقد زكا نبتها وساقه مطر
لم يكن معه زبل وليست الروضة بمعلم تطؤه الدواب والناس.
ثم يستطرد في وصف الروضة ويتناسى صاحبته فيصف المطر الغزير بطريقة مألوفة إلا أن الإبداع
يأتي بعد ذلك حيث يصب تركيزه على الذباب الذي انفرد في الروضة مسروراً يغرد كأنه قد شرب الخمر
ويصف حركة الذباب المعروفة عندما يحك ذراعيه ببعضهما من الفرح وكأنه أجذم ( مقطوع الكفين )
يحاول قدح الزناد ( طريقة إشعال النار البدائية )
الفقرة الثانية :
مَا زِلْتُ أَرْميهِمْ بِثُغْرَةِ نَحْرِهِ = وَلَبَانِهِ حَتّى تَسَرْبَلَ بِالدَّمِ
فَازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ القَنَا بِلَبَانِهِ = وَشَكَا إِلَيّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ
لَوْ كَانَ يَدرِي مَا الْمُحَاوَرَةُ اشْتَكَى = وَلَكَانَ لَوْ عَلِمَ الكَلَامَ مُكَلِّمِي
يقول: لم أزل أرمي الأعداء بنحر فرسي ( يصدمهم بالفرس مباشرة ) حتى جرح وتلطخ بالدم وصار
له بمنزلة السربال، أي عَمَّ جسده عموم السربال جسد لابسه.
الازورار: الميل. التحمحم: من صهيل الفرس ما كان فيه شبه الحنين لِيَرِقَّ صاحبه له.
يقول: فمال فرسي مما أصابت رماح الأعداء صدره ووقوعها به وشكا إلي بعبرته وحمحمته،
أي نظر إلي وحمحم لأرقَّ له.
ولو كان يعلم الخطاب لاشتكى إلَيّ مما يقاسيه ويعانيه، وكلمني لو كان يعلم الكلام،
يريد أنه لو قدر على الكلام لشكا إلَيّ مما أصابه من الجراح.
__________
تمت مع الاستعانة بشرح المعلقات السبع للزوزني