الفصل الرابع
لم يبق في البلاد جبار إلا وارتعدت فرائصه .. وظَنَّ قرب نهايته واشتد فزعه فقد بلغت أصداء تلك الهزيمة النكراء نصر بن سيار بخراسان .. ثم يوسف بن عمر في العراق ..
ولما وصل الخبر إلى سمع الخليفة في قصره بالشام .. بادر الخليفة بإصدار أمره بإنزال جثة الإمام زيد بن علي(ع) من على خشبة الكناسة وأمر بحرقها وذرها في اليم لعله ينسف ذكراها من قلوب الناس، وذِكْرَه من ألسنتهم .. فثورة الإمام يحيى بن زيد تجعلهم يعودون ليذكروا فقيد الأمس المصلوب في الكناسة ..
واشتد خوف نصر بن سيار من ظهور أمر الإمام واجتماع أنصاره.. وعلم أن الأمر يحتاج إلى الحزم والجد .. فجمع ثمانية آلاف من فرسان أهل الشام ممن عرفوا بالولاء لبني أمية ..
كان نصر قد علم أن أهل هذا البيت لا يقوم لهم أحد عند المبارزة فعمد إلى جمع الرماة .. وتتبع مشاهيرهم .. فالسهام سلاح من يعرف العجز والجبن من نفسه حال البراز..
وكان قد اشتهر في الرماية رجل يسمى عيسى لا يوجّه قوسه نحو شيء إلا أصابه وظفر به .. فأقبلوا عليه يدعونه للخروج معهم فخرج إليهم وقد ربط يمينه إلى عنقه.
فقال له بعض الجنود: عسى أن لا يكون قد أصاب يدك مكروه فلا غنى لنا اليوم عن رميك.
عيسى: لم يصبها مكروه، ولكني لست بخارج معكم.
أحد الجنود: فما الذي جعلك تفعل في نفسك هذا الفعل؟!
عيسى: دعوني وشأني واذهبوا لقتال عدوكم.
فجعل القوم لا يقبلون له عذراً .. ويرغبونه في الجائزة والأموال ورضاء الأمير. فقال لهم عيسى:
- يا قوم .. والله لقد رأيت في المنام أني أرمي نبي فأقتله .. فآليت على نفسي ألا أرمي بسهم بعد تلك الرؤيا.
أحدهم: يا رجل اخرج معنا لقتال هذا الخارجي فإذا خبت نار الفتنة فارجع إلى ما أنت عليه.
فتاقت نفس الرجل إلى الجائزة .. وسوّف التوبة وحمل آلته وركب مع القوم.
***
كان شهر رمضان لعام سنة 126هـ قد حل على الناس .. فجمع الإمام أصحابه وقال لهم:
- يا قوم إنا كنا قد عزمنا على المسير إلى العراق وكان من هؤلاء ما كان وهذا حدث عظيم قد أتيناه ولم نجد بداً من ذلك .. وليس لنا في العراق بعد هذا اليوم دار فارجعوا بنا إلى خراسان .. وإذا متنا متنا كرماء.
وأجمع أصحاب الإمام على ذلك .. وبدأ الإمام ينتقل بأصحابه حتى مرّ بهراة وعليها والٍ يسمى المفلس بن زياد .. فلم يعترض الإمام .. فمر الإمام مع أصحابه بسلام ثم دخل (الجوزجان) واتجه إلى بلدة تسمى (أرغوى)
وهناك كان أصحاب الإمام يزداد عددهم يوماً بعد يوم .. وخرج إليه العلماء والفقهاء ممن عرفوا بالفضل والدين والورع .. أمثال أبو العرجاء الحنفي، والخشخاش الأزدي وغيرهم.
ولم تمض أيام حتى أقبل جيش نصر بن سيار على رأسهم مسلم بن أحور فلم يجد الإمام بداً من مناجزة القوم رغم قلة العدد وضعف الصوم وطول السفر وشدة الإرهاق .. فقام إلى أصحابه فوعظهم وحثهم على الجهاد وعبأهم وأعدهم للقتال.
وخرجت القلة المؤمنة لتواجه جحافل الجيش الغاشم من أتباع الهوى وعباد المال والسلطان ..
وللهروب من وابل سهام القوم زجَّ الإمام وأصحابه بنفوسهم في أوساط القوم ودارت معركة فريدة وقتال شرس لا هوادة فيه .. فالكثرة لا شك ستقضي على تلك القلة .. ولكن كفة الإيمان بالمبادئ والإيمان بالله تُرجّح كفة القلة المؤمنة .. فتعادل تلك الكثرة الفاجرة التي تقاتل من أجل إعلاء كلمة الشر غاية ما تريده هو رضاء السلطان ونيل الجائزة الدنيوية.
وبالفعل غابت شمس اليوم الأول ولم ترجح كفة أحد الطرفين رغم كثرة العدو وقوته .. إلا أن الجميع في الجيش الأموي صار يتجنب البراز أو الوقوف في وجه الإمام يحيى بن زيد(ع).. فلا يقف أحد في وجهه إلا قتله.
وفي اليوم الثاني .. خاض الناس معركة جديدة .. ولم تغب شمس ذلك اليوم إلا وقد كثر القتلى .. وبلغ التعب بأصحاب الإمام أشده.
وأشرقت شمس يوم الجمعة والكل ينوي أن يكون ذلك اليوم يوماً فاصلاً فقد اشتبك الجيشان في معركة شديدة .. ولما بلغت الشمس كبد السماء .. سمع القوم نداءً يعلو من بين أوساط الصفوف.. وعرف الأعداء من هو المنادي ..
يحيى بن زيد: يا قوم .. إن اليوم يوم جمعة في شهر رمضان .. يا هؤلاء هذا وقت صلاة أمهلونا حتى نصلي.
وانسحب الإمام مع أصحابه ليؤدوا صلاتهم .. وكل منهم يعي أنها آخر صلاة يصلونها .. فقد قل عددهم وكثرت جراحاتهم وأحاط بهم الأعداء من كل جانب.
نظر الإمام في وجوه أصحابه فرأى التعب ظاهراً على وجوههم فخاف عليهم إن اشتد عليهم القتال الفرار ونكث البيعة فيحل بهم سخط الله وعذابه .. فالتفت إليهم في إشفاق ورحمة قائلاً:
- أنتم في حل من بيعتي فمن شاء أن يثبت معي فليثبت .. ومن شاء أن يرجع فليرجع .. أما أنا فلن أبرح هذا الموقع حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
فرفع الجميع أيديهم وقالوا بصوت واحد: لا والله يا إبن رسول الله لا نفارقك أبداً حتى لا يبقى منا أحد.
الإمام: جزاكم الله خيراً يا قوم فلقد قاتلتم ووفيتم .
واتجه الجميع نحو عدوهم ليواصلوا الدفاع عن كل المظلومين في أنحاء الدولة الإسلامية .. واشتد القتال وسقط الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه الواحد تلو الآخر حتى لم يبق منهم أحد .. وصار الإمام وحيداً فريداً لا يدري أيدافع من يهاجمه من يمينه أو من يهاجمه عن شماله .. وجعل يتلفت فرأى خلفه أسنة الرماح تطلبه وتتلقاه ضربات السيوف وسيل من السهام بعد أن صار الإمام هدفاً لأكثر من عشرة آلاف جندي
فمن ذا يخلصه؟ ومن ذا ينقذه؟ ومن الذي يذهب الخطب الجسيم؟ .. ومن سيؤنس وحشته؟ ..
ذهب الرفاق وترك الشبل الطريد لصائده ..
فأبٌ هناك على الكناسة مشرف قد حرقت أعضاؤه ..
أفما ليحيى ناصر يبغي الوصال بجده؟
***
وضُيّقِ الخناق .. واقترب الأجل .. وانهالت عليه السهام من كل جانب.
وأوترَ عيسى قوسه .. ورفعه وحدد وجهته ..
وبينما الإمام منشغل في مواجهة السيوف .. إذ أسرع السهم ليحسم الموقف ويعلن عن نهاية المعركة .. واحتضن الجبين الطاهر سهماً ليعلن عن لحظات الرحيل المنتظر وتخضبت لحيته من دماء جبينه .. وخر صريعاً بعد طول عناء وتحمل لأنواع البلاء .. وأنطلقت روحه من سجون الدنيا إلى رحاب الآخرة .. ليجاور رسول الله وعلياً والحسين وزيد بن علي عليهم أفضل الصلاة والتسليم ..
وأسرع غوغاء أهل الشام لينالوا من تلك الأجساد الطاهرة وصاروا يشفون غليلهم بفصل الرؤوس عن الأجساد.
وانتصبت عيدان الخشب .. وأقبلت الأيدي القذرة لتدنس تلك الأجساد الطاهرة ..
وفي يوم مشهود .. صلبت الأجساد وسلخت ليتكرر ذلك المشهد من جديد .. جزار يذبح .. وضحية تُسلخ .. وأمة ترقب المشهد في صمت أبله ..
وحملت الرؤوس على أسنة الرماح .. لتطوف بالبلدان .. وتنذر العباد بأن هذا مصير من يخالف طواغيت الشام.
واستبشرت بلاد الشام بسقوط نجم آل محمد .. وتحقق الأمل البعيدُ..
وبعد أن طافوا بالرؤوس على أسنة الرماح في نواحي العراق وبلاد الشام رحل وفد بلاد الشام يحمل الرأس الشريف نحو المدينة لينصبه على قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم..
وكأن السلالة الأموية تردد:
-هذا بذاك ولست أنسى عتبة
ولا الوليد ولا اخراجك الحكم
-هذا بذاك ولست أنسى عصبة قتلوا بأحد
وبيوم بدر لنا فيكم عدواً وقاتلاً
وأقبل وفد الشام برأس يحيى بن زيد يطوي شوارع المدينة .. حاملين هدية الشام .. إلى من سكن بالمدينة .. ليتكرر نفس المشهد الذي رآه أهل المدينة قبل زمن .. يوم أن وصل موكب الشام برأس أبيه الإمام زيد بن علي عليه السلام.
هدايا ما رأينا مثلها في القرى ...
كلا ولا حتى البوادي
أي قلب قد حوت تلك الضلوع؟ ... وبأي إسلام تنادي؟!
أي حقد قد تضاهى وتعالى وأحال الرحمة ناراً؟!
أنتم الحقد .. أنتم وصمة عار في جبين الدهر تبقى ..
ماذا جنت بنت الكرام حتى يُحطم قلبها بوليدها؟!
أما في قتلكم إياه ما يطفيء نار الحقد في أحشائكم؟!
أما في صَلبكم إياه .. ما يشفي الغليل.. ويوهن الحقد البغيض؟!
آه لحقد صاغه الأوغاد فعلاً ومقالاً في المساجد والنوادي ..
***
وطُرق الباب ..
وما إن فتح حتى ألقى الرسول إلى وسط الدار شيئاً ما ملفوفاً في خرقة وهو يقول:
- هذه هدية لكم يا أهل زيد بن علي ... ثم انصرف.
وتتقدم الأم المسكينة نحوه لتكشف القماش وترى ما فيه .. فأفصح القماش عن رأس الحبيب الغائب الذي طال انتظاره..
إنه رأس يحيى بن زيد ..
شهقت الأم شهقة كادت روحها أن تخرج .. وأستحيا الدمع أن يسيل على خدها فتجمد..
من لكِ يا بنت عبد الله؟ .. فالزوج قد صلب.
وهذا رأس وحيدك .. وحبيب قلبك .. وفلذة كبدك.
لك الله .. يا بنت عبد الله.
وانطلق لسان الأم لينطق بكلمة الإباء الممتزجة بالحزن والدموع ليخلدها التأريخ:
- شرتدموه عني طويلاً .. وأهديتموه إليّ قتيلاً .. فصلوات الله عليه وعلى آبائه.
***
عليك سلام الله يا يحيى..
زكيٌ رأيت الحياة مع الظالمين شراً وبيلاً..
أبيٌ رأيت الحياة مذلة .. فمضيت نحو الموت كي لا تعيش ذليلاً ..
أحببت دين الله حتى رأيت الموت في إحيائه ثمناً قليلاً ..
بُشراك يا يحيى .. فأنت لزيد مفخراً ومثيلاً ..
| توقيع : أبوحيدر.... |
|