الفصل الثالث
كان أمر يحيى قد ظهر واشتهر .. وعرفه الناس فأحب الناس لقاءه والخروج معه فقد لمسوا فيه صفات أبيه الذي أحبوه وتعذّر عليهم الجهاد معه .. فلما علموا يخروج يحيى من سجنه أتته الرسائل من أنحاء البلاد يبايعونه ويعدونه النصر ..
ولشدة محبة الناس له أقبل بعض من عرفه من التجار على الحدَّاد الذي فك قيد الإمام يحيى بن زيد يريدون شراء ذلك القيد إحتفاء وتعظيماً للإمام .. فجعل بعضهم ينافس بعضاً في الشراء حتى بلغ ثمنه عشرين ألف درهم ..
فلما اشتد تنافسهم قسمه الحداد إلى قطع صغيرة وأعطى كلاً منهم جزء منه مخافة أن يفتضح أمره .. فلما ملكوه جعلوه فصوصاً لخواتمهم يتبركون بها .
وأدرك الولاة تعلق قلوب الناس بالإمام يحيى فدعاه نصر بن سيار وأمره بالتوجه إلى الوليد بالشام ..
فخرج يحيى بن زيد ولم يصغ إلى قوله فاتجه إلى (سرخس) فعلم نصر بن سيار بذلك فكتب إلى واليها بأمره أن يُخرج يحيى بن زيد من ولايته .. وكتب إلى الحسن بن زيد التميمي عامله على (طوس): ((إذا مر عليك يحيى بن زيد فلا تجعله يقيم عندك ساعة)).
وجعل نصر يتتبع أخبار يحيى بن زيد ويراسل أمراء البلدان في ملاحقته فلا ينزل الإمام على بلد إلا ويخرج منها .. ثم وكل أمر متابعة يحيى وتعقب خطاه إلى رجل من أعوانه يقال له: سرحان بن نوح الغبري.
***
جعل خلص أصحاب الإمام يحيى بن زيد عليهما السلام ينضمون إليه الواحد تلو الآخر حتى بلغ عددهم سبعين رجلاً ..بينما كان الولاة لا يكفون عن مضايقة الإمام وتعقب خطاه ومطاردته من بلد إلى بلد .. كانوا بذلك يريدون أن لا يمكنوه من الاستقرار حتى لا يتسنى له جمع أصحابه وشيعته.
وما إن مل يحيى كثرة التنقل والارتحال حتى صار يحدث أصحابه قائلاً:
- والله لقد قالها أبي من قبل .. ((ما كره قوم حر السيوف إلا ذلوا)).
وفهم الجميع مراده فأجمع أمرهم على التوجه إلى (بيهق) وإعلان البيعة له .. فلما وصلوا إلى (بيهق)، اجتمع إليهم بعض الشيعة وأعلنوا البيعة للإمام وخرجوا إلى نيسابور.
يحيى بن زيد: يا قوم إن بلاد نيسابور لا تُرفع لعلي بها راية .. وإني أخاف كثرة العدو وقلة الناصر فاجمعوا من استطعتم وتعالوا لنخرج إلى العراق فإن لنا فيها ناصر.
فقال له أصحاب الإمام: الرأي ما رأيت.
وبدأ ذلك الجيش القليل العدد والعدة العظيم الإيمان يتنقل في البلاد من ولاية إلى ولاية لا يعترض أحداً ولا يؤذي مؤمناً متجها نحو العراق.
***
كان نصر بن سيار يتابع أخبار الإمام ويرصد تحركاته ويتبعه الأذى أينما حل لكي يلحقه بالشام.
وفي صبيحة أحد الأيام كان خبر تحرك الإمام في جمع من أصحابه معلنين البيعة للإمام داعين الناس إلى منابذة الظالمين يطرق مسامع نصر بن سيار بعد أن علم الخاص والعام بأمر يحيى بن زيد(ع).
نصر بن سيار -وهو يخاطب بعض أتباعه: أين ترى يحيى بن زيد يتوجه؟
الجندي: سمعت البعض يقول إنه يريد العراق.
نصر بن سيار: تلك هي الكارثة فإن شيعة العراق لن يألوا جهداً في نصرته فجثة زيد لا زالت تذكرهم مقتله .. ولا زال فيهم من يلوم نفسه على خذلان زيد بن علي .. اكتب يا هذا إلى والي نيسابور أن يمنعه من الخروج عن ولايته فإن أبى فليقاتله .. واكتب إلى عامل طوس أن يتجه لمناصرة عمر بن زراره والي نيسابور.
وبالفعل تحرك جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل في كامل العدد والعدة على رأسهم عمر بن زرارة ..
جعل الإمام يمضي مع أصحابه يخرج إليه من كل بلد خيارهم لينضموا إلى ركبه ليجاهدوا بين يديه .. فلم يكد عددهم يبلغ المائة حتى قطع عليهم الطريق جيش عظيم ومنعهم من التحرك فتأهب الجميع لخوض المعركة المفروضة عليهم.
ولكن الإمام أمر أصحابه بعدم الاشتباك مع القوم وخرج من بين أصحابه حتى صار الجميع يعاينه..ثم نادى على عمر بن زرارة وأصحابه فبالغ في وعظهم ودعاهم إلى تقوى الله وعدم الخوض في دماء المسلمين .. ثم قال له:
- يا عمر انصرف عني فإني لست أريدك ولا أريد شيئاً من عملك، إنما أريد بلخ وناحيتها ولا أريد مرو فتنحَّ عني.
فنظر إلى الإمام وأصحابه في ازدراء وقال:
- والله لا يكون ذلك أبداً إلا أن تعطي بيدك وتدخل في الأمان وإلا قاتلتك .. وجعل الإمام يكرر عليهم النصيحة فيردون عليه بسيل من الشتائم ووابل من الحجارة .. فرجع الإمام إلى أصحابه ثم خطب فيهم قائلاً:
- عباد الله .. إن الأجل محضرة الموت، وإن الموت طالب حثيث لا يفوته هارب ولا يعجزه مقيم .. فأقدموا رحمكم الله إلى عدوكم والحقوا بسلفكم .. الجنة الجنة .. أقدموا ولا تنكلوا فإنه لا شرف أشرف من الشهادة فإن أشرف الموت قتل في سبيل الله فلتقر أعينكم ولتنشرح للقاء الله صدوركم..
ثم انطلق نحو القوم يسابق الريح خفة وانطلاقاً .. فتبعه أصحابه بعزيمة الإيمان كأنهم الأسود الكواسر.
وبينما المعركة تدور في كل جانب من الجوانب جعل أحد جنود عمر بن زرارة ينادي: هل من مبارز؟!
فبرز إليه أحد أصحاب الإمام .. ودارت بينهما معركة غير متكافئة برز فيه ضعف الجسد وقوة الإيمان في جهة .. وضعف الإيمان وقوة الجسد في الجهة الأخرى ..
{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا}..
فقد توالت الضربات على صاحب الإمام حتى خر صريعاً .. قد غرق في دماه .. فبادر آخر من أصحاب الإمام نحو الرجل ليبارزه فلم يطل به المقام أمام قوة ضربات ذلك الفارس حتى سقط جثة هامدة وصعدت روحه إلى بارئها ..
فلما رأى الناس تلك المشاهد اشتدت شوكة الخصم وقويت عزائمهم وأدرك الإمام خطورة الأمر فتنحى الإمام عن موقعه الأول وتوجه نحو الفارس ..
الإمام: يا عبد الله اتق الله .. وادر من تقاتل .. إنك إنما تقاتل ابن رسول الله عن أرباب الظلم والنفاق.فافصح الفارس عن هويته: وسوء عقيدته.. وقد تملكه الغرور ورفع صوته ليطلق كلمات عبرت عن حقد أعمى:
- لعنة الله عليك وعلى أبيك.
وهنا برز الفتى العلوي .. ليرى ذلك الرجل مع من يتكلم .. وداهمه بفرسه .. وشد عليه الإمام .. فضربه ضربة تحرى فيها إصابة رأس الرجل .. فأمال الرجل رأسه .. فنزلت الضربة فقطعت الدرع والفخذ وجنب الفرس.
وصاح به الإمام:
- يا عدو الله ما أشد مجاحشتك عن ملك بني أمية.
ذهل من كان ينظر إلى هذا المشهد لما أبداه الإمام من القوة والإقدام.. وخارت عزائم القوم وتحاشوا مبارزة الإمام .. في الوقت الذي كان بعض أصحاب الإمام قد تقدموا نحو جيش البغي واخترقوا صفوفهم.
وفي تلك اللحظات علا صوت التكبير.. بعد أن قتل عمر بن زرارة .. قتله أبو الفضل أخو الإمام ورفيقه .. وحلت الهزيمة بالقوم .. واضطرب أمرهم .. وتفرقت بهم الدروب .. كل يرجو النجاة بنفسه .. فجعل أحد الشعراء ممن حضروا المعركة ينشد ويقول:
ألم تر أهل نيسابور لما ... لقوا الأبطال لم يغنوا فتيلا
لقوا مائة وهم عشرون ألفاً ... فما صبروا ولا منعوا قتيلا
| توقيع : أبوحيدر.... |
|