الفصل الثاني
حملت القوافل أخبار يحيى بن زيد إلى المدينة .. ليزداد القلب المثقل بالأحزان ثقلاً إلى ثقله .. ويحترق بنار الشوق.
فالأخبار قد تأتي .. ولكن متى تأتي .. متى يطرق أذني ريطة بنت عبد الله صوت وليدها ووحيدها؟؟
من لها وقد قتل الحبيب وغاب الصديق؟!
من للغريب ومن للبعيد؟؟ ومن لأم فارقت وليدها؟؟
فلما رأي عيسى بن زيد حزن خالته ريطة واشتداد الأمر عليها .. جعل يواسيها ويخفف عنها بعض مصابها فأرسل إليها بهذه الأبيات:
فلعلّ راحمَ أم موسى والذي ... نجّاه من لُجَجٍ خِظَمٍ مُزبِدِ
سيسر ريطة بعد حزن فؤداها ... بيحيى ويحيى في الكتائب مرتدي
حتى يهيج على أمية كلها ... يوماً كراغية الفصيل المقصد
ياابن الزكي وياابن بنت محمد ... وابن الشهيد المستزاد السيد
كان الحزن والبؤس والخوف يخيم على بيوت أهل البيت بالمدينة.. لذلك كان ما يحدث لهم من المآسي قد صار مألوفاً فلهم في كل سنة قتيل أو أسير .. وذلك هو المصير المحتوم لكل الأحرار الذين حملوا على عاتقهم مسئولية تحرير شعوبهم من جَوْر السلاطين واستبدادهم ..
وتناقل أهل المدينة أخبار يحيى بن زيد .. فلما بلغ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ما فعله عقيل بن معقل الليثي بيحيى بن زيد وأصحابه أنشأ يقول:
أليس بعين الله ما تصنعونه ... عشية يحيى موثق بالسلاسل
ألم تر ليثاً ما الذي ختمت به ... لها الويل في سلطانها المتزايل
لقد كشفت للناس ليث عن استها ... أخيراً وصارت ضحكة في القبائل
كلاب عوت لا قدس الله أمرها ... فجاءت بصيد لا يحل لآكل
***
وبغلظة من لا يرعى لله حرمة ولا لرسول الله قرابة استقبل نصر بن سيار يحيى بن زيد فأثقل عليه الحديد .. وبالغ في أذيته .. وأرسل على الفور إلى يوسف بن عمر الثقفي .. يزف إليه الخبر لينال رضاه.
فلما بلغ الخبر يوسف بن عمر انشرح صدره .. وذهب همه وأيقن برضاء ولي نعمته الوليد بن يزيد ..
وكم هو الفرق بين عبد يسعى لرضاء عبد .. وبين يحيى بن زيد الذي يسعى لرضاء الرب ..
ولما تيقن يوسف بن عمر من القبض على يحيى بن زيد بادر إلى زف الخبر إلى الخليفة الجديد الساخط عليه لينال رضاه وحسن ظنه ويبقيه في منصبه ..
وجعل يوسف بن عمر ينتظر وصول الجواب على رسالته ليطمئن قلبه ويركن إلى ما يُمني به نفسه من رضاء الخليفة عنه .. فلم تمض مدة طويلة حتى كان رسول الوليد بن يزيد يقف بين يدي يوسف بن عمر ليبلغه رسالة الخليفة ..
الرسول: مولاي أمير المؤمنين الوليد بن يزيد يأمرك أن تُؤمن يحيى وأصحابه وأن تخلي سبيلهم فإنما هو رجل هرب واستخفى.
يوسف بن عمر: أبلغ أمير المؤمنين أنّا على السمع والطاعة.
***
كان ولاة الأمر في الشام قد أدركوا أن الوضع لا يحتمل فالأمة قد بلغت أشد مراتب السخط على ولاة بني أمية بعد مقتل الإمام زيد وللظلم الواقع في كل أنحاء الدولة الإسلامية .. فأي حادث سيزيد الوضع سوءاً.
وأرسل يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار يأمره بإخراج الإمام من سجنه وإطلاق صراحه .. فلما وصلت الرسالة إلى نصر بن سيار .. أمر بإحضار يحيى بن زيد بين يديه .. فأتي به إليه وهو مثقل بالحديد يُسمع عند تحركه صليل السلاسل..
نصر: اسمع يا يحيى ما أقول لك قبل أن يحل بك سخط الخليفة .. إن أمير المؤمنين الوليد بن اليزيد قد أمر بإطلاقك فاتق الله واحذر أن تثير الفتنة، فالفتنة نائمة لعن الله من أيقظها!!
يحيى- وهو يرفع رأسه إلى نصر بن سيار في إباء لا تثنيه وطأة الحديد: وهل في أمة محمد فتنة هي أعظم مما أنتم عليه من سفك الدماء وأخذ ما لستم له بأهل؟
وهنا سكت نصر ولم يجد ما يقول فقد أدرك أن السجن لم يزد يحيى بن زيد إلا عزماً إلى عزمه.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|