الباب الثاني
الفصل الأول
كان يوسف بن عمر يتمتع بالولاية والسلطان على العراق .. وهو يعلم رضاء الخليفة عنه بعد أن وافقه على خلع ابن أخيه الوليد بن يزيد وتولية ولده الخلافة من بعده .. كان يظن أنه بهذا قد حاز كل ما يؤمل فيه فرضاء السلطان عنه هو غاية ما يطلب .. فلما استقر به مجلسه وغرق في لهوه إذ دخل عليه أحد خواصه ..
يوسف بن عمر: ما جاء بك من الشام وأنا لم أطلبك؟!.
الرجل: إن الأمر لخطير .. فلم أثق بأحد فرأيت أن أبلغك الخبر بنفسي .. لقد مات هشام بن عبد الملك.
يوسف: من ولي الخلافة بعده؟.
الرجل: لقد استطاع أعوان الوليد وحاشيته أن يثبتوا الأمر للوليد .. وقد اعتلى عرش الخلافة.
بهت يوسف بن عمر لهذا الخبر وأيقن بنزول الكارثة .. فإن الوليد لن يرحم أحداً ممن أعان عمه على خلعه من ولاية العهد فانقلب حاله رأساً على عقب وتحول سروره إلى حزن وكدر .. واطمئنانه إلى هم وقلق .. وجعل ينتظر مع كل طارق يطرق بابه أمر العزل من الولاية .. بل همّ أن يخفي نفسه مخافة النقمة..
وبات يوسف بن عمر يفكر في طريقة يجلب بها رضاء الخليفة الجديد.. واحتار في الأمر.. فأي شيء يمكن أن ينال به رضاء الخليفة الساخط عليه؟.. أيرسل له الأموال فما عنده يغنيه .. أم يجلب له الجواري فأجمل الجواري وتجار الرقيق بين يديه صباح مساء ..
ومرت الأيام وهو في كل يوم يزداد خوفاً وغماً .. وجعل يستعرض أيامه مع بني أمية منذ اختاره هشام والياً على العراق وجمع له ما بين ولاية الكوفة والبصرة وكيف مكنه هشام من خصمه خالد القسري..
وهنا ذكر أمر زيد بن علي وكيف كانت نهايته .. وخطر بباله تلك الرسالة التي وصلته من هشام قبل وفاته في أمر يحيى بن زيد وانتصب واقفاً وقد غمرته الفرحة وانقشع الحزن عن وجهه .. وجعل يحدث نفسه بصوت مسموع: الآن ذكرت ما أجلب به رضاء الخليفة..
كان يوسف يعلم أن رضاء بني أمية لا يتحقق إلا بسفك دماء بني هاشم.. ومن ساعته طلب يوسف خاصة عيونه وجواسيسه وأمرهم بطلب مكان يحيى بن زيد على وجه السرعة..
ولم تمض أيام حتى أقبل أحدهم يحمل الخبر اليقين.
الرجل: مولاي يوسف بن عمر والى العراق إن يحيى بن زيد قد نزل مدينة بلخ من بلاد خراسان وهو جاد في طلب الأمر فشيعته يفدون إليه من سائر البلاد.
يوسف بن عمر: وعلى من ينزل فيها؟.
الرجل: لقد نزل على الحريش بن عبد الله وهو يستقبل الناس في داره.
وعلى الفور أعد يوسف رسالة إلى نصر بن سيار بأمره يطلب يحيى بن زيد والقبض عليه .. فلما وصلت الرسالة إلى نصر كتب إلى واليه على بلخ:
((من نصر بن سيار إلى والي بلخ عقيل بن معقل الليثي .. خذ الحريش بن عبد الله ولا تفارقه حتى تزهق روحه أو يأتيك بيحيى بن زيد فإنه ينزل عليه)).
***
كان الحريش بن عبد الله قد أعد ليحيى بن زيد بيتاً في جوف بيت لا يصل إليه أحدٌ إلا من يشاء..
وكان الإمام قد طال غيابه عن أهله وزوجته فاتفق أصحابه أن يعرضوا عليه الزواج فلما جلسوا إليه بادره الحريش بن عبد الله قائلاً:
- يا ابن رسول الله .. لقد طال غيابك عن أهلك وأنت في خيرة شبابك فما رأيك أن نختار لك زوجة تؤنسك في وحدتك؟
الإمام - وقد أطرق يفكر قليلاً ثم رفع نظره إليهم وقال .. هيهات وأبو الحسين مصلوب بالكناسة، ثم أنشأ يقول:
يا ابن زيد أليس قد قال زيد ... من أحب الحياة عاش ذليلاً
كن كزيد فأنت مهجة زيد ... واتخذ في الجنان ظلاً ظليلاً
كان مشهد الدماء وهي تتفجر من جبين أبيه لا يفارق مخيلته .. وأصداء كلمات أبيه تترد في إذنيه .. (يا بني جاهدهم فو الله إنك لعلى الحق وإنهم لعلى الباطل وإن قتلاك لفي الجنة وإن قتلاهم لفي النار) .. فلم يكن شئ يشغله إلا الإعداد لجهاد هؤلاء الظلمة الذين غيروا مبادئ الدين ..
وجعل يحيى بن زيد يلاطف أصحابه ويتجاذب معهم أطراف الحديث .. ولكن طرقاً عنيفاً على باب الدار قد قطع عليهم حديثهم، وأحال السكون إلى ضجيج .. فقد أحاط جنود الوالي بالدار من كل جهة وتعالت كلمات التهديد والتوعد .. وتزايد الطرق حتى كاد الباب أن ينخلع..
وأسرع الحريش بن عبد الله في الخروج وأغلق باب الدار الذي يسكنه يحيى وصاحباه .. وأسرع إلى باب داره فلم يكد أن يفتحه حتى كان قد ازدحمت ساحات الدار بالجنود.
الحريش: ما الأمر يا رئيس الشرطة؟ .. وما كل هذا الضجيج فنحن لم نخالف للأمير رأياً ولم ننزع يداً عن طاعته.
رئيس الشرطة: بل فعلت يا حريش وآويت عدو أمير المؤمنين في دارك ..
الحريش -في هدوء وكأن الأمر غريب عليه: من تقصد يا هذا؟ .. إني لا أدري عمَّ تتحدث؟
رئيس الشرطة -وهو يلف القيود حول يدي الحريش: هناك ستعلم ماذا أقصد .. خذوه وهيا بنا إلى الأمير.
ودخل الحريش بن عبد الله وقد غُل بالسلاسل .. فأوقف بين يدي أمير بلح عقيل بن معقل الليثي ..
عقيل: أين يحيى بن زيد يا حريش؟.
الحريش: من يحيى بن زيد؟!لا علم لي به.
عقيل: إذاً أريك كيف ستفصح عن مكانه ..
وأومأ إلى جلاديه فضُرب ستمائة سوط ..ثم استنطقه فلم ينطق بشئ..
عقيل: والله لأزهقن نفسك أو تأتيني به.
فرفع الحريش نظره إلى عقيل في سخرية وقال في تحدٍ لا مثيل له: اسمع يا هذا والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها لك فاصنع ما أنت صانع.
فصاح عقيل غاضباً: اضربوا هذا الأحمق.
وهنا دخل ولد للحريش بن عبد الله ولما رأى ما أصاب أباه من الضرب والتعذيب أشفق على والده فاقترب من عقيل وقال له:
- أيها الأمير لا تقتل أبي بالضرب فلو كان يحيى بن زيد مما يكون في عين أحد من الناس ثم كان يحيى في عين أبي لما أرجع جفنه عنه .. ولكن أنا أرشدك إلى مكان يحيى فأبعث معي من يأتيك به.
***
كان الإمام يعلم وفاء الحريش وإيمانه ولذلك لم يخطر بباله أن يعرف أحد مكانه .. وإن كان قد استشعر الخطر ولكنه خاف أن يخرج فيُعرف فيؤخذ الحريش بذلك .. وتثبت عليه التهمة ولذلك غرق في المناجاة والدعاء والتوسل فقد كان يخشى أن ينزل بالحريش بن عبد الله أي مكروه.. فلم يشعر إلا بالباب وقد فُتح .. فالتفت إلى الباب في هدوء فإذا بقريش بن الحريش في باب الدار.
الإمام: قريش .. ما الخبر يا أخي ..؟! عسى أن لا يكون قد حل بوالدك مكروهاً من هؤلاء الفساق.
لم يستطع قريش أن يتكلم فقد تنحى عن الباب .. وفتح الباب على مصراعيه .. وازدحم فيه جمع من الجنود شاهرين سيوفهم حتى كانوا أقرب شيء إلى رقبة الإمام وصاحبيه يزيد بن عمرو التيمي والفضل مولى عبد القيس -كان أخاً ليحيى من الرضاعة لم يكن يفارقه-.. فلم يجد الإمام أمامه إلا التسليم .. وغُلّت أيديهم إلى أعناقهم وأخذوا إلى دار الإمارة .. فلما استقروا بين يدي عقيل بن معقل الليثي أمر على الفور بإرسالهم إلى نصر بن سيار .. فأخرجوا مكبلين بالسلاسل مثقلين بالحديد.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|