الفصل الثالث
لما لم يجد يحيى بن زيد في مشائخه من بني هاشم من يقوم يهذا الأمر دعا الناس إلى نفسه ..
فراسل الشيعة في خراسان .. ووصلته من كل مكان.
وبينما هو نازل عند يزيد بن عمر التميمي .. أقبل إليه جمع من الخوارج فنزلوا قريباً منه وراسلوه في البيعة والخروج لقتال بني أمية .. فردهم ولم يستجب لهم لعلمه بسوء مذهبهم واعتقادهم ولكن القوم أتوه مرة ثانية مصرين على الأمر عازمين على الخروج.
يحيى بن زيد: لست بخارج فالوقت لم يحن؟
أحد وجهاء القوم: لك علينا الوفاء وأن لا يصلوا إليك حتى نفنى عن أخرنا ..
يحيى بن زيد -وقد إستشعر منهم الصدق: دعوني أنظر في أمري هذه الليلة.
صلى الأمام صلاة العشاء وجلس في مصلاه يقلب الأمر في نفسه .. هل الأمر قد لزمه .. وهل يجوز له أن يقاتل بمثل هؤلاء مع سوء مذهبهم.
نظر إليه يزيد بن عمر .. فإذا هو مستغرق في التفكير ..
يزيد: في أي شئ تفكر يا مولاي؟ .. هل هناك أمر أعينك عليه؟!.
يحيى بن زيد: أنظر في أمر هؤلاء الرجال وإصرارهم على الخروج وماذا أجيبهم به في الغد؟
يزيد بن عمر: أتريد أن تقاتل بقوم تستظهر بهم على عدوك وهم يتبرأون من علي وأهل بيته؟!.
يحيى بن زيد: صدقت فوالله لا يرجى بقوم مثلهم النصر ولكن لا بد أن أردهم رداً جميلاً ..
فلما أقبل القوم في اليوم الثاني أحسن إليهم ورد عليهم بأحسن رد وصرفهم صرفاً جميلاً ..
وأقام يحيى ستة أشهر عند يزيد بن عمر يسير في الناس متنكراً يتلمس أحوالهم ويعلمهم معالم دينهم.
***
كانت الجيوش الإسلامية قد إجتاحت تلك البلاد وأخضعتها للخليفة .. ولكن نور الإسلام والإيمان لم يتمكن من القلوب .. فالصورة التي نقل بها الإسلام إلى تلك المناطق كانت مشوهة .. فالأمراء لا همّ لهم إلا جباية الخراج وجمع نفائس وأموال تلك البلدان .. وإرسالها إلى عاصمة الخلافة .. ليكسبوا رضاء الخليفة .. فيضمنوا بقاءهم في الحكم .. فرضاء الخليفة باب للسلطة والغنى والعز .. وسخطه باب للنكال والوبال.
وأحس يحيى بالخطر.. فقد اشتهر أمره.. واشتد والي إبن هبيرة في طلبه فأراد أن يخرج من الري.. ولكن إلى أين؟.. وقد ضاقت عليه بلاد الإسلام رغم اتساعها.. فله في كل بلد ظالم يطلبه.
يحيى بن زيد: يا يزيد بن عمرو .. إني عازم على الرحيل من بلدكم .. فإني أخاف أن يُدل علي فأؤخذ.
يزيد: نفسي لك الفداء يا إبن رسول الله .. فاختر أي بلد شئت .. فإني راحل معك.
يحيى بن زيد: وأهلك وولدك؟!.
يزيد: ليسوا بخير من أهلك وولدك.
يحيى بن زيد: فأين ترى أن نتوجه؟.
يزيد: إذا رأيت يا مولاي أن نخرج إلى نيسابور .. فلعلها أكثر أمناً.
الإمام يحيى: يا يزيد إنها بلدة لا ترفع لعلي فيها رأية فكيف أخرج إليها .. بل نخرج إلى بلْخ فإن لنا فيها شيعة لعلنا نجد فيهم الناصر.
جعل يحيى بن زيد يتحين الفرصة للرحيل إلى بلخ .. فلما سنحت له الفرصة خرج إلى بلخ من بلاد خراسان ونزل على الحريش بن عبد الله فجعل يلتقي بشيعة أهل البيت عليهم السلام ويعلمهم مما منّ الله به عليه من العلوم .. فرغم حداثة سنه إلا أنه كان قد بلغ من العلم مرتبة رفيعة..
وكثر الناس الداخلون عليه وسمع عبّاد المال والسلطان بخبره فتسابقوا في نقل خبره ..كلٌ يريد أن يظفر برضاء السلطان.. ولم يرفع أمره إلى والي بلخ بل إلى هشام بن عبد الملك ..
***
كان الخليفة هشام بن عبد الملك قد أدرك قرب أجله وعلم أن الأمر صائر إلى ابن أخيه الوليد بن يزيد .. فكره أن يخرج السلطان من ولده فأراد أن يعزل ابن أخيه ويولي ولده .. فجعل يراسل القبائل .. ويستعطف الوجهاء ويكشف لهم الستار عما يجري في قصر ابن أخيه من الفجور وشرب الخمور وما قبح من الرذائل .. لعله يقنعهم بضرورة عزل ابن أخيه وتولية ولده .. وكأن الخليفة لا يعلم بما يدور في قصره بأمره ومشورته من مثل ما يفعل ابن أخيه..
وسارع الأمراء في الاستجابة للخليفة هشام في عزل ابن أخيه وتولية ولده.. وكان من بين من استجاب له يوسف بن عمر الثقفي والي العراق ..
وفي خضم هذه الأحداث واشتداد الصراع بين رواد قصور الخليفة وولي عهده وصل جواسيس خراسان ..
الجندي: هؤلاء بعض وجهاء أهل بلخ يطلبون الخلوة بك..
دخل الوجهاء وخلي المجلس إلا منهم ومن هشام ..
هشام: ما جاء بكم من بلدكم؟ .. هل جئتم تريدون البيعة لولدي وخلع الفاجر السكير الوليد بن يزيد؟
أحدهم: نحن طوع أمرك يا مولاي فيما طلبت .. ولكن ما جئناك فيه هو أمر أشد وأخطر.. فإن ملكك يا مولاي على خطر عظيم.
هشام -وقد تغير لونه واشتد حتى ظهرت الرعشة في يده: أفصح يا رجل لم أعد احتمل المفاجآت فيكفيني ما أنا فيه.
الرجل: يا مولاي إن يحيى بن زيد يطلب البيعة لنفسه ويجمع الأنصار للخروج عليك.
هشام -وهو ينتصب واقفاً في أشد الانفعال: زيد .. زيد .. يحيى بن زيد .. يحيى بن زيد .. كلما قلنا قد انتهى أمر هؤلاء ظهر منهم من يعكر صفونا .. لا بد أن يموت كما مات أبوه من قبله .. إنهم قوم لا تجدي معهم المهادنة .. أدعوا لي نصر بن سيار فليس لأهل خراسان إلا نصر.
فلما مثل نصر بين يدي الخليفة .. قال له هشام:
-إسمع يا نصر.. إني قد وليتك خراسان وما جاورها .. فإن يحيى بن زيد قد نزل بها يدعو الناس إلى نفسه وإني أخاف أن يجيبه أهلها .. فشدد في طلبه وارحل من ساعتك.
نصر: أمر مولاي.
شكر هشام أهل خرسان .. وانصرفوا مع نصر بن سيار ..
فلما بلغوا خراسان واستقر بها نصر بن سيار .. وبث جواسيسه في طلب يحيى بن زيد ..وافاهم الخبر بهلاك هشام بن عبد الملك فانشغل نصر عن أمر يحيى بتتبع أخبار الشام وعلى من ترسو الخلافة ..
فلما استقر الأمر للوليد بن يزيد وصار هو الخليفة جعل يتتبع كل من أعان أخاه على خلعه فيلحقهم الأذى ويعزلهم عن سلطانهم.
| توقيع : أبوحيدر.... |
|