الفصل الثاني
اجتمعت ملائكة الليل الصاعدة .. وملائكة النهار النازلة لتطل على مشهد فريد من نوعه .. مشهد لم تعهده الملائكة منذ ستين سنة فقد تكشف ظلام الليل عن الجثث المتناثرة .. والدماء المسفوكة..
كان كل شئ ينبئ عن وجود مجرم لا يرعى لله حرمة .. فمن يقتل أولاد الأنبياء فإنه لن يتورع عن سفك دماء الأبرياء .. فقد بادر الجيش مع أول ظهور لشعاع الفجر الأول في ترتيب صفوفه.. مستعد لخوض غمار الجريمة من جديد ..
ولكن اليوم مع من؟ .. فلا أحد يمكن أن يجرؤ أن يقف ليقول للطغاة: لا .. فالأحرار ما بين قتيل مضرج بالدماء .. ومشرد لا يجد له ناصراً .. ولكن لا بد أن يُظهر الله انحطاط أهل الباطل.. ودناءة نفوسهم .. فقد أقبلوا يبحثون عن شئ يفرغون فيه أحقادهم ..
فلما جاء من دلهم على الجثة -جثة ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمام الأمة زيد بن علي عليه السلام- نبشوا القبر وأخرجوها، ثم فصلوا الرأس الشريف عن الجسد وسلخوا الجسد كما تسلخ الشياة، ورفعوا الرأس على رمح وجعلوه هدفاً لصبيانهم وللساخرين من غوغائهم .. وأعاد التاريخ نفسه .. شاة وجزار ..ومتفرج أبله ..
ووقفت الأمة لمجرد المشاهدة .. وكأن الأمر لا يعنيها .. يقتل ابن عدوها هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ابن نبيها زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.. فتكافئه بأن تثبت له الإمارة وتسميه أمير المؤمنين .. وكأن من شروط إمارة المؤمنين سفك دماء خيار المؤمنين.
وسافر الرأس ليمر على البلدان ليقول أمير المؤمنين هشام للمؤمنين .. هكذا يكون مصير من خالفنا أو أراد أن ينزع ملكنا .. حتى ولو كان من أبناء الرسل.
وبهذا أراد الخليفة أن ينهي آخر فصل من مشاهد المسرحية..
ولكن الستار أبى أن يستجيب لأمره هذه المرة فما هي إلا أيام حتى أقبل بعض الجواسيس الذين ينتشرون في كل البلاد .. ليقلي على مسامع الخليفة خبراً هاماً ..
الرجل: مولاي هشام بن عبد الملك إن يحيى بن زيد لم يقتل مع والده بل لا زال ينتقل من بلد إلى بلد وهو يجمع الرجال لمبايعته والخروج للأخذ بثأر أبيه.
صعق هشام لهذا الخبر ولم يكد يتمالك نفسه .. لقد أدرك حقيقة كانت غائبة عن ذهنه .. إن الأرواح لا تُقْتل .. وإنما قتل الجسد .. أما المبادئ فإنها باقية بقاء الدهر ..وهنا أدرك هشام أن الفصل الذي ظنه آخر الفصول هو أولها ومن جديد يكتب هشام إلى واليه على العراق ..
((من أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر: إن يحيى بن زيد يتنقل في بيوت أهل العراق فضيق عليه حتى يخرج منها أو تقبض عليه)).
***
وفي قصر الإمارة جلس أمير العراق يوسف بن عمر قرير العين فقد ضمن بقتل زيد رضاء هشام عنه وفي رضائه بقاء إمارة العراق له دون منازع يمر صباحاً ومساءً على الجسد المصلوب بالكناسة فيزداد انتفاخاً وكأن لسان حاله يقول: من مثلي أسدى لبني أمية مثل هذه الخدمة وخلصهم من ألد خصومهم؟ .. إن لثقيف على بني أمية لأيادٍ سخية لا تكافأ .. فالحجاج لعبد الملك وأنا لولده هشام.
وقطع عليه سلسلة أفكاره صوت الحارس وهو ينادي عليه:
- مولاي هذا رسول الخليفة هشام بن عبد الملك..
يوسف بن عمر: أدخله يا هذا ..
قام يوسف بن عمر إجلالاً لرسالة الخليفة فهو لا يشك في كونها رسالة مدح وإطراء وشكر ..
رسول الخليفة: أمير المؤمنين هشام يقرؤك السلام .. ويقول إن كنت قتلت زيداً فلا زال ابن زيد يسرح ويمرح في العراق وينتقل بين مدنها يؤلب الناس على بني أمية.
يوسف: ألم يقتل مع أبيه أيها الجندي؟.. ادعوا لي الحارث بن أبي الجهم الكلبي..
وما هي إلا لحظات حتى أقبل الحارث ..
الحارث: أمر مولاي أمير العراق يوسف بن عمر.
يوسف: اسمع يا حارث .. اجمع رجالاً ممن تثق بهم وتتبع خطى يحيى بن زيد في مدن العراق .. وأتِ به حياً أو ميتاً.
وعلى الفور انطلق الحارث بمن معه يتقصى الأخبار في مدن العراق .. ولم يعدم من يدله على خبر يحيى بن زيد فقد علم أنه نزل في المدائن على رهط من أهلها .. فبادر إلى تلك الديار.
ولكن الأخبار كانت قد سبقته فقد خرج يحيى بن زيد منها متخفياً لا يحدد له وجهة حتى بلغ إقليم الري ليس معه إلا نفر يسير من أصحابه .. ثم استقر في (سرخس) فأتى إلى يزيد بن عمر التيمي ونزل في داره..
***
كانت الأخبار تصل المدينة من حين إلى آخر فقد علم الجميع من بني هاشم وشيعتهم أن يحيى لم يقتل مع والده .. ولكن تخفِّيه واستتاره عتّم عليهم أخباره فجعلوا يترقبون أخباره.
وكان أشدهم ترقباً هي ريطة بنت عبد الله زوجة الإمام الشهيد وأم الغائب المشرد فقد أنساها مقتل زوجها وغياب ولدها كل ملذات الحياة فاحتجبت في بيتها تتجرع كؤوس الغربة والشوق والحزن وتنتظر حلول الفرج بعودة الغائب..
فلما اشتد حزنها وأيقنت أن لا ملجأ من الله إلا إليه شاء الله أن يفرج عنها بعض همها فأقبلت الرسل من سرخس تحمل أخباراً عن يحيى بن زيد ...
الرسول: يحيى يبلغك السلام ويقول عظم الله أجرك في فقيد أمة محمد ويطلب منك له الدعاء.
ثم أقبل الرسول على بني هاشم وهم مجتمعون ففتح رسالة يحملها وقرأ منها :
خليلَيَّ عنا بالمدينة بلغا ... بني هاشم أهل النهى والتجارب
فحتى متى مروان يقتل منكم ... سراتكم والدهر فيه العجائب
لكل قتيل معشر يطلبونه ... وليس لزيد في العراقين طالب
| توقيع : أبوحيدر.... |
|