شجر الكرَامَة والسَّعادَة أينعي=للقاء سيِّدنا الإمام الكينعي
وتزَّيني دار النَّعيم لِوَافِدٍ=وافاك بالعمَل الزّكي المقنع
خَطب المليحَة فاستجاد صداقها=بتزهُّدٍ وتعبّدٍ وتورع
لاحت له الدُّنيا تُريد خدَاعَه=لكنَّه بغرورها لَم يخدَع
وتحسنت بزخارفٍ لوصَالهِ=فأَبَى وطلَّقها طلاق مودِّع
قالت له: مالي أراك مولِّيا=عنِّي وقد طابت مراعي مرتعي
وأنا المعجلة المزيّنة التي=تهوَى العقول لمنظري ولمسمَعي
فأجابَها أنت المليحَة برقعاً=والشين كل الشين تحت البُرقعِ
أنت التي فتنت عقول عبيدها=جهلاً ويعرفها الذَّكي الألمعي
دار متى ما أضحكت في يومها=أبكت غداً أفٍّ لها من مَربعِ
وقراره الأحزَان والأوجَال والأو=جاع والأشجان والمتوجعِ
أين الذين خدعتهم بحلاوةٍ=وطلاوَةٍ ومصانعٍ وتصنعِ
ومَحافلٍ محشودةٍ ومنازِلٍ=مَعمُورة ومعَاقِلٍ وتمنَّعِ
كانوا مُلوْكاً فيك ثمت أصبحوا=تحت الثرى في كل قبر بَلقعِ
شربوا بكأس مرَّة ما دونها=من مَلجإِ أبداً ولا مِن مَدفعِ
أتغرّني دارُ الفناء بزينَةٍ=مقطوعَةٍ في ظلها المتقطعِ
هَيهَات ذاك وقَد سمعت صفاتها=بكلام مولانا البطين الأنزعِ
هذَا جَوابُ الكينعي وإنَّه=بلسان حال أخِي العفاف الأورعِ
العالم العلم التقي الفاضِل=المتنفل المتبتل المتطوع
العابد المتزهِّد المتجرد المتجهـ=ـد المتسجّد المتركع
ما زال بين عبَادةٍ وزهَادةٍ=وتلاوَةٍ وتخضُّه وتخشُّعِ
كانَت إذا قرَعت مسَامِع أذنهِ=عظة يود بأنها لم تقرعِ
إذ كان من خوف يموت بجسمه=والقلب منه في المحَلّ الأرفعِ
وإذا ذكرت الله جَلَّ جلالُه=أسقى بهاء خدوده بالأدمعٍ
فكأنما وقفَت به أفكاره=فوق الجحيم وفي الجنَان الأربعِ
فيذوب مِن وجَلٍ ويَهفو قلبه=بالشوق بين تخوُّفٍ وتطمُّعِ
كان الظلام إذا سَجى أبصَرته=كالقَوس بين تسجّد وترَكعِ
حيناً وقام إلى الصلاة وساعَة=وجثا جَثو السَّائل المتضرِّعِ
وَيُسَرُّ لو أن يستطيل له الدُّجى=ويسُوؤُه في الفجر قرب المطلعِ
وإذا رَأيت رَأيت أصفَر خاشعاً=كمقَدَّم للقتل بين الأقطعِ
قد ماتَ إلاَّ أنَّ في أعضَائِه=حركات حيِّ القلب واعي المسمعِ
متبَلّداً في أمْرِ دنياه وَفي=أخرَاهُ يَا لَك مِن ذكيٍّ لوْذعي
عبد الصلاة وسيِّد السَّادَات في=فَضْلٍ وفي كرَمٍ ومجْدٍ أرفع
وأخو مرَقَّعَةٍ أحبُّ إليهِ مِنْ=إكليل قيصَر في الملوك وتبع
حفظ الحديث مِنَ الوَصيِّ وقولَه=رقَّعتُ واستَحيَيْت من مترقعِ
وتراهُ مِن صَومٍ كأَنَّ عظامَهُ=قطع الأخِلَّة آذنت بتقطعِ
وأضالعٍ دقت لدقة فكره=والفضْل أجمَع تحت تلك الأضلعِ
يأيها القَبْرُ الَّذي في صعدة=لأجلِّ مقبور به ومودعِ
أعلمت أنك روضة مخضرة=مفترة في زهرها المتضوع
بالمودع الملحود فيك ويا له=من مودع بك ياله من مودع
فيك الزَّهادة والعبادَة كلّها=والعلم والورع الشحيح بأجمَعِ
تاللَّهِ إنّك قد جمعتَ من التقى=وعبادة الرَّحمنِ مَا لم يجمَعِ
كُن مضجَعاً لفتىً مضت ليلاته=متجانفاً عن طيبات المضجَعِ
يا يَوم إبراهيم كُل مفجَّعٍ=بسوَاك في التحقيق غير مفجَّعِ
مِن أين مِثل أبي السَّعادَة في الورى=يهْدِي إلى نهج الْهُداة الأوْسَعِ
إن العبادة بعده محزُونَة=محرَابُهَا يبكي بأغْزَر مَدْمَعِ
وكذَا التلاوة والذين أفدتهم=منهاج فضلك يا لهُ من مهْيَعِ
يحيَى الَّذي يحيَا الْهُدى بحيَاتِهِ=أعني رضيع هُدَاك أزكى مرضعِ
ما زَال مقطوع الفؤاد موَلعاً=رغباً لمقطوع الفؤاد مُوَلِّعِ
يبكي عليك بقلبه وبعينهِ=جزعاً ومن هذا الذي لم يجزعِ
لكن تجرَّع من فراقك غُصَّة=هي عنده سلسَاله المتجرعِ
قد قال إذ عذلوه من برحائه=ودموعُه كاللؤلؤ المتقطعِ
ليسَت دمُوعي هَذِه بمَدامعٍ=لكنَّها كَلِمُ الخطيب المصقعِ
كانت فرائد لؤلؤٍ من وَعظهِ=في مسمَعي فتحدَّرت من مدمَعي
قد كان واعظي الخطيب ولم يكن=في جمعَةٍ أبداً ولا في مجمَعِ
لكن بأوقات السَّعَادَة كانَ لي=فيهَا محاسِن وعظه المتفرعِ
ومنَ البَليَّة غِيْبَتي عن قَبْرهِ=في صَعْدَةٍ قد كانَ يوم تجمع
خرجُوا بهِ في صُبح يومٍ أكسَفت=شمس النهار بهِ لأمْرٍ مفضِعِ
يا ليت أني كنت حاضرِ موتهِ=فأكُونُ بينَ مودّعٍ ومشيعِ
وأكونُ من حمَّالة النعش الذي=حمَلته أجنحَة الكرام الرّكعِ
أصرَيع آيات الوعيد إذا تلا التَّـ=ـالي وردَّد منطق المترجعِ
وطبيب أسْقام الذنوب وراهم=الأقراح من نغل الفؤاد الموجعِ
مَنِ تصْرَعُ الآيات بعدك خشية=هيهَات بعدَك ما لها من مصرعِ
ومَن المداوي ذي القلوب إذا شكت=رين الذنوب وشرب سمّ منقعِ
يا نفس إبراهيم أنت كريمة=في داره بدعائه لمَّا دُعِي
أنت المرادة عند ربّك فاسمعي=بالمطمئنَّة حين قال لك ارجعي
صَلَّى عليك الله نفساً أزلفت=في الخلد في غرف القصور الرَّفعِ
قال السيد الهادي بن إبراهيم بن الوزير: لكل بيتين عارفة من جزاءٍ، وعارفتي في هذه الأبيات على الله. انتهى
مطلع البدور ومجمع البحور - (ج 1 / ص 47)
| توقيع : محب آل محمد(•'.'•) |
|
|
التعديل الأخير تم بواسطة الصنو ; 03-07-2012 الساعة 12:04 AM