الســادة آل مشكــاع

الســادة آل مشكــاع (http://www.mchkae.net/vb//index.php)
-   أعلام نبلاء (http://www.mchkae.net/vb//forumdisplay.php?f=26)
-   -   الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية ) (http://www.mchkae.net/vb//showthread.php?t=517)

أبوحيدر 10-28-2011 01:16 AM

الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )
 
استفتاح

والله لقد أحيا زيد بن علي ما دثر من سنن المرسلين وأقام عمود الدين إذا أعوج، ولن ننحو إلا أثره ولن نقتبس إلا من نوره
نحن ندعوكم أيها الناس إلى الحكم بكتاب الله وإلى العمل بما فيه وإلى انكار المنكر، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونستعينكم على ما أمر به في كتابه من المعاونة على البر والتقوى

محمد بن عبد الله النفس الزكية
الباب الأول

الفصل الأول

كانت آخر سنوات قرن من الزمان منذ الهجرة النبوية تتأهب للرحيل ... كانت أيام ذلك القرن الذي تكاد أن تنصرم سنواته ذات بصمات خاصة، فقد أثرت أحداثه على العالم بأسره.
كان كل بلد في العالم يمكن أن يحكي جزءاً من تاريخ ذلك القرن .. ولكن المدينة المنورة كانت قادرة على أن تحكي جميع أجزاء ذلك القرن .. فقد عاشت لتشهد بساحاتها أيامه الأولى، وأشرقت شمس يوم من أيام عام 96هجرية، لتتشرف أشعتها بمصافحة تلك الآثار التي لا مسها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم براحته ولتسعى أشعتها على تراب شرَّفه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بأن جعل منه موطن نعله.
ومع انبعاث تلك الأشعة من مشرقها انبعث فتيانٌ في ريعان شبابهم من جوار محراب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأنما وجوههم هي القمر... فأقبلوا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..فأطالوا الوقوف إلى جواره، ونهضوا كأنهم يلتمسون الإذن منه في الإنصراف من مسجده..
ثم انصرفوا إلى دار قريب من مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجلسوا إلى أمهم فاطمة بنت الحسين، فجعلت تنظر إلى أكبرهم سناً.. فرفع نظره إليها وقال لها:
- أماه.. ماذا ترين؟.. هل أنكرتِ مني شيئاً؟.
فاطمة بنت الحسين: لا يا عبد الله ... ولكني أرى أنك قد أصبحت فتىً يافعاً، ألا تختار لك زوجة؟
عبد الله: إن كنت ترين ذلك يا أماه .. فاذهبي واخطبي لي هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة.
فاطمة بنت الحسين: إذن تردك يا عبد الله .. أتطمع في هند وقد ورثت من عبد الله بن عبد الملك بن مروان ما ورثَتْ، وأنت تَرِب لا مال لك؟‍‍!.
سكت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ولم يجب أمه بشيء.
وبعد قليل خرج من البيت وجعل يمشي في شوارع مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يمر بقوم إلا ويدركون له فضله ومقامه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرغم صغر سنه فقد كان معروفاً عند أهل المدينة لما اتصف به من مكارم الأخلاق وغزارة العلم وسعة حلمه، حتى كان يلقب بينهم بالكامل.
فجعل يمضي إلى جهة ما.. وكأنه قد أضمر في نفسه أمراً أخفاه عن الجميع..
فلما مر بدورٍ لبني المطلب توقف .. فرأى شيخاً ذا هيئة ووقار واقفاً على باب أحد تلك الدور فتوجه إليه .. فلما وقف بين يديه أحسن الشيخ استقباله.
عبد الله: لقد أتيتك يا عماه خاطباً ابنتك هنداً!!.
أبو عبيدة: على الرحب والسعة يا ولدي .. أما مني فقد زوجتك .. مكانك لا تبرح.
وأسرع إلى داخل الدار، فدخل على ابنته هند في مقصورتها..
أبو عبيدة: يا بنية .. هذا عبد الله بن الحسن أتاكِ خاطباً.
هند: فما قلت له؟.
أبو عبيدة: زوجته إياك.
كانت هند تعرف لعبد الله مقامه ... فلم تكن لتتردد في قبول خطبته..
هند: أحسنت يا أبتِ فقد أجَزْتُ ما صنعت.
ثم إلتفتت إلى غلام لها وقالت له:
- قم إلى عبد الله فأخبره أن لا يبرح حتى يدخل على أهله.
فخرج أبو عبيدة مع الغلام .. فدخل على عبد الله وزف إليه الخبر.. وأعرس بها عبد الله من ليلته..
وبقي سبعة أيام لا تعرف له أمه خبراً.. لأنها كانت تعهد عليه طول غيابه لما كان يخرج إلى آبائه وعمومته من بني هاشم فيمكث عندهم أياماً..
وفي اليوم السابع توجه نحو أمه.. فلما دخل عليها.. نظرت إليه نظرة من يستغرب حاله .. فقد تغيرت ثيابه .. وملأ الدار رائحة من طيبه.
فاطمة: من أين لك هذا؟!
عبد الله: من عند التي زعمتِ أنها تردني، زوجتي هند بنت عبيدة.
مضت الأيام وحملت هند من عامها الأول ... وعلم آل أبي طالب بحملها.. وسر عبد الله بن الحسن بذلك الحمل .. ومر الشهر التاسع منذ بداية الحمل.. وانصرم العام الأول، وتلاه العام الثاني ... وعبد الله ينتظر المولود..
وكان بنو علي (ع) يجتمعون إلى فاطمة بنت الحسين (ع)، فتقبل على الصبيان من بنيها وبنيهم لتقبلهم، وكأنها تبحث عن شيء فيهم..
فأقبل عليها عبد الله قائلا:
- يا أماه .. خشيت أن نُسمّى بني القابلة .. فهلا تركتِ الإصرار على تقبيل هؤلاء الصبيان.
فاطمة: إن لي طِلْبَةً لو ظفرت بها لتركت ما ترون؟
وكانت تكرر السؤال عن هند بنت أبي عبيدة..
لقد كاد العام الثالث ينصرم منذ حملت .. وهند لم تضع مولودها بعد.. وشاع في الناس أنها إنما تتظاهر بالحمل حتى لا يتزوج عليها عبد الله..
وفي العام الرابع من حملها أقبل عليها أبوها وقد اشتد غضبه وظن بها الكذب... وطرق عليها الباب بشدة.
فلما فتحت له بابها قال لها في غضب:
- أنت المتحاملة على عبد الله بن الحسن فرقاً أن يتزوج عليك.
وأراد ضربها وتأديبها .. فصفقت الباب دونه..وجعلت تهدئ من روع أبيها وتقول له:
- يا أبي إني لا أكذب .. فورب الكعبة والبيت الحرام إني لحامل.
فقال لها أبوها:
- أما لو فتحت الباب لعلمت ما ينزل بك اليوم مني.. ثم تركها وانصرف.
***
وعلى رأس أربع سنين منذ الحمل .. ومع آخر أيام القرن الهجري كانت هند تضع مولودها الأول..
فأقبل عبد الله بن الحسن بالمولود على أمه فاطمة بنت الحسين (ع) فكشفت ما بين جنبيه...فرأت ختماً أسوداً عظيماً.. فنظرت إلى ولدها عبد الله وهي تقبل ذلك المولود ثم قالت له:
- لقد ظفرت بما أطلب .. فلست بعائدة بعد اليوم إن شاء الله إلى تقبيل صبيانكم..
ولما علمت فاطمة بنت علي بن أبي طالب (ع) بولادة هند أقبلت نحو دار عبد الله بن الحسن.. فدخلت على هند فأخذت مولودها... وأدخلت أصبعها في فمه ... فإذا في لسانه عقدة فأظهرت اهتمامها به ... فكانت تأخذه عندها وتنزله دارها، وجعلت تهتم بتربيته أعظم اهتمام، حتى لقد كان ينزل عندها أكثر مما ينزل في دار أبيه وأمه.
ولم تمض سنة حتى رزق عبد الله بمولود آخر فسماه إبراهيم.
فلما بلغ محمد وإبراهيم من العمر سن التمييز أقبل بهما والدهما يوماً إلى عبد الله بن طاووس وقال له: حدثهما لعل الله ينفعهما.
فلما تخرج محمد من الكتّاب وعاد إلى بيت فاطمة بنت علي بن أبي طالب أعدت طعاماً وجمعت وجوه أهل بيتها ... فلما أكلوا أخرجت إليهم محمداً وأخبرتهم بمكنون سرها.
فاطمة بنت علي: اللهم إن أخي الحسين كان دفع إلي سَفَطاً بخاتمه ... والله ما أدري ما فيه ... وأمرني إذا ولد هذا الغلام أن أدفعه إليه..
ثم دعت بالسَّفَط فدفعته لمحمد بن عبد الله بمحضر القوم .. وحمل معه إلى منزله ما تدري ما فيه.
فاشتهر الأمر وعرف الناس بذلك.. فكثرت الأقاويل.. وتوسم الكثير من الصلحاء في هذا الغلام الخير لهذه الأمة .. لما كان له من الأدب والخلق الحسن.
***
وجَدَّ محمد بن عبد الله في طلب العلم حتى جعل لا يفارق فضلاء وعلماء أهل المدينة.. ينتظرهم ويجلس بين أيديهم كأنما هو غلام لأحدهم..
فقد مر رجل على محمد بن عبد الله.. وقد أخذه النوم على باب أحد علماء الأنصار.. فظن الرجل أن محمداً غلام لذلك الأنصاري .. فأيقظه من نومه وقال له:
- يا غلام، استيقظ فقد خرج سيدك إلى الصلاة.
وقد زاده الله بسطة في العلم والجسم .. فكان في ريعان شبابه .. لا يبارى في القوة.
فبينما هو مع أبيه بسويقة .. وكان بين يدي أبيه عبد الله بن الحسن صخرة.. فلما عجز عبد الله عن قلعها قام محمد بن عبد الله وجعل يعالجها يريد انتزاعها .. كانت الصخرة عظيمة قدرها بعضهم بألف رطل.. ولم يكن في ذهن أحد أن هناك من يقدر على انتزاعها.. وبالفعل قلعها حتى جعلها على ركبتيه.. فلفت انتباه الحاضرين..
فلما رأى عبد الله بن الحسن نظرات الناس تحوط ولده خاف عليه وصاح فيه قائلاً: أتركها يا محمد.
فاستجاب محمد لأمر والده .. فلما ذهب عبد الله .. أقبل محمد على الصخرة فأبعدها عن طريق الناس..
***
ذاع صيت محمد بن عبد الله.. وجعل بعضهم يقول بأنه المهدي.. والبعض يعتقد فيه أنه هو النفس الزكية المبشر به من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..
كانت كل تلك الأقاويل والشائعات تسري بين الناس في وقت كانت الدولة الأموية تعيش أحرج الظروف .. فقد دب الخلاف داخل البيت الأموي، وقتل بعضهم بعضاً، فقد قتل الوليد بن يزيد في جماد الآخر سنة 125هجرية، وثارت الفتنة في البلاد وانقسم البيت الأموي على نفسه، وبعد مدة من الزمن تمكن مروان بن محمد بدهائه وسياسته أن يمسك بزمام الأمر ويخضع البيت الأموي لأمره وسلطانه ويرسل ولاته إلى سائر الأمصار، محاولاً أن يعيد للدولة الأموية هيبتها ومجدها.
ولكن البيت الأموي كان قد بالغ في الإساءة إلى أبناء الأمة .. وإنكاء قلوبهم.. فتوالت الثورات في البلاد الإسلامية -خصوصاً مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لتعلن رفضها للتسلط الأموي..

أبوحيدر 10-28-2011 11:57 PM

رد: الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )
 
الفصل الثاني
عيّن الخليفة الأموي مروان بن محمد والياً له على المدينة يسمى عبد الملك بن عطية وأوصاه ان لا يمس أحداً من أهل البيت بسوء.. فقد كان مروان بن محمد يدرك بذكائه وفطنته أن التعرض لأحد من أهل البيت في تلك الفترة ما هو إلا ضرب من الحمق والجنون .. فالناس قد تعلقت قلوبهم بأهل البيت.. وأصبحت الدولة الأموية في أشد الضعف، ولم يبق دار إلا وقد دخله السخط على البيت الأموي..
وحين وصل عبد الملك بن عطية إلى المدينة خرج أهل المدينة لاستقباله وتخلف عبد الله بن الحسن وبنوه.. فقد علم عبد الله بن الحسن أن هناك من سعى بولديه عند مروان بن محمد فخاف عليهما.
فلما دخل الوالي دار الامارة هناك.. أرسل في طلبهم فلما حضروا إلى مجلسه عنّفهم أشد تعنيف وهمَّ أن يضرب أعناقهم .. لولا أنه تذكر وصية مروان له أن لا يتعرض لأحد منهم بسوء.
وجعل الوالي يراسل الخليفة بأخبار المدينة أولاً بأول، ومن ضمنها أخبار عبد الله بن الحسن وبنيه .. فأرسل مروان إلى واليه:
((من أمير المؤمنين مروان بن محمد إلى عبد الملك بن عطية .. لا تتعرض لعبد الله بن الحسن وبنيه وإن استتروا منك بثوب فلا تكشفه، وإن كان جالساً على جدار فلا ترفع رأسك إليه)) ..
ثم كتب مروان بن محمد رسالة أخرى إلى عبد الله بن الحسن ضمنها هذه العبارة: ((أكفف عني بنيك))..وارفقها بعشرة آلاف دينار.
وما إن قرأ عبد الله رسالة مروان حتى أيقن أن الخليفة قد أضمر في نفسه شيئاً وأن أحداً قد أوغر صدره عليهم .. فأحب أن يقطع الطريق على أصحاب السوء الذين اعتادوا أن يجعلوا من الوشاية بأهل هذا البيت وسلية وزلفة يتقربون بها إلى الأمراء والولاة.. فقرر أن يشدَّ رحاله إلى بلاد الشام يرجو أن يلقى مروان. ويقرأ في ملامح وجهه وفلتات لسانه ما يضمر له ولولده وأهل بيته.
***
توجه عبد الله نحو الشام حتى وصل إلى قصر الخلافة بدمشق..
فلما دخل على الخليفة في قصره -وقد أحاط به قواده ووزراؤه- إستقبله مروان أحسن إستقبال واجلسه إلى جواره..
مروان: ماذا فعل مهديكم يا عبد الله؟
عبد الله بن الحسن: لا تقل ذلك يا أمير المؤمنين .. فليس الأمر كما يبلغك.
مروان: بلى .. ولكن يصلحه الله ويرشده.
ثم أطرق قليلاً يفكر في أمر ما .. ثم رفع رأسه وجعل ينظر إلى عبد الله..
مروان: إئتني بابنك محمد يا عبد الله.
عبد الله: وما تصنع به يا أمير المؤمنين؟
مروان: لا شيء .. لا شيء .. إلا أنه إذا أتانا أكرمناه .. وإن قاتلنا قاتلناه .. وإن بعد عنا لم نهجه.
اكتفى عبد الله بما سمع .. فقد أدرك أن مروان بن محمد يسير على طريق آبائه وأنه يضمر لهم الشر وما يرده عن الفتك بآل محمد إلا ضعف دولته..
وبادر عبد الله من ساعته للعودة إلى المدينة.. وشدَّد في إخفاء بنيه وأمرهم بالإستتار مخافة أن ينال بنو أمية منهم.
(2)
زاد الناس من محنة عبد الله وبنيه .. بما كانوا يختلقون من الشائعات التي دخلت إلى كل بيت ووصلت إلى مسامع ولاة الدولة الأموية وأمرائها، مما جعل الناس لا يدخلون المدينة إلا ويسألون عن دار عبد الله بن الحسن ليروا ابنه محمداً الذي سموه بالمهدي .. فاضطر محمد بن عبد الله إلى الخروج من المدينة والتخفي ..
ولما دخل محمد بن عبد الله المدينة في أحد الأيام متنكراً عرفه أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان أبو جعفر جالساً مع بعض رفاقه، فلما خرج محمد بن عبد الله من دار أبيه أسرع أبو جعفر إليه .. فأخذ بردائه حتى ركب ثم سوى ثيابه على السرج.
وجعل أبو جعفر يبالغ في الإجلال لمحمد بن عبد الله حتى تعجب أصحابه مما رأوا .. فلما عاد إليهم أبو جعفر قال له عمير بن الفضل:
- من هذا الذي أعظمته هذا الإعظام حتى أخذت بركابه وسويت له ثيابه؟!..
أبو جعفر: أو ما تعرفه؟
عمير بن الفضل: لا.
أبو جعفر: هذا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن مهدينا أهل البيت.
***
وكان السبب في اعتقاد الناس بأن محمد بن عبد الله هو المهدي هو تلك الرواية التي مفادها أن المهدي اسمه اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم واسم أبيه كاسم أبي النبي.
وتلك العلامة كانت موجودة في محمد بن عبد الله مع ما هو عليه من الفضل والعلم والشجاعة وقوة الجسم .. الأمر الذي جعله يزداد في قلوب الناس ميلاً إليه وحباً له.
ولكن عبد الله بن الحسن كان يبالغ في نفي ذلك عن ولده .. فقد كان أهل البيت يعلمون أن موعد خروج المهدي لم يحن بعد.
ولكن الأخبار التي كان أهل البيت يتناقلونها تشير إلى أنه النفس الزكية التي تحدث عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أطل زمانها.
ولعل عبد الله كان قد توسم في ولده محمد أنه المقصود بالرواية.. فقد أقبل عليه بعضهم وهو جالس فجلسوا إليه يحادثونه..
أحدهم: متى يخرج ولدك يا أبا محمد؟.
عبد الله: لا يخرج حتى أموت، وهو مقتول.
محمد بن بشر: إنا لله وإنا إليه راجعون .. هلكت والله الأمة.
عبد الله: كلا.
محمد بن بشر: فإبراهيم؟
عبد الله: ليس بخارج حتى أموت، وهو مقتول.
محمد بن بشر: إنا لله وإنا إليه راجعون .. هلكت والله الأمة.
عبد الله: فإذا مت خرجا جميعاً، فلا يلبثان إلا وهما مقتولان.
محمد بن بشر -في حسرة وألم: إنا لله هلكت والله الأمة.
عبد الله: كلا يا محمد .. فإن صاحبهم منا غلام شاب ابن خمسٍ وعشرين سنة يقتلهم تحت كل حجر ..
ولكن لم يكن مثل هذا القول كافياً لتكذيب تلك الشائعات التي آمن بها سائر الناس القريب والبعيد والخاص والعام..
***
وفي أحد الأيام اجتمع جمع من بني هاشم .. وأقبلوا على عبد الله بن الحسن وولديه محمد وإبراهيم وهم في الأبواء .. فضم ذلك المجلس إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس .. وأبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وصالح بن علي بن عبد الله بن العباس .. ومحمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان -وكان أخاً لعبد الله بن الحسن من أمه.
صالح بن علي: قد علمتم أنكم الذين تمد الناس أعينهم إليهم، وقد جمعكم الله في هذا الموضع، فاعقدوا بيعة لرجل منكم تعطونه إياها من أنفسكم وتوثقوا على ذلك حتى يفتح الله والله خير الفاتحين.
أبو جعفر: لأي شيء تخدعون أنفسكم، والله لقد علمتم ما الناس إلى أحدٍ أصور أعناقاً وأسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى -يريد محمد بن عبد الله (ع).
فأجابه الجميع: قد صدقت والله إن هذا لهو الذي نعلم.
وبايعوا جميعاً محمد بن عبد الله ومسحوا على يده.
ثم أرسل عبد الله بن الحسن إلى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين.. فأقبل على الفور.. حتى وصل إلى هنالك وهم مجتمعون.. فأوسع عبد الله لجعفر بن محمد واجلسه غلة جواره.
جعفر بن محمد: لأي شيء اجتمعتم؟
عبد الله بن الحسن: احتمعنا لنبايع محمد بن عبد الله.
جعفر بن محمد: لا تفعلوا فإن هذا الأمر لم يأت بعد.. ولكنا والله لا ندعك يا عبد الله وأنت شيخنا ونبايع ابنك.
عبد الله بن الحسن: لقد علمت خلاف ما تقول، ولكن يحملك على هذا الحسد لإبني.
جعفر بن محمد: والله ما ذاك يحملني.. إنها والله ما هي إليك ولا إلى إبنيك.. وإن إبنيك لمقتولان.
ثم نهض جعفر بن محمد وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري ثم قال له:
- أرأيت صاحب الرداء الأصفر -يعني أبا جعفر؟
عبد العزيز: نعم.
جعفر بن محمد: فإنا والله نجده يقتله.
عبد العزيز: أتقصد أن أبا جعفر يقتل محمد بن عبد الله؟!
جعفر بن محمد: نعم..!
ولما خرج الإمام جعفر بن محمد(ع) لحقه أبو جعفر وقال له:
- أتقول هذا يا أبا عبد الله؟!
جعفر بن محمد: نعم أقوله والله واعلمه..!
وبعد أن انصرف جعفر بن محمد تفرق من في المجلس، وقد أجمع أمرهم على أن يجددوا البيعة مع من بقي من بني هاشم ومواليهم في بيت الله الحرام بمكة.
فلما كان بعد ذلك بزمن .. بايعوا محمد بن عبد الله عند البيت الحرام بمكة.
فلما أراد محمد بن عبد الله الانصراف، خرج أبو جعفر فأمسك لمحمد الركاب.. فلما استوى محمد على فرسه التفت إليه أبو جعفر -وكأنّ أمراً ما يدور في خلده- ثم قال له:
- أما إنه إن أفضى إليكم هذا الأمر نسيتَ لي هذا الموقف!!
(3)
كانت قد انتشرت بين الناس تنبؤات تقول أنه لا حظَّ لبني الحسن في الملك وأن بني العباس يرثون هذا الأمر..
إلا أن مثل تلك التنبؤات لم تكن لتثني محمد بن عبد الله عن المضي فيما هو عازم عليه .. فهو تلميذ الإمام زيد بن علي (ع) خرج معه وجاهد بين يديه.. ورافق يحيى بن زيد زمناً طويلاً..
لذلك فقد أرسل محمد بن عبد الله دعاته إلى الأمصار، يطلبون له البيعة..
وانطلق دعاة بني هاشم وأتباعهم في أرجاء البلاد الإسلامية يدعون الناس إلى مبايعة محمد بن عبد الله (ع).
وكان من أهم العوامل التي سهلت مهمة الدعاة .. وساعدت على نجاح هذه الدعوة هو ضعف الدولة الأموية واشتداد وطأة الظلم الذي تعانيه الأمة الإسلامية.. في الوقت الذي كانت شهرة محمد بن عبد الله قد بلغت المنتهى ..
كان الدعاة يدعون إلى مبايعة محمد بن عبد الله إلا نفراً من بني العباس فإنهم كانوا يدعون الناس إلى الرضا من بني هاشم ولا يصرحون باسم أحد .. بعد أن أضمروا في أنفسهم أنه إن تم لهم هذا الأمر استخلصوه لأنفسهم..
وبينما عبد الله بن الحسن جالس في أحد الأيام مع أبي العباس -الذي لقب فيما بعد بالسفاح- وأبي جعفر- الذي تسمى بالمنصور- ومعهم أخوهم الأكبر إبراهيم بن علي .. إذ دخل عليهم رجل فسألهم:
- أين إبراهيم بن علي منكم؟..
إبراهيم: أنا هو.
فتقدم الرجل .. وهمس في أذن إبراهيم بن علي بكلام.. ثم خرج الرجل على الفور فتبعه إبراهيم وبنو العباس .. فلما انفردوا عن عبد الله بن الحسن وولده قال لهم:
- يا مولاي .. قد أخذت لك البيعة بخراسان، وجمعت لك الجيوش .. فأقبل.
وهنا تذكّر أبو جعفر ما قاله الإمام جعفر بن محمد -من أنه يقتل محمداً وإبراهيم- فعلم أنه لا يقدر عليهم إلا إذا صار الأمر إليه أو إلى إخوته .. ففهم أن الملك صائر إليهم..
فأعدوا العدة لهذا الأمر .. وكتموا أخبارهم عن عبد الله بن الحسن وأولاده، وصاروا يتقربون إلى الناس بآل علي بن أبي طالب (ع).
وجعلوا من محمد بن عبد الله وسيلة يدخلون بها إلى قلوب الناس .. فلما تم لهم ما دبروا، واستوثقت لهم البيعة من شيعة خراسان .. جعلوا لا يكترثون من التكتم من هذا الأمر.
فقد دخل عبد الله بن الحسن وأخوه الحسن بن الحسن ومعهم رجل اسمه عبد الله بن الحسن بن تراب على داود وعبد الله بن علي بن عبدالله بن العباس.
فأقبل داود يحدث عبد الله بن الحسن .. ثم سأله:
- ألم يحن الوقت لظهور محمد؟
عبد الله بن الحسن: إن الوقت لم يحن لظهوره.
فالتفت عبد الله بن علي إلى عبد الله بن الحسن .. فقال:
سيكفيك الجعُالةَ مستميت ... خفيف الحاد من فتيان جَرْمِ
ثم قال:
- أنا والله الذي قد أظهر عليهم وانتزع ملكهم [يقصد بني أمية].
فخرج عبدالله وقد أدرك أن القوم قد خذلوا ولده .. وأنهم يريدون الأمر لهم.
***
وفعلاً كان دعاة محمد بن عبد الله من بني العباس قد طمعوا في الأمر وأرداوه لأنفسهم فكانوا إذا أنسوا إلى أحد أخذوا البيعة منه لإبراهيم بن علي بن عبد الله بن العباس.
وكانوا يشيعون في خواصهم أن محمد بن عبد الله حديث السن، قليل العلم.
فقد أقبل القاسم بن مسلم وأبو خلف على عيسى بن زيد بن علي بن أبي طالب (ع) يسألانه عن أمر محمد بن عبد الله.
القاسم بن مسلم: لقد حدثنا بعض من يعرف محمد بن عبد الله أنه حدث السن لا فقه له.
عيسى: إسمع يا هذا .. والله لو أن الله جل ثناؤه حدثنا في كتابه أنه يكون من بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي لقلنا إن ذلك محمد بن عبد الله بن الحسن.
فخرج الرجلان من عند عيسى بن زيد يرجوان لقاء محمد بن عبد الله (ع).. وأقبلا عليه في داره بينبع .. فدخلا عليه .. فإذا هو في كسائين قد ائتزر بأحدهما والتحف بالآخر.. فصارحه القاسم بن مسلم بما سمع من الناس.
القاسم بن مسلم: جعلت فداك يا أبا عبد الله .. إن الناس يقولون لنا أن صاحبكم حدث السن ليس له فقه..
فنظر محمد بن عبد الله إلى القاسم وصاحبه .. ثم إلتقط سوطاً كان بين يديه .. فأدخل علاقته في يده .. ثم قال:
- يا قاسم.. ما يسرني أن الأمة اجتمعت عليّ فكانت كعلاقة سوطي هذا .. وأني سئلت عن باب حلال أو حرام لم أجئ بالمخرج منه.. يا قاسم بن مسلم.. إن أضل الناس -بل أكفر الناس- من ادعى أمر هذه الأمة.. ثم يسأل عن باب حلال أو حرام لم يجيء بالمخرج منه.

أبوحيدر 10-31-2011 06:13 AM

رد: الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )
 
الفصل الثالث

توالت الثورات على دولة بني أمية وتفاقمت الأمور على مروان بن محمد .. فقد ثار أبو مسلم الخراساني وأبو سلمة الخلال في خراسان .. وزحفت الجيوش الخراسانية بقيادة أبي مسلم وأبي سلمة .. فلم تثبت لها الجيوش الأموية .. وتقدمت حتى صارت تعسكر في أطراف العراق.
فلما علم بنو العباس بذلك خرجوا من المدينة متخفين يطلبون العراق للقاء دعاتهم.
ودخل الجيش الخراساني الكوفة سنة 132ه‍ .. وقام أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ليبايع الناس له .. بعد أن علم أن مروان بن محمد قد قتل أخاه إبراهيم.
وجعل الجيش الخراساني يحرر البلاد الإسلامية من بقايا الجيوش الأموية .. وتوالت الهزائم بالجيش الأموي .. وبعد كل هزيمة يفقدون بلداً .. حتى قتل مروان بن محمد سنة 133هجرية..
واستيقظ شيعة أهل البيت (ع) بعد أن خاضوا عشرات المعارك ضد بني أمية ليروا من يعتلي عرش الخلافة .. مؤملين أن يروا ذلك الذي بايعوه بالأمس.. وهتفوا باسمه مراراً -محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)- وقد جلس على كرسي الخلافة..
وإذا ببني العباس وأعوانهم قد أخلفوا أهل البيت الموعد .. وأجلسوا أبا العباس (السفاح) على عرش الخلافة وأحاطوها بقضبان من الإرهاب يحكمون الناس بالحديد والنار.
***
وأدرك أهل البيت أن الأمر قد خرج من أيديهم .. وأن أي تحرك سيكون مكشوفاً.
فأمراء بني العباس ليسوا كملوك بني أمية .. لأنهم دعاة أهل البيت وموضع سرهم ..يعرفون خواصهم وشيعتهم .. وأماكن تخفيهم وحيث ينزلون .. وكيف يتحركون..
لقد أصبحت معركة اليوم تتحدد معالمها .. أنها معركة مع أصدقاء وإخوان الأمس وأعداء اليوم لذا صارت كفة أهل البيت في هذه المعركة مغلوبة لا محالة.
فبمن يثقون؟ إذا خان الثقات أماناتهم.
وإلى من يأنسون؟ إذا صار أنيس الأمس يصقل مديته ليذبحهم.
لقد صاروا بالفعل:
غرباء .. في أوطانهم.
أسارى .. في دولة يحكمها إخوانهم.
***
وبدأت المرحلة الثانية لتوطيد أركان الخلافة العباسية..
فبعد أن تم القضاء على ملك بني أمية أقبل السيف العباسي .. لينال من كل من له أي صلة بأهل البيت .. وليت الأمر توقف عند هذا الحد .. بل صدرت الأوامر من قصر الخلافة العباسي .. ((من اتهمتموه فاقتلوه)).
وصار جلاوزة بني العباس يحكمون الناس بالحديد والنار .. يسفكون الدماء في كل مكان .. ولم يكتفوا بقتل أعدائهم .. فقد قتلوا حتى أصدقاءهم .. بتهمة ميلهم إلى آل علي بن أبي طالب (ع)..
فقتلوا أبا مسلم الخراساني، وأبا سلمة الخلال .. وهما من شيدَّ لبني العباس خلافتهم .. وحملاهم على رقاب الناس.
ثم تطاول ذلك السيف لينال حتى من بني العباس أنفسهم، ولم يتورعوا في قتل كل من يخافونه على ملكهم.
ولم يجد أولاد عبد الله بن الحسن من طريق ينجيهم من حد ذلك السيف الغاشم .. إلا الإستتار والتخفي فلم يعرف لهم أحدٌ طريقاً ..
(2)
بعد أن استقر حكم بني العباس .. وخضعت لهم البلاد والعباد .. أقبلت الوفود من جميع البلدان مباركة للخلفية الجديد خلافته.
وأقبل وفد أهل المدينة ومعهم وفد بني هاشم على رأسهم عبد الله بن الحسن وأخوه الحسن بن الحسن إلى أبي العباس السفاح .. لعلهم بلقائه والقرب منه يكفيهم شره ونقمته .. فاستقبلهم أبو العباس وأحسن إليهم .. وآثرهم على غيرهم.
فلما انصرف الناس من مجلسه استبقى عبد الله بن الحسن فحدثه طويلاً .. وأمر أن لا ينصرف عن العراق قبل أن يبقى ضيفاً عليه مع أخيه.
ولم تمض أيام حتى أرسل أبو العباس في طلب عبد الله بن الحسن.. فلما دخل عليه استقبله أبو العباس في ثوب واحد، وليس عليه شيء من لباس الملوك وقال له:
- ما رأى أحدٌ غيرك أمير المؤمنين وهو على هذا الحال ولكني إنما أعدك عماً ووالداً..
ثم جلسا يتحادثان طويلاً، ثم قام عبد الله يريد الإنصراف..
فقال له أبو العباس:
-ولكني أحب أنْ أحدثك عن شيء.
عبد الله: ما هو يا أمير المؤمنين؟.
أبو العباس: حدثني يا عبد الله عن ولديك محمد وإبراهيم .. ما خلّفهما ومامنعهما أن يفدا إلى أمير المؤمنين مع أهل بيتهما؟.
عبد الله: ما كان تخلفهما لشيء يكرهه أمير المؤمنين.
وصمت أبو العباس بعد ذلك.. ثم جال بفكره إلى أحداث الماضي وبيعته لمحمد بن عبد الله .. ثم ذكر بعض ما ذكر في الروايات من أن أبا جعفر يقتل محمداً وإبراهيم.
فرفع نظره إلى عبد الله وقال له:
- اسمع يا عبد الله .. لقد غيبتهما بعينك .. أما والله ليقتلن محمد على سلع ، وليقتلن إبراهيم على النهر العباب.
نكس عبد الله نظره إلى الأرض .. ولم يجب أبا العباس بشيء.. ثم استأذن للإنصراف فمضى إلى حال سبيله .. ولما أراد عبدالله الرجوع إلى المدينة لم يأذن له أبو العباس في الخروج من العراق، وجعل يرسل في طلبه المرة تلو الأخرى .. وفي كل مرة كان لا ينصرف عبد الله من مجلس أبي العباس السفاح حتى يسأله عن أمر ولديه..
***
كان الحسن المثلث يرى أخاه عبد الله وكثرة تضجره وضيقه كلما عاد من مجلس أبي العباس فأقبل عليه يوماً وقال له:
- ما لي أراك مكتئباً يا عبد الله؟!.
فقص عليه عبد الله ما جرى بينه وبين أبي العباس.
الحسن: هل أنت فاعل ما أقول لك؟.
عبد الله: ما هو؟.
الحسن: إذا سألك عنهما .. فقل عمهما الحسن أعلم الناس بهما.
عبد الله: وهل أنت محتمل ذلك لي؟
الحسن: نعم.
وما هي إلا أيام حتى كان رسول أبي العباس يبلغ عبد الله أن الخليفة يطلبه للحضور إلى مجلسه.
فلما دخل عليه .. رحّب بمجيئه وأجلسه إلى جواره..
أبو العباس: يا عبد الله إن رصافة أبي العباس تم بناؤها بالأنبار .. فادخل معي فانظرها.
وخرج موكب أبي العباس إلى الرصافة .. فلما دخلوها جعل عبد الله ينظر إلى تلك القصور الفخمة، والحدائق الجميلة الواسعة، وما يبهر العقول من المتاع الزائل .. فعلم أنه إنما تغيرت الوجوه والأسماء .. وأن ملوك بني العباس سينحون نحو من قبلهم من ملوك بني أمية .. فيحيلون الخلافة الإسلامية إلى قيصرية أو كسروية.
فاراد عبد الله أن يزهد أبا العباس في هذه القصور فأنشأ يقول:
- ألم تر حوشباً..
وفجأة توقف عبد الله ولم يكمل .. لقد ذكر أن أبا العباس قد يسيء فهمه .. فيكون في ذلك حتفه وحتف أهله.
ولكن أبا العباس كان قد سمع الكلمة الأولى من البيت .. فالتفت إلى عبد الله قائلاً: أنفذه.
عبد الله: يا أمير المؤمنين .. ما أردت إلا خيراً.
أبو العباس: أقسمت عليك أن تنفذه.
فأقبل عبد الله ينشد:
ألم تر حوشباً أمسى يُبَنِّي ... بيوتاً نفعها لبني نفيلة
يؤمل أن يعمر ألف عام ... وأمر الله يطرق كل ليلة
فاحتملها أبو العباس وسكت..
فلما أراد عبدالله الإنصراف.. إلتفت إليه أبو العباس قائلاً:
- يا عبد الله ما خبر محمد وإبراهيم ألم يأتيا ليسلما على أمير المؤمنين؟.
عبد الله: يا أمير المؤمنين .. عمهما أعلم الناس بهما .. فاسأله عنهما.
فسكت أبو العباس، وانصرف عبد الله.
وفي تلك اللحظة أرسل أبو العباس من يأتيه بالحسن بن الحسن.
دخل الحسن مجلس الخليفة، فبادر إليه فقص عليه الأمر .. فلما انتهى تقدم إليه الحسن حتى صار واقفاً بين يديه.
الحسن: يا أمير المؤمنين.. أكلمك على هيبة الخلافة .. أو كما يكلم الرجل ابن عمه.
أبو العباس: بل كما يكلم الرجل ابن عمه، فإنك وأخاك عندي بكل منزلة.
الحسن: إني أعلم أن الذي هاج لك ذكرهما بعض ما قد بلغك عنهما .. فأنشدك الله هل تظن ان الله إن كان قد كتب في سابق علمه أن محمداً وإبراهيم يليا من هذا الأمر شيئاً، ثم أجلبت أهل السماوات والأرض بأجمعهم على أن يردوا شيئاً مما كتب الله لمحمد وإبراهيم أكانوا راديه؟
أبو العباس: لا والله ما هو كائن إلا ما كتب الله.
ثم تظاهر بالإقتناع والندم وقال للحسن:
- فلست بعارض لذكرهما بعد في مجلسي هذا ما بقيت إلا أن يهيجني شيء فأذكرهما.
***
عاد الحسن المثلث مع أخيه عبد الله بعد هذا اللقاء إلى المدينة وقد أدركا أن أبا العباس السفاح وأخاه أبا جعفر لن تطمئن نفساهما حتى ينالا من محمد وإبراهيم .. فأمرهما والدهما ساعة وصوله إلى المدينة بالخروج من المدينة والتخفي .. وبدءا رحلةً من التشرد والخوف..
ولم تمض بضعة أشهر حتى وصل رسول الخليفة يطرق أبواب آل الحسن..
فلما دخل على عبد الله بن الحسن وضع بين يديه رسالة الخليفة .. وفتحها عبد الله فإذا فيها:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
فأدرك عبد الله أن هناك من لا يكف عن الوشاية به وبولديه عند الخليفة..
فأخذ رقعة ودواة.. وكتب:
وكيف يريد ذاك وأنت منه ... بمنزلة النياط من الفؤاد
وكيف يريد ذاك وأنت منه ... وزندك حين يقدح من زناد
وكيف يريد ذاك وأنت منه ... وأنت لهاشم رأسٌ وهادي
وطوى الرقعة وردها مع رسول الخليفة.
(3)
لم يكن بنو العباس ليشعروا بالاطمئنان وهم يعلمون أن محمد بن عبد الله حي يرزق..
فأنى لهم بالأمان وصاحب الحق الذي بايعوه بالأمس ثم نزوا على حقه ونكثوا بيعته .. لا زال يتنقل من بلد إلى بلد .. وقلوب الناس معلقة به؟.
كان والي المدينة في تلك الفترة هو زياد بن عبد الله الحارثي .. وكان كاتبه حفص بن عمر من أشد الناس حباً لآل محمد .. فكان لا يعقد زياد أمراً فيه إضرار بآل محمد إلا ودفعه حفص عنه بلطافة القول والحجة والإقناع.
وفي عام 136هجرية أقبلت الأخبار من العراق بأن أبا جعفر سيحج بالناس في هذا الموسم .. ولما كان حفص بن عمر يعرف شدته وقسوته وإصراره على طلب محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن .. أرسل إلى عبد الله يخبره الخبر.
فلما وصلت رسالته إلى عبد الله أرسل في طلب ولديه.
فلما دخلا عليه حدثهما قائلاً:
- إن أبا جعفر سيحج بالناس في هذا العام .. وأنتما تعلمان من أمره ما أعلم .. ولست آمن عليكما البقاء في المدينة .. ولا ما حولها فإن الرجل شديد في أمركما.
محمد: فما ترى أن نفعل يا أبي .. فقد كرهنا كثرة الإنتقال والتخفي.
عبد الله: صبراً يا بني .. فلك في عمك زيد وولده قدوة.
إبراهيم: فأي البلاد ترى يا أبي أنها لا تنالها يد هذا الطاغية.
عبد الله: أرى أن تتوجها إلى اليمن .. فإني أظنه لا يقدر عليكما هناك.
وحينا تجهزا على الفور للسفر وودّعا أباهما وأهلهما وداع من لا يدري أيكون له بأهله بعد هذا السفر لقاء؟.. أم أن هذا هو اللقاء الأخير؟
***
ولم تمض أيام على سفرهما حتى أقبل موكب ولي العهد والناس يسيرون معه .. فلما اقترب من المدينة نزل بالربذة .. فخرج إليه أهل المدينة يستقبلونه. وخرج معهم أهل البيت (ع) .. فقسم في الناس أموالاً كثيرة .. وأمر من جاءه من آل أبي طالب بعدم الإنصراف، فلما انصرف الناس .. جعل يسألهم عن محمد و إبراهيم .. فلم يجد عندهم جواباً.
***
كان أبو جعفر يظهر الإهتمام بأمر محمد وإبراهيم .. فلما دخل المدينة .. وجلس واليها زياد بن عبد الله الحارثي بين يديه قال له أبو جعفر:
- يا زياد .. اخرج فاشترِ ما استطعت من عبيد أهل المدينة.
زياد: سمعاً وطاعة يا مولاي.
فلما أقبل زياد بن عبد الله بالعبيد وازدحم بهم دار الأمارة قال لهم أبو جعفر:
- أَمْنِكم من لا يعرف محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم؟
فأجابه الجميع: بل نعرفهما.
أبو جعفر: فأنا أعطي كل واحد منكم البعير والبعيرين .. فانتشروا في المدينة وما جاورها .. فمن وجد محمداً وإبراهيم في مكان فليأتني بخبرهما .. وله عندي ما يسره.
فانطلقوا على الفور كل يريد أن يظفر بالجائزة.. وبقي زياد الحارثي عند أبي جعفر.
زياد: وماذا يهمك من أمرهما يا مولاي؟ أنا آتيك بهما.
أبو جعفر: إذا فابق على عملك في المدينة.
(4)
بقي أبو جعفر في المدينة إلى بداية عام 137هجرية .. لعله يظفر بولدي عبد الله بن الحسن، ولكن الله أراد ما لا يريد أبو جعفر فقد أتته الأخبار بوفاة أخيه السفاح.. فانشغل عن البحث عنهما بجمع الناس وعقد البيعة لنفسه..
ثم سارع في المسير إلى بغداد .. بعد أن أتته الأخبار أن عمه عبد الله بن علي قد أخذ البيعة لنفسه من أهل الشام.
وبعد حروب طويلة ومعارك دامية بينهما دانت له البلاد واعتلى عرش الخلافة.. وأصبح فؤاد أبي جعفر فارغاً من كل شيء إلا من أمر كان يُعكّر عليه صفوه .. وينغص عليه راحته.
ففي كل يوم جديد كان يأتيه جاسوس من جواسيسه بخبر جديد عن محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم .. فخبر يخوفه وخبر يطمئنه..
وبينما أبو جعفر على هذا لحال .. إذ وصل وفد أهل خراسان إلى بغداد يريدون لقاءه.
فأمر بإدخالهم عليه .. فأحسن استقبالهم .. وجعل يكثر النظر إلى وجوههم .. وكأنه يبحث عن رجل يعرفه قد التبس عليه بينهم.
فلما أرادوا الإنصراف .. أذن لهم.. فلما بلغوا باب إيوانه صاح بأحدهم:
- أنت يا رجل .. ابق لا تذهب معهم.
توقف الجميع .. لم يعرف أحد منهم من هو المقصود..
فأشار أبو جعفر إلى رجل منهم حسن الوجه .. ظاهر الهيبة وقال له: أقصدك أنت.
فعاد الرجل وجلس بين يدي أبي جعفر.. وانصرف أصحابه.
أبو جعفر: ما إسمك يا رجل؟.
الرجل: إسمي عقبة بن مسلم بن نافع .. من جند أمير المؤمنين وخدمه.
أبو جعفر: ممن أنت؟ ..
عقبة: من الأزد .. ثم من بني هناءة.
أبو جعفر: إني لأرى لك هيئة وموضعاً .. وإني أريدك لأمر أنا به معني .. لم أزل أرتاد له رجلاً عسى أن تكون هو .. إن كفيتنيه رفعتك.
عقبة: أرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين فيّ..
أبو جعفر: فاخف شخصك واستر أمرك.. وأتني
في يوم كذا.. في وقت كذا.
فانصرف الرجل .. ثم أتى في الموعد الذي أمره أبو جعفر بالدخول عليه فيه بينما كان أبو جعفر ينتظر مجيئه.. فلما دخل عليه قال له أبو جعفر:
- اسمع يا رجل .. إن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيداً لملكنا.. واغتيالاً لنا.. ولهم شيعة في خراسان في قرية كذا .. يكاتبونهم .. ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف بلادهم.. فاخرج بأكسية وألطاف حتى تأتيهم متنكراً بكتاب تكتبه على أهل القرية .. ثم تسير ناحيتهم .. فإن كانوا قد نزعوا عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب..وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك .. وكنت على حذر واحتراس منهم. .واعلم أنك ستلقى عبد الله بن الحسن متقشفاً متخشعاً .. فإن جابهك -وهو فاعل- فاصبر وعاوده .. فإن عاد فاصبر حتى يأنس بك وتلين لك ناحيته .. فإذا ظهر لك ما في قلبه .. فعجل إليّ
ففهم عقبة مهمته وانطلق نحو المدينة..
***
كان العام 138هجرية قد دخل عندما وصل عقبة إلى المدينة..
فأقبل إلى دار عبد الله بن الحسن .. فدخل عليه .. فلما رآه عبد الله أنكره .. وكان كلما زاد الرجل تقرباً من عبد الله .. زاد عبد الله نفوراً منه .. فجعل عقبة لا ييأس ولا يمل..
فلما رأى عبد الله إصراره قبل منه صلته .. وأحسن إليه وقربه نحوه .. فأطال اللبث في المدينة..وتكنى بأبي عبد الله وأظهر التقوى والتبتل.
وفي أحد الأيام دخل عليه عبد الله بن الحسن فقال له: يا أبا عبد الله أليس لك فراغ فتعلم هذين الصبيين الشعر..
عقبة: ولمن يكونان؟
عبد الله بن الحسن: هما لولدي محمد .. فهذا علي .. وهذا الحسن.
عقبة: مُرني بما شئت يا أبا محمد .. ولكن يا أبا محمد قد طال انتظاري .. فمتى يخرج ولدك محمد.
عبد الله: صبرا يا أبا عبد الله .. فإنه إن شاء الله يخرج وقت كذا وكذا.
كان عبد الله بن الحسن قد اطمئن إلى هذا الرجل .. فقد أظهر عقبة من التنسك ما لا يفعله إلا صادق .. أو من بلغ مبلغاً من المكر، فلم يُر في نهاره مفطراً قط.. يقوم الليل ويصوم النهار ويشغل كل وقته بالذكر وقراءة القرآن، فنال بذلك ثقة آل الحسن .. حتى صار شريكهم في مطعمهم ومشربهم وسرهم وعلانيتهم..
في حين كان موسى بن عبد الله ينظر إلى عقبة بعين الشك..
ولما كان موسى من أشد الناس إلتصاقاً بأبيه فقد كان عقبة يتقرب إليه لعلمه بأن أباه لا يكتم عنه سراً لفرط محبته له.
***
وفي أحد الأيام.. أقبل عقبة يلاطف موسى.. حتى ظن عقبة أن موسى قد اغتر به..
عقبة: يا موسى إن أخاك محمداً الإمام يكثر الغياب .. ولا يأتينا إلا من حين إلى آخر .. أما فيكم من يعرف أين يغيب كل هذا الوقت.
موسى: وما شأنك يا رجل بهذا الأمر؟.
عقبة: لا شيء يا مولاي .. ولكن أخاف أن يناله أذى وهو بعيد عنكم.
ازدادت ريبة موسى في عقبة بن مسلم .. فأقبل موسى على أبيه وقال له:
- اعلم يا أبي والله إنه عين .. فأْمرُهْ بالشخوص .. فهو الذي لا يخفي عن أبي جعفر شيئاً من أمرنا.
فأمر عبد الله بن الحسن عقبة بن مسلم المتسمى بأبي عبد الله بالشخوص .. إرضاء لولده موسى وثقة برأيه ..
وعاد عقبة إلى أبي جعفر بأخبار آل الحسن .. فأكرمه وأحسن إليه ورفع مقامه..
ثم أرسل أبو جعفر في طلب الفضل بن صالح بن علي..فلما حضر بين يديه قال له أبو جعفر:
- اسمع يا فضل .. هذا موسم الحج قد أقبل .. وقد جعلتك أميراً على الحج لهذا العام .. فاجلس إلى عقبة ليقص عليك ما رآه عند آل الحسن.
فجلس الفضل إلى عقبة وجعل يقص عليه كل ما رآه أو سمعه ولم يخف عليه شيئاً .. فلما أكمل حديثه قال أبو جعفر مخاطباً الفضل:
- إن وقعت عيناك على محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن فلا يفارقانك .. وإن لم ترهما فلا تسأل عنهما..
واستعد الفضل بعد هذه الوصية للتوجه إلى المدينة .. وحين توجه إلى المدينة وأشرف على دخولها كان أهل المدينة قد علموا بمجيئه فخرجوا لاستقباله، وفيهم عبد الله بن الحسن وسائر بني الحسن إلا محمداً وإبراهيم .. فبقي الفضل لا يسأل عبد الله عن شيء حتى أحرم للحج.
الفضل: ما منع ابنيك أن يلقياني مع أهلهما؟
عبد الله: ما منعهما من ذلك لا ريبة ولا سوء .. ولكنهما مهتمان بالصيد واتباعه .. لا يشهدان مع أهلهما خيراً ولا شراً..
فسكت الفضل عن عبد الله .. وتقدم ليجلس في مكان مرتفع قد أعد له .. فأمر عبد الله أحد رعاة أغنامه أن يحلب حليباً في إناء كبير ويخلطه بالعسل ويقدمه للفضل على دكته..
فلما أقبل الراعي بالإناء على الفضل ظن الفضل أن عبد الله يريد بذلك قتله .. فقال للراعي- وقد اشتد غضبه: إليك يا ماص بظر أمه!! .. فأدبر الراعي خائفاً فزعاً..
فلما رأى عبد الله بن الحسن ما فعله الفضل، حمل الإناء من الراعي .. وأقبل به إلى الفضل- وكان عبد الله من أشد الناس رقة ولطافة فوضعه بين يدي الفضل .. فلم يجد أمامه إلا أن يشرب منه استحياءً من عبد الله بن الحسن ..
***
دخل الفضل على والي المدينة زياد بن عبد الله الحارثي ولما جلس إلى جواره قال له:
- ماذا فعلت بما تكفلت لأمير المؤمنين القيام به..
زياد: كما ترى يا مولاي .. فاسأل أهل المدينة عن سيري فيهم.. تعرف أني أشد الناس حرصاً على صلاح البلاد والعباد.
الفضل: ما عن هذا سألتك .. إنما أقصد محمداً وإبراهيم ابني عبدالله بن الحسن.
زياد: إني لا آلو جهداً في تتبع أمرهما ..ولو سنحت لي فرصة لكانوا في قبضة أمير المؤمنين منذ زمن.
الفضل: فاحرص علىهذا .. فإن أمير المؤمنين قلق بشأنهما.
ولما خرج زياد بن عبد الله من مجلس القضاء .. تقدم نحو الفضل رجل يسمى عبد العزيز بن سعد فقال للفضل:
- يا مولاي إن لزياد كاتباً يسمى عمر بن حفص.. شديد الولاء لآل أبي طالب.. فلا يعزم زياد على أمر إلا ويرده عنه..
الفضل: فاكتب بذلك إلىأمير المؤمنين.
فكتب عبد العزيز بذلك إلى أبي جعفر المنصور .. فلم تمض مدة من الزمن حتى كان رسول أبي جعفر يطرق باب زياد .. يأمره أن يرسل معه كاتبه عمر بن حفص مكبلاً بالحديد، فلم يجد زياد مفراً من الاستجابة لهذا الأمر.
وبعث زياد برسالة إلى عيسى بن علي وعبد الله بن الربيع الحارثي يرجوهما أن لا يتركا جهداً في تخليص عمر بن حفص من قبضة أبي جعفر.. ففعلا ذلك حتى أخرجاه من سجنه..
(5)
كان أبو جعفر قد ضيق على آل الحسن .. فلم يتمكن شيعتهم من الوصول إليهم .. وحصرهم في معائشهم حتى بلغت بهم الحاجة كل مبلغ .. وكان يرسل من يأتيه بأخبارهم الرسول تلو الرسول.
وها هو أحدهم يسرع نحو قصر الخلافة بعد أن أنهى مهمته يحمل إلى أبي جعفر ما سره من أخبار آل الحسن بالمدينة.
الرسول: يا مولاي.. لقد صار أحدهم لا يجد ما يسد جوعه.. ولا ما يستر عورة عياله.
أبو جعفر: إذاً أظفر بمحمد وإبراهيم هذا العام.. أين أمين بيت المال؟
فلما دخل عليه قال له:
- انظر إلى آل أبي طالب كم يكون عددهم في الديوان .. ثم أعد لكل فردٍ منهم مبلغ كذا وكذا من المال. وكذا وكذا من الكساء.
فلما اعد له ذلك أمر بإحضار رجل من خيار رجاله وأشدهم وفاءً له، فسلم إليه تلك الأموال ثم قال له:
- اسمع يا هذا .. أخرج بهذه الأموال فأقبل على المدينة.. ولا تدخلها ولكن ابق خارجها.. فإذا سألك الناس لأي شيء أتيت.. فقل جئت لأقسم صلة أمير المؤمنين في آل أبي طالب.. ولا أعطي أحداً شيئاً إلا يداً بيد.. فمن أحب منهم أن يأخذ نصيبه فليخرج إلي.. فإذا خرجوا إليك أعطيت كل من أتاك .. حتى إذا أقبل عليك محمد بن عبد الله وأخيه إبراهيم أخذتهم إليك.. وذبحتهم من ليلتك.
فانطلق الرجل نحو المدينة حاملاً معه تلك الأموال وهو حريص أشد الحرص على تنفيذ وصية أبي جعفر..
***
كانت أحوال بني الحسن تشتد كل يوم سوءاً.. فقد أزراهم الفقر.. وضاقت بهم السبل.. فلما أقبل رسول أبي جعفر إليهم.. ألجأتهم الظروف إلى الخروج إليه.. فكان من أتاه أعظم له العطاء.. فيعود إلى داره.. فيطمع من لم يخرج..
وأقبل عبد الله على ولديه محمد وإبراهيم .. فرأى سوء حالهم وشدة حاجتهم وكثرة عيالهم .. فبكى واشتد حزنه..
إبراهيم: أبي.. أترى أن نخرج لأخذ عطائنا من هذا الرجل؟
عبد الله: والله يا بني .. إنك لو أقبلت عليه ما رجعت إلى دارك .. ولسارع إلى ذبحك فإنما هذا طُعْم أراد به قتلكما.
محمد: أتعني يا أبي أن أبا جعفر إنما قصد بهذا كله الوصول إلينا.
عبد الله: نعم يا بني.. فوالله لقد بلغني عن هذا الفاسق الذي أرسله أبو جعفر أنه وقف بالقادسية وجعل يحد مديته أمام بعض الناس.. ويقول بهذا أذبح ابني عبد الله بن الحسن.
محمد: لنا الله يا أبي .. يكفينا شر هذا ويرزقنا من عنده.
***
وطال انتظار ذلك الرجل ولم يبق بين يديه إلا نصيب محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن .. فلما طال انتظاره أتته رسل أبي جعفر تأمره بالعودة.
وعاد إلى أبي جعفر يجر أذيال الخيبة بعد أن خاب سعيه وذهب رجاؤه فيما أمّل..
فاشتد غضب أبي جعفر وضاقت عليه دنياه .. فأضمر في نفسه أن يحج في ذلك العام ويضع لهذا الأمر حداً..
***
كان محمد وإبراهيم قد أقبلا على أبيهما قبل موسم الحج بأيام..
محمد: أبي لقد طال تخفينا وقد اشتقنا إلى الحج في هذا العام..
عبد الله: يا بني لقد بلغني أن أبا جعفر سيحج بالناس في هذا العام وأخاف أن تقع عينه عليكما .. فوالله لا أرجو لكما نجاة بعدها.
إبراهيم: يا أبي .. إنما الأعمار بيد الله .. نتنكر إن شاء الله فلا يعرفنا عيونه..
عبد الله: لقد أخبرتكما يا إبراهيم بما أرى .. ولكما ما رأيتما.
فخرجا من عند أبيهما وقد نويا الحج .. فأخفيا أمرهما عن جميع الناس حتى عن أبيهما وتنكرا وأحرما للحج في ذلك العام ..
***
وما إن أطلت الأشهر الحرم لعام 140ه‍ حتى خرج أبو جعفر بنفسه للحج بالناس.
وأخذ أبو جعفر يعد للأمر قبل وصوله إلى المدينة .. فحمل معه في رِكبْه عقبة بن مسلم..
فلما اقترب من المدينة وعلم بخروج الناس لاستقباله ومعهم عبد الله بن الحسن، أمر بإحضار عقبة بن سلم..
أبو جعفر: اسمع يا عقبة .. إني إذا صرت بمكان كذا لقيني بنو الحسن .. فيهم عبد الله .. فأنا مبجله ورافع مجلسه وداع بالغداء .. فإذا فرغنا من الطعام .. فلحظتك فامثل بين يديه قائماً.
فلما نزل أبو جعفر بالقرب من المدينة أتى أهل المدينة لاستقباله.. وخص عبد الله بن الحسن بالإكرام.. فدعا بالغداء.. فلما أكمل عبد الله طعامه، مَثَلَ عقبة بن مسلم بين يديه.. فشاح عبد الله ببصره عنه.. وكأنه لم يره..
فأقبل عليه عقبة حتى غمزه بإبهامه في ظهره .. فرفع عبد الله نظره إلى عقبة بن مسلم .. واستشعر عبد الله ما يدبر له ولكن لم يكن لمثله أن يهاب الموت..
وأقبل عبد الله يحدث أبا جعفر .. وأبو جعفر يظهر التشاغل ببعض رسائل بين يديه .. ويرقب ما يحدث لعله يرى من عبد الله ذلة .. فكم تمنى أن يذله..
وبينما هم على مثل هذا الحال .. تكلم محمد بن أبي جعفر الملقب بالمهدي .. فلحَن في كلامه لحناً شديداً.. فقال عبد الله:
- يا أمير المؤمنين .. ألا تأمر بهذا من يعدل لسانه؟ فإنه يغفل كما تغفل الأَمَة ... فلم يلتفت إليه أبو جعفر..
وبعد برهة من الزمن حاول فيها أبو جعفر أن يكظم غيظه ولا يظهر ضعفه .. فقد ذهل من قوة عبد الله بن الحسن وصلابته .. فلم يتغير له لون .. لقد كان ينتظر أن يرتمي بين قدميه خوفاً وفرقاً.
أبو جعفر: يا أبا محمد .. أرى محمداً وإبراهيم قد استوحشا مني .. وإني لأحب أن يأنسا بي وأن يأتياني فأصِلْهما وأخلطهما بنفسي ..
فأطرق عبد الله طويلاً .. ثم رفع رأسه وقال:
- وحقك يا أمير المؤمنين، فما لي بهما ولا بموضعهما من البلاد علم، ولقد خرجا من يدي.
أبو جعفر- وقد ظهرت ملامح الغضب على وجهه:
لا تفعل يا أبا محمد، أكتب إليهما وإلى من يوصل كتابك إليهما.
عبد الله: والله إني لا أعرف مكانهما.
أبو جعفر- وقد اشتد غضبه على عبد الله: لا تفعل يا أبا محمد .. لا تفعل يا أبا محمد .. لتأتيني به.
عرف عبد الله بن الحسن الجد من كلام أبي جعفر.. وأدرك أنه قد ذهب وقت المهادنة.. فنهض من مكانه ثم قال:
- اسمع يا هذا والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه.
زمجر أبو جعفر واشتد غضبه.. بينما عبد الله ثابت في مكانه لم تهتز له شعرة.. وبدا عليه من الصلابة ما أذهل الجميع.. مما جعل أبا حعفر ينادي قائد الجند:
يا ربيع قم به إلى السجن.
وأُخذ عبد الله بن الحسن وأودع السجن، ولم ترع له حرمة ولا قرابة..
أرادوا منه ولده، ففداه بنفسه، فلا غرابة، فقد رأى في تسليم قرة عينه عين الخيانة..
كيف؟!.. كيف يسلم شبله للموت.. وهو من خيار أهل زمانه..
كيف يستجيز إعانة الظالمين على سفك دماء أولاده وفلذات أكباده؟!

أبوحيدر 10-31-2011 10:46 PM

رد: الإمام محمد بن عبدالله ( النفس الزكية )
 
الفصل الرابع
كان عبد الله بن الحسن فاضلاً عالماً .. بلغ من الفضل والعلم والأخلاق درجة رفيعة حتى أسماه أهل المدينة بعبد الله الكامل .. لما رأوا فيه من صفات أهل الفضل والتقوى ..
فصار لا يعرف بين أهل المدينة وغيرهم إلا بهذا الاسم..
ولذلك ضاقت نفوس أهل المدينة وبني هاشم ذرعاً بما فعله أبو جعفر من سجن عبد الله وتعمد إهانته.. وأضمروا لأبي جعفر الكراهية وتوعدوه بالشر قبل الأشرار ..
فقد اجتمع أحد قواده -ويسمى خالد بن حسان، واشتهر باسم أبي العساكر- مع جماعة من الناس .. وصاروا يستعرضون الأحداث ويتبادلون الكلام ويتوعدون الخليفة بالشر .. حتى قال رجل منهم يسمى عبدويه -وقد أخذ حربة بيده: إني أريد أن أوجر أبا جعفر هذه الحربة بين الصفا والمروة.
خالد بن حسان: إني أمير ألف رجل.. ليس فيهم من أشك في طاعته لي .. فتعال نرسل إلى أبي محمد في سجنه فنشاوره في الأمر.. فإذا أقرنا على ذلك فعلنا...
فلما بلغ الرسول عبد الله بن الحسن قال له: أبلغهم أن يكفوا عن ذلك.. فهم في موضع عظيم ولا أراهم أن يفعلوا ذلك.
فلما يئسوا من استجابة عبد الله جعلوا يبحثون عن محمد بن عبدالله لعلهم يجدون عنده رأياً أو مخرجاً..
فدخلوا على الإمام محمد بن عبد الله النفس الزكية في مكة.. وكان مستتراً عن الناس.. ودخل معهم الأشتر بن محمد بن عبد الله .. فاستشاروه في أمر القضاء على أبي جعفر..
الأشتر: أنا أكفيكموه.
الإمام: لا والله لا أقتله أبداً غيلة حتى أدعوه.
فانتقض أمرهم وتفرقوا .. وسرت الأخبار إلى أبي جعفر المنصور .. فتتبع أنصار خالد بن حسان وأعوانه فقتهلم.. وأما خالد فقد أخفاه آل الحسن .. وحملوه إلى شيعة لهم في خراسان..
وأُخِذَ أحد أولئك الذين حضروا اجتماع القائد مع محمد بن عبد الله .. فأدخل على أبي جعفر ..
أبو جعفر: أخبرني عنك وعن عبدويه والعطاردي .. ماذا أردتم أن تفعلوا بمكة؟
الرجل: أردنا قتلك وإغتيالك.
أبو جعفر: فما منعكم؟!.
الرجل: ما منعنا من ذلك إلا عبد الله بن الحسن.
***
بعد أن أمر أبو جعفر بتتبع أنصار خالد بن حسان وقتلهم أينما وجدوا .. أمسى ليلته مهموماً ... واستولى عليه الشك والوسواس فلم يعرف النوم لعينه طريقاً..
وفي ساعة من ساعة الليل المتأخرة إلتفت إلى الربيع وقال له:
- يا ربيع .. ألم يعدني زياد بن عبد الله بأن يكفيني أمر محمد وإبراهيم.
الربيع: بلى يا مولاي .. ولكن ذلك كان قبل سنوات.
أبو جعفر: أرسل إليه فليحضر الساعة.
الربيع: إن الوقت قد أزف .. فهلا تركته إلى أن يأتي الصباح.
أبو جعفر: لا .. بل الليلة والآن أيها الأحمق.
الربيع: أمر مولاي .. أمر مولاي.
أسرع الجنود إلى دار كان قد تحول إليها زياد بن عبد الله قبل وصول أبي جعفر .. وجعلوا يطرقون الباب بكل قوة .. ولكن أحداً لم يجبهم ..
كان زياد يسمع طرقهم فعلم أنهم رسل أبي جعفر.. وأدرك أنه لا يطلبه في مثل هذا الوقت لأمر فيه خير.. فأمر من في الدار ألا يفتحوا الباب أو يردوا على الجنود بجواب..
ورجع الجند إلى الربيع .. فلما دخلوا عليه ..سألهم:
- أين زياد؟ .. ألم يأت معكم؟
الجند: لم نجد أحداً في الدار.
الربيع: إذا كان تحت الأرض فأخرجوه .. إن الخليفة لن يقبل بهذا .. هيا انصرفوا.
فرجع الجند إلى دار زياد .. فجعلوا يضربون الباب بكل قوة .. ثم قرروا أن يقتلعوا الباب .. فما كان من زياد بن عبد الله إلا أن خرج إليهم وهو لا يشك أنه مقتول تلك الليلة .. فما خرج إلا وقد تغسّل وتحنّط ولبس كفنه..
***
كان زياد بن عبد الله الحارثي قد عرف الكثير عن فضائل أهل البيت (ع) .. وأضمر في نفسه أن لا يكون عوناً لأعدائهم ولا يشارك في سفك دمائهم .. فقد سمع الكثير عنهم من كاتبه عمر بن حفص .. ولقد جالس عبد الله بن الحسن .. فلم ير في زمانه خيراً منه..
لم يتركه الجند يمشي .. بل جعلوا يحملونه مهرولين نحو قصر الخليفة .. لقد كان أمر الخليفة لا يحتمل التأخير..
كان الربيع ينتظرهم على باب مقصورة الخليفة .. يحسب الدقائق والثواني .. فلما نظر إلى زياد قال له:
- ويحك يا زياد .. ماذا فعلت بنا وبنفسك في هذه الليلة؟
زياد: ألا تعرف يا قائد الجند لأي شيء طلبني الخليفة؟!.
قائد الجند: عظم الله أجرك في نفسك يا زياد .. والله ما طلب الخليفة أحداً على مثل ما طلبك وخرج من مجلسه إلا مقتولاً.
زياد: إنا لله وإنا إليه راجعون .. عند الله أحتسب نفسي.
جعل زياد يراجع أعماله في الفترة الماضية .. كان يقول في نفسه: والله لا أبالي أن يكون قتلي ثمن محبتي لمحمد وآل محمد .. الحمد لله الذي عرفني حقهم قبل أن أرحل عن هذه الدنيا.
ثم أمسك الربيع بيد زياد .. وجعل يجره وراءه حتى كشف الستار .. فأدخل زياد ووقف الربيع خلف ذلك الستار..
جعل زياد يتلفت ويدور بنظره هنا وهناك .. فإذا شَمع في نواحي القبة وهي تزهر .. ووصيف قائم في ناحيتها وأبو جعفر محتب بحبائل سيفه .. على بساط ليس تحته وسادة ولا مصلى .. منكس رأسه .. ينقر بجرزٍ في يده..
اقترب الربيع من زياد وهمس في أذنه: إنه منذ صلى العتمة على مثل هذا الحال إلى هذه الساعة.
جعل زياد ينظر إلى أبي جعفر .. وهو على تلك الحال.. وأبو جعفر لا يلتفت إليه .. كان الوقت يمر وأبو جعفر غارق في التفكير لا يشعر بمن حوله ..
وقبيل طلوع الفجر رفع أبو جعفر رأسه ونظر إلى زياد ثم صرخ في وجهه قائلاً:
- يا ابن الفاعلة .. أين محمد وإبراهيم؟
ثم عاد إلى وضعه الأول.. فصمت طويلاً.. وزياد لا يجيبه.
ثم رفع رأسه والتفت إليه في غضب قائلاً:
- يا ابن الفاعلة.. أين محمد وإبراهيم؟ قتلني الله إن لم أقتلك.
زياد: اسمع مني ودعني أكلمك .. أنت نفرتهما عنك .. بعثت رسولاً بالمال الذي أمرت بقسمته على بني هاشم .. فنزل القادسية ثم أخرج سكيناً يحده .. وقال: بعثني أمير المؤمنين لأذبح محمداً وإبراهيم .. فجاءتهما بذلك الأخبار فهربا.
أبو جعفر: إذاً فانصرف يا زياد.
تملك اليأس قلب أبي جعفر من أن يصل إلى محمد وإبراهيم .. فأمر بالإستعداد للرحيل..
وخرج أبو جعفر من المدينة متوجهاً إلى العراق .. وقد غاظه أمر اختفاء محمد وإبراهيم .. وأصدر أوامره بتقييد عبد الله بن الحسن وعدم إخراجه من السجن..
كان أبو جعفر يؤمل أن يكون عبد الله بن الحسن طُعْماً يجلب به أولاده .. فقد وضع الجواسيس حول السجن لعل محمداً وإبراهيم يأتيان لزيارة أبيهما..
ثم جعل يرسل الرسول تلو الرسول إلى زياد يحثه على تتبع محمد وإبراهيم..
ولكن زياداً كان قد تملك قلبه وروحه حب محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين) ..
ولقد سعى مراراً للتقرب من محمد وإبراهيم .. فجعل يراسلهما من خلال كاتبه عمر بن حفص ويلح في لقائهما .. فلما اطمأن محمد إلى وفاء زياد بن عبد الله وحسن نيته دخل على أخيه إبراهيم بن عبد الله فقال له:
- يا أخي .. لقد طلب مني هذا الرجل لقاءه .. وألح عليَّ في ذلك .. فتنكَّرْ وادخل المدينة .. وأقبل على عمر بن حفص وادخل معه على هذا الرجل.
إبراهيم: أتقصد أمير المدينة زياد بن عبد الله؟!
محمد: نعم يا أخي .. فإني أرجو أن يصلحه الله بك ..
إبراهيم: ألا تخاف من خيانته.
محمد: لا أظن ذلك يحدث منه .. فقد أخبرني عمر بن حفص من أفعاله ما يجعل النفس تأنس إليه ولكن خذ حذرك منه.
وعلى الفور استجاب إبراهيم لرأي أخيه .. فاغتسل وتحنط ولبس تحت ثيابه درعاً من الحديد .. وأقبل نحو دار عمر بن حفص .. فبقي عنده حتى خلا مجلس الأمير .. ثم دخل عليه.
زياد: مرحباً بابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. كم تمنيت لقاءك.
إبراهيم: معذرة أيها الأمير .. فأنت أعلم الناس بما نحن فيه من الخوف .. فو الله يا زياد إن أحدنا يمسي فلا يظن أنه يصبحُ عليه حتى يقتل .. ويصبح فلا يظن أنه يمسي إلا وقد أخذ .. فقد ضيق علينا أبو جعفر السبل بكثرة عيونه وجواسيسه.زياد: أعلم ذلك يا ابن رسول الله، ولكن لا بد أن يجعل الله لكم بعد الضيق فرجاً ومخرجاً.
وتقدم زياد نحو إبراهيم .. ووضع يده على كتف إبراهيم .. فأحس بالدرع من تحت الثياب.
زياد- وهو يثبت يده على الدرع: يا أبا إسحاق كأنك اتهمتني .. ذلك والله الذي لا إله إلا هو لا ينالك مني أبداً .. ولكن هذه رسائل أبي جعفر يأمرني فيها بطلبكم .. وأنا أعلم أن قلبه قد امتلأ مني ريبة وشكاً لتهاوني في هذا الأمر .. وأعلم أنه لا شك آخذ لي بتلك الشكوك والظنون .. وإني أرجو أن أجعل من شكه يقيناً وأملأ قلبه غيظاً.
إبراهيم: فما تريد أن تفعل يا زياد؟
زياد: أبلغ أخاك محمداً أني أطلب منه أن يلقاني في أي وقت شاء في سوق المدينة .. لأحدثه على مرأى ومسمع من الناس.
إبراهيم: أخاف عليك غضب أبي جعفر .. فإنه إن فعلت ذلك سفك دمك.
زياد: لا أبالي بغضبه مع رضاء الله ورسوله.
إبراهيم: أشاور أخي في ذلك ويأتيك الجواب مع عمر بن حفص.
وانصرف إبراهيم إلى أخيه محمد وهو حائر في أمر زياد.
فلما قدم على أخيه بصحبة عمر بن حفص وأعلماه الخبر .. فكر الإمام طويلاً.. ثم نظر إليهما وقال:
- والله لا أرد للأمير طلبه .. فإن وفّى لنا وأراد لنا خيراً وفقه الله .. وإن أضمر لنا شراً وقانا الله منه .. أخبره يا عمر أني ألقاه يوم اجتماع الناس في سوق المدينة.
وبقي الأمير ينتظر ذلك الموعد في شوق ولهفة .. فلما أتى موعد اللقاء خرج الأمير في حاشيته وأعوانه .. وأقبل يسير في الناس حتى وقف على ربوة مرتفعة يشهد عليها كل أهل السوق وجعل يتلفت إلى اليمين والشمال .. ينتظر من أي جهة يظهر محمد بن عبد الله .. لم يكن ليداخله شك في أن الإمام محمد بن عبدالله يمكن أن يخلف موعداً وعده أياه..
وما هي إلا لحظات حتى أقبل محمد بن عبد الله كاشفاً عن وجهه .. راكباً فرسه .. قد تدلى سيفه على بطن فرسه في أبهى صورة .. وأجمل هيئة .. قد ألبسه الله تاجاً من النور .. وأفاض عليه هيبة منه وعزاً .. فالتفت كل من في السوق ينظرون إليه .. كأنما هو نسخة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع).
فتقدم زياد لمصافحته ثم توجه إلىالناس .. والتفت إلى محمد بن عبد الله وقال له: إلحق بأي بلاد شئت..
فهتف الناس: المهدي .. المهدي..
فتوارى محمد واختفى وسط أصحابه وخرج من السوق، والناس يهتفون: المهدي .. المهدي.
(3)
علم الخاص والعام بما فعله زياد .. وتسابقت عيون أبي جعفر تحمل إليه الخبر.. فلما طرق أول الواصلين باب قصره أسرع أبو جعفر في استقباله..
أبو جعفر: أدخلوا رسول زياد بن عبد الله الحارثي.
فلما دخل عليه لم يمكنه من السلام حتى بادره بالسؤال قائلاً:
- أحملت إليَّ محمداً وإبراهيم .. أم جئتني بخبرهما؟
الرجل: لا هذا ولا ذاك يا مولاي .. بل جئتك أخبرك بأن زياداً قد نقض عهدك وداهن عدوك..
وأخذ الرجل يحكي له ما حدث..
كان أبو جعفر لا يكاد يصدق ما يسمع ..كان يقول في نفسه .. إذا استطاع أهل هذا البيت إفساد أمرائي .. ومحط ثقتي .. فكيف يمكن أن يكونوا قد فعلوا في قلوب الناس؟ ..
وكأن أبا جعفر لا يعلم أن حب أهل البيت هو رأس الإيمان .. وبغضهم عين النفاق .. وكأنه نسي يوم أن كان من دعاتهم.. وجهل -أو تجاهل- يوم كان يتزلف إلى قلبوب الناس بإظهار محبتهم.
وأخيراً أفاق أبو جعفر ليقول للرجل: انصرف .. بعد أن أمر له بصلة من بيت المال..
وجال أبو جعفر بفكره يستعرض ولاته وأصحاب ثقته .. لعله يجد فيهم من يخلف زياداً في ولايته .. وبينما هو على هذه الحال دخل عليه أبو الأزهر الخراساني..
أبو جعفر: أنت .. أنت؟!.
أبو الأزهر: خادمك .. وطوع أمرك.
أكب أبو جعفر مع كاتبه على عدد من الرسائل .. ثم أخذها وتقدم نحو أبي الأزهر ..أبو جعفر: خذ هذه الرسائل ولا تقرأها حتى تنزل الأعوص -على مقربة من المدينة- وارحل الساعة.
***
انطلق أبو الأزهر مع أعوانه لا يستقر له قرار، يوصل اليل بالنهار .. ولا يكاد ينام ليله حتى وصل الأعوص، ففتح الرسائل فوجد فيها رسالة له ..وأخرى لزياد .. وثالثة لعبد العزيز بن عبد المطلب ..
فدخل المدينة صباح يوم الثالث والعشرين من جمادي الآخر سنة 141هجرية، وتوجه من ساعته إلى دار الإمارة .. فلما توقف على باب دار الإمارة سأل أحد الحرس:
- أين الأمير؟.
الحارس: ركب مع جنده في بعض أمره ..
أبو الأزهر: إلحق بالأمير .. وأخبره أني أحمل إليه رسالة عاجلة من الخليفة ..
وقف أبوالأزهر ينتظر قدوم زياد بن عبد الله.. ولم يطل انتظاره حتى أقبل زياد .. فاستقبل أبا الأزهر..
أبو الأزهر: خذ هذه رسالة أمير المؤمنين.
استلم زياد الرسالة ونظر إليها .. فإذا فيها: ((إذا أتاك الأزهر فاسمع له وأطع)) .. فطوى الرسالة وقال:
- سمعاً وطاعة .. فأمر بما أحببت.
أبو الأزهر: إبعث إلى عبد العزيز بن عبد المطلب.
وأقبل عبد العزيز بن عبد المطلب من ساعته حتى وصل إلى دار الإمارة ودخل على زياد وأبي الأزهر، فدفع إليه أبو الأزهر بكتاب .. فنظر فيه فإذا هو أمر من الخليفة بالسمع والطاعة لأبي الأزهر.. فقال هو الآخر: سمعاً وطاعة.
ثم دفع إلى كل منهما كتابين آخرين .. أحدها كتاب إلى زياد يأمره بتسليم الإمارة إلى عبد العزيز والآخر كتاب إلى عبد العزيز يأمره بتولي الإمارة.
أبو الأزهر: يا عبد العزيز .. إبعث إلي أربعة كُبُول وحدّاد.
عبد العزيز: سمعاً وطاعة.
وأحضر الحرس الكبول (القيود) والحدّاد.
أبو الأزهر: أشدد أبا يحيى -زياد بن عبد الله الحارثي- واستصف ماله .. وأمر بالقبض على عماله.
ونفذت جميع الأوامر في استسلام وهدوء..
ولم تمض أيام حتى استعد أبو الأزهر للرحيل والعودة إلى بغداد..
فخرج يحمل زياداً مكبلاً بالقيود..
كان زياد قد أثر في عماله وأصحابه .. لما عرفوا فيه من الصدق والوفاء والدين.
فخرج جميعهم في موكب مهيب لتوديعه..
فلما بلغ أطراف مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .. وقف عماله يسلمون عليه ويودعونه.. لقد كانوا بمنزلة من الوفاء له حتى أنهم لم يهابوا أن يُتّهموا بالتشيع .. أو المناصرة لزياد..
فالتفت زياد نحوهم يودعهم ثم قال: بأبي أنتم .. والله ما أبالي بما يصنع بي أبو جعفر .. إذ أراكم في هيئتكم ومروءتكم هذه.
فرجع بعضهم وسار معه بعضهم ليلة يواسيه في سفره .. فلما أظلمت الدنيا من حولهم.. نظر زياد من محمله إلى أصحابه وتنفس الصعداء وقال:
- والله ما أعرف لي عند أمير المؤمنين ذنباً .. غير أني أحسبه وجد عليَّ في عبد الله بن الحسن .. ووجد دماء بني فاطمة عليّ عزيزة.
وبينما الركب يمشي أقبل رجل ..فاقترب من ركب أبي الأزهر وهمس إليه بكلام:
- إن عندي نصيحة في محمد وإبراهيم.
أبو الأزهر: إذهب عنا.
الرجل: إنها نصيحة لأمير المؤمنين.
أبو الأزهر: إذهب عنا .. ويلك لقد قتل الخلق.
فأبى الرجل أن ينصرف .. فتركه أبو الأزهر حتى كان في معزل .. فبعج بالسيف بطنه بعجة ألقاه ناحية وذهب..
وهكذا كان معظم أنصار أبو جعفر وقواد دولته هم ممن كانوا يعرفون لأهل البيت حقهم ومقامهم ..


الساعة الآن 06:49 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd Trans
ضاوي الغنامي تواصل::dawi ® طيور الامل © 1,0
new notificatio by 9adq_ala7sas
Developed By Marco Mamdouh
e3laN by kashkol

اختصار الروابط

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47