الســادة آل مشكــاع

الســادة آل مشكــاع (http://www.mchkae.net/vb//index.php)
-   أعلام نبلاء (http://www.mchkae.net/vb//forumdisplay.php?f=26)
-   -   "جاهد يا ولدي " ـــــــ قصة الإمام الشهيد يحيى بن زيد (ع) (http://www.mchkae.net/vb//showthread.php?t=354)

أبوحيدر 10-14-2011 09:03 PM

"جاهد يا ولدي " ـــــــ قصة الإمام الشهيد يحيى بن زيد (ع)
 
فاتحة
يا ابن زيد أليس قد قال زيد ... من أحب الحياة عاش ذليلاً
كن كزيد فأنت مهجة زيد ... واتخذ في الجنان ظلاً ظليلاً
يحيى بن زيد (ع)
((لا شرف أشرف من الشهادة وإن أشرف الموت قتل في سبيل الله))
يحيى بن زبد (ع)
جاهدهم فو الله إنك لعلى الحق وإنهم لعلى الباطل، وإن قتلاك لفي الجنة وأن قتلاهم لفي النار.
(الإمام زيد (ع)
ومن جديد نلتقي لنعيش في رحاب آل محمد وشيعتهم الأبرار..
لنطل على نوع فريد من البشر .. يتمسكون بالفضيلة ..
ولو كان العالم كله يغرق في بحور الرذيلة ..
إن سمعت عن أمجادهم .. ظننتهم شيوخاً خبروا الزمان وصارعوه..
وإن فتشت عن أعمالهم .. وجدتهم فتياناً في مقتبل أعمارهم..
فتعالوا معي لنعيش في رحاب فتى الزيدية الأول ..
ليعلم شباب الزيدية كيف أرادهم إمامهم زيد بن علي عليه السلام أن يكونوا ..!!!
[size="6"]الباب الأول

الفصل الأول

طال الغياب .. واشتد الشوق ..
وكاد الرجاء أن ينقطع فمتى يعود الحبيب الغائب؟؟
فمنذ أشهر والإمام زيد غائب عن أهله .. فآخر عهدهم به يوم خرج من المدينة متوجهاً إلى الشام ليشكو والي المدينة إلى هشام بن عبد الملك ..
وها هو الشهر العاشر يكاد أن ينصرم منذ خروجه .. وفي هذه الفترة كانت قد انقطعت أخباره..
فآخر ما عرفوه عنه أن هشام أمره بالتوجه إلى العراق ..
جعلت ريطة بنت عبد الله بن محمد بن الحنفية تترقب الأخبار مع ولدها يحيى بن زيد .. الذي أصبح منذ رحيل أبيه هو المسئول عن رعاية إخوته وأمه ..
كان يحيى قد إعتاد على هذا الأمر .. فكثرة ترحال والده وتنقله جعلته يعتاد هذه المهمة..
وكان وجود يحيى إلى جوار إمه وإخوته لأبيه عيسى ومحمد والحسين يشد من أزرهم ويخفف من محنتهم..
فقد كان يحيى أشبه الناس بأبيه .. ولقد سقاه أبوه زيد من علمه وأخلاقه حتى صار يحذو حذوه .. الخطوة بالخطوة .
كانت ريطة لا تدري أتبقي يحيى إلى جوارها أم ترسله في طلب أخبار أبيه .. الذي طال غيابه ..
ولكن من يقدر على فراق يحيى .. وهو وحيدها .. وفلذة كبدها .. ومن يرعاهم إن غاب الراعي والأنيس ..
ولكنه لم يطل بريطة بنت عبد الله ترددها .. فقد أتاها الخبر الحق.. لقد وصلت قافلة العراق.. وأقبل معها محمد بن عمر بن علي رفيق الإمام زيد في سفره.. وأقبل وجهاء بني هاشم يستقصون الأخبار منه بعد أن اشتد قلقهم على الإمام زيد بن علي عليه السلام ..
عبد الله بن الحسن: ما الخبر يا ابن العم؟.. أين زيد منك؟!..
محمد بن عمر: لقد كان رفيقي إلى بعض الطريق، ثم تركني وعاد إلى الكوفة ..
عبدالله: وما عاد به إلى أهل الشقاق والنفاق .. أفْصح عما تخفيه يا ابن العم؟
محمد: لقد عزم زيد على الخروج، وإظهار الحق، فقد بايعه أهل الكوفة، وهو يرى أن الحجة قد لزمته، فمن كان منكم مقاتلاً فليلحق به واكتموا خبره.. ولكن أين يحيى بن زيد؟..
فخرج يحيى إلى عمه محمد بن عمر بن علي يقول: أنا ذا يا عماه ..
محمد: أبوك يا ولدي يقرؤك السلام ويأمرك أن تلحق به فهو بحاجة إليك ..
كان لمثل هذا الخبر وقع فريد على قلوب بني هاشم ومواليهم فآثار معركة كربلاء وجرحها النازف كان يقف حاجزاً صلباً بينهم وبين الاستجابة لمثل هذا الأمر .. فالأمة لا تحتمل تكرار المأساة .. ولكن استشعارهم للواجب الديني وإيمانهم بالدور الذي طوق الله به أعناقهم كان يدفعهم إلى الاستجابة لنداء الجهاد .. ورفع المظلومية عن هذه الأمة..
لذلك اضطرب أمرهم بين مؤيد يحثهم على الخروج مع الإمام زيد .. ومعارض يرى أن الوقت لم يحن بعد.. ولكن عزيمة الإمام وإيمانه بضرورة إعلاء كلمة الله كان قد وضعهم أمام الأمر الواقع.
أما ريطة بنت عبد الله فقد صعقت لذلك الخبر فلم تدرِ لأي الأمور تحزن .. لفراق زوجها الذي لا تدري أيكتب لها معه لقاء؟ أم أن أيدي الطغاة لن تمنحها ذلك اللقاء؟ .. أم تحزن لقرب وداع ولدها الذي لا تستطيع أن تمنعه عن الاستجابة لنداء أبيه بل لا تستجيز ذلك؟ .. فلم تر لها من مخرج إلا أن تعصم قلبها بالصبر وتلوذ بمحراب المناجاة والدعاء.
وأشرقت شمس يوم الوداع من أيام شهر ذي الحجة سنة 120ه‍ وقد أعد ابن الرابعة والعشرين متاعه وشد رحله ووقف ينظر إلى وجه أمٍ تسكب العبرات في صمت قاتل وحزن بادٍ على وجهها.. لكن هيهات أن تثبط قرة عينها عن الجهاد فحبها له لا يمنعها أن تقدمه قرباناً في سبيل إعلاء كلمة الله..
وعلم بنو هاشم بعزم يحيى بن زيد على الخروج فأقبلوا إلى دار زيد بن علي لوداع يحيى فأقبل جعفر بن محمد يودع يحيى بن زيد، وكان الإمام جعفر بن محمد (ع) في مثل عمر عمه الإمام زيد بن علي (ع).
جعفر الصادق: يا ابن العم أقرئ عمي عني السلام وقل له إني أسأل الله أن ينصرك ويكفيك ولا يرينا فيك مكروهاً.
وأقبل عبد الله بن الحسن وبين يديه ولده محمد بن عبد الله قد أعده للسفر وكذا عبد الله بن علي بن الحسين والعباس بن ربيعة من بني عبد المطلب ومضى أربعة فرسان هم من خيار أهل الأرض يودعون مدينة جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. كل يطلب بخروجه رضاء الله وإعلاء كلمته..
وكان يحيى بن زيد قد خلف مع أمه زوجات أبيه وإخوته وزوجته رحمة وثلاثة أطفال صغار هم: أحمد والحسن والحسين.
***
قوة الشباب والشوق إلى الجهاد والإحساس بخطورة التأخر كان كفيلاً بسرعة الوصول إلى أملهم وغايتهم..
فلم تمض مدة من الزمن حتى كان جماعتهم بين يدي إمامهم زيد بن علي كلٌ منهم يتفانى في تنفيذ أمره والمضي على نهجه.
ولم تمض أيام على وصولهم حتى اشتد الأمر وعظم الخطب، وأصبح الإمام زيد مضطراً إلى إعلان خروجه قبل الموعد الذي حدده لأنصاره فقد ضيق عليه الخناق وخاف أن يتخطف أنصاره ويحاصر هو ومن معه .. فقد انتشر الجواسيس يتتبعون خطاه وخطى أصحابه .. فلا يداخلهم الشك في رجل منهم إلا نكلوا به وأذاقوه مرالعذاب ليدلهم على موقع الإمام وأنصاره ..
وفي يوم الخامس والعشرين من المحرم سنة 121ه‍ علا صوت الحق معلناً شعار: (يا منصور أمت).
وانسلّ الرجال المؤمنون من أوساط الهمج الرعاع .. ليميز الخبيث من الطيب ..فحصحص الحق .. وبان أهل الصدق ممن آمنوا بألسنتهم ولم تطمئن قلوبهم إلى نور الإيمان.
وخرج الإمام زيد عليه السلام تحوطه كوكبة ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. ودارت معركة بين من يبلغون رسالات ربهم ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وبين عباد السلاطين وأسرى الهوى والدرهم والدينار ..
كان أتباع الإمام لا يتجاوز عددهم الثلاثمائة .. وأتباع بني أمية وأنصارهم عشرة آلاف .. أو يزيدون.
ولكن تلك الكوكبة صمدت أمام الجحافل ثلاثة أيام.. ولم تكن تغيب شمس يوم منها إلا والظفر حليف القلة المؤمنة..
{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}..
وعندما أوشكت شمس اليوم الثالث أن تودع الأفق لتختم يوماً ثالثاً من الإنتصار كانت سهام الغدر والجبن قد اختارت جبين الإمام زيد لها مستقراً .. فتفجر ينبوع من الدماء من ذلك الجبين الطاهر الأغر ..
وفي هذه اللحظات وعلى مقربة من الإمام زيد كان ولده يحيى يجندل الأعداء ويخوض غمار الموت .. فحانت منه إلتفاتة إلى موقع أبيه فرأى إجتماع أصحابه وتراجعهم فترك ما بين يديه وأقبل نحو القوم وفك إزدحامهم وأطل برأسه ليرى ما يهوله ويذهب بلبه ..
وتفجرت عيناه بالدموع وأقبل يقبل وجه أبيه ويمسح الدماء عن وجهه بطرف من ثوبه وهو يقول:
- أبشر يا ابن رسول الله ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي و فاطمة وخديجة والحسن والحسين وهم عنك راضون.
نظر الإمام زيد (ع) إلى ولده في حنوٍ وإشفاق وقال له:
- صدقت يا بني فأي شئ تصنع؟
فقال يحيى بن زيد- في عزيمة من لا تثنيه المهمات الجسام ولا النوازل العظام:
- أجاهدهم إلاّ أن لا أجد الناصر.
وانشرح قلب الأب الجريح .. وعلم أنه قد نال في هذه الحياة أسمى ما يسعى إليه أمثاله .. ومن يحمل نهجه ويسير على دربه.
الإمام: نعم يا بني .. جاهدهم فو الله إنك لعلى الحق وإنهم لعلى الباطل، وإن قتلاك لفي الجنة وأن قتلاهم لفي النار.
وهنا أشار الإمام إلى الطبيب بنزع السهم من جبينه وتقدم الطبيب فنزع السهم.
***
وفاضت روح الإمام زيد عليه السلام إلى بارئها راضية مرضية وقد رسم للأحرار ودعاة العدالة منهجاً علَّمهم فيه كيف يجب أن يعيشوا.. وإذا دعاهم داعي الموت كيف يجب أن يموتوا.
ولم يكن الوضع ليمكّن إبن الرابعة والعشرين من أن يعبر عن أحزانه.. ويعيش أيام العزاء ثم يفكر بما يجب أن يفعل؟!.. فقد تعلقت أبصار كل من بقي من أنصار الإمام بولده يحيى بن زيد.
أحدهم: أين ندفنه وأين نواريه؟
آخر: نلبسه درعين ثم نلقيه في الماء.
ثالث: بل نحتز رأسه ثم نرميه في القتلى.
نظر يحيى بن زيد إليهم .. ثم قال:
- لا والله لا يأكل لحم أبي السباع .. بل نحمله وندفنه.
وحملت الجثة ووريت في بستان بالعباسية.. وأجري الماء عليها.
كان الليل يطوي ساعاته ويحيى بن زيد منهمك في تجهيز والده ودفنه فلما أتم ذلك التفت حوله ليحصي من بقي معه من أصحابه فلم يجد سوى قلة منهم .. فأقبل بهم نحو جبانة السبيع وعسكر هناك يريد أن يواصل القتال كما وعد أباه.
ولكنه التفت إلى أصحابه فلم يجد منهم إلا عشرة .. فهمَّ بالتحرك من مكانه ..
سلمة بن ثابت: أين تريد؟!
يحيى: أريد النهرين.
سلمة بن ثابت: إن كنت تريد النهرين فقاتل هاهنا حتى نقتل.
يحيى: أريد نهري كربلاء.
سلمة: فالنجاة قبل الصباح.
وعلى الفور تحرك الجميع..
فلم يتجاوزوا بيوت المدينة حتى سمعوا أذان الفجر ولم يكن لهم من طعام إلا ما يستطعمونه ممن يقابلونه في الطريق فلما بلغوا (نينوى) استقبلهم رجل يسمى سايق وخرج من منزله وأدخل يحيى ومن بقي معه وودعه سلمة بن ثابت بعد أن اطمأن عليهم ..
[/size]

أبوحيدر 10-14-2011 09:13 PM

رد: "جاهد يا ولدي " ـــــــ قصة الإمام الشهيد يحيى بن زيد (ع)
 
الفصل الثاني
اجتمعت ملائكة الليل الصاعدة .. وملائكة النهار النازلة لتطل على مشهد فريد من نوعه .. مشهد لم تعهده الملائكة منذ ستين سنة فقد تكشف ظلام الليل عن الجثث المتناثرة .. والدماء المسفوكة..
كان كل شئ ينبئ عن وجود مجرم لا يرعى لله حرمة .. فمن يقتل أولاد الأنبياء فإنه لن يتورع عن سفك دماء الأبرياء .. فقد بادر الجيش مع أول ظهور لشعاع الفجر الأول في ترتيب صفوفه.. مستعد لخوض غمار الجريمة من جديد ..
ولكن اليوم مع من؟ .. فلا أحد يمكن أن يجرؤ أن يقف ليقول للطغاة: لا .. فالأحرار ما بين قتيل مضرج بالدماء .. ومشرد لا يجد له ناصراً .. ولكن لا بد أن يُظهر الله انحطاط أهل الباطل.. ودناءة نفوسهم .. فقد أقبلوا يبحثون عن شئ يفرغون فيه أحقادهم ..
فلما جاء من دلهم على الجثة -جثة ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمام الأمة زيد بن علي عليه السلام- نبشوا القبر وأخرجوها، ثم فصلوا الرأس الشريف عن الجسد وسلخوا الجسد كما تسلخ الشياة، ورفعوا الرأس على رمح وجعلوه هدفاً لصبيانهم وللساخرين من غوغائهم .. وأعاد التاريخ نفسه .. شاة وجزار ..ومتفرج أبله ..
ووقفت الأمة لمجرد المشاهدة .. وكأن الأمر لا يعنيها .. يقتل ابن عدوها هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم ابن نبيها زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.. فتكافئه بأن تثبت له الإمارة وتسميه أمير المؤمنين .. وكأن من شروط إمارة المؤمنين سفك دماء خيار المؤمنين.
وسافر الرأس ليمر على البلدان ليقول أمير المؤمنين هشام للمؤمنين .. هكذا يكون مصير من خالفنا أو أراد أن ينزع ملكنا .. حتى ولو كان من أبناء الرسل.
وبهذا أراد الخليفة أن ينهي آخر فصل من مشاهد المسرحية..
ولكن الستار أبى أن يستجيب لأمره هذه المرة فما هي إلا أيام حتى أقبل بعض الجواسيس الذين ينتشرون في كل البلاد .. ليقلي على مسامع الخليفة خبراً هاماً ..
الرجل: مولاي هشام بن عبد الملك إن يحيى بن زيد لم يقتل مع والده بل لا زال ينتقل من بلد إلى بلد وهو يجمع الرجال لمبايعته والخروج للأخذ بثأر أبيه.
صعق هشام لهذا الخبر ولم يكد يتمالك نفسه .. لقد أدرك حقيقة كانت غائبة عن ذهنه .. إن الأرواح لا تُقْتل .. وإنما قتل الجسد .. أما المبادئ فإنها باقية بقاء الدهر ..وهنا أدرك هشام أن الفصل الذي ظنه آخر الفصول هو أولها ومن جديد يكتب هشام إلى واليه على العراق ..
((من أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر: إن يحيى بن زيد يتنقل في بيوت أهل العراق فضيق عليه حتى يخرج منها أو تقبض عليه)).
***
وفي قصر الإمارة جلس أمير العراق يوسف بن عمر قرير العين فقد ضمن بقتل زيد رضاء هشام عنه وفي رضائه بقاء إمارة العراق له دون منازع يمر صباحاً ومساءً على الجسد المصلوب بالكناسة فيزداد انتفاخاً وكأن لسان حاله يقول: من مثلي أسدى لبني أمية مثل هذه الخدمة وخلصهم من ألد خصومهم؟ .. إن لثقيف على بني أمية لأيادٍ سخية لا تكافأ .. فالحجاج لعبد الملك وأنا لولده هشام.
وقطع عليه سلسلة أفكاره صوت الحارس وهو ينادي عليه:
- مولاي هذا رسول الخليفة هشام بن عبد الملك..
يوسف بن عمر: أدخله يا هذا ..
قام يوسف بن عمر إجلالاً لرسالة الخليفة فهو لا يشك في كونها رسالة مدح وإطراء وشكر ..
رسول الخليفة: أمير المؤمنين هشام يقرؤك السلام .. ويقول إن كنت قتلت زيداً فلا زال ابن زيد يسرح ويمرح في العراق وينتقل بين مدنها يؤلب الناس على بني أمية.
يوسف: ألم يقتل مع أبيه أيها الجندي؟.. ادعوا لي الحارث بن أبي الجهم الكلبي..
وما هي إلا لحظات حتى أقبل الحارث ..
الحارث: أمر مولاي أمير العراق يوسف بن عمر.
يوسف: اسمع يا حارث .. اجمع رجالاً ممن تثق بهم وتتبع خطى يحيى بن زيد في مدن العراق .. وأتِ به حياً أو ميتاً.
وعلى الفور انطلق الحارث بمن معه يتقصى الأخبار في مدن العراق .. ولم يعدم من يدله على خبر يحيى بن زيد فقد علم أنه نزل في المدائن على رهط من أهلها .. فبادر إلى تلك الديار.
ولكن الأخبار كانت قد سبقته فقد خرج يحيى بن زيد منها متخفياً لا يحدد له وجهة حتى بلغ إقليم الري ليس معه إلا نفر يسير من أصحابه .. ثم استقر في (سرخس) فأتى إلى يزيد بن عمر التيمي ونزل في داره..
***
كانت الأخبار تصل المدينة من حين إلى آخر فقد علم الجميع من بني هاشم وشيعتهم أن يحيى لم يقتل مع والده .. ولكن تخفِّيه واستتاره عتّم عليهم أخباره فجعلوا يترقبون أخباره.
وكان أشدهم ترقباً هي ريطة بنت عبد الله زوجة الإمام الشهيد وأم الغائب المشرد فقد أنساها مقتل زوجها وغياب ولدها كل ملذات الحياة فاحتجبت في بيتها تتجرع كؤوس الغربة والشوق والحزن وتنتظر حلول الفرج بعودة الغائب..
فلما اشتد حزنها وأيقنت أن لا ملجأ من الله إلا إليه شاء الله أن يفرج عنها بعض همها فأقبلت الرسل من سرخس تحمل أخباراً عن يحيى بن زيد ...
الرسول: يحيى يبلغك السلام ويقول عظم الله أجرك في فقيد أمة محمد ويطلب منك له الدعاء.
ثم أقبل الرسول على بني هاشم وهم مجتمعون ففتح رسالة يحملها وقرأ منها :
خليلَيَّ عنا بالمدينة بلغا ... بني هاشم أهل النهى والتجارب
فحتى متى مروان يقتل منكم ... سراتكم والدهر فيه العجائب
لكل قتيل معشر يطلبونه ... وليس لزيد في العراقين طالب

أبوحيدر 10-14-2011 09:23 PM

رد: "جاهد يا ولدي " ـــــــ قصة الإمام الشهيد يحيى بن زيد (ع)
 
الفصل الثالث
لما لم يجد يحيى بن زيد في مشائخه من بني هاشم من يقوم يهذا الأمر دعا الناس إلى نفسه ..
فراسل الشيعة في خراسان .. ووصلته من كل مكان.
وبينما هو نازل عند يزيد بن عمر التميمي .. أقبل إليه جمع من الخوارج فنزلوا قريباً منه وراسلوه في البيعة والخروج لقتال بني أمية .. فردهم ولم يستجب لهم لعلمه بسوء مذهبهم واعتقادهم ولكن القوم أتوه مرة ثانية مصرين على الأمر عازمين على الخروج.
يحيى بن زيد: لست بخارج فالوقت لم يحن؟
أحد وجهاء القوم: لك علينا الوفاء وأن لا يصلوا إليك حتى نفنى عن أخرنا ..
يحيى بن زيد -وقد إستشعر منهم الصدق: دعوني أنظر في أمري هذه الليلة.
صلى الأمام صلاة العشاء وجلس في مصلاه يقلب الأمر في نفسه .. هل الأمر قد لزمه .. وهل يجوز له أن يقاتل بمثل هؤلاء مع سوء مذهبهم.
نظر إليه يزيد بن عمر .. فإذا هو مستغرق في التفكير ..
يزيد: في أي شئ تفكر يا مولاي؟ .. هل هناك أمر أعينك عليه؟!.
يحيى بن زيد: أنظر في أمر هؤلاء الرجال وإصرارهم على الخروج وماذا أجيبهم به في الغد؟
يزيد بن عمر: أتريد أن تقاتل بقوم تستظهر بهم على عدوك وهم يتبرأون من علي وأهل بيته؟!.
يحيى بن زيد: صدقت فوالله لا يرجى بقوم مثلهم النصر ولكن لا بد أن أردهم رداً جميلاً ..
فلما أقبل القوم في اليوم الثاني أحسن إليهم ورد عليهم بأحسن رد وصرفهم صرفاً جميلاً ..
وأقام يحيى ستة أشهر عند يزيد بن عمر يسير في الناس متنكراً يتلمس أحوالهم ويعلمهم معالم دينهم.
***
كانت الجيوش الإسلامية قد إجتاحت تلك البلاد وأخضعتها للخليفة .. ولكن نور الإسلام والإيمان لم يتمكن من القلوب .. فالصورة التي نقل بها الإسلام إلى تلك المناطق كانت مشوهة .. فالأمراء لا همّ لهم إلا جباية الخراج وجمع نفائس وأموال تلك البلدان .. وإرسالها إلى عاصمة الخلافة .. ليكسبوا رضاء الخليفة .. فيضمنوا بقاءهم في الحكم .. فرضاء الخليفة باب للسلطة والغنى والعز .. وسخطه باب للنكال والوبال.
وأحس يحيى بالخطر.. فقد اشتهر أمره.. واشتد والي إبن هبيرة في طلبه فأراد أن يخرج من الري.. ولكن إلى أين؟.. وقد ضاقت عليه بلاد الإسلام رغم اتساعها.. فله في كل بلد ظالم يطلبه.
يحيى بن زيد: يا يزيد بن عمرو .. إني عازم على الرحيل من بلدكم .. فإني أخاف أن يُدل علي فأؤخذ.
يزيد: نفسي لك الفداء يا إبن رسول الله .. فاختر أي بلد شئت .. فإني راحل معك.
يحيى بن زيد: وأهلك وولدك؟!.
يزيد: ليسوا بخير من أهلك وولدك.
يحيى بن زيد: فأين ترى أن نتوجه؟.
يزيد: إذا رأيت يا مولاي أن نخرج إلى نيسابور .. فلعلها أكثر أمناً.
الإمام يحيى: يا يزيد إنها بلدة لا ترفع لعلي فيها رأية فكيف أخرج إليها .. بل نخرج إلى بلْخ فإن لنا فيها شيعة لعلنا نجد فيهم الناصر.
جعل يحيى بن زيد يتحين الفرصة للرحيل إلى بلخ .. فلما سنحت له الفرصة خرج إلى بلخ من بلاد خراسان ونزل على الحريش بن عبد الله فجعل يلتقي بشيعة أهل البيت عليهم السلام ويعلمهم مما منّ الله به عليه من العلوم .. فرغم حداثة سنه إلا أنه كان قد بلغ من العلم مرتبة رفيعة..
وكثر الناس الداخلون عليه وسمع عبّاد المال والسلطان بخبره فتسابقوا في نقل خبره ..كلٌ يريد أن يظفر برضاء السلطان.. ولم يرفع أمره إلى والي بلخ بل إلى هشام بن عبد الملك ..
***
كان الخليفة هشام بن عبد الملك قد أدرك قرب أجله وعلم أن الأمر صائر إلى ابن أخيه الوليد بن يزيد .. فكره أن يخرج السلطان من ولده فأراد أن يعزل ابن أخيه ويولي ولده .. فجعل يراسل القبائل .. ويستعطف الوجهاء ويكشف لهم الستار عما يجري في قصر ابن أخيه من الفجور وشرب الخمور وما قبح من الرذائل .. لعله يقنعهم بضرورة عزل ابن أخيه وتولية ولده .. وكأن الخليفة لا يعلم بما يدور في قصره بأمره ومشورته من مثل ما يفعل ابن أخيه..
وسارع الأمراء في الاستجابة للخليفة هشام في عزل ابن أخيه وتولية ولده.. وكان من بين من استجاب له يوسف بن عمر الثقفي والي العراق ..
وفي خضم هذه الأحداث واشتداد الصراع بين رواد قصور الخليفة وولي عهده وصل جواسيس خراسان ..
الجندي: هؤلاء بعض وجهاء أهل بلخ يطلبون الخلوة بك..
دخل الوجهاء وخلي المجلس إلا منهم ومن هشام ..
هشام: ما جاء بكم من بلدكم؟ .. هل جئتم تريدون البيعة لولدي وخلع الفاجر السكير الوليد بن يزيد؟
أحدهم: نحن طوع أمرك يا مولاي فيما طلبت .. ولكن ما جئناك فيه هو أمر أشد وأخطر.. فإن ملكك يا مولاي على خطر عظيم.
هشام -وقد تغير لونه واشتد حتى ظهرت الرعشة في يده: أفصح يا رجل لم أعد احتمل المفاجآت فيكفيني ما أنا فيه.
الرجل: يا مولاي إن يحيى بن زيد يطلب البيعة لنفسه ويجمع الأنصار للخروج عليك.
هشام -وهو ينتصب واقفاً في أشد الانفعال: زيد .. زيد .. يحيى بن زيد .. يحيى بن زيد .. كلما قلنا قد انتهى أمر هؤلاء ظهر منهم من يعكر صفونا .. لا بد أن يموت كما مات أبوه من قبله .. إنهم قوم لا تجدي معهم المهادنة .. أدعوا لي نصر بن سيار فليس لأهل خراسان إلا نصر.
فلما مثل نصر بين يدي الخليفة .. قال له هشام:
-إسمع يا نصر.. إني قد وليتك خراسان وما جاورها .. فإن يحيى بن زيد قد نزل بها يدعو الناس إلى نفسه وإني أخاف أن يجيبه أهلها .. فشدد في طلبه وارحل من ساعتك.
نصر: أمر مولاي.
شكر هشام أهل خرسان .. وانصرفوا مع نصر بن سيار ..
فلما بلغوا خراسان واستقر بها نصر بن سيار .. وبث جواسيسه في طلب يحيى بن زيد ..وافاهم الخبر بهلاك هشام بن عبد الملك فانشغل نصر عن أمر يحيى بتتبع أخبار الشام وعلى من ترسو الخلافة ..
فلما استقر الأمر للوليد بن يزيد وصار هو الخليفة جعل يتتبع كل من أعان أخاه على خلعه فيلحقهم الأذى ويعزلهم عن سلطانهم.

أبوحيدر 10-14-2011 09:31 PM

رد: "جاهد يا ولدي " ـــــــ قصة الإمام الشهيد يحيى بن زيد (ع)
 
استكمل معكم ذكر أئمة أهل البيت عليهم السلام مع هذه القصة الرائعة للمجاهد ابن المجاهد ، الشهيد ابن الشهيد الإمام يحي بن زيد عليهم السلام .
وهذا الباب الأول منها والتالي نتبعه في حلقات قادمة بعون الله
طبعا القصة منقولة ولا ننسى مؤلفها من الدعاء عليه سلام الله ورحمته و جزاه الله خيرا

أبوحيدر 10-16-2011 09:05 PM

رد: "جاهد يا ولدي " ـــــــ قصة الإمام الشهيد يحيى بن زيد (ع)
 
الباب الثاني

الفصل الأول

كان يوسف بن عمر يتمتع بالولاية والسلطان على العراق .. وهو يعلم رضاء الخليفة عنه بعد أن وافقه على خلع ابن أخيه الوليد بن يزيد وتولية ولده الخلافة من بعده .. كان يظن أنه بهذا قد حاز كل ما يؤمل فيه فرضاء السلطان عنه هو غاية ما يطلب .. فلما استقر به مجلسه وغرق في لهوه إذ دخل عليه أحد خواصه ..
يوسف بن عمر: ما جاء بك من الشام وأنا لم أطلبك؟!.
الرجل: إن الأمر لخطير .. فلم أثق بأحد فرأيت أن أبلغك الخبر بنفسي .. لقد مات هشام بن عبد الملك.
يوسف: من ولي الخلافة بعده؟.
الرجل: لقد استطاع أعوان الوليد وحاشيته أن يثبتوا الأمر للوليد .. وقد اعتلى عرش الخلافة.
بهت يوسف بن عمر لهذا الخبر وأيقن بنزول الكارثة .. فإن الوليد لن يرحم أحداً ممن أعان عمه على خلعه من ولاية العهد فانقلب حاله رأساً على عقب وتحول سروره إلى حزن وكدر .. واطمئنانه إلى هم وقلق .. وجعل ينتظر مع كل طارق يطرق بابه أمر العزل من الولاية .. بل همّ أن يخفي نفسه مخافة النقمة..
وبات يوسف بن عمر يفكر في طريقة يجلب بها رضاء الخليفة الجديد.. واحتار في الأمر.. فأي شيء يمكن أن ينال به رضاء الخليفة الساخط عليه؟.. أيرسل له الأموال فما عنده يغنيه .. أم يجلب له الجواري فأجمل الجواري وتجار الرقيق بين يديه صباح مساء ..
ومرت الأيام وهو في كل يوم يزداد خوفاً وغماً .. وجعل يستعرض أيامه مع بني أمية منذ اختاره هشام والياً على العراق وجمع له ما بين ولاية الكوفة والبصرة وكيف مكنه هشام من خصمه خالد القسري..
وهنا ذكر أمر زيد بن علي وكيف كانت نهايته .. وخطر بباله تلك الرسالة التي وصلته من هشام قبل وفاته في أمر يحيى بن زيد وانتصب واقفاً وقد غمرته الفرحة وانقشع الحزن عن وجهه .. وجعل يحدث نفسه بصوت مسموع: الآن ذكرت ما أجلب به رضاء الخليفة..
كان يوسف يعلم أن رضاء بني أمية لا يتحقق إلا بسفك دماء بني هاشم.. ومن ساعته طلب يوسف خاصة عيونه وجواسيسه وأمرهم بطلب مكان يحيى بن زيد على وجه السرعة..
ولم تمض أيام حتى أقبل أحدهم يحمل الخبر اليقين.
الرجل: مولاي يوسف بن عمر والى العراق إن يحيى بن زيد قد نزل مدينة بلخ من بلاد خراسان وهو جاد في طلب الأمر فشيعته يفدون إليه من سائر البلاد.
يوسف بن عمر: وعلى من ينزل فيها؟.
الرجل: لقد نزل على الحريش بن عبد الله وهو يستقبل الناس في داره.
وعلى الفور أعد يوسف رسالة إلى نصر بن سيار بأمره يطلب يحيى بن زيد والقبض عليه .. فلما وصلت الرسالة إلى نصر كتب إلى واليه على بلخ:
((من نصر بن سيار إلى والي بلخ عقيل بن معقل الليثي .. خذ الحريش بن عبد الله ولا تفارقه حتى تزهق روحه أو يأتيك بيحيى بن زيد فإنه ينزل عليه)).
***
كان الحريش بن عبد الله قد أعد ليحيى بن زيد بيتاً في جوف بيت لا يصل إليه أحدٌ إلا من يشاء..
وكان الإمام قد طال غيابه عن أهله وزوجته فاتفق أصحابه أن يعرضوا عليه الزواج فلما جلسوا إليه بادره الحريش بن عبد الله قائلاً:
- يا ابن رسول الله .. لقد طال غيابك عن أهلك وأنت في خيرة شبابك فما رأيك أن نختار لك زوجة تؤنسك في وحدتك؟
الإمام - وقد أطرق يفكر قليلاً ثم رفع نظره إليهم وقال .. هيهات وأبو الحسين مصلوب بالكناسة، ثم أنشأ يقول:
يا ابن زيد أليس قد قال زيد ... من أحب الحياة عاش ذليلاً
كن كزيد فأنت مهجة زيد ... واتخذ في الجنان ظلاً ظليلاً
كان مشهد الدماء وهي تتفجر من جبين أبيه لا يفارق مخيلته .. وأصداء كلمات أبيه تترد في إذنيه .. (يا بني جاهدهم فو الله إنك لعلى الحق وإنهم لعلى الباطل وإن قتلاك لفي الجنة وإن قتلاهم لفي النار) .. فلم يكن شئ يشغله إلا الإعداد لجهاد هؤلاء الظلمة الذين غيروا مبادئ الدين ..
وجعل يحيى بن زيد يلاطف أصحابه ويتجاذب معهم أطراف الحديث .. ولكن طرقاً عنيفاً على باب الدار قد قطع عليهم حديثهم، وأحال السكون إلى ضجيج .. فقد أحاط جنود الوالي بالدار من كل جهة وتعالت كلمات التهديد والتوعد .. وتزايد الطرق حتى كاد الباب أن ينخلع..
وأسرع الحريش بن عبد الله في الخروج وأغلق باب الدار الذي يسكنه يحيى وصاحباه .. وأسرع إلى باب داره فلم يكد أن يفتحه حتى كان قد ازدحمت ساحات الدار بالجنود.
الحريش: ما الأمر يا رئيس الشرطة؟ .. وما كل هذا الضجيج فنحن لم نخالف للأمير رأياً ولم ننزع يداً عن طاعته.
رئيس الشرطة: بل فعلت يا حريش وآويت عدو أمير المؤمنين في دارك ..
الحريش -في هدوء وكأن الأمر غريب عليه: من تقصد يا هذا؟ .. إني لا أدري عمَّ تتحدث؟
رئيس الشرطة -وهو يلف القيود حول يدي الحريش: هناك ستعلم ماذا أقصد .. خذوه وهيا بنا إلى الأمير.
ودخل الحريش بن عبد الله وقد غُل بالسلاسل .. فأوقف بين يدي أمير بلح عقيل بن معقل الليثي ..
عقيل: أين يحيى بن زيد يا حريش؟.
الحريش: من يحيى بن زيد؟!لا علم لي به.
عقيل: إذاً أريك كيف ستفصح عن مكانه ..
وأومأ إلى جلاديه فضُرب ستمائة سوط ..ثم استنطقه فلم ينطق بشئ..
عقيل: والله لأزهقن نفسك أو تأتيني به.
فرفع الحريش نظره إلى عقيل في سخرية وقال في تحدٍ لا مثيل له: اسمع يا هذا والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها لك فاصنع ما أنت صانع.
فصاح عقيل غاضباً: اضربوا هذا الأحمق.
وهنا دخل ولد للحريش بن عبد الله ولما رأى ما أصاب أباه من الضرب والتعذيب أشفق على والده فاقترب من عقيل وقال له:
- أيها الأمير لا تقتل أبي بالضرب فلو كان يحيى بن زيد مما يكون في عين أحد من الناس ثم كان يحيى في عين أبي لما أرجع جفنه عنه .. ولكن أنا أرشدك إلى مكان يحيى فأبعث معي من يأتيك به.
***
كان الإمام يعلم وفاء الحريش وإيمانه ولذلك لم يخطر بباله أن يعرف أحد مكانه .. وإن كان قد استشعر الخطر ولكنه خاف أن يخرج فيُعرف فيؤخذ الحريش بذلك .. وتثبت عليه التهمة ولذلك غرق في المناجاة والدعاء والتوسل فقد كان يخشى أن ينزل بالحريش بن عبد الله أي مكروه.. فلم يشعر إلا بالباب وقد فُتح .. فالتفت إلى الباب في هدوء فإذا بقريش بن الحريش في باب الدار.
الإمام: قريش .. ما الخبر يا أخي ..؟! عسى أن لا يكون قد حل بوالدك مكروهاً من هؤلاء الفساق.
لم يستطع قريش أن يتكلم فقد تنحى عن الباب .. وفتح الباب على مصراعيه .. وازدحم فيه جمع من الجنود شاهرين سيوفهم حتى كانوا أقرب شيء إلى رقبة الإمام وصاحبيه يزيد بن عمرو التيمي والفضل مولى عبد القيس -كان أخاً ليحيى من الرضاعة لم يكن يفارقه-.. فلم يجد الإمام أمامه إلا التسليم .. وغُلّت أيديهم إلى أعناقهم وأخذوا إلى دار الإمارة .. فلما استقروا بين يدي عقيل بن معقل الليثي أمر على الفور بإرسالهم إلى نصر بن سيار .. فأخرجوا مكبلين بالسلاسل مثقلين بالحديد.

أبوحيدر 10-16-2011 09:13 PM

رد: "جاهد يا ولدي " ـــــــ قصة الإمام الشهيد يحيى بن زيد (ع)
 
الفصل الثاني
حملت القوافل أخبار يحيى بن زيد إلى المدينة .. ليزداد القلب المثقل بالأحزان ثقلاً إلى ثقله .. ويحترق بنار الشوق.
فالأخبار قد تأتي .. ولكن متى تأتي .. متى يطرق أذني ريطة بنت عبد الله صوت وليدها ووحيدها؟؟
من لها وقد قتل الحبيب وغاب الصديق؟!
من للغريب ومن للبعيد؟؟ ومن لأم فارقت وليدها؟؟
فلما رأي عيسى بن زيد حزن خالته ريطة واشتداد الأمر عليها .. جعل يواسيها ويخفف عنها بعض مصابها فأرسل إليها بهذه الأبيات:
فلعلّ راحمَ أم موسى والذي ... نجّاه من لُجَجٍ خِظَمٍ مُزبِدِ
سيسر ريطة بعد حزن فؤداها ... بيحيى ويحيى في الكتائب مرتدي
حتى يهيج على أمية كلها ... يوماً كراغية الفصيل المقصد
ياابن الزكي وياابن بنت محمد ... وابن الشهيد المستزاد السيد
كان الحزن والبؤس والخوف يخيم على بيوت أهل البيت بالمدينة.. لذلك كان ما يحدث لهم من المآسي قد صار مألوفاً فلهم في كل سنة قتيل أو أسير .. وذلك هو المصير المحتوم لكل الأحرار الذين حملوا على عاتقهم مسئولية تحرير شعوبهم من جَوْر السلاطين واستبدادهم ..
وتناقل أهل المدينة أخبار يحيى بن زيد .. فلما بلغ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ما فعله عقيل بن معقل الليثي بيحيى بن زيد وأصحابه أنشأ يقول:
أليس بعين الله ما تصنعونه ... عشية يحيى موثق بالسلاسل
ألم تر ليثاً ما الذي ختمت به ... لها الويل في سلطانها المتزايل
لقد كشفت للناس ليث عن استها ... أخيراً وصارت ضحكة في القبائل
كلاب عوت لا قدس الله أمرها ... فجاءت بصيد لا يحل لآكل
***
وبغلظة من لا يرعى لله حرمة ولا لرسول الله قرابة استقبل نصر بن سيار يحيى بن زيد فأثقل عليه الحديد .. وبالغ في أذيته .. وأرسل على الفور إلى يوسف بن عمر الثقفي .. يزف إليه الخبر لينال رضاه.
فلما بلغ الخبر يوسف بن عمر انشرح صدره .. وذهب همه وأيقن برضاء ولي نعمته الوليد بن يزيد ..
وكم هو الفرق بين عبد يسعى لرضاء عبد .. وبين يحيى بن زيد الذي يسعى لرضاء الرب ..
ولما تيقن يوسف بن عمر من القبض على يحيى بن زيد بادر إلى زف الخبر إلى الخليفة الجديد الساخط عليه لينال رضاه وحسن ظنه ويبقيه في منصبه ..
وجعل يوسف بن عمر ينتظر وصول الجواب على رسالته ليطمئن قلبه ويركن إلى ما يُمني به نفسه من رضاء الخليفة عنه .. فلم تمض مدة طويلة حتى كان رسول الوليد بن يزيد يقف بين يدي يوسف بن عمر ليبلغه رسالة الخليفة ..
الرسول: مولاي أمير المؤمنين الوليد بن يزيد يأمرك أن تُؤمن يحيى وأصحابه وأن تخلي سبيلهم فإنما هو رجل هرب واستخفى.
يوسف بن عمر: أبلغ أمير المؤمنين أنّا على السمع والطاعة.
***
كان ولاة الأمر في الشام قد أدركوا أن الوضع لا يحتمل فالأمة قد بلغت أشد مراتب السخط على ولاة بني أمية بعد مقتل الإمام زيد وللظلم الواقع في كل أنحاء الدولة الإسلامية .. فأي حادث سيزيد الوضع سوءاً.
وأرسل يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار يأمره بإخراج الإمام من سجنه وإطلاق صراحه .. فلما وصلت الرسالة إلى نصر بن سيار .. أمر بإحضار يحيى بن زيد بين يديه .. فأتي به إليه وهو مثقل بالحديد يُسمع عند تحركه صليل السلاسل..
نصر: اسمع يا يحيى ما أقول لك قبل أن يحل بك سخط الخليفة .. إن أمير المؤمنين الوليد بن اليزيد قد أمر بإطلاقك فاتق الله واحذر أن تثير الفتنة، فالفتنة نائمة لعن الله من أيقظها!!
يحيى- وهو يرفع رأسه إلى نصر بن سيار في إباء لا تثنيه وطأة الحديد: وهل في أمة محمد فتنة هي أعظم مما أنتم عليه من سفك الدماء وأخذ ما لستم له بأهل؟
وهنا سكت نصر ولم يجد ما يقول فقد أدرك أن السجن لم يزد يحيى بن زيد إلا عزماً إلى عزمه.

أبوحيدر 10-16-2011 09:16 PM

رد: "جاهد يا ولدي " ـــــــ قصة الإمام الشهيد يحيى بن زيد (ع)
 
الفصل الثالث
كان أمر يحيى قد ظهر واشتهر .. وعرفه الناس فأحب الناس لقاءه والخروج معه فقد لمسوا فيه صفات أبيه الذي أحبوه وتعذّر عليهم الجهاد معه .. فلما علموا يخروج يحيى من سجنه أتته الرسائل من أنحاء البلاد يبايعونه ويعدونه النصر ..
ولشدة محبة الناس له أقبل بعض من عرفه من التجار على الحدَّاد الذي فك قيد الإمام يحيى بن زيد يريدون شراء ذلك القيد إحتفاء وتعظيماً للإمام .. فجعل بعضهم ينافس بعضاً في الشراء حتى بلغ ثمنه عشرين ألف درهم ..
فلما اشتد تنافسهم قسمه الحداد إلى قطع صغيرة وأعطى كلاً منهم جزء منه مخافة أن يفتضح أمره .. فلما ملكوه جعلوه فصوصاً لخواتمهم يتبركون بها .
وأدرك الولاة تعلق قلوب الناس بالإمام يحيى فدعاه نصر بن سيار وأمره بالتوجه إلى الوليد بالشام ..
فخرج يحيى بن زيد ولم يصغ إلى قوله فاتجه إلى (سرخس) فعلم نصر بن سيار بذلك فكتب إلى واليها بأمره أن يُخرج يحيى بن زيد من ولايته .. وكتب إلى الحسن بن زيد التميمي عامله على (طوس): ((إذا مر عليك يحيى بن زيد فلا تجعله يقيم عندك ساعة)).
وجعل نصر يتتبع أخبار يحيى بن زيد ويراسل أمراء البلدان في ملاحقته فلا ينزل الإمام على بلد إلا ويخرج منها .. ثم وكل أمر متابعة يحيى وتعقب خطاه إلى رجل من أعوانه يقال له: سرحان بن نوح الغبري.
***
جعل خلص أصحاب الإمام يحيى بن زيد عليهما السلام ينضمون إليه الواحد تلو الآخر حتى بلغ عددهم سبعين رجلاً ..بينما كان الولاة لا يكفون عن مضايقة الإمام وتعقب خطاه ومطاردته من بلد إلى بلد .. كانوا بذلك يريدون أن لا يمكنوه من الاستقرار حتى لا يتسنى له جمع أصحابه وشيعته.
وما إن مل يحيى كثرة التنقل والارتحال حتى صار يحدث أصحابه قائلاً:
- والله لقد قالها أبي من قبل .. ((ما كره قوم حر السيوف إلا ذلوا)).
وفهم الجميع مراده فأجمع أمرهم على التوجه إلى (بيهق) وإعلان البيعة له .. فلما وصلوا إلى (بيهق)، اجتمع إليهم بعض الشيعة وأعلنوا البيعة للإمام وخرجوا إلى نيسابور.
يحيى بن زيد: يا قوم إن بلاد نيسابور لا تُرفع لعلي بها راية .. وإني أخاف كثرة العدو وقلة الناصر فاجمعوا من استطعتم وتعالوا لنخرج إلى العراق فإن لنا فيها ناصر.
فقال له أصحاب الإمام: الرأي ما رأيت.
وبدأ ذلك الجيش القليل العدد والعدة العظيم الإيمان يتنقل في البلاد من ولاية إلى ولاية لا يعترض أحداً ولا يؤذي مؤمناً متجها نحو العراق.
***
كان نصر بن سيار يتابع أخبار الإمام ويرصد تحركاته ويتبعه الأذى أينما حل لكي يلحقه بالشام.
وفي صبيحة أحد الأيام كان خبر تحرك الإمام في جمع من أصحابه معلنين البيعة للإمام داعين الناس إلى منابذة الظالمين يطرق مسامع نصر بن سيار بعد أن علم الخاص والعام بأمر يحيى بن زيد(ع).
نصر بن سيار -وهو يخاطب بعض أتباعه: أين ترى يحيى بن زيد يتوجه؟
الجندي: سمعت البعض يقول إنه يريد العراق.
نصر بن سيار: تلك هي الكارثة فإن شيعة العراق لن يألوا جهداً في نصرته فجثة زيد لا زالت تذكرهم مقتله .. ولا زال فيهم من يلوم نفسه على خذلان زيد بن علي .. اكتب يا هذا إلى والي نيسابور أن يمنعه من الخروج عن ولايته فإن أبى فليقاتله .. واكتب إلى عامل طوس أن يتجه لمناصرة عمر بن زراره والي نيسابور.
وبالفعل تحرك جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل في كامل العدد والعدة على رأسهم عمر بن زرارة ..
جعل الإمام يمضي مع أصحابه يخرج إليه من كل بلد خيارهم لينضموا إلى ركبه ليجاهدوا بين يديه .. فلم يكد عددهم يبلغ المائة حتى قطع عليهم الطريق جيش عظيم ومنعهم من التحرك فتأهب الجميع لخوض المعركة المفروضة عليهم.
ولكن الإمام أمر أصحابه بعدم الاشتباك مع القوم وخرج من بين أصحابه حتى صار الجميع يعاينه..ثم نادى على عمر بن زرارة وأصحابه فبالغ في وعظهم ودعاهم إلى تقوى الله وعدم الخوض في دماء المسلمين .. ثم قال له:
- يا عمر انصرف عني فإني لست أريدك ولا أريد شيئاً من عملك، إنما أريد بلخ وناحيتها ولا أريد مرو فتنحَّ عني.
فنظر إلى الإمام وأصحابه في ازدراء وقال:
- والله لا يكون ذلك أبداً إلا أن تعطي بيدك وتدخل في الأمان وإلا قاتلتك .. وجعل الإمام يكرر عليهم النصيحة فيردون عليه بسيل من الشتائم ووابل من الحجارة .. فرجع الإمام إلى أصحابه ثم خطب فيهم قائلاً:
- عباد الله .. إن الأجل محضرة الموت، وإن الموت طالب حثيث لا يفوته هارب ولا يعجزه مقيم .. فأقدموا رحمكم الله إلى عدوكم والحقوا بسلفكم .. الجنة الجنة .. أقدموا ولا تنكلوا فإنه لا شرف أشرف من الشهادة فإن أشرف الموت قتل في سبيل الله فلتقر أعينكم ولتنشرح للقاء الله صدوركم..
ثم انطلق نحو القوم يسابق الريح خفة وانطلاقاً .. فتبعه أصحابه بعزيمة الإيمان كأنهم الأسود الكواسر.
وبينما المعركة تدور في كل جانب من الجوانب جعل أحد جنود عمر بن زرارة ينادي: هل من مبارز؟!
فبرز إليه أحد أصحاب الإمام .. ودارت بينهما معركة غير متكافئة برز فيه ضعف الجسد وقوة الإيمان في جهة .. وضعف الإيمان وقوة الجسد في الجهة الأخرى ..
{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا}..
فقد توالت الضربات على صاحب الإمام حتى خر صريعاً .. قد غرق في دماه .. فبادر آخر من أصحاب الإمام نحو الرجل ليبارزه فلم يطل به المقام أمام قوة ضربات ذلك الفارس حتى سقط جثة هامدة وصعدت روحه إلى بارئها ..
فلما رأى الناس تلك المشاهد اشتدت شوكة الخصم وقويت عزائمهم وأدرك الإمام خطورة الأمر فتنحى الإمام عن موقعه الأول وتوجه نحو الفارس ..
الإمام: يا عبد الله اتق الله .. وادر من تقاتل .. إنك إنما تقاتل ابن رسول الله عن أرباب الظلم والنفاق.فافصح الفارس عن هويته: وسوء عقيدته.. وقد تملكه الغرور ورفع صوته ليطلق كلمات عبرت عن حقد أعمى:
- لعنة الله عليك وعلى أبيك.
وهنا برز الفتى العلوي .. ليرى ذلك الرجل مع من يتكلم .. وداهمه بفرسه .. وشد عليه الإمام .. فضربه ضربة تحرى فيها إصابة رأس الرجل .. فأمال الرجل رأسه .. فنزلت الضربة فقطعت الدرع والفخذ وجنب الفرس.
وصاح به الإمام:
- يا عدو الله ما أشد مجاحشتك عن ملك بني أمية.
ذهل من كان ينظر إلى هذا المشهد لما أبداه الإمام من القوة والإقدام.. وخارت عزائم القوم وتحاشوا مبارزة الإمام .. في الوقت الذي كان بعض أصحاب الإمام قد تقدموا نحو جيش البغي واخترقوا صفوفهم.
وفي تلك اللحظات علا صوت التكبير.. بعد أن قتل عمر بن زرارة .. قتله أبو الفضل أخو الإمام ورفيقه .. وحلت الهزيمة بالقوم .. واضطرب أمرهم .. وتفرقت بهم الدروب .. كل يرجو النجاة بنفسه .. فجعل أحد الشعراء ممن حضروا المعركة ينشد ويقول:
ألم تر أهل نيسابور لما ... لقوا الأبطال لم يغنوا فتيلا
لقوا مائة وهم عشرون ألفاً ... فما صبروا ولا منعوا قتيلا

أبوحيدر 10-16-2011 09:19 PM

رد: "جاهد يا ولدي " ـــــــ قصة الإمام الشهيد يحيى بن زيد (ع)
 
الفصل الرابع

لم يبق في البلاد جبار إلا وارتعدت فرائصه .. وظَنَّ قرب نهايته واشتد فزعه فقد بلغت أصداء تلك الهزيمة النكراء نصر بن سيار بخراسان .. ثم يوسف بن عمر في العراق ..
ولما وصل الخبر إلى سمع الخليفة في قصره بالشام .. بادر الخليفة بإصدار أمره بإنزال جثة الإمام زيد بن علي(ع) من على خشبة الكناسة وأمر بحرقها وذرها في اليم لعله ينسف ذكراها من قلوب الناس، وذِكْرَه من ألسنتهم .. فثورة الإمام يحيى بن زيد تجعلهم يعودون ليذكروا فقيد الأمس المصلوب في الكناسة ..
واشتد خوف نصر بن سيار من ظهور أمر الإمام واجتماع أنصاره.. وعلم أن الأمر يحتاج إلى الحزم والجد .. فجمع ثمانية آلاف من فرسان أهل الشام ممن عرفوا بالولاء لبني أمية ..
كان نصر قد علم أن أهل هذا البيت لا يقوم لهم أحد عند المبارزة فعمد إلى جمع الرماة .. وتتبع مشاهيرهم .. فالسهام سلاح من يعرف العجز والجبن من نفسه حال البراز..
وكان قد اشتهر في الرماية رجل يسمى عيسى لا يوجّه قوسه نحو شيء إلا أصابه وظفر به .. فأقبلوا عليه يدعونه للخروج معهم فخرج إليهم وقد ربط يمينه إلى عنقه.
فقال له بعض الجنود: عسى أن لا يكون قد أصاب يدك مكروه فلا غنى لنا اليوم عن رميك.
عيسى: لم يصبها مكروه، ولكني لست بخارج معكم.
أحد الجنود: فما الذي جعلك تفعل في نفسك هذا الفعل؟!
عيسى: دعوني وشأني واذهبوا لقتال عدوكم.
فجعل القوم لا يقبلون له عذراً .. ويرغبونه في الجائزة والأموال ورضاء الأمير. فقال لهم عيسى:
- يا قوم .. والله لقد رأيت في المنام أني أرمي نبي فأقتله .. فآليت على نفسي ألا أرمي بسهم بعد تلك الرؤيا.
أحدهم: يا رجل اخرج معنا لقتال هذا الخارجي فإذا خبت نار الفتنة فارجع إلى ما أنت عليه.
فتاقت نفس الرجل إلى الجائزة .. وسوّف التوبة وحمل آلته وركب مع القوم.
***
كان شهر رمضان لعام سنة 126هـ قد حل على الناس .. فجمع الإمام أصحابه وقال لهم:
- يا قوم إنا كنا قد عزمنا على المسير إلى العراق وكان من هؤلاء ما كان وهذا حدث عظيم قد أتيناه ولم نجد بداً من ذلك .. وليس لنا في العراق بعد هذا اليوم دار فارجعوا بنا إلى خراسان .. وإذا متنا متنا كرماء.
وأجمع أصحاب الإمام على ذلك .. وبدأ الإمام ينتقل بأصحابه حتى مرّ بهراة وعليها والٍ يسمى المفلس بن زياد .. فلم يعترض الإمام .. فمر الإمام مع أصحابه بسلام ثم دخل (الجوزجان) واتجه إلى بلدة تسمى (أرغوى)
وهناك كان أصحاب الإمام يزداد عددهم يوماً بعد يوم .. وخرج إليه العلماء والفقهاء ممن عرفوا بالفضل والدين والورع .. أمثال أبو العرجاء الحنفي، والخشخاش الأزدي وغيرهم.
ولم تمض أيام حتى أقبل جيش نصر بن سيار على رأسهم مسلم بن أحور فلم يجد الإمام بداً من مناجزة القوم رغم قلة العدد وضعف الصوم وطول السفر وشدة الإرهاق .. فقام إلى أصحابه فوعظهم وحثهم على الجهاد وعبأهم وأعدهم للقتال.
وخرجت القلة المؤمنة لتواجه جحافل الجيش الغاشم من أتباع الهوى وعباد المال والسلطان ..
وللهروب من وابل سهام القوم زجَّ الإمام وأصحابه بنفوسهم في أوساط القوم ودارت معركة فريدة وقتال شرس لا هوادة فيه .. فالكثرة لا شك ستقضي على تلك القلة .. ولكن كفة الإيمان بالمبادئ والإيمان بالله تُرجّح كفة القلة المؤمنة .. فتعادل تلك الكثرة الفاجرة التي تقاتل من أجل إعلاء كلمة الشر غاية ما تريده هو رضاء السلطان ونيل الجائزة الدنيوية.
وبالفعل غابت شمس اليوم الأول ولم ترجح كفة أحد الطرفين رغم كثرة العدو وقوته .. إلا أن الجميع في الجيش الأموي صار يتجنب البراز أو الوقوف في وجه الإمام يحيى بن زيد(ع).. فلا يقف أحد في وجهه إلا قتله.
وفي اليوم الثاني .. خاض الناس معركة جديدة .. ولم تغب شمس ذلك اليوم إلا وقد كثر القتلى .. وبلغ التعب بأصحاب الإمام أشده.
وأشرقت شمس يوم الجمعة والكل ينوي أن يكون ذلك اليوم يوماً فاصلاً فقد اشتبك الجيشان في معركة شديدة .. ولما بلغت الشمس كبد السماء .. سمع القوم نداءً يعلو من بين أوساط الصفوف.. وعرف الأعداء من هو المنادي ..
يحيى بن زيد: يا قوم .. إن اليوم يوم جمعة في شهر رمضان .. يا هؤلاء هذا وقت صلاة أمهلونا حتى نصلي.
وانسحب الإمام مع أصحابه ليؤدوا صلاتهم .. وكل منهم يعي أنها آخر صلاة يصلونها .. فقد قل عددهم وكثرت جراحاتهم وأحاط بهم الأعداء من كل جانب.
نظر الإمام في وجوه أصحابه فرأى التعب ظاهراً على وجوههم فخاف عليهم إن اشتد عليهم القتال الفرار ونكث البيعة فيحل بهم سخط الله وعذابه .. فالتفت إليهم في إشفاق ورحمة قائلاً:
- أنتم في حل من بيعتي فمن شاء أن يثبت معي فليثبت .. ومن شاء أن يرجع فليرجع .. أما أنا فلن أبرح هذا الموقع حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
فرفع الجميع أيديهم وقالوا بصوت واحد: لا والله يا إبن رسول الله لا نفارقك أبداً حتى لا يبقى منا أحد.
الإمام: جزاكم الله خيراً يا قوم فلقد قاتلتم ووفيتم .
واتجه الجميع نحو عدوهم ليواصلوا الدفاع عن كل المظلومين في أنحاء الدولة الإسلامية .. واشتد القتال وسقط الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه الواحد تلو الآخر حتى لم يبق منهم أحد .. وصار الإمام وحيداً فريداً لا يدري أيدافع من يهاجمه من يمينه أو من يهاجمه عن شماله .. وجعل يتلفت فرأى خلفه أسنة الرماح تطلبه وتتلقاه ضربات السيوف وسيل من السهام بعد أن صار الإمام هدفاً لأكثر من عشرة آلاف جندي
فمن ذا يخلصه؟ ومن ذا ينقذه؟ ومن الذي يذهب الخطب الجسيم؟ .. ومن سيؤنس وحشته؟ ..
ذهب الرفاق وترك الشبل الطريد لصائده ..
فأبٌ هناك على الكناسة مشرف قد حرقت أعضاؤه ..
أفما ليحيى ناصر يبغي الوصال بجده؟
***
وضُيّقِ الخناق .. واقترب الأجل .. وانهالت عليه السهام من كل جانب.
وأوترَ عيسى قوسه .. ورفعه وحدد وجهته ..
وبينما الإمام منشغل في مواجهة السيوف .. إذ أسرع السهم ليحسم الموقف ويعلن عن نهاية المعركة .. واحتضن الجبين الطاهر سهماً ليعلن عن لحظات الرحيل المنتظر وتخضبت لحيته من دماء جبينه .. وخر صريعاً بعد طول عناء وتحمل لأنواع البلاء .. وأنطلقت روحه من سجون الدنيا إلى رحاب الآخرة .. ليجاور رسول الله وعلياً والحسين وزيد بن علي عليهم أفضل الصلاة والتسليم ..
وأسرع غوغاء أهل الشام لينالوا من تلك الأجساد الطاهرة وصاروا يشفون غليلهم بفصل الرؤوس عن الأجساد.
وانتصبت عيدان الخشب .. وأقبلت الأيدي القذرة لتدنس تلك الأجساد الطاهرة ..
وفي يوم مشهود .. صلبت الأجساد وسلخت ليتكرر ذلك المشهد من جديد .. جزار يذبح .. وضحية تُسلخ .. وأمة ترقب المشهد في صمت أبله ..
وحملت الرؤوس على أسنة الرماح .. لتطوف بالبلدان .. وتنذر العباد بأن هذا مصير من يخالف طواغيت الشام.
واستبشرت بلاد الشام بسقوط نجم آل محمد .. وتحقق الأمل البعيدُ..
وبعد أن طافوا بالرؤوس على أسنة الرماح في نواحي العراق وبلاد الشام رحل وفد بلاد الشام يحمل الرأس الشريف نحو المدينة لينصبه على قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم..
وكأن السلالة الأموية تردد:
-هذا بذاك ولست أنسى عتبة
ولا الوليد ولا اخراجك الحكم
-هذا بذاك ولست أنسى عصبة قتلوا بأحد
وبيوم بدر لنا فيكم عدواً وقاتلاً
وأقبل وفد الشام برأس يحيى بن زيد يطوي شوارع المدينة .. حاملين هدية الشام .. إلى من سكن بالمدينة .. ليتكرر نفس المشهد الذي رآه أهل المدينة قبل زمن .. يوم أن وصل موكب الشام برأس أبيه الإمام زيد بن علي عليه السلام.
هدايا ما رأينا مثلها في القرى ...
كلا ولا حتى البوادي
أي قلب قد حوت تلك الضلوع؟ ... وبأي إسلام تنادي؟!
أي حقد قد تضاهى وتعالى وأحال الرحمة ناراً؟!
أنتم الحقد .. أنتم وصمة عار في جبين الدهر تبقى ..
ماذا جنت بنت الكرام حتى يُحطم قلبها بوليدها؟!
أما في قتلكم إياه ما يطفيء نار الحقد في أحشائكم؟!
أما في صَلبكم إياه .. ما يشفي الغليل.. ويوهن الحقد البغيض؟!
آه لحقد صاغه الأوغاد فعلاً ومقالاً في المساجد والنوادي ..
***
وطُرق الباب ..
وما إن فتح حتى ألقى الرسول إلى وسط الدار شيئاً ما ملفوفاً في خرقة وهو يقول:
- هذه هدية لكم يا أهل زيد بن علي ... ثم انصرف.
وتتقدم الأم المسكينة نحوه لتكشف القماش وترى ما فيه .. فأفصح القماش عن رأس الحبيب الغائب الذي طال انتظاره..
إنه رأس يحيى بن زيد ..
شهقت الأم شهقة كادت روحها أن تخرج .. وأستحيا الدمع أن يسيل على خدها فتجمد..
من لكِ يا بنت عبد الله؟ .. فالزوج قد صلب.
وهذا رأس وحيدك .. وحبيب قلبك .. وفلذة كبدك.
لك الله .. يا بنت عبد الله.
وانطلق لسان الأم لينطق بكلمة الإباء الممتزجة بالحزن والدموع ليخلدها التأريخ:
- شرتدموه عني طويلاً .. وأهديتموه إليّ قتيلاً .. فصلوات الله عليه وعلى آبائه.
***
عليك سلام الله يا يحيى..
زكيٌ رأيت الحياة مع الظالمين شراً وبيلاً..
أبيٌ رأيت الحياة مذلة .. فمضيت نحو الموت كي لا تعيش ذليلاً ..
أحببت دين الله حتى رأيت الموت في إحيائه ثمناً قليلاً ..
بُشراك يا يحيى .. فأنت لزيد مفخراً ومثيلاً ..

مشكاع المشكاعي 10-16-2011 09:53 PM

رد: "جاهد يا ولدي " ـــــــ قصة الإمام الشهيد يحيى بن زيد (ع)
 
مشكور على النقل لكن لو كانت مفصلة كل يوم فصل حتى تسهل القراءة ويتشوق القارئ لما بعدها :rolleyes:

أبوحيدر 10-16-2011 10:08 PM

رد: "جاهد يا ولدي " ـــــــ قصة الإمام الشهيد يحيى بن زيد (ع)
 
أشكرك على مرورك وملاحظتك
وقد وضعت كل فصل في مشاركة و بإمكان القارئ أن يقرأ فصلا و يكمل في ما بعد
أما أنا فلم أستطع إلا إكمال القراءة للنهاية المرة الحزينة
وأيضا لقصر القصة رأيت أن أنشرها كاملة
ونلتقي مع بطل إمام مجاهد شهيد آخر بإذن الله


الساعة الآن 11:26 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd Trans
ضاوي الغنامي تواصل::dawi ® طيور الامل © 1,0
new notificatio by 9adq_ala7sas
Developed By Marco Mamdouh
e3laN by kashkol

اختصار الروابط

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47