الإمام الأعظم زيد بن علي عليه السلام ــــــ الباب الثاني
الباب الثاني نامت الكوفة .. ونام أميرها قرير العين بعد أن خليت من الإمام زيد.الفصل الأول وبينما هي تسبح في نوم عميق كان هناك صوت حفيف أقدام تجوب شوارع الكوفة يطرقون الأبواب طرقاً خفيفاً مخافة أن يلحظهم أحد. وفي بيت منعزل بدأ القوم يجتمعون .. كان صاحب البيت يراقب الداخلين من نافذة مجاورة وآخر يراقب المنازل المجاورة .. وكان معظم من دخل الدار إما في الأربعينات من أعمارهم أو في الخمسينات. وفي ضوء ذلك المصباح الخافت بدأت وجوههم تتلألأ وكان الغالب عليهم سيماء الصالحين .. دخل عليهم صاحب الدار -معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة- فقام الجميع إجلالاً واحتراماً .. فألقى عليهم السلام فرفع الجميع أنظارهم إليه ينتظرونه لكي يطلعهم على سبب هذا الإجتماع في هذا الوقت المتأخر من الليل. أحدهم: تكلم يا معاوية بن إسحاق ما الذي جعلك تدعونا في مثل هذه الساعة من الليل؟ معاوية بن إسحاق: اسمعوا يا قوم لقد دعوتكم لخير دينكم ودنياكم فأن أطعتموني نلتم الخير كله .. فوالله لو سئلت: من خير أهل العراق؟ ما عدوتكم .. وهذا ابن بنت نبيكم يبيت الليلة في القادسية أعني زيد بن علي .. وما منا أحد إلا وقد عرف فضله وعلمه .. ووالله لئن فاتكم هذا الفتى لن تجدوا لكم خلاصاً بعده .. فتعالوا نسعى إليه فنبايعه على السمع والطاعة والجهاد بين يديه ثم نجمع له من استطعنا من شيعة أهل هذا البيت للجهاد معه ونخرج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. والله إني أخاف أن لا تقبل منا صلاة ولا صيام ونحن نداهن الجبابرة فلا نأمر بمعروف ولا ننهى عن منكر. فقام إليه أحدهم وقال: اسمع يا معاوية بن إسحاق والله ما منا من أحد إلا وقد كره الحياة واشتاق إلى الموت .. فأي ذلة أعظم مما نحن فيه ولكن نخاف أن لا نجد الناصر ونعرضه للهلاك. كانت هذه الإجابة هي الأمر الذي تبادر إلى أذهان الجميع .. ولذلك ردد الجميع: القول ما قلت. معاوية بن إسحاق: يا قوم لكل منا عشيرة وأهل .. والله لقلة مؤمنين خير من كثرة فجار .. والناس قد كرهوا الجور والظلم وما أراهم منتظرين إلا من يقودهم .. ولا أعتقد أن هناك على وجه هذه الأرض من هو خير من زيد بن علي يمكن أن يقوم بهذا الأمر .. فأعينوني على هذا الأمر وتعالوا لنلحق بزيد عساه أن يقبل بيعتنا ويعود معنا. وخرج الجميع وركبوا إلى القادسية وجعلوا يعرضون الأمر على الإمام زيد فجعل يتحاور معهم ويسأل عن عددهم وعدتهم. *** كان الإمام زيد يرى ضرورة مواجهة قوى الظلم والطغيان الأموي ذلك الذي سلب الأمة كل مقوماتها. فكان لا بد من حادث يخرج الأمة من تلك الغيبوبة وينفض عن شريعة الإسلام تلك الصيغة الزائفة التي تعمّد حكام الدولة أن يصيغوها بها .. فجعلوا من أنفسهم ملوكاً يتحكمون في مصير الأمة .. يستعبدونهم وينتهبون ثرواتهم ويستأثرون بخيراتهم. وبعد أن لزمت الإمام زيداً عليه السلام الحجة واعتقد بوجوب الخروج لمنابذة الظالمين أعلن عن موافقته لهم. وبهذه الموافقة مزق ذلك الرعب الذي كان قد سيطر على أهل البيت عليهم السلام وأشياعهم بعد معركة كربلاء الأليمة .. لكن الخوف من تكرر المأساة جعل الكثير من أهل البيت عليهم السلام يثنون الإمام عن عزمه لما استشعروه من قلة الأنصار.. فهذا رفيقه في سفره محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب لما علم نية زيد في الخروج مع القوم قال له: بالله عليك يا أبا الحسين إلا ما رجعت معي إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدت إلى أهلك وولدك فإن أهل العراق لا يوفون لك .. أنسيت موقفهم مع جدك الحسين عليه السلام؟ فقد راسلوه حتى أخرجوه ثم كانوا أول من قاتله. ولكن الإمام زيد عليه السلام رأى أن الحجة قد لزمته بعد أن أعطوه العهود والمواثيق بالجهاد بين يديه .. فرجع إلى الكوفة متخفياً. وما هي إلا أيام قلائل من سفر محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب حتى أقبل عليه وفد من المدينة فيهم ولده يحيى ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن .. وعبد الله بن علي بن الحسين .. والعباس بن ربيعة من بني عبد المطلب.. ولما وصلوا إليه سلموه رسالة من عبد الله بن الحسن بن الحسن يحذره أهل الكوفة .. فتصفحها فإذا فيها: ((أما بعد فإن أهل الكوفة نفخ في العلانية .. خور في السريرة .. هرج في الرخاء .. جزع في اللقاء .. تتقدمهم ألسنتهم .. ولا تشايعهم قلوبهم .. وما لهم مثل إلا كما قال علي عليه السلام: إن أُهمِلْتم خُضتم .. وإن حُورِبتم خِرْتم .. وإن اجتمع الناس على إمام طَعنتم .. وإن أجبتم إلى مشقة نَكصتم..)). وتحدثوا معه يحاولون أن يثنوا عزمه ويرجون أن يوافق على أن يرجع معهم إلى المدينة ولكنه اعتذر لهم وأخبرهم أن الأمر ليس بيد أحد وأن الحجة قد لزمته. *** كان حب آل البيت للإمام زيد(ع) يفوق كل تصور .. ولذلك إشتد خوفهم عليه مع إدراكهم لضرورة الجهاد في سبيل الله .. ولذلك عندما أدركوا عزمه على الجهاد ثبتوا معه إلى نهاية المعركة ثم جعلوا منه علماً يسيرون على نهجه .. فخرجوا يقاتلون في سبيل الله الواحد تلو الآخر. وكانت محاولات المشفقين والمحبين لثني الإمام عن عزمه تتكرر يوماً بعد يوم ولكن دون جدوى فقد دخل عليه أحد العلماء فتحدث إلى الإمام زيد فذكر فضله وعلمه وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأجابه الإمام فأحسن الثناء على الإمام، وشكره الإمام على حسن ثنائه. العالم: أناشدك بالله كم بايعك؟ الإمام: أربعون ألفاً. العالم: فكم بايع جدك؟ الإمام: ثمانون ألفاً. العالم: فكم حصل معه؟ الإمام: ثلاثمائة؟ العالم: أناشدك الله أنت خير أم جدك؟ الإمام: بل جدي. العالم: أفقرنك الذي خرجت فيه خير أم قرن جدك الذي خرج فيه؟ الإمام: بل القرن الذي خرج فيه جدي. العالم: أفتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدك؟الإمام: لقد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم. (2) راسل الإمام زيد علماء الأمة ودعاهم إلى بيعته ومناصرته.. فبايعه الكثير منهم، منهم: سلمة بن كهيل الحضرمي -العالم والمحدث- .. وأبو عبد الله الكوفي -من مشاهير المحدثين وكان من أشهر أصحابه- ويحيى بن دينار .. ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة .. ونصر بن خزيمة العبسي .. وأرسل الإمام دعاته إلى الأمصار وراسل من بقي من العلماء فسارع الناس في إجابة الإمام- وبالذات العلماء-. وكان من أبرز من استجاب له في عصره أبو حنيفة النعمان فقد أرسل إليه الإمام زيد أحد دعاته وهو الفضيل بن الزبير فدخل عليه في مجلسه وكان الرقباء والجواسيس قد وضُعوا في كل مكان حتى في حلقات العلم ومجالس الطلبة. الفضيل: يا نعمان إن الإمام زيد يعرض عليك الخروج والجهاد معه لرفع هذا الظلم الذي نزل بالأمة والعودة بها إلى كتاب الله وسنة رسوله. تلفت النعمان يميناً وشمالاً مخافة أن يكون أحد قد سمع كلام الفضيل .. فالسوط والسيف الأموي ما كان ليرحم أحداً وبقي مدة صامتاً لا ينطق .. ثم نطق بكلمات حاول أن يظهر فيها الإستنكار مخافة أن يكون أحد قد سمع كلام الفضيل قائلاً: ويحك ما تقول أنت؟! ثم تنحى به جانباً وقال للفضيل: - من تبعهُ من علماء الأمة؟ الفضيل: سلمة بن كهيل .. ويزيد بن زياد .. وهارون بن سعد .. وأبو هاشم الرماني .. وحجاج بن دينار.. وكان قد انتهى إلى هؤلاء الفضل والورع والعلم حتى صاروا مضرب مثل للعلماء والعوام. وعاد مرة أخرى ليلتقي أبا حنيفة فلمس أن هناك من يراقب الوضع ويحاول أن يدرك ما يدور في ذلك الحوار فالتفت أبو حنيفة إلى الفضيل وقال له: - اسمع يا فضيل اذهب اليوم وأتني في الغد .. ولا تكلمني بكلمة ولكن اجلس في مجلسي فإذا رأيتني أخرج فاقْفُ أثري.وفي اليوم الثاني ذهب الفضيل إلى مجلس أبي حنيفة فلما رآه أبو حنيفة هب من مجلسه وخرج فتبعه الفضيل حتى وجد مكاناً خاليا فالتفت إلى الفضيل وقال: - يا فضيل أقرئه مني السلام .. وقل له أما الخروج معه فلست أقوى عليه لمرض في ولكثرة الأمانات عندي .. ولكن خذ هذا المال وقل للإمام هذا معونة على الكراع والسلاح فليستعن به -وكانت ثلاثون ألف درهم أو دينار. *** وبقي الإمام زيد في الكوفة أحد عشر شهراً يدعو الناس .. ويستقبل الوفود من سائر البلدان حتى بلغ أنصاره خمسة عشر ألفاً من أهل الكوفة فقط غير من بايعه من سائر البلدان. وهنا نشطت الجاسوسية الأموية فأدركت ذلك الفجر الذي يكمن خلف الظلام ينتظر اللحظة المناسبة ليمزق ذلك الليل البهيم بأشعة نوره .. فتطلع الأمة على حقيقة تلك الثلة الحاكمة التي استعبدت الأمة ونهبت خيراتها ومقدراتها. فطاروا بالأخبار نحو قصر الخلافة في الشام حيث كان الخليفة هشام غارق في مشاكله الداخلية التي شغلته عن زيد وأخبار زيد. كان هشام قد بلغ من السن ما جعله يشعر بقرب الأجل .. فعز عليه أن يترك كرسي الخلافة لغير ولده .. فأراد أن يعزل أخاه ويولي ابنه مسلمة .. ولكن ما حملته رسل العراق من الأخبار كان كفيلاً بأن يشل تفكير الخليفة عن أي موضوع آخر فقد عاد شبح زيد ليطارده من جديد. أحد الرسل: يا مولاي إن زيداً يجمع الأنصار منذ زمن ويتأهب للخروج ويوسف بن عمر غارق في لهوه؟ فالتفت هشام إلى كاتبه وقال له: اكتب إلى يوسف بن عمر: ((إنك لغافل وإن زيد بن علي غارز ذَنَبه في الكوفة يُبايع له وقد علمت أهل الكوفة وحبهم أهل هذا البيت .. ووضعهم في غير مواضعهم .. وقد قَدِم عليّ زيد بن علي فرأيته رجلاً جَدَلاً لَسِناً خليقاً لتمويه الكلام وصوغه واجترار الرجال بحلاوة لسانه وبكثرة مخارجه في حججه وما يدلي به عند لداد الخصام من السطوة على الخصم بالقوة الحادة لنيل الغلب .. فعجل إشخاصه إلى الحجاز .. وألح في طلبه وأعطه الأمان .. وإن لم يقبل فاقتله)). وصلت الرسالة من طاغية الشام لتهيج طاغية العراق وتثير شهيته التي لا تخمد إلا عند سفك الدماء .. فبث جواسيسه في الآفاق يتتبعون الأخبار ويرقبون بيوت من عرفوا بالتشيع وصار التواصل بين الإمام وأصحابه أقرب إلى المستحيل .. فقد ضيق عليه الخناق .. فصار حتى التنقل تحت جنح الظلام أمراً صعباً .. فالشوارع والأسواق وحتى المساجد والديار صارت لا تخلو من مراقبة مستمرة. |
رد: الإمام الأعظم زيد بن علي عليه السلام ــــــ الباب الثاني
الفصل الثاني كان جميع من بايع الإمام من سائر الأمصار قد علموا بالموعد وأعدوا العدة .. فالأول من صفر صباح الأربعاء كان هو اليوم الذي اختاره الإمام زيد لإعلان ثورته. ولكن الوقت كان يمر في تثاقل وبطء والخناق يضيق على الإمام وأصحابه يوماً بعد يوم .. وصار اليوم وكأنه سنة كاملة.فهذا يوسف بن عمر يتتبع كل من يعتقد أن له صلة أو قرابة بالإمام فيقتل بمجرد الظن .. ويعذب بمجرد الشك .. وكلمات الوشاة صارت عنده نصوصاً يصح الإستدلال بها على سفك الدماء .. فهذا سراقة البارقي أحد ذيول بني أمية يخمن للوالي بوجود زيد في بعض المنازل فيسارع يوسف بن عمر إلى الأمر بمداهمتها وقتل كل من فيها.. وساد جوٌ من الإرهاب والوجل والخوف .. وبثت الدعايات بقدوم جيش الشام .. واشتد فزع الناس .. وبعد مراقبة شديدة أدرك أحد الجواسيس وجود زيد في بيت معاوية بن إسحاق فأسرع نحو دار الإمارة. الجاسوس: مولاي .. إن زيداً في بيت معاوية بن إسحاق. يوسف: داهموا البيت واقتلوا كل من فيه. كان الحكم بن الصلت أحد القادة الأمويين .. ووالي يوسف على الكوفة جالس في مجلس يوسف فنهض من مكانه وقال: هل لي أن أشير في الأمر .. فما ظني أن زيداً سيكون لوحده في الدار .. فأخاف أن تفتح علينا باباً فيقاتلنا بمن معه فينتشر الخبر ويسرع أصحابه لنصرته ونجدته .. أرى يا مولاي أنك لو تبعث من ينادي في الكوفة فيجمع وجهاء أهل الكوفة وعامتهم في المسجد .. ثم تداهم الدار .. وهذا هو ما أراده مولاي الخليفة في رسالته. يوسف بن عمر: ولَّيتك هذا الأمر فانطلق. فانطلق الحكم بن الصلت وجمع العرفاء والشرطة والمقاتلة فجمعوا الناس في المسجد الأعظم .. وأغلقت دروب السوق ثم أمر المنادين ينادون في النواحي: أيما رجل من الأعراب والموالي أدركنا زيداً في رحله الليلة فقد برأت منه الذمة .. وأمر مجموعة من الجنود أن يتقدموا نحو دار معاوية بن إسحاق .. وجعلوا يسدون عليه المنافذ ويقتربون في صمت وخفاء .. يريدون أن يستفيدوا من مباغتة الإمام ومن معه .. ويمنعوهم من المقاومة .. وبخطى سريعة بدأ الجنود يتقدمون فالحقد والهيمنة وظلام الليل والصقيع .. الكل كان يمد يديه وكأنه يتكاتف محاولاً اقتطاف تلك الروح الطاهرة. كان الإمام زيد يرقب الوضع بحذر شديد وأدرك أنه قد انكشف أمره .. وأنهم إذا حاصروه وأصحابه وسدوا عليهم المنافذ أمكنهم القضاء عليهم .. فكان الإمام بين أمرين إما التعجيل بالخروج ونتائج الأمر غير مضمونة .. وإما الإنتظار .. ومعنى ذلك أن يتخطف أصحابه من حوله واحداً تلو الآخر .. وقد تسد عليه جميع الطرق فلا يتمكن أصحابه من الوصول إليه. كان الترجيح صعب ولكن كان الرأي الأول هو الأقرب .. وكان كل من في دار معاوية بن إسحاق ينتظرون أمر الإمام. وتحت جنح الظلام في ليلة شديدة البرد خرج الإمام بمن معه من بيت معاوية بن إسحاق ورفعوا أصواتهم بالشعار: (يا منصور أمت). ذهل الجنود المهاجمون الذين أمروا بمداهمة البيت. وفجأة تحول ذلك الصمت إلى ضجيج وتكبيرات وصيحات .. ولم يفيقوا من ذهولهم إلا وقد تجاوزهم الإمام ومن معه فانطلق أتباع الإمام في الشوارع والأزقة وبين العشائر ينادون بالشعار المتفق عليه: (يا منصور أمت). *** وفي صبيحة ذلك اليوم أمر الإمام زيد (ع) القاسم التبعي وآخرين بالخروج إلى العشائر والنداء بالشعار .. فمضوا ينادون بالشعار .. فسمعهم يحيى بن صالح بن يحيى بن مالك بن خزيمة وكان رجلاً صيتاً فنادى معهم بالشعار. وذهب ابن الجارود زياد بن المنذر إلى مئذنتهم .. فرفع صوته بالشعار. فلما كانوا في صحارى عبد القيس لقيهم جعفر بن العباس الكندي مع جمع من أصحابه -وكان من أتباع يوسف بن عمر- فحملوا على المنادين فقتل أحدهم وأخذ القاسم التبعي بعد أن جرح إلى الحكم بن الصلت فلقيه على باب القصر.. الحكم بن الصلت: أين أصحاب زيد؟ وكم عددهم؟ وما عدتهم؟ .. أخبرني إن شئت النجاة .. صمت القاسم وجعل ينظر إلى الحكم بن الصلت في احتقار .. فأمر الحكم بضرب عنقه.. وعلى الفور ضربت عنقه وأعلن نهر الدم أنه قد آن الوقت ليبدأ تدفقه ليعيد ذكرى كربلاء مرة ثانية. (2) بقي يوسف بن عمر في الحيرة يناوش زيد بن علي عليه السلام فيرسل بعض قواده ليطلع على بعض ما يدور في أرجاء الكوفة. يوسف بن عمر: من يأتي الكوفة فيقرب من هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم. عبد الله بن عياش: أنا آتيك بخبرهم. وانطلق عبد الله بن عياش مع خمسين فارساً .. وما هي إلا مدة قصيرة حتى أقبل على يوسف بن عمر بخبر أهل الكوفة .. وأمسى يوسف بن عمر مغتماً لا يدري أيدخل على الإمام زيد الكوفة فيقاتله في شوارعها وأزقتها أم ينتظر خارج الكوفة ويستدرج جيش الإمام إلى هناك. أخذ يوسف بن عمر قراره ووضع خطة الحرب لمواجهة الإمام زيد وأتباعه. ومع شروق شمس اليوم الثاني خرج مع جنوده من أهل الشام وأهل العراق وخرج معه وجهاء أهل العراق وأمير شرطته .. وأمر بتجهيز جيش يزيد عدده على ألفي فارس وثلاثمائة من الرماة. ثم أرسل مجموعة مع قائد شرطته العباس بن سعد المزني .. وأمر بالتوغل داخل الكوفة ومناوشة الإمام زيد وأتباعه وإخراجهم من بين شوارعها حتى ينكشفوا فيصيروا هدفاً سهلاً للرماة. *** كان الإمام في هذه اللحظات يعدّ أصحابه للمواجهة الحاسمة .. يعدّهم ليضربوا أروع الأمثلة في البطولة والفداء .. فجمعهم فإذا عددهم لم يبلغ الثلاثمائة. الإمام زيد: سبحان الله .. فأين الناس؟ معاوية بن إسحاق: هم محصورون يا سيدي في المسجد وقد أغلقت عليهم الأبواب ووضع الحرس على الأبواب ليمنعوهم من الخروج. الإمام زيد: لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر. لقد كان الإمام زيد ينتظر وصول من بايعه من أهل الكوفة ليجتمع له أكبر عدد ممكن من الرجال. وجعل من يريد الخروج مع الإمام زيد يقبلون عليه من كل ناحية من نواحي الكوفة. فكان نصر بن خزيمة يقود مجموعة من أصحابه يحث الخطى ليلتحق بالإمام زيد عليه السلام وفجأة ظهر عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصلت في خيل من جهينة. رفع نصر بن خزيمة صوته بشعار الإمام زيد: (يا منصور أمت) .. فلم يرد عليه أحد بشيء .. فاستل سيفه وشد على عمر ومن معه .. وشد أصحابه معه .. وأراد عمر بن عبد الرحمن أن يستعد للمواجهة ولكن السرعة والإقدام الذي اتخذه نصر وأصحابه أفقدهم توازنهم فقتل عمر بن عبد الرحمن ومجموعة من أصحابه وأسرع من تبقى منهم في الهروب .. وأفسحوا الطريق أمام نصر وأصحابه فأقبل على الإمام فاستبشر الإمام بقدومه .. وبادره الإمام قائلاً: - يا نصر بن خزيمة أتخاف على أهل الكوفة أن يكونوا قد جعلوها حسينية؟ نصر بن خزيمة: جعلني الله فداك أما أنا فوالله لأضربن بسيفي هذا معك حتى أموت. أدرك الإمام زيد أن القوم قد خانوه ونقضوا عهودهم .. لكن بصيص الأمل كان يدفعه إلى أن يحاول مع أولئك الذين حُصروا في المسجد. فقاد جيشه وأتجه نحو المسجد ولكن ما كان ذلك ليخفى على أهل الشام .. فقد وضع يوسف بن عمر أحد قواده وهو عبد الله بن العباس الكندي مع جمع كثيف من أهل الشام ليمنعوا زيداً من التقدم. وفي ثبات كانت تلك القلة المؤمنة يتقدمون بخطى ثابتة غايتهم وأملهم الشهادة في سبيل الله والوفاء بعهودهم. *** نظر الإمام إلى كثرة أهل الشام وقلة أصحابه فأدرك أنه قد حان الوقت لينظم الجيش حتى يتمكن من مواجهة تلك الجموع التي تزداد كثافة في كل لحظة .. فالمدد من الشام لا يكاد يتوقف فجعل على ميمنته معاوية بن إسحاق .. وعلى ميسرته نصر بن خزيمه .. وأعطى الراية رجلاً من بني سعد بن بكر يسمى عبد الصمد بن أبي مالك .. والتفت الإمام زيد (ع) إلى الرايات فإذا هي تخفق فوق رأسه .. فأشرق وجهه رغم شدة الموقف وخطورة الوضع وقال: الحمد لله الذي أكمل لي ديني .. والله إني كنت لأستحيي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أِردَ عليه الحوض غداً ولم آمر في أمته بمعروف ولم أنه عن منكر. ثم جرد حسامه وانطلق كأنه البرق الخاطف يفرق الجموع ويحصد رؤوس المتكبرين .. وسرى ذلك الحماس العلوي والثبات المحمدي في قلوب أصحابه فصاروا أشبه شيء بالأسود الكواسر .. فانكشف أهل الشام يميناً ويساراً كل يريد النجاة بنفسه. وتقدم الإمام وأصحابه حتى أحاطوا بالمسجد فجعلوا يدخلون الرايات من نوافذه بينما كان جنود الشام المتمركزة على سطح الجامع يقذفونهم بالحجارة .. وجعل نصر بن خزيمة ينادي أهل الكوفة: ((أخرجوا من الذل إلى العز وإلى الدين والدنيا)). فيئس الإمام من استجابة أهل الكوفة وعلم أن من عَجز عن التغلب على بعض الجنود عند باب الجامع جدير به أن يخفق عن مواجهة جحافل الجيش في أرض المعركة. واستمر القتال والمناوشات في معظم أزقة الكوفة .. وبدأ الإمام يقود أصحابه فلا يثبت أمامهم أحد .. وحاولوا الإقتراب من دار الرزق فإذا بيوسف بن عمر قد جمع لهم جحافل أهل الشام وأعدهم للقتال بقيادة الريان بن سلمة. وتقدم الإمام زيد (ع) مع أصحابه حتى اقتربوا منهم وصاروا في مواجهتهم .. فأقبل جنود الشام يرمونهم بالسهام ويجالدونهم بالسيوف .. ولكن العزيمة والإيمان كان أمضى وأشد .. فقد انطلقت تلك السيوف مع تلك العزائم المؤمنة تخترق الجموع وتمزق الصفوف وتخزي الظالمين. وما هي إلا لحظات حتى انكشف ذلك الجمع .. وقد صاروا بين قتيل وجريح وهارب يرجو النجاة لنفسه.. لم تكن تلك المواجهة مواجهة يحكمها العدد والعدة إنما يحكمها الإيمان والتقوى .. لذلك انتهت تلك المواجهة باستيلاء الإمام وأصحابه على دار الرزق.. في حين انسحب الريان وجموعه يجرون أذيال الهزيمة. (3) ما إن قاربت الشمس على المغيب حتى تراجع كل فريق إلى معسكره كل ينتظر الغد وما يحمله من المفاجآت .. وكلٌ كان يحاول أن يراجع حساباته ليحصل على نتائج اليوم الأول فقد عاد أهل الشام وهم في أسوأ حال. كان يوسف بن عمر الثقفي يراجع حساباته مع قواده .. فها هو يستدعي الريان بن مسلمة فدخل عليه وقد ساء حاله لما وقع له من الإمام وأصحابه .. فما كاد يقع نظره عليه حتى نظر إليه في ازدراء وسخرية قائلاً: - أف لك من صاحب خيل .. أتعجز عن زيد وصحبه وأنت في خيل أهل الشام؟! والتفت إلى الحارس قائلاً: أدع لي قائد الجند العباس بن سعد المزني. فلما دخل قائد الجند قال له يوسف: - اسمع يا عباس إذا كان الغد فتقدم أهل الشام وقاتل زيداً وأصحابه وحذارِ أن يكون يومك مع زيد كيوم هذا -وأشار إلى الريان-، ثم التفت إليه وقال له: - ولكني أريد أن أعرف منك يا ريان من أشد أصحاب زيد تفانياً في القتال والدفاع عنه. الريان: والله يا مولاي ما رأيت أحداً منهم إلا وهو أشد الناس حرصاً أن يقتل قبل الآخر فإنهم يتسابقون إلى الموت بين يديه. يوسف بن عمر: أسكت أيها الأحمق والله لو سمع الجنود كلامك لزرعت فيهم الهزيمة .. أقصد أيهم يعتمد عليه زيد وله كلمة في أصحاب زيد؟ الريان: أعتقد يا مولاي أنهما نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق. وفي صباح ذلك اليوم وهو الخميس التفت يوسف بن عمر إلى الجند فقال: أيكم يكفيني أمر نصر بن خزيمة؟ فقام رجل كان يسمى نائل بن فروة من بني عبس فقال: والله لأن ملأت عيني من نصر بن خزيمة ليقتلني أو أقتله. فأخرج له يوسف سيفاً لا يقع على شيء إلا قطعه .. وقال له: خذ هذا السيف. *** وفي نفس الليلة تراجع الإمام عليه السلام وأصحابه .. واستقر بهم المقام في دار الرزق فجعلوا يضمدون جروح المصابين ويترحمون على من فقدوه في ذلك اليوم من الأصحاب .. وتحول دار الرزق إلى مسجد لا يسمع منه إلا التهليل والتكبير وقراءة القرآن. كان الجميع يعدون أنفسهم للرحيل .. كل واحد منهم يحاول أن يجرد نفسه من أمتاع الدنيا ليقبل على الله بقلب سليم ويد بيضاء. وبعد يوم وليلة من الصراع والصولات والجولات والمناوشات التي فاحت منها رائحة الشهادة فزادتهم شوقاً إليها. وما كان منهم من أحد إلا وهو يتمنى أنه مكان شهيد من شهداء الأمس القريب. كان الإمام ينظر إلى أصحابه بعين الحب والإشفاق والتعظيم .. فقد ثبتوا وأبدوا من البطولة ما أذهل أعداءهم وأربك صفوفهم .. ولكن الإمام عليه السلام لاحظ أن معسكره ازداد .. فبالأمس كان عددهم لا يتجاوز الثلاثمائة رجل .. واليوم أصبحوا خمسمائة رجل .. فداخله شيء من الخوف .. فبشائر النصر التي أحرزها في اليوم الأول كانت نتيجة الإخلاص الذي كان يحمله أصحابه .. وخاف أن ذلك العدد الذي انضم إليه قد يكون من أولئك الطامعين في الدنيا. ووقف الإمام خطيباً في أصحابه فقال: الحمد لله الذي من علينا بالبصيرة وجعل لنا قلوباً عاقلة وأسماعاً واعية .. وقد أفلح من جعل الخير شعاره .. والحق دثاره .. وصلى الله على خير خلقه الذي جاء بالصدق من عند ربه وصدق به الصادق محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. وعلى الطاهرين من عترته وأسرته .. والمنتجبين من أهل بيته وأهل ولايته. أيها الناس العجل العجل .. قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل .. فوراءكم طالب لا يفوته هارب .. إلا هارب هرب منه إليه .. ففروا إلى الله بطاعته .. واستجيروا بثوابه من عقابه .. فقد أسمعكم وبصَّركم ودعاكم إليه وأنذركم .. وأنتم اليوم حجة على من بعدكم .. إن الله تعالى يقول: {لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[التوبة:122] .. {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}[الأنفال:21] .. {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا من بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[آل عمران:105]. عباد الله إنا ندعوكم إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله .. إن الله دمَّر قوماً اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله. عباد الله كأن الدنيا إذا انقطعت وتقضت لم تكن .. وكأن ما هو كائن قد نزل .. وكأن ما هو زائل عنا قد رحل .. فسارعوا في الخير .. واكتسبوا المعروف تكونوا من الله بسبيل. فإنه من سارع في الشر واكتسب المنكر فإنه ليس من الله في شيء. أنا اليوم أتكلم وتسمعون ولا تبصرون .. وغداً بين أظهركم جثة هامدة فتندمون .. ولكن الله ينصرني إذا ردني إليه .. وهو الحاكم بيننا وبين قومنا بالحق .. فمن سمع دعوتنا هذه الجامعة غير المفرقة العادلة غير الجائرة .. فأجاب دعوتنا وأناب إلى سبيلنا .. وجاهد بنفسه نفسه ومن يليه من أهل الباطل ودعائم النفاق فله ما لنا وعليه ما علينا .. ومن رد علينا دعوتنا وأبى إجابتنا واختار الدنيا الزائلة الآفلة على الآخرة الباقية .. فالله من أولئك بريء .. وهو يحكم بيننا وبينهم. إذا لقيتم القوم فادعوهم إلى أمركم .. فلئن يستجيب لكم رجل واحد خير لكم مما طلعت عليه الشمس من ذهب وفضة .. وعليكم بسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالبصرة والشام .. لا تتبعوا مدبراً.. ولا تجهزوا على جريح.. ولا تفتحوا باباً مغلقاً.. والله على ما أقول وكيل. عباد الله .. لا تقاتلوا عدوكم على الشك فتضلوا عن سبيل الله .. ولكن البصيرة ثم القتال .. فإن الله يجازي عن اليقين أفضل جزاء يجزي به على حق إنه من قتل نفساً يشك في ضلالتها كمن قتل نفساً بغير حق .. عباد الله .. البصيرة البصيرة. فقام أبو الجارود وقال: - يا ابن رسول الله فدتك نفسي أيبذل الرجل نفسه على غير بصيرة؟! الإمام: نعم يا أبا الجارود إن أكثر من ترى عَشِقت نفوسهم الدنيا .. فالطمع أرداهم إلا القليل الذين لا تخطر على قلوبهم الدنيا ولا لها يسعون فأولئك مني وأنا منهم. وبات الإمام مع أصحابه في تلك الليلة بين راكع، وساجد، وقارئ للقرآن، ومتجهز يتجهز للجهاد. |
رد: الإمام الأعظم زيد بن علي عليه السلام ــــــ الباب الثاني
الفصل الثالث ومع إطلالة نور الفجر الأول كان الإمام في محراب المناجاة وسطع صوت المؤذن: ((الله أكبر .. الله أكبر .. حي على الصلاة .. حي على خير العمل)).وتقدم الإمام ليصلي بالناس في خشوع لا مثيل له فالسكينة والطمأنينة كانت قد تمكنت من قلبه .. وما كانت ساحات الجهاد ورقاق السيوف لتشغله عن أداء فريضة الصلاة .. كان يؤمن أن النصر بيد الله .. ويرى أن النصر الأعظم هو الشهادة في سبيل الله. وبعد أن أتم صلاته وعلا صوت مؤذن الجهاد: حي على الجهاد .. حي على الجهاد. ودقت طبول الحرب وعلت أصوات المجاهدين بالتكبير وانتظمت الصفوف وقسم الناس إلى ميمنة وميسرة وقلب .. امتطى الليث صهوة جواده والنور يشع من بين عينيه وتقدم الصفوف ثم استدار نحو أصحابه فتعلقت الأنظار به .. وخمدت الأصوات .. وانسابت الكلمات من بين شفتيه فقال: الحمد لله مذعناً له بالإستكانة مقراً له بالوحدانية .. وأتوكل عليه توكل من لجأ إليه.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى والمرتضى الأمين على وحيه.. المأمون على خلقه .. المؤدي إليهم ما استرعاه من حقه حتى قبضه إليه صلى الله عليه وآله وسلم. أيها الناس أوصيكم بتقوى الله .. فإن الموصي بتقوى الله لم يدخر نصيحة ولم يقصر عن إبلاغ عظة .. فاتقوا الله في الأمر الذي لا يصل إلى الله تعالى إن أطعتموه .. ولا ينتقص من ملكه شيئاً إن عصيتموه .. ولا تستعينوا بنعمته على معصيته .. وأجملوا في طلب مباغي أموركم وتفكروا وانظروا. ثم تقدم الإمام الصفوف وانطلق بأصحابه نحو جموع أهل الشام وخفقت راية الحق والحرية تحملها تلك الثلة المؤمنة .. لترسم للأحرار والمؤمنين طريقهم .. وما هي إلا لحظات حتى ظهرت أمام العين تلك الجحافل الأموية الغاشمة يفوق عددها إثني عشر ألفاً. *** تهيأ الفريقان لخوض معركة فاصلة.. واستعد جيش الإمام لاختراق ذلك السيل البشري وكبح جماح كبريائه.. فانطلقوا بعزيمة المؤمن الذي لا يفرِّق بين النصر أو الشهادة .. فالكل يتمنى إحدى الحسنيين .. وتفاجأ القائد الأموي العباس بن سعد المزني من هذا الهجوم الجريء فلم يبق أمامه سوى الدفاع .. فأصدر أمره إلى جيشه بالنزول ورصهم صفوفاً متجاورة لا يكاد يستطيع المرء أن يلوي عنقه لشدة تقاربها .. ورفعوا الرماح والسيوف في وجوه المهاجمين .. والتحمت السيوف بالرماح فوق رؤوس البغاة لتشكل حاجزاً حديدياً لحمايتهم من ضربات المهاجمين. وأقبلت العزيمة والإيمان والتقوى لتكون وجهاً لوجه مع الحديد الصلب .. فامتلأ الكون ضجيجاً وصهيلاً للخيل .. وتطايرت الشرار لتكون أشبه بالبرق الخاطف في لمعانه. لقد كان المهاجمون قلة في العدد .. لكن كل واحد كان يمثل جيشاً وأمة لوحده .. وثبت الجيش الشامي أمام تلك الضربات بضع دقائق ولكن الصدق والإخلاص والعزيمة لدى المهاجمين كانت كفيلة بإحالة الفولاذ إلى رماد فلا شيء يقف أمام عزائم المؤمنين. فقد تجاوزت تلك السيوف الحاجز الحديدي .. ومزقت من تحتها من جنود الجور والبغي .. وبدأ الإمام يقاتل مع أصحابه .. هدفهم هو نصرة دين الله ورفع راية الحق وإزالة ذلك الجور والظلم الذي فرضه الأمويون وأذنابهم على جموع الأمة في كل الأقطار. وأخفق كل من أراد أن يتصدى لأولئك الثلة المؤمنة .. وأدرك القائد الأموي أن صراع السيوف والمبارزة لن يجدي مع أمثال هؤلاء .. لذا أمر الرماة أن يعدوا أنفسهم .. وبدأ سيل من السهام يتوجه نحو الإمام وأصحابه وكانت صدور القوم تتلقى السهام مقبلة غير مدبرة .. لا تبالي إن وقع في الصدر أو في الذراع .. أو مزق الهامة أو اخترق الثنايا .. المهم أن يكون الإمام في مأمن .. وأن يُقتلوا مقبلين غير مدبرين. *** حميت المعركة .. وكشفت الحرب عن ساقها .. وتفرقت الجموع .. وكثر القتلى .. وكان كل شيء ينادي بالحرية وبإعلاء شريعة الله وهدم عروش الظالمين .. وكان نصر بن خزيمة يقاتل جنباً إلى جنب مع الإمام فيصد عنه كل هجمة غادرة أو ضربة مباغتة .. لا يشغله عن ذلك شيء. وعلى بُعْد كان هنالك عين ترقبه لا تشارك في أحداث القتال .. كان ذلك الرقيب يحاول أن يقترب بحذر يتحرك بتحرك نَصْرَ ويسكن بسكونه .. تارة يقترب حتى يصير على بُعد خطوات .. وأخرى تراه يبتعد خوفاً أنْ يناله شيء من تلك الضربات التي يكيلها نصر مرة عن يمين الإمام ومرة عن شماله. وفجأة انشغل نصر بجموع المهاجمين .. فإذا بذلك الوغد المسمى نائل بن فروة يستل ذلك السيف المرهف والمتميز ليبتر رجله من فوق الركبة. التفت إليه نَصْر في غضب عارم جمَّد الدم في عروق نائل فشلت حركته .. وهوى عليه نصر بضربة أردته صريعاً .. علم نصر أنها الشهادة فالتفت إلى الإمام ونظر إليه نظرة مودع .. كان ألمه لمفارقة الإمام في مثل هذه اللحظة الحرجة يضاعف من آلام الجراح .. ولذلك وجه فرسه نحو عدوه والدماء تنزف من فخذه فجعل يضربهم بالسيف ضرب من يبغي الشهادة وتوالت عليه ضربات السيوف ووقْع السهام .. حتى خرَّ صريعاً بعد أن ضرب أروع الأمثلة في البذل والجهاد من أجل رد الحق لأهله ورفع الظلم عن أمته. *** انتصف النهار وساحة القتال ترجح كفة الإمام وأصحابه .. واستمر القتال وفي كل لحظة كان الجيش الأموي يزداد كثافة بسبب المدد الوافد من الشام ومن سائر البلدان وتضاعف عدد الرماة الذين بدأوا يقتلون أصحاب الإمام واحداً تلو الآخر .. فسقط قائد ميمنة جيش الإمام زيد -معاوية بن إسحاق- وتلاه عشرات القتلى في صفوف جيش الإمام .. وكان كل هذا يحدث .. ولكن ذلك الجهد الذي كان يقوم به الإمام وجماعة من أصحابه وأهل بيته كمحمد بن عبد الله وبعض إخوانه جعل الخصم لا يشعر بذلك التراجع فالإمام متواجد في جميع الأنحاء. وأدرك العجز بعض أفراد الجيش الأموي فأحال دفة الصراع المسلح إلى مناوشات كلامية كشَّر فيها الحقد الأموي عن أعماقه وسوء اعتقاده .. فانطلقت الكلمات لتنال الأعراض .. فهذا أحدهم يتقدم على فرس أبيض فينال من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رمز العزة والعفة والطهارة ليتهمها بأبشع الجرائم .. والإمام في الضفة الأخرى من النهر يسمع تلك الكلمات كانت أشد وأمضى من السهام ومن ضرب السيوف .. فقد سالت الدموع من عيني الإمام بغزارة حتى ابتلت لحيته .. فليس الإمام بالرجل الذي يمكن أن يسقط في المهاترات الكلامية فالإمام يدعو إلى المبارزة الشريفة قائلاً وبصوت يملأ الآفاق: - أما من أحد يغضب لفاطمة بنت رسول الله؟ أما من أحد يغضب لرسول الله؟ أما من أحد يغضب لله؟؟ فأجابه سعد بن خثيمة قائلاً: - بلى يا ابن رسول الله .. والله لئن يمكني الله منه لاختطفن روحه. وما هي إلا ساعات حتى تحول ذلك الشامي من على فرسه إلى بغلة .. فاستقر عليها واستمر يصب سيلاً من الشتائم على الإمام زيد .. وجدته فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين. جعل سعد بن خثيمة يراقب ذلك الشامي حتى ابتعد إلى ناحية من أصحابه .. فتناول سعد رداء من فوق أحد غلمانه واستتر به وقطع المسافة في هدوء .. وجعل يمضي باتجاه الرجل حتى استقر فوق رأسه وهوى بسيفه ففصل الرأس عن الجسد .. وبسرعة خاطفة ألقى الجسد الخبيث من فوق البغلة .. وقاد بزمامها وأقبل مسرعاً نحو أصحاب الإمام. تحرك الخيالة وانطلقوا لأخذ الثأر لصاحبهم .. ولكن خيل الإمام كانت أسرع فأحاطوا بسعد بن خثيمة ومنعوهم من الوصول إليه .. فأقبل الإمام نحوه مسرعاً وقبله بين عينيه وقال أدركت والله ثأرنا أدركت والله شرف الدنيا والآخرة. سعد: إليك يا سيدي سلب الشامي .. استعن بها على حرب القوم. الإمام: لا والله .. بل هي مني لك تنفيلاً. |
رد: الإمام الأعظم زيد بن علي عليه السلام ــــــ الباب الثاني
الفصل الرابع وفي اليوم الخامس والعشرين من شهر محرم سنة 121ه كانت الشمس توشك على الغروب .. فقد غاب شيء من توهجها .. وبدأت تجمع أشعتها. وبدأ يخفت نورها .. فبدأ الأفق شاحباً شديد الحمرة .. وانطلق سهم غادر من قوس متمكن ليخترق الأجواء .. في سرعة خاطفة مزق الأجواء .. وبعثر حبات الهواء. غاب في عمق الغبار المتصاعد وتجاوز كل من كان يحمي الإمام. لم ينحرف .. كان أسرع من أن يتراجع .. استقر وليته لم يستقر .. وجعل الجبين الطاهر الأغر له محلاً .. وأعلنت شمس السماء عن حلول وقت رحيلها .. وأعلن البدر في ساح الوغى حلول أفوله .. وترجل الإمام عن فرسه .. ووضع يده على جبينه .. والدم الطاهر ينزف من جبينه .. ليمثل عيناً جارية تُزَيِّن وجه الإمام بالحمرة ويختلط عرق الجبين بحمرة الدماء .. وتتخضب تلك اللحية العشماء بالدم الذي كثيراً ما التهب واحترق من الألم عند ذكر أحوال الأمة .. فمن أجل دعوته إلى كتاب الله استحل الجبناء سفك دمه .. من أجل دعوته لاحيا سنة رسول الله أهدروا دمه .. لكي لا يتركوا لمسكين حام يحميه أو مدافع يذود عنه .. شكل جيش الإمام حلقة حول الإمام حتى حجبوه عن أنظار العدو وبدءوا بالتراجع بشكل غير ملفت .. واستغل الجيش الأموي فرصة التراجع لجيش الإمام لكي يتمكن أفراده من إلتقاط أنفاسهم وجمع فلول جيشهم المبعثر فأغمدوا سيوفهم وبدءوا بالتراجع .. ولم يستشعر أحد من الجيش الأموي الكارثة التي حلت بأصحاب الإمام .. وظنوا إنما الأمر مجرد تراجع للمبيت .. فجعلوا يحصون قتلاهم وينظمون صفوفهم لخوض معركة الغد القريب. وهناك في معسكر الإمام كان الأصحاب يمرون بأحرج اللحظات .. فقد هرع أصحاب الإمام لإحضار طبيب .. ودخل الطبيب وكان اسمه سفيان وكان مولى لبني فراس .. والإمام ملقى في حجر محمد بن سلمة الخياط .. وإلى جواره ولده يحيى بن زيد، ومحمد بن عبد الله، وجمع من أصحابه .. وذلك في بيت حران بن أبي كريمه في سكة البريد .. وكان أنين الإمام يحكي عمق الآلاَم التي يقاسيها في تلك اللحظات .. ورغم هذا كان يدير نظره بين وجوه أصحابه في إشفاق .. ولم تتوقف شفتيه عن الحركة كان في حالة ذكر واستغفار. جلس الطبيب إلى جوار رأس الإمام .. وبدأ يمسح الدم من على جبينه .. ويركز على مكان خروج الدم .. ويمسحه مرة تلو الأخرى .. وظهرت ملامح الخوف على وجه الطبيب.. الإمام: ما الأمر أيها الطبيب هلا نزعت السهم؟ فالألم يزداد بشدة .. كانت تلك الكلمات تخرج من صوت خافت وضعيف. دمعت عينا الطبيب .. وانعقدت الكلمات على لسانه. فتدخل يحيى بن زيد قائلاً: - ما الأمر أيها الطبيب؟! حاول أن تفعل له شيئاً. الطبيب: يا بني ليس بين والدك والرحيل عن هذه الدار إلا نزع هذا السهم .. فالسهم قد بلغ الدماغ. شهق يحيى شهقة اهتز لها جسمه ودمعت عيناه .. وأكب على والده وقال: - ابشر يا أبتاه .. تُقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي، وفاطمة، وخديجة، والحسن، والحسين، وهم عنك راضون. فقال له الإمام زيد (ع) بصوت ضعيف خافت قد أجهده الألم وكثرة النزيف: - أجل يا بني ولكن أي شيء تريد أن تصنع؟ يحيى بن زيد: أقاتلهم والله ولو لم أجد إلا نفسي. زيد: افعل يا بني فإنك والله لعلى الحق .. وإنهم لعلى الباطل .. وإن قتلاك لفي الجنة .. وقتلاهم لفي النار.. ثم التفت إلى الطبيب وهو يرددالشهادتين وأشار إليه بنزع السهم .. وفاضت روحه الطاهرة لتودع عالم الدنيا .. وتستقر إلى جوار ربها .. وتجاور الأحبة في جنة الفردوس. وأظلت المكان سحابة كثيفة من الحزن الصامت .. وبدأت العيون تذرف الدموع بغزارة وصمت مطبق. مزق ذلك الصمت صوت الفتى المؤمن المبتلى في أبيه عندما قال: - الحمد لله الذي حقق مُناه .. فقد كانت الشهادة في سبيل الله غاية أمله ومناه .. فها هو يموت بسيوف فراعنة وجبابرة الظالمين .. فهنيئاً له ذلك .. ثم التفت إلى أصحابه مخاطباً لهم: - فما الرأْي الآن يا قوم .. أخاف أن ينتشر الخبر فيباغتونا .. فتؤخذ منا الجثة ويمثَّل بها .. فأين تريدون أن نواري جسده؟ اضطربت الآراء حول ما هو الأصوب .. فقال قوم نلبسه درعين .. ونلقيه في الماء .. وقال آخرون نلقيه بين القتلى. فقال لهم يحيى بن زيد: والله لا يأكل لحم أبي السباع. ثم استقر رأي الجميع على دفن الجثة في بستان في العباسية وإخفاء القبر حتى لا يعلم أحد موقعه .. فاجتمع من تبقى من خواص الإمام وأهل بيته وحملوا الجثة في وسط الظلام .. واتجهوا إلى ذلك البستان. وأوقفوا ساقية من الماء كانت تجري في وسطه وقاموا بتحويلها إلى مكان آخر وبدءوا الحفر في مكان تلك الساقية ثم دفن وأعيدت الساقية إلى مجراها من فوق القبر. كل ذلك كان يتم بمنتهى السرية إلا أن عيناً كتبت على نفسها الشقاء في الدنيا والآخرة كانت ترقب ذلك المشهد من بُعْد .. كان الغلام السندي- غلام أحد الخياطين- يتبع أثر القوم حتى اطّلع على كل شيء. |
رد: الإمام الأعظم زيد بن علي عليه السلام ــــــ الباب الثاني
الفصل الخامس وبعد يومين من القتال كان قد أدرك أفراد الجيش الأموي عظيم خسارتهم في اليوم الأول والثاني وكان الرعب قد خيم في القلوب فما إن دخل أحد القواد على يوسف بن عمر .. حتى صاح به يوسف: - أجيش قوامه الخمسمائة يْثُبت لجحافل الجيش الأموي المدرب؟ وكيف إذا كانوا مجرد عرباناً جلاف حفاة لا خبرة لهم بالحرب وفنونه؟! القائد: يا سيدي والله لو تأملت قتالهم وشدة صبرهم .. لجعلت الواحد منهم يعد بالمائة .. والله لولا الرماة كفونا شر المبارزة لأفنونا جميعاً. يوسف بن عمر: أسكت أيها الأحمق.. والله لو سمع الجيش وصفك ما ثبتوا لهم من الغد ساعة .. أخرج لا بارك الله فيك. *** وطلع الصباح والجيش الأموي في حالة من الذعر والفزع والضعف لما نالهم من أصحاب زيد .. ولكن الأوامر كانت تقضي بضرورة المواجهة والإستمرار إلى أن يحسم الأمر مع الإمام وأصحابه. وانتظروا مدة من الزمن فإذا الأخبار بمقتل الإمام زيد (ع) تطرق أسماعهم لتملأ قلوب المجرمين سروراً كما امتلأت قلوب المؤمنين حزناً وألماً. وإذا كان الأمويون لم يستطيعوا أن ينالوا من شخصية الإمام حياً بعد أن قارعهم في بداية حياته بالحجة والدليل .. وفي آخرها برؤوس القنا وحد السيوف.. فقد عبّروا عن دناءة النفوس وانعدام الفضيلة فيهم .. وسارعوا إلى الاعلان عن بذل المكافآت المغرية لكل من دل على الإمام وصاحبيه -نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري- وما هي إلى ساعات حتى أقبل ذلك الغلام على الحكم بن الصلت فأخبره عن موقع القبر. الحكم بن الصلت: من يذهب فيأتينا بجثته. صمت الجميع تهيباً لبشاعة الموقف وكأن على رؤوسهم الطير. الحكم: أما فيكم من يجرؤ عليه ميتاً؟ فكيف لو كان حياً إذاً لتركتم له العراق ووليتم فراراً؟ قم يا حجاج بن القاسم .. فأت به في الحال. وانطلق الحجاج بن القاسم في بعض أعوانه حتى أتوا على البستان فنبشوا القبر واستخرجوا الجثة .. وحملوها على ظهر بعير. وعلى باب القصر كان الجميع ينتظرون وصول جثة الإمام .. أوقف الجمل في وسط الجموع المحتشدة .. وبدلاً من إقعاد الجمل وإنزال الجثة أشار الحكم بن الصلت إلى بعض جنوده بفك وثاقها فهوت جثة الإمام إلى الأرض. وضع الجميع أيديهم على قبضات سيوفهم .. وكأن الإمام ترجل حياً لا ميتاً .. فرحم الله أبا الحسين أفزعهم حياً وميتاً .. وما هي إلا لحظات حتى فصل الرأس عن الجسد. وحمل الرأس الشريف إلى يوسف بن عمر .. فأمر من يطوف به في شوارع الكوفة .. وجعل الناس ينظرون إليه في إجلال واحترام .. فلكم طالت غيبة هذا الرأس وتخفيه .. ولكم إشتاق الناس إلى رؤيته. وتجرأت ألسن السفهاء فصاغت مكنون قلوب مريضة .. فأندلع سيل من الشتائم والسباب لتكون وسيلة لهم يتقربون بها من قلوب ولاتهم لينالوا بها لقمة عيش حقيرة. وسريعاً انتقل الرأس الشريف تحوطه أيدي السفهاء وعباد الدرهم والدينار بعناية شديدة ليجوب صحاري العراق والشام. *** ومع طلوع شمس أحد الأيام فتحت دمشق أبوابها ليدخل وفد تشيعه الطبول والأهازيج .. ويرتفع في وسط هذا الجمع ثلاثة من الرماح تحمل ثلاثة من الرؤوس .. ووقف الناس عن يمين وشمال الطريق ينظرون إلى هذا الوفد كل يسأل صاحبه: من أصحاب هذه الرؤوس؟ وخرج هشام من قصره يحوطه جنده .. وتشيعه حاشيته ويتبختر في مشيته .. وأقبل الوافدون عليه وقد أنزلوا الرؤوس ووضعوها بين يديه وتقدم متكلمهم قائلاً: - مولاي أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين هشام بن عبد الملك بن مروان .. مولاي يوسف بن عمر والي العراق يبلغك السلام ويقول لك طلباً لرضاك ووفاء لك قتلنا الفاسق بن الفاسق زيد بن علي .. وصاحبيه معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة .. ونصر بن خزيمة .. وها هي الرؤوس بين يديك. جعل هشام يمعن النظر في رأس زيد .. وهو لا يكاد يصدق أنه رأس ذلك الذي أقض مضجعه وعكّر صفوه بالأمس القريب .. وارتفعت أصوات الوزراء بالتهاني تبارك للخليفة نصره ويدعون له بطول البقاء ودوام الصحة. وتقدم الخطباء والشعراء يتبارون في ميادين البلاغة والفصاحة .. يبالغون في المدح والإطراء لهشام وبني مروان .. ولا يألون جهداً في الذم لزيد وآل البيت عليهم السلام. (2) أمر هشام أن يُرمى الرأس بين الدجاج .. وجعل هشام في كل يوم يخرج إلى الناس ويرفع الرأس على رمح .. ثم يجمع له الناس .. وبدأ الخطباء والشعراء في اختلاق النقائص لعلهم بذلك يحقرون من شأن صاحب ذلك الرأس .. ثم رُفع فوق باب دمشق مدة من الزمن. وبعد ذلك أمر هشام بالرأس فحُمل في موكب مهيب لبس أفراده أجمل ثياب الزينة وحملوا الطبول .. وأمرهم بالتوجه إلى المدينة. وعلت أصوات الطبول وامتلأت الأجواء ضجيجاً وخرج أهل المدينة يتلمّسون الخبر .. وعلى بُعْد ظَهر موكب عظيم عليه ملامح الزينة والسرور .. تلمع ثيابهم الفضفاضة وعمائمهم المذهبة. كان الجميع يتساءلون هل هو عرس أم ماذا؟! ولكن لم يجب أحد على هذا السؤال. وما إن اقترب الموكب حتى انفجر طفل صغير في السابعة من عمره في أوساط الجموع المحتشدة بالبكاء .. وجعل ينادي ويجري باحثاً عن أمه: - أماه .. أماه .. إنه رأس أبي .. وعلم جميع أهل المدينة أن صاحب ذلك الرأس هو الإمام زيد بن علي (ع) فضج أهل المدينة بالبكاء .. وارتفعت الأصوات في ديار بني هاشم بالعويل والنحيب .. ولم تبق عين إلا بكت .. وكان والي المدينة الجديد إبراهيم بن هشام المخزومي يريد أن يعبر لهشام عن شدة وفائه وولائه فاستقبل الوافدين وأخذ منهم الرؤوس وأمر جنوده أن ينصبوها إلى جوار قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .. فدخل عليه بعض وجهاء أهل المدينة يرجونه أن لا يفجع أطفال ونساء آل البيت النبوي بمثل هذا المنظر .. فأبى وأغلظ لهم في المقال وتوعدهم. ثم أمر مناديه أن ينادي في أهل المدينة برئت الذمة من رجل بلغ الحلم ولم يحضر إلى المسجد. وجعل يجتمع الناس لمدة سبعة أيام يستمعون إلى الخطباء والشعار وهم يبارون في سب آل البيت عليهم السلام.. *** وفي أحد الأيام قام رجل يدعى محمد بن صفوان الجمحي يريد التكلم .. فلم يأذن له إبراهيم بن هشام في الكلام وصاح في وجهه: - أقعد يا هذا.. فبقي ساعة جالساً في مكانه ثم قام مرة أخرىمن غير أن يدعى لذلك. فقال له إبراهيم بن هشام: - أقعد يا هذا. محمد بن صفوان: إن هذا مقام لا يُقْدر عليه كل ساعة. ثم التفت محمد بن صفوان إلى الناس وأخذ في الخطبة .. فذكر علياً عليه السلام وبالغ في سبه .. ثم تناول الحسين عليه السلام وزيد بن علي وأهل البيت وكل من كان يحبهم أو يواليهم .. ولما بالغ في السب توقف فجأة ووضع يده على رأسه وخر صريعاً. وفي فزع صاح رجل كان يجلس مقابل قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالتفت إليه عيسى بن سوادة وتلقاه بين يديه .. فإذا هو يرتعش لشدة الخوف .. فقال له عيسى: ما الأمر يا هذا؟! الرجل: والله لقد رأيت القبر ينشق ويخرج منه رجل عليه ثياب بيضاء فاستقبل المنبر وقال: كذبت لعنك الله. وانفض مجلس ذلك اليوم فجعل عيسى بن سوادة يتتبع أخبار محمد بن صفوان .. فأُخبر أنه أصيب بصداع في رأسه في تلك الساعة .. ولم تمض عليه تلك الليلة حتى فقد بصره. *** كانت النساء في خدورهن والرجال في محاريبهم ينتحبون ويبكون .. والضجيج والنحيب يعلو بيوت بني هاشم .. وهيَّج هذا المشهد أشجان القلوب .. فخيم الحزن عليها وأعاد إلى الأذهان ذكرى كربلاء. لكن الكبت والإضطهاد كان هو المشهد الطبيعي .. فالناس قد صاروا أشبه بحجارة صماء لا تنطق ولا تجرؤ أن تعبر عما يدور في أعماقها .. فالسجن والتعذيب والقتل أصبح شبحاً يطارد الأحرار ويلجم الألسن. ولما بالغ إبراهيم بن هشام في التشنيع على زيد بن علي .. وجعل يطوف برأسه بين شوارع المدينة أفصح الأحرار عن بعض مشاعرهم .. فهذا كثير بن كثير بن المطلب السهمي ينظر إلى رأس الإمام مرفوعاً على الرمح فيقول: نضّر الله وجهك .. وقتل الله قوماً قتلوك .. فأسرع الوشاة بهذا الخبر إلى إبراهيم بن هشام المخزومي فدعا كثير بن كثير .. وقال له هشام: - أومثلك يجرؤ على هذا القول .. خذوا هذا السفيه وارموه في السجن. وما كانت مثل هذه الكلمات والمواقف تجعل كثيراً يتراجع عن موقفه فما كاد يستقر في سجن هشام حتى كتب إليه شعراً يقول فيه:- إنَّ امرءاً كانت مساويه ... حب النبي لغير ذي ذنب كذا بني حسن فوالدهم ... من طاب في الأرحام والصلب ويرون ذنباً إنْ أحَبَّهم ... بل حبهم كفارة الذنب فكتب إبراهيم بن هشام المخزومي إلى هشام بن عبد الملك في الشام يبلغه موقف كثير .. فكتب إليه أن أقمه على منبر المدينة وأجعله يلعن علياً وزيداً .. فإن لم يفعل فاضربه مائة سوط على ظهره. فأخرج كثير من سجنه .. وجُمع الناس .. ووقف كثير على المنبر .. والأمير وجنوده من حوله يهددونه ويتوعدونه إن لم يسب علياً وزيداً عليهما السلام .. فانتصب قائماً وأنشأ يقول:- لعن الله من يسب علياً ... وبنيه من سَوْقةٍ وإمام تأمن الطير والحمام ولا يأ ... من آل النبي عند المقام طبت بيتاً وطاب أهلك أهلاً ... أهل بيت النبي والإسلام مرحباً بالمطيبين من النا ... س أهل الإحلال والإحرام رحمة الله والسلام عليكم ... كلما قام قائم بسلام (3) وهناك في العراق وفي منطقة الكُنّاسة في مكان في أطراف الكوفة .. كانت قد نصبت الأخشاب وأستعد جزارو البشر لتعليق فرائسها لهذا العام .. ليكملوا بذلك المشهد اللاإنساني فيرسموه في أشنع صورة عرفها تاريخ البشرية. فبإسم الدين يقتل قرناء الكتاب .. وباسم الدين تسلخ أجساد العباد .. وباسم الدين يفرق بين رؤوس المؤمنين وأجسادهم .. أعز الله دينه أن يكون في أحكامه ما يدل على جواز قتل المؤمنين. وصُلب جسد الإمام زيد عليه السلام .. وعن يمينه وشماله نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق عارية أجسادهم .. مكشوفة عوراتهم. فأبت عناية الله إلا أن تعلن للخلائق عظيم فضلهم وعلو مقامهم .. فما كادت تطلع شمس اليوم الثاني من صلبهم إلا وقد نسجت العنكبوت على عورة الإمام فوارتها عن أنظار الخلائق .. فاستيقظ حراس الجثث ليروا هذا المشهد .. فامتدت يد أثيمة لتمزق تلك الخيوط لتظهر عورة الإمام من جديد .. وتكرر هذا المشهد مراراً .. وفي كل مرة كان الحرس يبادرون في إبعاد تلك الخيوط. ولكن ما أذهل الحراس أن لحم البطن بدأ يتدلى حتى غطى العورة؟ وفي أحد الأيام أقبل رجلان من بني ضبة فجعلا يمشيان في تبختر وأنظارهم معلقة بالجثة .. فرفع أحدهم يده وضرب بها على الخشبة. ثم تلا قول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ من خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا من الأَرْضِ}[المائدة:33]. فأراد أن ينحي يده وصاح في فزع فالتفت إليه صاحبه فإذا يده قد انتثرت بالآكلة .. فولى المصاب فزعاً وجعل يصيح حتى وقع شقه وخرَّ صريعاً. وجعلت في كل ليلة تنبعث رائحة طيبة لا يدري الناس مصدرها. *** وفي أحد الأيام بعد ما بدأت القوافل تعود من موسم الحج مرَّ شبيب بن غرقد مع جماعة من أصحابه حتى بلغوا مكان خشبة زيد .. فإذا بنور ينبعث ورائحة تفوح كرائحة المسك فالتفت شبيب إلى أصحابه فقال: - أهكذا تكون رائحة المصلوبين؟ فسمعوا هاتفاً يهتف: (هكذا تكون رائحة أولاد النبيين الذين يقضون بالحق وبه يعدلون). وبقي ذلك الجسد الطاهر مصلوباً بالكناسة نحو أربع سنين حتى ذاع صيت كراماته .. في الوقت الذي كان هشام لعنه الله قد هلك وتولى بعده الوليد بن يزيد .. وبدأت ثورة الإمام يحيى بن زيد عليهما السلام بخرسان .. فكتب الوليد إلى يوسف بن عمر: ((أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فانظر عِجْل العراق فأحرقه وانسفه في اليم نسفا .. والسلام)) .. فأمر يوسف بن عمر رجلاً يقال له خراش بن حوشب بإنزال جثة زيد بن علي فقام بإنزال الجثة ثم أحرقها حتى صارت رماداً، ثم نسفت في مياه نهر الفرات. وأنشد الزمان على لسان الصاحب بن عباد: قام الإمام بحق الله تنهضه ... محبة الدين إن الدين مرموق يدعو إلى ما دعا آباؤه زمناً ... إليه وهو بعين الله مرموق ابن النبي نعم وأبن الوصي نعم ... وأبن الشهيد نعم والقول تحقيق لم يشفهم قتله حتى تعاوره ... قتل وصلب وإحراق وتغريق ـ |
رد: الإمام الأعظم زيد بن علي عليه السلام ــــــ الباب الثاني
وبهذا إخواني الكرام ننتهي من قصة الإمام زيد بن علي سلام الله عليه
ونلتقي بإذن الله مع قصة بطل و إمام آخر من أئمة أهل البيت عليهم السلام |
رد: الإمام الأعظم زيد بن علي عليه السلام ــــــ الباب الثاني
مشكور يا ابو حيدر على مجهودك الرائع ...
|
رد: الإمام الأعظم زيد بن علي عليه السلام ــــــ الباب الثاني
جزاك الله خير ياابو حيدر على مجهودك الرائع في المنتدى بشكل عام وفي هذا الموضوع بشكل خاص
قصة فيها انواع كثيرة من العبر والعظات وتخلد في الاذهان شجاعة اامة اهل البيت وصبرهم وغيرتهم على الدين وتحكي واقعهم مع اعداء الدين وكيف كانوا يبذلون انفسهم من أجل اقامة شرائع الدين سلام الله عليهم... |
رد: الإمام الأعظم زيد بن علي عليه السلام ــــــ الباب الثاني
جزاك الله خيراً ... أسلوب شيق وحزن خانق .... رضي الله عن زيد وأصحابه ولعن أعداءه
|
رد: الإمام الأعظم زيد بن علي عليه السلام ــــــ الباب الثاني
رثاء أبي الحسين الإمام الشهيد زيد بن علي عليه السلام
الحب يَظـهَرُ فَوقَ وَجـه تـائه ** والقلب لا يقـوى على إخفـائه هيهات أن يقوى على كتم الهوى ** قلب ويخفيـه علــى ندمـائه قد كنت أهوى من هواها حل في ** أصل الفـؤاد وصـار في سودائه واليوم حولت الهوى و هويت من ** صلبوه و ابتسموا لسكب دمـائه من حبـه في مهجــتي متجذر ** وودت لو قد كنت من أعضـائه من عاش يأبى الظلم يرفض بطشه ** ورث الإباء في الحـق عن آبـائه السيف مـن ألقـابه والعدل من ** أحسـابه والفضـل من أسمـائه والجـود من أنسـابه والعلم من ** أترابـه والبحـر فائـض مـائه يا سـائلـي عن اسمه إسمع فـذا ** من تقصـر العليـاء عن عليائه مـا قـام من بعد الحسين نَظِيره ** من نسـله حقـاً ومـن أبنـائه هو زيد من زاد الشهـادة مفخراً ** وسمـا على الأقران فوق سمـائه واليتـه ولعنت مـن قد شاركوا ** في قتـله وبرئت مـن أعـدائه ويل الذين تقدمــوا لقتـاله ** هل جهلهم عـذر بيوم لقـائه هيهات مـا جهلـوا به وبأصله ** فالـكل يعـرف برأه مـن دائه قد كان مثل الشمس يسطع فيهم ** ما الشمس ؟ حين نقيسها ببهائه ما ضر لـو أن البغـاة تريثـوا ** عن قتله و السعـي في إقصـائه ورضوا وأرضـوا ربهم بـوداده ** فرضـاء ربي كان في إرضــائه قد كان ينوي بتر عضـو فاسد ** قد حل في جسد الشعوب بدائه لكنهـم آه لهم و لجهـلهـم ** رفضـوا تفهـم دائـه و دوائه صدوه عن صد الطغاة وحربهم ** ورضوا بوغد ٍ عـاث في أرجائه لم أنسه وهو الذي قد قـال في ** صوت يضج الكون من أصدائه لو لم يكن لي ناصـراً إلاك يـا ** يحيى ويعنـي البكر من أبنـائه لأُحَارِبَنَّ القـوم إن القـوم قد ** نبذوا الكتاب وتاجروا بسوائه ويود لو يده الشريفة لامست ** نجم الثـريـا أو إلى جـوزائه يهوى بأن يهوي ويُسحق جسمه ** ويبـارك الرحمـن في أشـلائه ويكون في هذا صلاح للـورى ** وكذلك التخفيف عن بؤسائه مـا كان يبخل بالفداء وحسبه ** أن الفداء يهـون عنـد فدائه لكنَّ أعتى طغمـةٍ في عصـره ** رفضتـه وانحـازت إلى أعدائه قـادوا إليه الخيـل ترفل بالقنا ** رفعوا لـواء البغي فـوق لوائه وسعى شقيهمُ ليغـرس سهمـه ** بجبينـه الوضَّـاء رغم ضيائه هم يعلمـون بأن نـورك ساطعٌ ** فتدافعـوا سفهاً إلـى إطفـائه وتعفر الوجـه الشريف بتـربةٍ ** شرفت وطابت عند مس ردائه ورجـاله الأبطال قد حفـروا له ** قبراً وقد حرصـوا على إخفائه لكـن ذا حقدٍ سعـى بوشـايةٍ ** ليدل طاغـوتاً لنبش ثـرائـه صلبـوه عـرياناً ولم يتورعـوا ** يا ويحهم هل ذاك بعض جـزائه وروائح المسـك الندي توزعت ** زفت إلى السـارين طيب شذائه الريح ثارت والعواصـف زمجرت ** والعنكبوت حمته مـن غـوغائه نسجت خيوطاً حول عـورته ولم ** تسمح لهـم أن يعبثـوا بحيـائه ومضت سنـون أربع وإمـامنـا ** فـوق العمـود يُرى بِغير كسائه وهناك وجَّه وغدهـم وزعيمهـم ** أمـراً فلبـى عبـده لنـدائه أن ينزلوا الجسد الشريف ويضرموا ** رغم النبي النـار في أحشـائه بعد الحـريق يذر أصل رمـاده ** بين الفـرات كأنه مـن مائه أكذا يكـون جـزاءه في نصحـه ** أن تشعلـوا النيران في أجزائه أكذا يُجـازَى المصطفى فـي إبنـه ** يا أمـةً تاهت ! و لست بتائه سـأضل أمقتكـم وأمقت فعلكـم ** لأكـون عند لقـائه بـإزائه وعسـى أراه مع النـبي خصيمكـم ** وأراكمُ تهـوون تحت حـذائه خـذهـا أمـير المـؤمـنين هـدية ** مـن معجب بك هام في أهوائه فاقبلـه واقبـل عـذره فـي وصفـه ** مـن ذا يفي لإمامـه بـأدائه صلـى وسلم مــا تعـاقب ربنـا ** أصباح هذا الدهر عـن إمسائه تغشـاك يـا زيد بن زين زمــانـه ** مـا ردد الشحرور عذب غنائه بعد النبـي وصنـوه وابنيـه وابــ ** ــنته الأولى قد جللـوا بكسـائه |
| الساعة الآن 02:02 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Trans
ضاوي الغنامي تواصل::dawi ® طيور الامل © 1,0
new notificatio by 9adq_ala7sas
Developed By Marco Mamdouh
e3laN by kashkol