قصة استشهاد الإمام الحسين بن علي الفخي (ع)(2)
الباب الثاني
لفصل الأول وفي شهر المحرم سنة 169 هجرية مات المهدي العباسي واستلم الملك بعده ولده موسى وتلقب بالهادي. وكان موسى أشد الخلفاء العباسيين قسوة وشراسة، ورث الحقد والكراهية لأهل البيت (ع) فكان أشبه الناس بجده أبي جعفر المنصور، فكان أول ما فعله أن ولى على المدينة إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس. فأرسل إسحاق إلى رجل يسمى عمر بن عبد العزيز ويلقب بالعُمَرِيْ من ذرية عمر بن الخطاب بأن يصلي بالناس ويتولى أمر الأمارة إلى قدومه. وكان العُمَرِيْ من أشد الناس بغضاً لأهل البيت، فقد سئم من ثناء الناس عليهم ومن مكانتهم في قلوب الناس، فلما سنحت له الفرصة أضمر في نفسه أن يستذلهم. فأرسل إلى رجل يعرف بأبي بكر بن عيسى الحائك، فلما دخل عليه قال له: - اسمع يا أبا بكر لقد سئمت من هؤلاء القوم، فعلى أي شيء يحبهم الناس؟ .. ولأي شيء يرون لأنفسهم في الناس مكانه؟ .. فلا مال ولا سلطان لهم!! أبو بكر: من تقصد يا مولاي؟ العمري: أقصد آل أبي طالب. فوافق هذا الكلام هوى عند هذا الحائك فقال للعمري: فماذا ترى؟ فالأمر أمرك ولا سلطان أعلى من سلطانك في المدينة، فاصنع بهم ما شئت، فلن يقدر أحد على منعك يا مولاي. العمري: نعم .. نعم، -وترددت في المجلس أصداء ضحكاته- ثم قال: إذاً فاسمع يا أبا بكر.. أريد أن تجمع لي آل أبي طالب وتأخذ صغيرهم بكفالة كبيرهم، وأخبرهم أني قد أمرتك أن تستعرضهم في المقصورة صباحاً ومساءً ومن غاب منهم أخذ كفيله به. وبصوت تجلت فيه أبعاد هذا الحقد الدفين ختم كلامه قائلاً: لابد أن أمتهن كرامتهم وأعرِّف الناس حقارة مقامهم حتى يعرف الناس من نحن؟ ومن هم؟ خرج أبو بكر بن عيسى الحائك وأقبل ينفذ المهمة، فجمع بني هاشم من صلب علي (ع) وأخبرهم بالأمر، فضاقوا به ذرعاً وعلموا أن العمري يضمر لهم شراً، وأنهم إن خالفوه قتل منهم كل خارج عن أمره. ولم تكن مأساة الأمس بالبعيدة، فلا زال القلب الجريح ينزف دماً. ولم تمض على المأساة سوى أربعة عشر سنة بل أقل من ذلك. فلم يجدوا أمامهم إلا التسليم والخضوع للأمر الواقع، فجعلوا في كل صباح يقبلون على مقصورة الوالي، فيُسْتَعْرَضُونَ كما يستعرض الرقيق والنظرات الحاقدة والضحكات الساخرة تحيط بهم من كل جانب *** ولم يكن العُمَريْ وابن الحائك يتركان وسيلة لإهانة أهل البيت عند كل استعراض إلا وأحدثوها، مما جعل الحسين بن علي يفكر مراراً في مخرج من هذا المأزق الحرج. فأهل البيت في المدينة أشد الناس ضعفاً وشيعتهم في الأمصار لا يكادون يظهرون أنفسهم خوفاً من السلطة العباسية. فلم ير الحسين من حل إلا أن يراسل العلماء والصلحاء ممن يعلم صدق ولائهم وحرصهم على تَغْيير الوضع الفاسد، فما كان يجري في المدينة مع أهل البيت كان يمثل نموذجاً مصغراً لما يجري في سائر البلدان. فحقارة الكثير من الولاة جعلهم يغمطون كل ذي فضل فضله حتى لا تظهر للناس حقيقتهم عند المقارنة. *** ومضت الأيام والشهور والحال يزداد سوءاً والتذمر يزداد في الأوساط، والعمري يحيك المؤامرة تلو المؤامرة لينال من ذلك الشرف الرفيع والمقام العالي. ولكن صبر أهل البيت وتحملهم لم يزدهم في الناس إلا رفعة وشرفاً، وأبت القلوب أن تحتقر من أعزه الله، فإن العزة لله جميعاً {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}. لقد ظن العمري أن إسقاط فتيان بني هاشم في الرذيلة هو الطريق لإسقاطهم عند الله وعند خلقه، فجعل يوعز للسفهاء الإقتراب منهم وجرهم للرذيلة، ولكن جهوده باءت بالفشل، فورع الآباء قد ورثه الأبناء. فلم يجد من طريق إلا أن يرميهم بذلك ويحاول إلصاق التهم بهم، فأوعز إلى بعض جنوده بذلك. العمري: اسمع يا هذا اذهب واقبض على الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، وابن جندب الهذيلي (الشاعر) وعبد الله بن سلام مولى آل عمر بن الخطاب، وأشع في الناس أنهم كانوا مجتمعين على الخمر. أبو بكر الحائك: ولماذا عبد الله بن سلام وهو مولى لآل عمر، أليس في ذلك من شيء يلحقك؟ العمري: اسكت يا أحمق، فإنا إذا أخذنا عبد الله معهم لم يشك أحد في الأمر، ومهما بلغ فلن يلحق آل عمر عاره، فما هو إلا مجرد مولى. وبالفعل لم تشرق شمس اليوم الثاني إلا وقد شاع الخبر في المدينة وعلمه الجميع. لم يُمكن العمري آل البيت من الدفاع عن الحسن بن محمد، فقد أمر السجان بإخراجهم للجلد. فأمر الجلاد بضرب الحسن بن محمد ثمانين سوطاً، وضرب ابن جندب خمسة عشر سوطاً، وضرب مولى آل عمر سبعة أسواط فقط. فشاع هذا الأمر في المدينة فافتضح أمر العمري وعلم الناس أنه ما أراد إلا لينال من الحسن بن محمد ليسيء إلى أهل البيت. ولم يقف العمري عند هذا الحد ولكنه تمادى في الأمر والتفت إلى أحد جنوده قائلاً: - عليّ بالحمير فوالله لأفضحنهم حتى لا يبقى أحد إلا ويعلم بخبرهم فحملوهم على الحمير مكشوفي الظهور. وطار هذا الخبر ليطرق مسامع بني هاشم، وعلمت بذلك تلك المرأة التي رفعت الراية السوداء في أيام محمد بن عبد الله النفس الزكية وكانت سبب انتصار الجيش العباسي، فتحركت فيها النخوة الهاشمية فأرسلت إليه. فلما جاءها قالت له: اسمع يا هذا، لا ولا كرامه، لا تشهر بأحد من بني هاشم وتشنع عليه وأنت له ظالم، فكف عن ذلك وخل سبيلهم. فلم يجد العمري أمامه إلا أن يمتثل للأمر ويخلي سبيلهم وهو ذليل صاغر. |
رد: قصة استشهاد الإمام الحسين بن علي الفخي (ع)(2)
الفصل الثاني
جعل الحسين بن علي لا يألو جهداً في التواصل مع الشيعة في سائر الأقطار الإسلامية وجعل يواعدهم اللقاء في موسم الحج لعام 169هـ. ولكن العمري كان يصب غضبه على أهل البيت، ويبتكر الحيلة تلو الحيلة ليتمكن من النيل منهم، فقد جعل العمري يأمرْ من يتعرض للحسن بن محمد ويرميه ببعض ما يثيره حتى يجد طريقاً إلى حبسه والنيل منه، فهو لم ينس الإهانة التي تجرع مرارتها بسببه. واستطاع بعضهم أن يثير الحسن بن محمد فضربه الحسن فشج رأسه، فأسرع الرجل إلى الوالي وأخبره الخبر فأرسل العمري في طلب الحسن. وبينما هو في مجلسه أتاه بعض جواسيسه. الرجل: يا مولاي .. يا مولاي. العمري: ما وراءك يا رجل؟ ما الذي حدث؟ الرجل: لقد حضر إلى الحسين بن علي ما يزيد عن سبعين رجلاً من الشيعة في دار ابن فليح. العمري -وهو يكاد أن يتميز غيضاً وغضباً: عليّ بالحسين بن علي، ويحيى بن عبد الله، فهم الكفلاء والضمناء على الحسن بن محمد. ثم التفت إلى أبي بكر الحائك وقال له: أغلظ لهم في العرض، لا تمكنهم من اللقاء بشيعتهم. فأسرع ابن الحائك فجمعهم في المقصورة وجعل يسخر منهم ويطيل في استجوابهم. فلم يُمكِّن أحداً منهم من الخروج إلا قبيل الظهر وكان اليوم يوم جمعة. ولم ينته من آخرهم إلا وقد حضر الناس للصلاة حتى لم يتمكنوا إلا من الوضوء. فلما خرج الناس من صلاة الجمعة أراد أهل البيت الإنصراف فجمعهم ابن الحائك في المقصورة إلى صلاة العصر، ثم عرضهم فجعل يسأل عن الحسن بن محمد ويدعو باسمه، فلم يحضر. فالتفت إلى الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله قائلاً: - لتأتياني به أو لأحبسنكما فإن له ثلاثة أيام لم يحضر العرض، فقد غاب أو خرج. يحيى: نحن كفيلان عليه فلا حاجة إلى حضوره أم تريد أن تأخذه إلى العمري؟ ابن الحائك: لئن لم تأتياني به فستريان ماذا سأفعل. يحيى: وما عساك أن تفعل ثكلتك أمك؟ فخرج ابن الحائك مغضباً ودخل على العمري وشكا إليه أمر الحسين ويحيى بن عبد الله. العمري: لقد كثر تطاولهما .. عليّ بهما اللحظة. وما هي إلا لحظات حتى أقبل العساكر بالحسين بن علي قد أُخذ بتلابيبه يجرونه جراً .. يتعمدون بذلك إهانته وإسقاطه من عيون شيعته. فلم يكد يصل إلى دار مروان التي كانت داراً للإمارة إلا وقد لحقه يحيى بن عبد الله بن الحسن. العمري: أتخرجان عن طاعتي وتهزءآن بي؟ أمثلك يا يحيى قد صار يسب ويشتم من وليته أمركم؟ التفت يحيى إلى الحسين وأخذ يضحك ثم قال: أنت مغضب يا أبا حفص!! العمري: أتهزأ بي وتخاطبني بكنيتي؟ يحيى: قد كان أبو بكر وعمر خير منك.. يخاطبان بالكنى فلا ينكران ذلك.. وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية. العمري: آخر قولك شر من أوله. يحيى: معاذ الله .. يأبى الله لي ذلك ومن أنا منه؟ العمري: فإنما أدخلتك لتفاخرني وتؤذيني؟! التفت يحيى بن عبد الله إلى العمري في غضب وشدة قائلاً: فما تريد منا؟ العمري: أريد أن تأتياني بالحسن بن محمد. يحيى: لا نقدر عليه وهو في بعض ما يكون فيه الناس، فابعث إلى آل عمر فاجمعهم كما تجمعنا، ثم أعرضهم رجلاً رجلاً فإن لم تجد فيهم من قد غاب أكثر من غيبة الحسن عنك فقد أنصفتنا. فأعرض العمري عن يحيى بن عبد الله والتفت إلى الحسين الذي كان صامتاً وإلى من بجواره من الحاشية ثم قال: - اسمع يا حسين .. اشهدوا يا هؤلاء .. أن امرأته طالق وكل مملوك له حر، إن لم يأتني به غداً قبل الزوال، ويدخله إلى دار مروان .. فإن لم يجدني أشْهَدَ على موافاته به، وإن لم يفعل ضربته ألف سوط عاش معها أم مات ولأضربن عليه سويقه وآتي بنسائه قسراً حتى أولجهن الحبس. فلما سمع يحيى بن عبد الله هذه الكلمات الساخرة والحكم الجائر، وثب من مكانه وهو يكاد أن يتميز غيظاً، وقال للعمري: - أنا أعطي لله عهداً وكل مملوك لي حر إن ذقت الليلة نوماً حتى آتيك بالحسن بن محمد أو لا أجده فأضرب عليك بابك حتى تعلم أني قد جئتك.. ثم أخذ يحيى بيد الحسين وخرجا مغضبين. فلما صارا إلى مكان آمن من الجواسيس والعيون، التفت الحسين إلى يحيى قائلاً: - بئس لعمر الله ما صنعت حين تحلف لتأتينه به، وأين تجد حسناً؟ يحيى: لم أرد أن آتيه بالحسن والله، وإلا فأنا نفيٌ من رسول الله ومن علي، بل أردت أن لا أدخل عيني نوم حتى أضرب عليه بابه ومعي السيف إن قدرت عليه قتلته. الحسين: بئسما تصنع تفسد علينا أمرنا. يحيى: كيف ذلك وما بيننا وبين الموسم الذي واعدت عليه الناس إلا عشرة أيام، وتسير إلى مكة، وهؤلاء بعض أنصارك قد وصلوا إليك؟ فكم قد بايعك من الناس؟ الحسين: ثلاثون ألفاً من خيار الناس وأئمة العلم والعبادة. وفي تلك اللحظة نادى الحسين بن علي أحد غلمانه وقال له: - اذهب وقل للحسن بن محمد فليأتني. فلما دخل الحسن عليهما أقبل على عمه يحيى وعلى الحسين وجثا يقبل أيديهما. فتكلم الحسين فقال: يا ابن أخي قد بلغكما ما كان بيني وبين هذا الفاسق، فامض حيث أحببت. الحسن: لا والله يا عم، بل أجيء معك الساعة حتى اضع يدي في يده. يحيى: ما كان الله ليطّلع عليّ وأنا جاءٍ إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خصمي وحجيجي في دمك، ولكن أفديك بنفسي لعل الله أن يقيني من النار. |
رد: قصة استشهاد الإمام الحسين بن علي الفخي (ع)(2)
أحسن الله إليك وأثابك
وحشرنا في زمرة الرسول وآله صلوات الله وسلامه عليهم |
رد: قصة استشهاد الإمام الحسين بن علي الفخي (ع)(2)
الفصل الثالث
وبالفعل إضطر الحسين بن علي بن الحسن المثلث ... إلى إعلان ثورته قبل موعدها بعشرة أيام فالضغوط صباحاً ومساءً، والظلم النازل بالناس وفضلاء أهل البيت على وجه الخصوص جعل الحسين يعلن ثورته قبل موعدها. وبدأ الحسين في الإعداد للأمر، فأرسل إلى بني هاشم من نسل علي الموجودين في المدينة. فبث إليهم الأمر وطلب منهم جمع أمرهم على إمام يبايعونه فالتفت إلى يحيى بن عبد الله وقال له: أمدد يدك أبايعك يا خال فأنت أحقنا بهذا الأمر وأقدرنا عليه. يحيى: أنت أحق بالبيعة مني، لأنك الممتحن به دوني وأنا لك عون حتى يقضي الله من أمرنا ما هو قاض. فأقبل بنو هاشم من ولد علي يبايعون الحسين بن علي رجلاً رجلاً فبايعه وأخواله أولاد عبد الله بن الحسن يحيى وإدريس وسليمان، وعلي بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي، وأسد بني هاشم وكان أشجع أهل زمانه المسمى بالأفطس عبد الله بن الحسن بن علي بن علي بن الحسن بن علي، وأقبل فتيان بني عبد المطلب حتى بلغوا ستة وعشرين رجلاً، ومن مواليهم خمسة وعشرين رجلاً، ثم أقبل لمبايعة الحسين جماعة من العباد والعلماء والفقهاء ممن ضاقوا بحكم الظالمين ذرعاً. فافتقد الحسين أثناء البيعة إثنين من وجهاء أهل البيت. الحسين: أين موسى بن جعفر بن محمد ؟. وأين الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن ؟. لا يذهب أحد من هذا المكان حتى يأتياني ونسمع رأيهما. ولم يمر وقت طويل حتى أقبل موسى بن جعفر، والحسن بن جعفر بن جعفر بن الحسن .. فدخل موسى فانكب على الحسين يقبله، ثم رفعه رأسه.. موسى: أنا ثقيل الظهر، فلو خرجت معك لم يتركوا من ولداني أحداً إلا قتلوه، فاجعلني في حل من تخلفي عنك. جعل الحسين: يفكر قليلاً، ثم قال: أنت في حل يا عماه. موسى: فأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، فيا بني عمي أجهدوا أنفسكم في قتالهم، وأنا شريككم في دمائهم، فإن القوم فساق يسرون كفراً ويظهرون إيماناً. أما الحسن بن جعفر بن الحسن فقد أبدى كراهته للخروج، فلم يرغمه الحسين على ذلك وبات أهل البيت (ع) تلك الليلة يحلمون بغد مشرق تتحرر به الأمة من هيمنة الطغاة وتسلطهم. *** وقبيل الفجر دخلوا المسجد وصعد عبد الله بن الحسن الأفطس إلى المؤذن وهو في الشهادتين فقال له: أذن ((بحي على خير العمل)) فأبى عليه فجرد سيفه فرفع المؤذن صوته بحي على خير العمل. وكان العمري في دار الأمارة، فلما سمع المؤذن يؤذن بحي على خير العمل أحس بالخطر فارتعدت فرائصه، وجعل ينادي في جنوده وغلمانه: أطعموني حبتي ماء وأردفوا البغلة الباب. ثم هرب متخفياً إلى دار عمر بن الخطاب .. وخرج من الزقاق المسمى بزقاق عاصم ومضى يهرب على وجهه ويسعى حتى نجا بنفسه ولم يلحق به أحد. ثم تقدم يحيى بن عبد الله فأقام الصلاة وتقدم الحسين وصلى بالناس، ثم صعد يحيى بن عبد الله على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: هذا الحسن بن محمد قد جئت به فهاتوا العمري فقد برأت يميني وخرجت مما علي .. ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله، ثم قال: أنا ابن رسول الله على منبر رسول الله أدعوكم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أيها الناس أتطلبون آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحجر والمدر والعود وتتمسحون بذلك وتضيعون بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ من أراد أن يدخل في هذه البيعة ويبايعنا على جهاد عدو الله وعدونا فإني أبايعكم على كتاب الله وسنة نبيه، والعدل في الرعية والقسمة بالسوية.. نحل ما أحل القرآن والسنة العادلة.. ونحرم ما حرم القرآن والسنة العادلة .. على ذلك دعوتنا بجهدنا وطاقتنا.. وتتسلحوا معنا.. وتجاهدوا عدونا.. فإن وفينا لكم وفيتم لنا.. وإن خالفنا فلا طاعة لنا عليكم.. اللهم اشهد لنا به. وجعل العمري يسير ويهرول حتى وصل إلى الصوافي حافي القدمين مصفر اللون مذهولاً لشدة الخوف، فاستقبله خالد البربري الذي كان معسكراً في الصوافي فقال له: - ماذا دهاك أيها الرجل؟ وما أخرجك على مثل هذا الحال. العمري -في تلعثم: لقد لقد... خالد: تكلم لقد أفقدتني صبري ما وراءك أيها الأحمق؟ العمري: لقد ثار عليّ الطالبيون واستولوا على مسجد الرسول وعلى المدينة. خالد: وماذا فعلت هل حاربتهم هل قتلت منهم أحداً. العمري: لا بل نجوت بنفسي. خالد: ما أجبنك!! ثم التفت إلى الجنود الذين من حوله وصاح فيهم: جهزوا الجند وهيا بنا نحو مسجد رسول الله. ثم أقبل خالد البربري في ستمائة فارس وألف راجل. فدخل المسجد يزبد ويشتم ويتوعد ويقول -قاصداً الحسين: قتلني الله إن لم أقتقلك. وكان قد دخل الحسين رحبة دار القضاء مع أصحابه فأقبل خالد نحوهم شاهراً سيفه يريد الحسين، فلم يفك الحسين حبوة جلسته فاعترضه يحيى بن عبد الله وكان يحيى شديد القوة مجتمع القلب، فتضاربا بالسيوف فتلقى يحيى سيف خالد بالترس فأسرع فيه فأصاب أصبع كفه فضربه يحيى بن عبد الله على رأسه فشق البيضة والعمامة وبلغ السيف إلى أنفه، وخرج الدم من عينيه، ثم برك عليه حتى جمدت أنفاسه. وحملوا على أصحابه فقتلوا منهم ثلاثة عشر فارساً وأخذوا منهم ثلاثين فرساً ثم تفرقت جموع خالد البربري كل منهم يرجو النجاة بنفسه. *** جلس الحسين مع أهل الرأي من أهل بيته وأنصاره ليعد العدة للمعركة وتحدث إليهم قائلاً: - سيا قوم؛ إن موعدنا مع الناس أن نلقاهم في مكة؛ لأن من بايعني لن يدخل المدينة فلا بد أن نخرج إلى مكة. يحيى: ولكن لمن نترك أهلنا في المدينة فأخاف أن نخرج منها فيدخلوها، وأخاف أن يهتكوا الحرم فإن القوم ليسوا أهل دين ولا ورع.. الحسين: لا نخرج منها حتى يقوى جانبنا في المدينة، ثم نولي عليها من يحميها ولكن يجب أن نعد الرواحل، فمع موسم الحج لن نجد من يحملنا إن لم نكتر الجمال من الآن .. ثم قال الحسين: ادعوا لي يوسف مولى آل الحسين. فلما أقبل يوسف قال له الحسين: يا يوسف خذ هذا المال واكتر لنا جمالاً تحملنا وأبقها عندك حتى أطلبها. *** أسرعت الرسل في الوصول إلى الخليفة العباسي في بغداد. وكان موسى الهادي أشد أهله حمقاً ورعونة، فلما بلغه الخبر أقبل لا يلوي على شيء، ولا يكاد يدرك ما يجب أن يفعل. فجعل ينادي فلاناً وفلاناً ويهذي ويسب ويشتم كل من تأخر فيرسل الجيش تلو الجيش والقائد تلو القائد حتى بلغ من أرسل إلى خمسة جيوش. *** وبينما الحسين منشغل بأمر الإعداد كانت مؤامرة تدبر من داخل المدينة، فقد خرج أولياء بني العباس وأصحاب المصالح إلى مبارك التركي الذي كان قد حج في ذلك العام مع جمع كثير من الجنود. فلما علم بما يحدث في المدينة توقف بعيداً عنها كراهة أن يقاتل الحسين بن علي. فنزل عليه أهل المدينة راجين أن يقاتل الحسين. مبارك: ما وراء القوم؟ القوم: إن المدينة بِشرّ حالٍ فقد قوي جانب الحسين بن علي وبايعه بعض الحجيج ممن دخلوا المدينة للزيارة. مبارك: وأين العمري، وخالد البربري؟ القوم: لقد قتل خالد البربري وانهزم العمري ولعله يعلم بوصولك فيقبل إليك. مبارك: فما ترون أن نفعل؟ القوم: لا بد أن تدخل المدينة وتقاتل القوم ونحن لك عون. فجعل مبارك التركي يتملص من دخول المدينة، فقد كره أن يقاتل أهل البيت. مبارك: إن الخليفة لم يأمرني بالقتال وأخاف أن يغضب إن قاتلت القوم. ليس هذا لك بمخرج فقد أرسل الخليفة عدداً من الجيوش وهم في طريقهم إلى هنا، فاخرج معنا كي لا يتمكن الحسين من استقبال الحجيج ليقنعهم بدعوته. فلم يجد مبارك التركي بداً من الخروج للقتال، فقد خاف أن يعلم بنو العباس بتملصه فينزلوا به جام غضبهم. فأقبل مبارك التركي بمن معه في اليوم الثالث من خروج الحسين، فجعل يناوش أتباع الحسين، وجعل حربه معهم سجالاً إلى وقت الزوال. ثم أعلن في الناس أن يكفوا عن القتال، وقال: لا بد من القيلولة فأقبل عليه من معه من أهل المدينة قائلين: - ما بالك يا مبارك لا تقاتل الرجل وتناجزه. مبارك: أنا الأمير هنا واعرف متى أقاتل ومتى أكف .. لا شأن لكم. فقال له القوم: إذاً نناجز القوم غداً. مبارك: إن شاء الله .. وكان قد أضمر في نفسه أن لا يعود إلى قتال الحسين وأهل بيته. فلما حل الظلام أرسل مبارك رجلاً يثق به إلى الحسين بن علي وقال له: - إذهب إلى الحسين بن علي وأبلغه مني السلام، وأبلغه أني أكره ملاقاته وقتاله . فوالله لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أيسر علي من أن أشوكك أو أقطع من رأسك شعره . ولكن لا بد من الإعذار. ليرسل ولو عشرة من أصحابه الليلة ليبيتوا في معسكري، فأتظاهر بالفرار والهزيمة ولك علي الوفاء، عهد الله. انطلق الرسول إلى الحسين وأخبره الخبر، فأسرع إلى إجابة مبارك التركي، وأرسل عشرة من خلص أصحابه، فطرقوا عسكره وجعجعوا به .. فالتمس مبارك دليلاً يوصله إلى ما بين مكه والمدينة وأعطاه مالاً كثيراً . |
رد: قصة استشهاد الإمام الحسين بن علي الفخي (ع)(2)
عليك السلام يا ابا عبدالله
|
رد: قصة استشهاد الإمام الحسين بن علي الفخي (ع)(2)
الفصل الرابع
فتح الحسين بن علي بيت المال في المدينة، فوجد فيه الأموال والكنوز فقسمها في فقراء أهل المدينة ولم يدخر لنفسه منها شيئاً. وأقبل بعض الزوار من أهل العراق ودخلوا على الحسين بن علي. العراقي: يا مولاي .. لقد أرسل الهادي العباسي خمسة جيوش كثيفة العدد والعدة. الحسين: هل عرفت وجهتهم؟ العراقي: نعم يا مولاي، إنهم لا يقصدونك هنا ولكنهم ذاهبون إلى مكة، وقد منعوا الحجاج من دخول المدينة وجعلوا لهم طرقاً بعيدة عن المدينة. الحسين: إذاً نسبقهم إلى مكة، فإني أخاف أن يحصروا الحجيج فلا يمكنوا من أراد الوصول إلينا من هنالك.. ثم نادى على أصحابه قائلاً: - ادعوا إليّ يوسف أن يقبل بما أعده من الجمال والحمير. وانطلق بعض الجنود للبحث عن يوسف وطال الوقت فأرسل الحسين آخرين.. ورجع الجميع فأخبروه أنهم لم يجدوا له أثراً في المدينة، وأن بعض من رآه أخبرهم أنه أخذ المال وهرب. الحسين: إنا لله وإنا إليه راجعون. فعلى أي شيء نحمل الناس؟ فجعل يحث الناس على الخروج معه، ولكن لا يجد ما يحملهم عليه، فجعل يطلب مالاً فما وجد المال إلا بعد أيام. وقبل أن يرحل دعا ديناراً الخزاعي وولاه على المدينة. ثم دخل على أخته فاطمة بنت علي، فجعل يواسيها ويعزيها ويقول: يا أختاه صبراً على البلاء، فلك في أمك خير قدوة. ثم قام يريد أن يودعها. فاطمة: إلى أين يا أخي؟ الحسين: إلى مكة حيث واعدت الناس. فاطمة: وتتركني هنا.؟! الحسين: يا أختاه ليس لك صبر السفر، وإني أخاف عليك الأسر فإن القوم ليسوا أهل دين. فاطمة: لا والله، لا أسأل عنك الركبان بل أخرج معك لينالني ما نالك. فحملها وخرج ومعه زهاء ثلاثمائة، كلهم من أهل العلم والبصائر والزهد والعبادة يقصد مكة. فلما بلغ الحسين وأصحابه منطقة (فخ) الواقعة بين مكة والمدينة إذا بالجيوش العباسية قد احتشدت هناك وحالت بينه وبين الوصول إلى مكة والإتصال بالحجيج فباتوا ليلتهم على مقربة منهم. وهناك في المعسكر كان القادة العباسيون قد اجتمعوا بموسى بن عيسى، والعباس بن محمد، وجعفر ومحمد ابني سليمان بن جعفر المنصور، ومبارك التركي، ومنارة، والحسن الحاجب، والحسين بن يقطين يعدون العدة ويجمعون الجمال ليحملوا الناس عليها. فأرسل موسى بن عيسى إلى رجل جمال يسمى أبو العرجاء الجمال. موسى: كم تملك من الجمال؟ أبو العرجاء: أملك مائة جمل ذكر. موسى: فعلي بها الآن. فأقبل أبو العرجاء بجماله فأمر عيسى بختم أعناقها .. ثم التفت إلى أبي العرجاء وقال له: لا أفقد منها وبرة إلا ضربت عنقك. فلما دنا الليل دعا موسى أبا العرجاء. موسى: يا أبا العرجاء، اذهب إلى معسكر الحسين حتى تراه، ثم عد وأخبرني بما رأيت. ولم يغب أبو العرجاء طويلاً حتى عاد. موسى: ماذا رأيت يا هذا؟ أبو العرجاء: والله ما أظن القوم إلا منصورين. موسى: كيف ذاك يا ابن الفاعلة؟ أبو العرجاء: والله ما رأيت خللاً ولا فللاً ولا رأيت إلا مصلياً أو مبتهلاً أو معداً للسلاح. فضرب موسى بن عيسى يداً على يد وبكى. فجعل أبو العرجاء يقول في نفسه: والله لا يخرج هذا لقتالهم. ثم تكلم موسى بعد طول صمت فقال: - هم والله أكرم عند الله وأحق بما في أيدينا منا، ولكن الملك عقيم، والله لو أن صاحب هذا القبر -يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- نازعنا الملك لضربنا خيشومه بالسيف. فلما ظهر ضوء الفجر نادى على غلام بين يديه طبل، فقال له: اضرب طبلك يا غلام. وأقبل العباس بن محمد على رأس الجيوش العباسية. وتقدم موسى بن عيسى وقدم بين يديه محمد بن سليمان بن جعفر المنصور وقال له: - اسمع يا محمد.. لقد علمت انهزامك وأخيك في العراق لإبراهيم بن عبد الله، فإنما هم أخوالك تداريهم وتبغي لهم ملكاً. فاشتد غضبه وقال: اليوم ترى ما أفعل!! *** فلما أحس الحسين أن القوم لا شك مقاتليه. التفت إلى أصحابه وقام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا إخوتي وإخواني وشيعة أبي ومحبي جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قد تبين لكم ظلم هؤلاء القوم وفسقهم وفجورهم وعداوتهم لله ولرسوله وسيرتهم في أمة محمد، وارتكابهم الشرور، وهتكهم الستور، واستئثارهم بالفيء، وأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف .. دعاهم الشيطان فأجابوه واستصرخهم فتبعوه، يسيرون فيكم بسيرة القياصرة، ويقضون بالهوى ويحكمون بالرشا، يولون السفهاء، ويظاهرون أهل الريب والردى، يقلدون إمرة المسلمين اليهود والنصارى، جبابرة عتاة، يلبسون الحرير، وينكحون الذكور، فكيف لا يغضب أولي النهى، أم كيف يسوغ الطعام لأهل البر والتقوى. قد درسوا الكتاب فأولوه على غير تأويله، وغُنّيَ به على المعازف فحُرف عن تنزيله، فلم يبق من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، فلو أن مؤمناً تقطعت نفسه قطعاً، ما كان ذلك لله رضى بل كان ذلك جديراً عندي، فروحوا بنا إلى الله واصطبروا لله. فوالله إن الراحة منهم ومن المقام معهم في دارهم لراحة، والجهاد عليكم فريضة، فقاتلوهم فإن الله تعالى قد فرض قتالهم وصبِّروا أنفسكم فوالله لو لم أجد غيري لحاكمتهم إلى الله حتى ألحق بسلفي. ثم قام بعده يحيى بن عبد الله يحث الناس على الجهاد. فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي وآله، ثم قال: أبشروا معاشر المسلمين فإنكم أنصار الله وأنصار كتابه وأنصار رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأعوان الحق وخيار أهل الأرض، وعلى ملة الإسلام ومنهاجه الذي اختاره لأنبيائه المرسلين وأوليائه الصابرين. ثم قال: والله ما أعرف على وجه الأرض وعلى ملة الإسلام ومنهاجه الذي اختاره لأنبيائه المرسلين وأوليائه الصابرين، إلا من كان على مثل رأيكم . حالت بينكم وبينهم المعاذير، إما فقير لا يقدر على ما يحتمل به إلينا، فهو يدعو الله في آناء ليله ونهاره، أو غني بعدت داره عنا فلم تدركه دعوتنا، أو محبوس عند الفسقة وقلبه عندنا ممن أرجو أن يكون ممن وفى لله بما اشترى منه. فما تنتظرون عباد الله بجهاد من قد أقبل إلى ذرية نبيكم ليسبوا ذراريهم ويجتاحوا بقيتهم؟! فدمعت عيون القوم وقالوا: سر بنا فوالله لا نرجع أو نقتل دونك. واستعد الجميع لخوض المعركة.. |
رد: قصة استشهاد الإمام الحسين بن علي الفخي (ع)(2)
الفصل الخامس
وفي أرض المعركة وقبل أن يبدأ محمد بن سليمان الهجوم خرج إلى ما بين الصفين ونادى على الحسين بن علي فخرج إليه الحسين بن علي حتى قرب منه. محمد بن سليمان: السلام عليك والله يا خال ما أشخصني إلى هذه البلاد إلا شفقة عليك والظن بك. ورجاء أن يحقن الله دمك. الحسين: ما أعرفني بما تحاول من خديعتي من ديني ودنياي، وكيف لا وأنتم تغرون المرء عن دينه بحيلة يسيره تطمعونه فيها فإذا ركن إليكم قتلتموه.. أليس هذا وصية آبائكم؟ إليك عني. محمد: يا خال لا تفعل، اقبل نصحي ولا تعرض نفسك للهلكة، فإن معي كتاب قد أخذته لك من ابن عمك الخليفة بأمانك وجعل لي أن أعرض عليك كل ما أحببت .. فصر إلى أي بلد من البلدان شئت، وسمِّ ما شئت من الأموال والقطائع والضياع. الحسين: يا ابن الخيزران أتظن أني إنما خرجت في طلب الدنيا التي تعظمونها، أو للرغبة فيها، أو ما تعرضون علي من أموال المسلمين.؟ وليس ذلك كما تظن، إنما خرجت غضباً لله ونصرة لدينه، وطلباً للشهادة وأن يجعل الله مقامي هذا حجة على الأمة، واقتديت في ذلك بأسلافي الماضين المجاهدين، لا حاجة لي في شيء مما عرضت علي، وأنا نافذ فيما خرجت له ماض على بصيرتي حتى ألحق بربي. وهنا أحس محمد بن سليمان بثبات الحسين وإصراره فعاد إلى المعسكر. وتقدم موسى بن عيسى إلى الحسين وأصحابه فثبتوا له وقاتلوا قتالاً شديداً ولم يتزحزحوا رغم كثرة المهاجمين، وكمال عدتهم. فتراجع موسى بن عيسى ومن معه، فتبعهم الحسين وأصحابه، فاستطرد موسى حتى صار أتباع الحسين في بطن الوادي. فسنحت الفرصة لمحمد بن سليمان لينفي عن نفسه التهمة التي رماه بها موسى بن عيسى، فأمر جنده بالهجوم على الحسين وأصحابه فأقبلوا عليهم من خلفهم فتفاجئوا بالقوم، فأصابوا أصحاب الحسين بالقتل والجراح، ولم ينج من أصحاب الحسين أحد. فجعل أصحاب محمد بن سليمان ينادون الحسين ومن معه بالأمان .. فلم يلتفت إليهم الحسين بل جعل يقاتل لا يلوي على شيء. وحمي الوطيس وتفرق الناس عن الحسين وكثرت فيه الجراح. وجعل من حوله من أصحابه يقولون له: أنج بنفسك. الحسين: والله لا أفر ولا أمكنهم من نفسي فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إن لله يبغض العبد يُستأسر إلا من جراح مثخنة)). ولم يبرز للحسين رجل إلا قتله حتى صار جنود العباسيين يتحاشون مبارزته. وهنا تحرك مارد لم يعرف لله حقاً ولا لرسوله حرمة، علج من الأتراك، ربيب الغواني وطالع سوء يقال له حمّاد التركي، وقال لأصحابه: -أروني الحسين فإني لا أعرفه. وأشارت الأصابع لتعلن عن قرب المصُارع: ذاك الحسين.. وهنا حمل اللئيم القوس وصوب سهامه نحو الحسين. ومضت السهام من قوس اللئيم إلى صدر نسل الأنيباء. وتخضبت أرض فخ بالدماء. وأقبل الحسن بن محمد ليرى الحسين صريعاً فشدَّد في قتال القوم، فإذا بنشابة قد سددت إلى عينه. فراح الدم ينزف وهو لا يكف عن القتال. فصاح به محمد بن سليمان قائلاً: يا با ابن الخال اتق الله في نفسك ولك الأمان. الحسن: والله مالكم أمان، ولكني أقبل منكم؟ ثم كسر سيفاً هندياً كان في يده ودخل عليهم. العباس بن محمد -وهو يشير إلى ابنه عبد الله:- قتلك الله إن لم تقتله أبعد كل تلك الجراح تنتظره. موسى بن عيسى: إي والله .. عاجلوه. فحمل عليه عبد الله بن العباس فطعنه، وضرب العباس بن علي عنقه بيده صبراً. وتهاوى آل البيت وشيعتهم في ساحة المعركة بين قتيل وجريح. وآن للتاريخ أن يطوي صفحة مليئة بدماء الأبرياء. فلما جن عليهم الليل انسل من بقي منهم يتخفى بين الحجيج وتفرقت بهم البلاد خوفاً من أن تسفك دماءهم على غير فائدة ولا نصرة لدين الله. وأنشد الدهر على لسان أحد الشعراء: يا عين أبكي بدمع منك منهمر...فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن صرعى بفخ تجر الريح فوقهم...أذيالها وعوادي الدلج والمزن حتى عفت أعظم لو كان شاهدها...محمد غاب عنها ثم لم يهن ماذا يقولون والماضون قبلهم...على العداوة والبغضاء والإحن ماذا يقولون إن قال النبي لهم...ماذا صنعتم بنا في سالف الزمن لا الناس من مضر حاموا ولا دفعوا...ولا ربيعة والأحياء من يمن ياويحهم كيف لم يرعوا لهم حرما...وقد رعى الفيل حق البيت ذا الركن واجتمع قادة المعركة لينظروا حصادهم، فإذا بالرؤوس مقبلة على الرماح، فدعى موسى بن عيسى كل من لم يحضر المعركة من آل علي وجعل ينظر إلى الرؤوس وهي على الأسنة، ثم نظر إلى موسى بن جعفر قائلاً: هذا رأس الحسين بن علي. فقال موسى بن جعفر: نعم .. إنا لله وإنا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً صواماً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله ... فصمت الجميع ولم يجبه أحد بشيء. وجعلت الجند تمر على مكة والمدينة وتطوف البلدان حاملة لرؤوس القوم حتى مر أكثر من مائة رأس ونيف موضوعة في أعلى الرماح في مقدمتها رؤوس آل البيت. وبدأت الجيوش رحيلها لتبشر الخليفة بسفك دم الحسين بن علي الفخي وخلاصه من عدوه. وحملوا معهم الرؤوس والأسرى وعلى رأسهم فاطمة بنت علي العابد-أخت الحسين- بعد أن ودعت أخاها ورأت مصارع أهلها لتكون زينب عصرها.. ولسان حالها يقول: فلأبكين على الحسين...بِعَولةٍ وعلى الحسن وعلى ابن عاتكة الذي...أثووه ليس بذي كفن تُركوا بفخ غدوة...في غير منزلة الوطن كانوا كراماً فانقضوا...لا طائشين ولا جُبَن غسلوا المذلة عنهم...فلهم على الناس المنن قوم كرام سادة...من هم؟ ومن هم؟ ثم من ؟! وخلت المدينة من رجال آل البيت ولم يبق في ديارهم إلا المرأة الثكلى والطفل اليتيم وعادت سحابة الحزن لتمطر الديار بفيض من مآسيها. وليت المأساة تقف هاهنا. فقد أقبل العمري إلى المدينة فأهلك المال وخرب الديار، ثم أحرقها وشرد العيال . وحقٌ للجبناء أن ينالوا من النساء والأطفال إذا غاب حاميها. *** وجعل موسى بن عيسى هو الآخر يتتبع من نجا من أهل البيت (ع). فقد دخل موسى بن عبد الله بن الحسن متخفياً فجعل يتحرش به بعض القوم حتى عُرف.. فأخذه موسى بن عيسى فضربه خمسمائة سوط، فما تأوه من ذلك. موسى بن عيسى: قيدوه واضربوا كعبيه بالمطرقة. فجعل موسى بن عبد الله لا يتأوه ولا يتكلم. فصاح موسى بن عيسى: لم لا تتكلم؟ فقال ابن عبد الله: وإني من القوم الذين يزيدهم...حماساً وبأساً شدة الحدثان فأرسله موسى إلى الخليفة في بغداد، وأرسل معه القاسم بن الحسن بن محمد بن عبد الله، والحسن بن علي (العابد) بن الحسن المثلث أخو الحسين بن علي الفخي. *** وأقبلت طلائع الجيش العباسي إلى بغداد يحملون الرؤوس والأسرى. وأعلنت الأفراح وضربت الطبول. فكان من بين الأسرى: العذافر الصيرفي، وعلي بن سايق السلانقي وآخرون .. وكان من وصل إلى الخليفة موسى المسمى بالهادي أمر بضرب عنقه .. فضربت أعناقهم جميعاً. وجعل بعضهم يحدثه عن فاطمة بنت علي، وعن انهزام مبارك التركي، فقال موسى الهادي: والله لأجعلنه سائساً، أما فاطمة لأن يوافى بها لأطرحنها للسوس ... ولم يكد يكمل توعده حتى أقبل رسل العمري وموسى بن عيسى.. موسى الهادي: ما أخبار المدينة أيها الرسل؟ أحد الرسل: بخير .. كل من فيها يدين بالولاء لكم. موسى الهادي: فما ورائكم؟ أحد الرسل: حملنا إليك بعضاً ممن نصروا الحسين في فتنته. موسى الهادي: عليّ بهم. فأدخل عليه موسى بن عبد الله بن الحسن، والقاسم بن محمد بن عبد الله والحسن بن علي -أخو الحسين بن علي الفخي. موسى الهادي -يخاطب القاسم-: أنت ابن محمد بن عبد الله من تسمونه بالنفس الزكية؟ القاسم: ما سميناه بل سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: ((يقتل رجل من أهل بيتي فتسيل دماؤه إلى أحجار الزيت)) فكان ذاك أبي. موسى الهادي: والله لأقتلنك يا ابن الفاعلة قتلة ما قتلها أحد قبلي أحداً بعدك. فغضب القاسم بن محمد والتفت إلى موسى العباسي بكل جسمه وقال: الزانية هي الصناجة التي اشتريت بأموال المسلمين، أإياي تهدد بالقتل الذي لم يسبقك إليه ظالم؟ فلأصبرن لك صبراً ما صبره أحد قبلي طلباً لمرضاة الله وجميل ثوابه. فثار موسى وأزبد وارتج المجلس، ونادى بأعلى صوته: - عليّ بالمناشير ليعلم ابن الفاعلة أيَّنا يكون أصدق. فأمر فوضعت المناشير على كل عضو في جسده. فجرد اللحم من العظم ونشر وجهه صفحة واحدة، ثم قطعت جميع أعضائه عضواً عضوا وهو صامت لا يتحرك ولا يتأوه. موسى: كيف رأيت يا ابن الفاعلة؟ فالتفت إليه القاسم التفاتة المشفق عليه -ودماؤه تنزف من كل مكان في جسمه- ثم قال: - مسكين لو رأيت ما أرى مِنَ الذي أكرمني الله به في دار المقام، وما أعد لك من العذاب في دار الهوان، لرأيت حسرة دائمة وتثبت النقمة العاجلة... وما كاد القاسم يكمل كلامه حتى خرجت روحه الطاهرة إلى باريها لتنعم بالمقام في ساحات الجنان. ثم التفت موسى الملقلب بالهادي إلى الحسن بن علي بن الحسن المثلث -وكان كفيف البصر- فقال: - وأنت لأقتلنك قتلة ما سبقني بها أحد. الحسن بن علي: اختر لنفسك شرّها. موسى الهادي -وهو يشير إلى بعض جنده: أملأ البيت الفلاني تبنا، وسد جميع أبوابه وضع هذا الأعمى بداخله ودخن عليه ثم أتركه ثلاثاً. ففعلوا ذلك ثم فتحوا الدار بعد ثلاثة أيام فوجدوه حياً يرزق .. فلما علم الخليفة قال: اسجنوه حتى أقتله قتلة يبطل معها سحره. *** وتفنن الخليفة العباسي في تعذيب أهل البيت (ع) وشيعتهم وإنزال الأذى بهم. وسبقه الجميع إلى الملك الديان ينتظرون قدومه ليفصل في أمرهم أسرع الحاكمين.. وأما فاطمة فكانت قد أخذت فوضعت عند زينب بنت سليمان فلم تصل إلى دار الخلافة إلا وقد هلك الخليفة المسمى بالهادي فنجاها الله من شره... فإنه لم يكد ينصرم العام حتى كانت الآكلة قد أصابت جسمه،، فلما أحسن بدنو أجله أراد أن يعهد بالبيعة لأحد أولاده حتى لا تصير الخلافة إلى أخيه هارون .. فأوعزت أمه إلى بعض الجواري بقتله فدخلن عليه وهو نائم فجلسن على صدره حتى مات، {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} |
رد: قصة استشهاد الإمام الحسين بن علي الفخي (ع)(2)
رحم الله الحسين وأنصاره جميعا ولعن الله الظلمة الفساق
وقد قيل أن قاتل الإمام الحسين الفخي عليه السلام كانت موتته موتة دنيئه وقد كان يردد قبل أن يموت : ألا ليت أمي لم تلدني ولم أكن=لقيت حسينا يوم فخ ولا حسن |
رد: قصة استشهاد الإمام الحسين بن علي الفخي (ع)(2)
أشكرك على المرور و الإضافة الجميلة
|
رد: قصة استشهاد الإمام الحسين بن علي الفخي (ع)(2)
بارك الله فيك وجعلنا من أتباعهم ...
اللهم آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآمين... |
| الساعة الآن 12:51 AM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Trans
ضاوي الغنامي تواصل::dawi ® طيور الامل © 1,0
new notificatio by 9adq_ala7sas
Developed By Marco Mamdouh
e3laN by kashkol